إلى أين يسير المغرب ؟

1) تخترق منطقتنا الجغرافية عدة حركات ثورية. وتفتح هذه الحركات إمكانية حدوث تحوّلات تاريخية من نوع جديد. ولا يستطيع أحد أن يتنبّأ بنتائجها على المدى المتوسط​​. تناضل الشعوب، وتبحث عن السبيل لتنظيم هجومها، بهدف القضاء على النظام القائم، وعلى الدكتاتورية. وستستمر هذه الظواهر الثورية، على المدى الطويل، وذلك بغض النظر عن فترات تقدّمها أو تراجعها. وخلال الفترة المقبلة، سوف تستمرّ عدة ظواهر، منها عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتنامي التناقضات الاجتماعية، وتصاعد نضالات شعبية جماهيرية، وبروز أجيال سياسية جديدة، والرفض الواضح للأنظمة الاستبدادية. وبعيدا عن الخصوصيات الوطنية، فإن مُجمل السيرورات ستكون موشومة من طرف السياق العام لأزمة الرأسمالية العالمية، كما ستكون موشومة بِنَفَاذ شرعية الأنظمة الاستبدادية القديمة. ولهذا السبب، ستنتج عن تلك السيرورات حركة ديناميكية تمتزج فيها ثورات ديمقراطية بثورات اجتماعية. لكن هدف تحقيق الديمقراطية، أو الثورة السياسية، يبدو بأنه هو الهدف المركزي لتعبئة الجماهير، حيث أن شعارها هو “الشعب يريد إسقاط النظام”.

2) ليس المغرب استثناءا. وقد أدت ثلاثة عقود من سياسات التقويم الهيكلي، ومن الإدماج الوثيق في إطار متطلبات العولمة الرأسمالية، أدّت إلى تدهور كبير في ظروف العمل، وفي الحياة، ليس فقط لأغلبية الشعب، ولكن أيضا لقطاعات من الطبقات المتوسطة. والعنف الاجتماعي واضح على جميع المستويات. وقد شهدت مؤشرات الفقر تزايدا خلال هذا العقد الأخير. ورغم ذلك، فإن جدول أعمال السلطة السياسية يَتضَمّن هجومات مُتصاعدة، نوعية، ومُبرمجة، على مصالح الجماهير الشعبية. وسوف تُطبق خلال الأشهر والسنوات المقبلة. وذلك لأربعة أسباب رئيسية، وهي:

– التطبيق الكامل والشامل لاتفاقيات التجارة الحرة، وقد تمّ الانتهاء من الفترة الانتقالية للتحول التدريجي، وسيحدث هذا التطبيق بتكلفة اجتماعية لم يسبق لها مثيل.

– وسَتَتَبَلْوَر عناصر أزمة مالية للدولة، وذلك تحت تأثير تناقص إيرادات الدولة (عبر انخفاض حاد في ضرائب الجمارك، وفي إيرادات المغاربة العاملين بالخارج RME، واختلاس الأموال العامة، واستنزاف الأموال الناتجة عن الخصخصة، وعن الإعفاءات الضريبية، وعن التهرب من الضرائب …)، وكذلك تحت تأثير ارتفاع نفقات الدولة (وخاصة فيما يتعلق بفواتير الطاقة، والغذاء، والمستلزمات العسكرية، وسداد الديون العمومية). وستزيد مساعدات الاتحاد الأوروبي، و بشكل أهم مساعدات صندوق النقد الدولي (التي منحت مؤخرا قرضا بمبلغ أكثر من 7 مليار دولار) في رفع مستوى الديون، وكذلك في رفع حدّة الأوامر الدّاعية إلى التّكيّف مع الليبرالية المُتوحّشة.

