إسبانيا: أشكال نضال جديد من أجل القضاء على الرأسمالية

إن الأزمة الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسية و البيئية التي تعيشها شعوب الدولة الاسبانية لا سابق لها في تاريخ البلد الحديث. قبل بداية الأزمة في العام 2008، كانت الحكومات الاسبانية المتعاقبة تعول على دخول الدائرة الضيقة للبلدان العشرة الأغنى في العالم. اليوم، يتبوأ هذا البلد مكانة مرموقة عالميا من حيث البطالة الكثيفة (أكثر من 25%) و التفاوتات الاجتماعية ( تأتي اسبانيا في المرتبة الرابعة بين دول أوربا السبعة و العشرين). و يتجاوز معدل البطالة الرسمي 30% في الأندلس و ايستريمادور و جزر كناريا. ومن جهة أخرى بلغت بطالة الشباب عتبة 50% . مرة أخرى يقوم جيل بكامله بحزم حقائبه للهجرة إلى الخارج: الأرجنتين ، انجولا و ألمانيا…

هذا رغم ان القطاع البنكي الخاص حصل على مساعدات عديدة (141000 مليون يورو حتى شهر ديسمبر 2011)، فيما كانت سياسات تكييف جديدة مفروضة. و طبعا لا تمس سياسة التقشف هذه سوى التعليم العمومي و الصحة و التعويض عن البطالة، الخ. أما ميزانية الدفاع فقد ارتفعت في السنة الجارية بزهاء 25% و جرت إعادة تحديد مهمة الجيش: فالعدو لم يعد خارج الحدود بل داخلها. و يتعين الاستعداد لقمع ميول هذه الشعوب التي ترفض الخضوع لاملاءات الأسواق و الثالوث و التي تتطلع بكل مشروعية إلى تقرير المصير ( و تمثل المظاهرة الجماهيرية من اجل الاستقلال بكاتالونيا يوم 11 سبتمبر الأخير إشارة قوية). سنشهد أزمة في بنية الدولة: الدستور الاسباني و نموذج الحكم الذاتي للمناطق مشرفان على الانهيار. و يجب أن يولد شكل جديد لتنظيم الدولة في سياق سياسي و اقتصادي مطبوع بالأزمة مع فقد الملكية للمصداقية على نحو كبير.

ينهج الحزب الشعبي (يمين) سياسة هجومية شرسة ضد المكاسب الاجتماعية الضئيلة . وقد جرى تغيير قانون العمل محولا الشغيلة إلى أقنان القرون الوسطى. و زيد في ساعات عمل المدرسين و قلصت رواتبهم و تغير قانون الموظفين ، الخ.

قبل ظهور حركة المستائين الأسبان يوم 15 مايو ، كانت الحركة الاجتماعية مذررة. ومثل بروز هذه الحركة قمة جبل انزعاج كان بالكاد يعبر عن نفسه: كان السكان مشمئزين من الحزبين الاغلبيين (الحزب الشعبي و الحزب الاشتراكي) الذين ينهجان نفس السياسة. وقد تضائل بريق هذه الحركة إعلاميا لكن التجربة السياسية لآلاف الأشخاص، لا سيما في تجمعات الأحياء، واصلت تطورها. وقد خاضت تلك القطاعات نضالات بالغة الفعالية ضد طرد أسر عاجزة عن أداء رهونها. ومن جهة أخرى شكلوا حركة نشيطة جدا في نجاح الإضراب العام يوم 29 مارس الذي دعا إليه بكثير من التردد الاتحادان النقابيان الأكبران ( الاتحاد العام للعمل و اللجان العمالية). و خلال يوم الإضراب هذا كانت الحركة الاجتماعية بتنوعها تتوق إلى استمرار تحركات أكثر جذرية، لكن القيادات النقابية فضلت الجلوس إلى طاولة المفاوضات و حاولت خنق الحركة. لكنها مع ذلك لم تحصل على أي شيء. بالعكس، قررت الحكومة مواصلة سياسة تدمير كثيف للمجتمع و قمع كل احتجاج اجتماعي.

رغم قمع يضاهي سنوات حكم فرانكو الأخيرة، انطلقت قطاعات عديدة في نضالات، مثل عمال مناجم اشتوريا و منطقة ليون. طيلة شهرين، نظم العمال إضرابا بكامل المنطقة مع مساندة اجتماعية قوية و أساليب نضال جذرية جدا. و ثمة مقاومات أخرى مثيرة، مثل نقابة عمال الأندلس التي نظمت في الأسواق الكبرى أعمال مصادرة أغذية و توزيعها على الأسر التي لا سكن قار لها في اشبيلية. كما نظمت عمليات احتلال لأراض غير مزروعة يملكها الجيش و كذا احتلالات لبنوك. كما تم احتلال متاجر كبيرة مثل زارا من اجل التنديد بعمل الأطفال الذي تستفيد منه هذه الشركة متعددة الجنسية. وكان الصدى الاجتماعي لمجمل هذه النضالات غير مسبوق، فقد رافق آلاف الأشخاص مسيرات عمال المناجم وكذا مسيرات العمال الزراعيين في الأندلس برمتها. و يمكن لتعبئة النقابات في مدريد يوم 15 سبتمبر الأخير أن تعني ، رغم أن المشاركة كانت اقل من المأمول، بداية دينامية إعادة تعبئة اجتماعية ضد السياسات الإجرامية للحكومة اليمينية.

الأمر الأكيد هو أن العدو الذي تواجه الحركة الاجتماعية لا ينفع معه إضراب عام يدوم يوما واحدا أو مظاهرة وديعة لا غد لها. يجب تطبيق أشكال مقاومة ونضال سلمية أكثر جذرية قادرة على إثارة دعم واسع من السكان، هذا من اجل وضع النظام موضع اتهام على نحو عميق.  » في حقبة الأزمة هذه، عندما يصادرون املاك الشعب، نريد مصادرة المصادرين، أي كبار ملاكي الأراضي، و البنوك، و المتاجر الكبيرة التي تحقق الأرباح في عز الازمة الاقتصادية » حسب خوان مانويل سانتشيز غورديو عمدة ماريناليدا ( الأندلس) و من قادة نقابة عمال الاندلس إلى جانب دييغو كاناميرو. ان تحركات عمال مناجم اشتوريا و عمال الزراعة بالأندلس تفتح الطريق الذي يجب أن نسلكه و نكيفه مع وضعنا المحلي. إذا لم نقض على الرأسمالية فان هذا النظام القتال سيقضى على الإنسانية و على الكوكب.

خوان تورتوزا

جريدة solidaritéS عدد 214 بتاريخ 27 سبتمبر 2012

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s