– وتخضع التوقعات الاقتصادية، نظرا لأشكال التبعية، لأثر هائل لركود مزمن في الاقتصاد الأوروبي، وذلك بالرغم من إمكانية حدوث عمليات ظرفية. وهكذا أمكن أن نلاحظ تراجعا حادّا في ‘الاستثمارات الأجنبية المُباشرة’ (IDE)، حيث انخفضت بنسبة 35٪ في عام 2011. وتفاقم العجز التجاري بنسبة 28٪ خلال نفس الفترة. ويضطرّ المغرب، خلال سنتي 2012 و2013، إلى استيراد كمية من القمح، ستكون هي الأكبر منذ نصف قرن. وستكون مرتفعة ب 5 مليون طن (MT) حسب تقرير أصدرته وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) فى 20 مارس. فكل شيء يشير إلى تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية. ونمط التنمية الاقتصادية المُتّبع يزيد هو نفسه في تعميق حدة هذه الظاهرة.

– وتلك العوامل، المرتبطة  بنمط التنمية الرأسمالية، تتفاعل مع البنية الخاصة للطبقات السائدة، والتي يُؤدي فيها منطق الاستحواذ ألرّيعي إلى زيادة في تركيز غير متكافئ للثروة، كما يُؤدّي إلى سلب مُتوسّع للموارد العامة، بهدف تحقيق تراكم الثروة الخاصة.

3) وبدورها، فإن الأزمة السياسية كامنة. وديمقراطية الواجهة لم تعد تلعب دور مُمتص صدمات التناقضات الاجتماعية والسياسية. وتوجد فجوة بين التطلعات الاجتماعية والديمقراطية من جهة، ومن جهة أخرى واقع المؤسسات والطبقة السياسية. فتظهر المؤسسات للمواطنين، أجنبية، فاسدة، تعسفية، وفي خدمة أقوياء رجال الأعمال .. ورغم مواقفها ‘الشعبوية’ المزعومة، بدأت بالفعل سمعة حكومة ‘حزب العدالة والتنمية’  تعرف تشوّها بسبب استمرار تنفيذ سياساتها، وبسبب دعمها للتحوّل القمعي. ومع ذلك، تعتمد السلطة على تلك الحكومة لفرض نظام أخلاقي رجعي، يهدف لمواجهة الصحوة الاجتماعية والديمقراطية. ولكن أبعد من ذلك، فإن العامل الحقيقي للأزمة السياسية يكمن في عجز السلطة المركزية على إجراء إصلاحات من فوق، تُوفّر ولو انفتاحا جزئيا. ولم يسبق لسلطة النظام الملكي أن كانت أوسع مِمّا هي عليه اليوم. لكنها عاجزة أكثر فأكثر على أن تستند على وُسطاء موثوق فيهم لترسيخ شرعيتها : الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والجمعيات، كلها تعرضت لقدر كبير من التدجين والتحييد. لم نعد في المرحلة التي كانت فيها جدلية ‘القصر / الحركة الوطنية’ تزرع وهم وجود معارضة قادرة على تجسيد قدر كبير أو صغير من التغيير. ولم نعد أيضا في بداية العهد الجديد للملك محمد السادس الذي كان يسعى فيه إلى تنمية صورة قطيعة مع عهد الملك الحسن الثاني. و”الانتقال الديمقراطي” لم ينتقل إلى أي شيء، وإنما انتقل إلى تكريس الحكم المطلق، كما أكده الإصلاح الدستوري الأخير. وتشير أزمة ‘ديمقراطية الواجهة’ أيضا إلى تطور السلطة، وإلى تطور الطبقة الحاكمة. حيث نمى بشكل لم يسبق له مثيل إنصهار السلطة الاقتصادية بالسلطة السياسية، وتوطّدت وتوسعت هيمنة النظام الملكي في المجال الاقتصادي، وفقدت الأحزاب ماهيتها. كل هذه العناصر تميل إلى وضع الملك في مقدمة الساحة السياسية، وبدون أي ستار أو حيلة.

4) وردّا على تفاقم الأزمة الاجتماعية والسياسية، تعمل السلطة على نهج سياسة قمعية مُعمّمة. وهذا التحول القمعي ليس ظرفيا. وتُعلن السلطة بوضوح حربا مفتوحة ضد الطبقات الشعبية، وتُجَرّم بشكل مُمنهج حركات المقاومة الاجتماعية أو الديمقراطية، وتُطارد كلّ من لا يحترم “الخطوط الحمراء”. ويعكس جزئيا هذا التحوّل القمعي حيرة السلطة, حيث فقدت ‘ديمقراطية الواجهة’ فعاليتها، وكذلك أدوات “الحوار الاجتماعي”. ويعكس عجز السلطة العضوي على الإجابة، ولو جزئيا، لتلبية المطالب الاجتماعية والشعبية، وذلك في سياق تتعمّق فيه أزمة اقتصادية, و تضع ضمن جدول الأعمال موجة جديدة من التقشف المُضاد للشعب، كما يشهد على ذلك ارتفاع أسعار الوقود، وأسعار المواد الغذائية، وحذف مجانية التعليم العمومي، وتقلّص حقوق التقاعد، والتراجع عن التنازلات الاجتماعية القليلة التي سبق أن أُعْلِن عنها في ابريل نيسان الماضي، والتهييء للتراجع عن صندوق المقاصة، وتجميد الأجور. وحينما اختارت السلطة الرّد القمعي، الهادف إلى استعادة “سلطة الدولة”، فإن اختيارها هذا ليس رد فعل ظرفي من الذعر الذي أصابها خوفا من خطر اندلاع حريق عام. بل هو استراتيجية سياسية عامة ودائمة، تهدف إلى إجهاض أية إمكانية لظهور تعبئة جماهيرية، في سياق تعميق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويهدف إلى منع الاختراق الذي فتحته ‘حركة 20 فبراير’ من أن ينضج في أعماق المجتمع، ومن أن ينتعش بطرق أخرى، مع محتويات جماهيرية أخرى قد تكون أكثر راديكالية. لم يعد لدى السلطة ما تقدمه غير العصا، والإفلات من العقاب لفائدة الجيش، ومهرج يتحرك في جميع الاتجاهات لإضفاء الشرعية على قمع مُضاد للشعب. وتعلم السلطة الآن أن الجمر مُشتعل ومُتوهج، بالرغم من الاستقرار الظاهر، وبالرغم من ذلك الإيمان بما يُسمّى ‘الاستثناء المغربي’ المزعوم.

5) ومما لا شك فيه، سيكون هناك “ما قبل” و “ما بعد” ‘حركة 20 فبراير’. وكان لهذه الحركة طابع تقدمي موضوعي، لأنها طرحت مطالب اجتماعية وديمقراطية، ولأن هذه المطالب تتناقض مع البنية الاستبدادية للسلطة، ومع منطقها ألافتراسي في الاقتصادي، وذلك على حساب أية عدالة اجتماعية. وكانت تقدمية أيضا لأنها أعادت الاعتبار إلى الكفاح الجماعي المعتمد على تعبئة الشعب، وعلى بناء ميزان قوى، وليس على استراتيجيات حزبية وانتخابية. وكانت أيضا تقدمية لأنها أكّدت أن الشعب هو الفاعل الشرعي الوحيد المُؤهّل لتحديد مستقبله. وقد أثبتت التعبئة خلال السنة الماضية وجود إمكانية واسعة للنضال، وتعطش للتغيير، الشيء الذي أثّر على المجتمع بأسره. وهذه العوامل الايجابية لن تختفي، ولكنها تُشكّل تجربة مؤسّسة لجيل جديد بكامله.

6) ورغم ذلك، لم تكن ‘حركة 20 فبراير’ عنصرا مُحفّزا لنضال ثوري يشمل معظم الطبقات الشعبية. واستطاع الخصم تدبير المعارضة السياسية، وتلافى تنامي نضال سياسي جماهيري جذري، سواءا على مستوى المطالب، أم على مستوى أشكال النضال. وتجنّب على الخصوص القمع الشامل، أو المواجهة الشاملة. ولكن أبعد من ذلك، يجب علينا أن نساءل استراتيجية القوى المنظمة، الموجودة في الحركة، (باستثناء التيارات الثورية التي هي أقلية)، والتي كانت لا تسعى إلى تنمية مواجهة اجتماعية وسياسية شاملة، كما يجب أن نسائلها عن ضعف التنظيم الذاتي، وعن غياب هيكلة وطنية خاصة بالحركة. ويجب أن نتساءل عن مدى صعوبة تحول الحركة إلى مُحرك سياسي للتعبئة وللقضايا الاجتماعية، وإلى فضاء حقيقي للتقارب فيما بين النضالات. وفي الواقع، فضحت ‘حركة 20 فبراير’ ضعف الأحزاب والمنظمات الجماهيرية، وفضحت كذلك غياب إطارات النضال المتجذرة في الأحياء. وكشفت أيضا الملامح السياسية الفعلية للتيارات المناضلة وتناقضاتها. ولكن، وهذا هو المهم، لم تكن هناك هزيمة كبيرة. الحركة تضعف نظرا لغياب رؤى مستقبلية، ويمكن أن تعرف تراجعا، أو دمقرطة داخل بعض القطاعات. لكن الطاقات والغضب يبقيان كاملين. الشباب الذي استيقظ، مثلما فئات الطبقات الشعبية التي تعبّأت، يمكنها أن تعود بسرعة إلى  سبيل النضال. وتحدث بعض التقاطعات هنا أو هناك، مع حشد العاطلين عن العمل، حول النضال ضد ارتفاع فواتير المياه والكهرباء، وضد الارتفاع الحالي في الأسعار، وضد تدمير المنازل، أو حول قضية الاعتقال السياسي. وهذه التقاطعات تشير، رغم طابعها المحلي، إلى أن حركات ديناميكية تبقى ممكنة.

7) العنصر الآخر المركزي في الوضعية الحالية يكمن في تمديد التعبئة الاجتماعية على جبهات عديدة. هذه التعبئة تظهر مُعطيات أساسية : وهي قضايا العمل، والسكن، وتكاليف المعيشة، وتخدم كلها في عمق الصراع الطبقي. ويكتسب توسع هذه النضالات جذورا هي أقدم من ‘حركة 20 فبراير’، لكنها تضخمت منذ ذلك الحين. في السياق الحالي، هذه الديناميكية تبقى محلية، بسبب استراتيجية السلطة، ولكن أيضا لأنه لا توجد قوة أو حركة قادرة اليوم على إعطاء بعد وطني لهذه التعبئة. وتناضل هذه القطاعات في الواقع بدون تنظيم، ولو أن بعض المناضلين يساهمون بقوة، وهم مُستهدفين من طرف القمع. وتعكس هذه النضالات المناخ الجديد للمقاومة، والذي لا يعني فقط المدن الصغيرة أو المهمشة. إنها تسلط الضوء على ميزة خاصة لتلك الفترة: أي التناقض بين منطق تراكم رأس المال على الصعيد العالمي، المُتَضَخّم من قبل نظام الافتراس المحلي، وتلبية الحاجيات والحقوق الأساسية للسكان. فلا يتغذى الصراع الطبقي فقط من الاستغلال المُكثف للعمال، ولا ينحصر فقط في التعارض بين الرأسمال والعمل. والظروف المعيشية، وظروف إعادة إنتاج قوة العمل بالمعنى الواسع، وكل سياسات التهميش، والتفقير، تجعل من قضايا الحياة اليومية الملموسة ميدانا رئيسيا للتناقض الاجتماعي والسياسي. إنها تُبرز إمكانية قيام تحالف شعبي، يجمع بين النساء، والشباب، والطلاب، والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الشعبية، في إطار نضال مشترك. وتفاقم الأزمة يغذي ويوسع جبهات النضال. وقد بدأت السلطة تفقد السيطرة على السلم الاجتماعي في البوادي. والعنصر الأساسي في السنوات الأخيرة هو توسع النضالات الريفية، سواءا إتخذت شكل نضالات العاملات في المزارع (والتي تقدمت نسبة انخراطهن في النقابات)، أم شكل نضالات السكان ضد مصادرة أراضيهم أو مواردهم،  أم شكل نضالات في المدن الصغيرة أو متوسطة الحجم (والتي تحتفظ بارتباطها بالبادية). وهذا مُعطى جديد يضع حدّا للصمت الطويل في البوادي.

8) في هذا المناخ الاجتماعي، شكّل الانخراط في النقابات الحلقة الضعيفة في مجال الاحتجاجات الشعبية. وقد لعبت دورا سلبيا كل من وطأة الهزائم، والانقسامات، وعدم وجود صراع طبقي واضح على امتداد فترة طويلة من الكفاح، ومُقاومة البيروقراطية. ومع ذلك، هناك شيئان مهمان يجب أن نتذكرهما. خلقت ‘حركة 20 فبراير’ الظروف العامة المُلائمة لإحياء الأعمال المطلبية، وغرست، بفضل حالتها الذهنية، حيويّة أكبر في النضالات النقابية المُجزّأة، كما طرحت ‘حركة 20 فبراير’ وسط فرق المناضلين مسألة العلاقة بين الكفاح النقابي والكفاح من أجل الديمقراطية. وقد ضعت مختلف الأنشطة المُعارِضة الأجهزة البيروقراطية في حالة دفاعية. وتشهد الأزمة الحالية في نقابة ‘الاتحاد المغربي للشغل’ (UMT ) على التناقضات في الوضع الحالي: تختار قيادة هذه النقابة القطيعة مع اليسار، وليس من قبيل الصدفة أن يحدث هذا اليوم. وبيّنت مقاومة اليسار أيضا أن القاعدة العريضة من المُنقّبين تبحث عن منهج نقابي فعّال، مناضل، وخال من الفساد، ومن التبعية للدولة، حتى ولو لم تكن مسألة الاستراتيجية النقابية (التي تُمكّن من بلورة هذا الهدف) مُعالجة. وسيكون مستقبل الحركة النقابية، خلال الفترة المقبلة، سيكون قضية مركزية، وذلك لإعطاء مضمون اجتماعي وطبقي، إلى الاحتجاج شعبي، وإلى المطالب الديمقراطية.

9) تميل عوامل الأزمة إلى التّجمع دون التوصل حتى الآن إلى بلورة عدم الاستقرار على نطاق واسع، أو بلورة سيرورة انتفاضة شعبية. يبقى أن عملية نزع الشرعية عن النظام الملكي قد بدأت. وقد بدأت تُعْرف مسؤولية النظام عن الافتراس الاقتصادي، وعن الفساد، وعن إتساع امتيازاته (ويشهد على ذلك نجاح كتاب “الملك المفترس”)، كما بدأ يُعْرف طابعه الاستبدادي. وهذا يُشكّل خطوة هامة، الشيء الذي ساعد قطاعات جديدة على الوعي باستحالة تحقيق الديمقراطية عبر إصلاحات بسيطة دون تقويض أسس النظام الملكي : ومن بين هذه الأسس نظام إمارة المؤمنين، والقداسة، وموقعه كصاحب شركات رأسمالي، وثقله المركزي في الدستور، إلى آخره. وهذا الوعي يمكن أن يمتدّ من إصلاحية مُنْسجمة مع نفسها، إلى المُطالبة الحازمة بسقوط النظام، وهذا الوعي يمتزج مع تجربة قطاعات واسعة من الجماهير التي تصطدم مباشرة مع أجهزة الدولة خلال نضالاتها اليومية. وتظهر حكومة ‘حزب العدالة والتنمية’ كأنها آخر خرطوشة يطلقها النظام. حيث وصلت ديمقراطية الواجهة إلى آخر حدودها، بعد فشل ‘حزب الأصالة والمعاصرة’ (PAM)، وبعد مجيء ‘حزب العدالة والتنمية’. وعلى صعيد آخر، فإن الشيء الذي يحرك المجتمع الآن بشكل عميق، والذي هو إطار المنازعات، هو بالضبط المسألة الاجتماعية، وتطلعات الجماهير إلى المساواة، والكرامة، و العدالة الاجتماعية، دون أن تمنح هذه الجماهير أية ثقة للأحزاب التابعة للدولة.

10) وفي هذه المرحلة من التحليل، يمكننا أن نلاحظ العناصر التالية :

– إن حجم الأزمة، ومِلْحَاحية الحاجيات الاجتماعية، تفجّر المطالب الاجتماعية. لكن التعبئة تبقى مُجزّأة وجزئية. وتأخذ نموا خاصا في المناطق المُهمشة، أي في “المغرب غير النافع”، بينما في المدن الكبيرة، لا توجد حركات اجتماعية ذات أهمية كبيرة، ولو أن تعبئة قوية ومتكررة توجد داخلها.

– هذه النضالات هي مُكافحة، وتضطلع بجزء كبير من المواجهة مع السلطة، ومع الجهاز الحكومي القمعي.

وهذه الصراعات تشكل علامة على دخول قطاعات جديدة من المجتمع في النضال، ويشارك فيها جيل جديد، لا يتوفر على تقاليد تنظيمية، أو على خبرات سابقة.

– هذه الدينامكية لا تُترجم، إلى مستوى كبير، إلى تعزيز التنظيمات الجماهيرية والسياسية، أو إلى تشكيل منظمات نضالية جديدة. بل إنها كانت تحدث خارج، أو بشكل مستقل عن، الأحزاب الموجودة، ولو أن بعضا من مناضليها يشاركون فيها، أو أن هذه الأحزاب تقدم بعض الدعم.

لكن رغم هذه الحدود، فقد أظهرت ‘حركة 20 فبراير’ إمكانية بناء حركة سياسية جماهيرية، مهيكلة على الصعيد الوطني، وأن النضالات الشعبية لا تعرف هوادة.

– و يُسَرّع تفاقم الأزمة “الحلقات الضعيفة” في النظام السياسي، وتصبح إمكانيات انفجار حركة شعبية موجودة في الوضع الحالي. الشيء الذي فتح فضاء لتسييس الجماهير في قطاعات جديدة.

– وينعكس مركز الثقل في القضية الديمقراطية، أولا في واقع القمع الذي تمارسه الدولة، وفي جميع أشكاله، والذي يرافق حركة الاحتجاج، ويعطي بعدا سياسيا مباشرا إلى النضال من أجل الحق في التنظيم، وفي التعبير، وفي التظاهر.

10) وقد حدث توضيح سياسي في قلب الموجة الأولى من الحركات الاجتماعية، والشعبية، والديمقراطية.

– لنترك جانبا الأحزاب التابعة للنظام، على الأقل لملاحظة أن ‘أحزاب اليسار الحكومي’ شَهَدوا، مرة أخرى، على درجة خضوعهم للسلطة السياسية، وعلى تكاملهم معها، وأن المعارضة الإسلامية المزعومة (حزب العدالة والتنمية) لا تفعل شيئا آخر سوى ما تمليه عليها طبقة المُفترسين الاقتصاديين، بمجرد ما تدخل إلى الحكومة.

– و تظهر التيارات الإصلاحية في ما يسمى “التحالف من أجل ملكية برلمانية” كما هي في الواقع : أي تنظيمات سياسية ترجع إلى “الشارع” تحت ضغط من الحركات الجماهيرية، لكنها تخاف من الحركة الديناميكية التي يُحتمل أن تسير فيها تلك الحركات الجماهيرية. وهي تنظيمات عاجزة على تصور حتى انفتاح أزمة سياسية، أو إعادة النظر في أسس النظام السياسي. وترفض هذه التنظيمات أن ترى أن النظام السياسي عاجز على إصلاح نفسه. وفي الحقيقة، فقد وَقَّعت هذه التنظيمات ‘الإصلاحية دون إصلاحات’ على شهادة وفاتها السياسية، وخسرت الموعد التاريخي الأول مع النضال الجماهيري من أجل الديمقراطية. ليس لأن هذه التنظيمات لم تُساند تعبئة الجماهير، ولكن لأنها اكتفت بالضبط بالمُساندة، عبر تحديد شرط مُسبق يتجلّى في الظروف السياسية لهذه المُساندة، ودون أن تقترح سياسة لتوسيع موازين القوى. الجدوى من وجود أي حزب لا تكمن في ما يقوله عن نفسه، أو في ما يدعي أنه يريد فعله، ولكنه يكمن في ما يفعله، وفي الطريقة التي يُثبت من خلالها فائدته العملية، وذلك من أجل تحقيق انتصارات معنوية، وسياسية، وملموسة، حتى ولو كانت جزئية. ويجب أن نلاحظ أن “القديم” يعود من جديد، وبقوة. وتَتّجه من جديد استراتيجية التنظيمات “الإصلاحية” نحو النقاش حول تشكيل حزب يساري كبير مع ‘حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية’ (USFP)، ومع ‘حزب التقدم والاشتراكية’ (PPS). فماذا تعلموه إذن من هذا العام الماضي؟

– أما عن ‘جماعة العدل والإحسان’، فقد إتّضَح جليّا أن هذه الحركة اكتسبت قاعدة جماهيرية حقيقية، وأنها تتوفّر على تجذّر أكبر بالمقارنة مع مجمل قوى اليسار مجتمعة. لكن هذه الحركة تُواجه تناقضات قوية : تناقض بين انضباطها ومركزيتها الفائقة من جهة أولى، ومن جهة ثانية طبيعتها اللامركزية واللامُتجانسة. وتناقض بين الطبيعة الاجتماعية والديمقراطية لمطالبها من جهة، ومن جهة أخرى الطبيعة الدينية لتوجهها السياسي. وتناقض بين جماهيرية أو شعبية قاعدتها التنظيمية من جهة، ومن جهة أخرى الطبيعة البرجوازية (أو البرجوازية الصغيرة) لقيادتها. ويبدو أيضا أن اختيار هذه الجماعة لتكتيك الاختلاط و “التّوَحُّد” مع قوى سياسية أخرى ظلّ صعبا على المدى الطويل، وعلى الخصوص، وهذا هو العنصر الرئيسي، وعلى عكس ما حكاه لنا البعض، هذه الجماعة غير قادرة على أن تضطلع بمواجهة شاملة مع السلطة السياسية، وهدف هذه الجماعة ليس هو إسقاط النظام. وهذا لا يمنع هذه الجماعة من أن تكون بديلا ممكنا لأزمة النظام، وذلك إذا لم تبرز حركة شعبية، وديمقراطية، وعلى أسس طبقية.

– وقد أبان اليسار الراديكالي عن ضعفه الحقيقي على عدة مستويات :

– فلا يتوفّر اليسار على برنامج يربط بين النضالات الملموسة و اليومية من جهة، ومن جهة أخرى مسألة الاستيلاء على السلطة، ولكن اليسار يكتفي بمُراكمة الشعارات الواحد فوق الآخر.

– لا يتوفر اليسار على أي تطوير لمسألة الاستيلاء على السلطة، وهذا يعني، كيف يمكن أن تنشأ ظروف أزمة هيمنة الدولة، وإمكانية تأسيس الجماهير لأجهزتها الخاصة لممارسة السلطة . وبعبارة أخرى، ما هي أنواع النضالات والتنظيمات التي هي ضرورية لقلب ميزان القوى، وللبرهنة على إمكانية وجود سلطة شعبية. ومسألة الربط الاستراتيجي بين الإضراب الجماهيري، والإضراب العام، واحتلال الفضاء العام، والعصيان المدني الشامل، هذه القضايا بقيت غائبة تقريبا.

– ويجد اليسار صعوبة كبيرة حينما يحتاج إلى تجاوز مفاهيم العمل الجماهيري الموروثة عن الفترة السابقة، وحينما يريد قيادة النضال عبر استعمال أشكال من التنظيم الذاتي الديمقراطي، حيث أن هذه الأشكال هي التي تعطي قاعدة جماهيرية للاحتجاجات. كما أن اليسار لم يُعمّق مسألة التجذّر في القوى الاجتماعية الأساسية، حيث أن هذه القوى هي التي لا زالت خارج المنظمات الجماهيرية، أو أنها لا تعترف بها. نفس الشيء بالنسبة لأشكال تدخّل الجماهير من أجل بناء تنظيماتها المكافحة، والمُوحّدة، وانطلاقا من همومها الخاصة في الصراع العام. هذه القضايا تبقى غير معالجة من طرف اليسار، كما يتّضح ذلك من خلال نتائج مشاركة الحركات الاجتماعية في ‘حركة 20 فبراير’.

– إن مسألة تقارب النضالات، وبشكل أوسع، سبل تجاوز الخلافات الداخلية للطبقات الشعبية، سواءا على مستوى المطالب أم على مستوى أشكال النضال، بقي تهيئها ضعيفا. والنتيجة الفعلية هي عدم القدرة العملية على تشكيل جبهة اجتماعية للنضال، تكون قادرة على تأمين التقدم نحو التقارب في التعبئة، والتضامن الملموس للمضطهدين في معارك مشتركة اجتماعية وسياسية.

– لقد بقي الصراع الأيديولوجي ثانويا، جزئيا، ودفاعيا. والسؤال المتعلّق بمبرر نضالنا، وبمشروعنا للمجتمع، وبالديمقراطية الشعبية، هذه الأسئلة بقيت شبه غائبة. نفس الشيء فيما يخص كيفية إجراء صراع سياسسي، أو إيديولوجي، حول مسألة توزيع الثروات، وحول حقوق المِلْكِية. ومع ذلك، فإن التحدي هو توفير محتوى تقدمي لمسألة العدالة الاجتماعية، والحرية، والكرامة، والمساواة. وأثناء مواجهة الاستبداد، لا يقبل أن نكتفي بالكلام عن دستور ديمقراطي، أو بِقَوْل أن الشعب يريد سقوط النظام.

– ومسألة توحيد القوى الراديكالية لا تدخل في أي جدول أعمال. على عكس ذلك، تُشحذ الفروقات، بينما كان ينبغي أن تكون حركة النضالات الصاعدة داعمة لوحدة العمل، على الأقل جزئيا، وللتضامن المشترك على الرغم من الاختلافات.

– وإذا كانت الحاجة إلى خلق الجديد، والتجديد، وإعادة التأسيس، محسوس بها في بعض الأحيان، فإنها تبقى ثانوية في تفكير وفي ممارسة اليسار الجذري، وتصطدم باشتغال محافظ. هناك مثالان: يصل شباب ‘حركة 20 فبراير’ إلى النضال السياسي على أساس مراجع عملية، وأخلاقية، وواقعية، دون أن يعطي شيكا على بياض لأية منظمة، ودون أن يعترف بالتقاليد السياسية أو الأيديولوجية لليسار الراديكالي. ولا يمكن جلب الشباب إلى تملك مشروع تحرر ثوري على أساس الدفاع عن الماركسية في أي شكل من أشكالها، أو على أساس دعاية بيداغوجية. فلا يقبل هؤلاء الشباب الأشكال التنظيمية للأحزاب، حيث تظهر هرمية جدّا، ولا يمكن السيطرة عليها، وتشبه أحيانا الإدارات. مثال آخر: وفيما يخص مكانة المرأة، نجد أن المنظمات الجذرية تبقى ذكورة، سوءا على مستوى الهيئات أم على مستوى الممارسة، حيث يظهر التفاوت بين الخطاب والممارسة. وهذه الفوارق هي التي تستهلك أو تقوض مصداقية اليسار الراديكالي.

– ويمكننا أن نضيف الكثير من النقاط، وإذا ما بدت هذه الانتقادات قاسية، فذلك لأننا نتعرّف على أنفسنا داخل عائلتنا السياسية، وفي نضالاتها، وفي تطلعاتها، ويبدو لنا أنه من العاجل أن نتجاوز حدودنا. التحليل المتقدم في الجزء الأول يؤدي إلى خلاصة سياسية: يمكن أن تعرف الوضعية تسارعا خلال الأشهر والسنوات المقبلة، أو انتفاضة شعبية، الشيء الذي يجب أن يوجه المهام الملموسة في النضال السياسي. وتتطلب التناقضات الاجتماعية والسياسية أجوبة هجومية وشمولية كأختيارات بديلة. ومن هناك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نوفّر شروط بناء حزب مُضاد للرأسمالية، يكون ديمقراطيا راديكاليا، مُعتنيا بالطبقات المضطهدة، وبالأجيال الجديدة، بدلا من الأجهزة القديمة المتأزمة. يسار مُكافح، يؤثر على سيرورات النضالات، ويجسد قيادة بديلة، حتى ولو كانت جزئية، يسار يُبنى كمعارضة حازمة، تتهيّأ للمواجهة الشاملة.

لطفي شوقي

المصدر : مُدونة “من أجل بديل ثوري”.

https://badiltawri.wordpress.com/2012/08/12/ou-va-le-maroc/

Traduction faite par Nouda. abderrahaman :

nouda.abderrahman@gmail.com

http://LivresChauds.Wordpress.Com

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s