أين وصل برنامج حزب بنكيران و من معه ؟

لآن بعد اقتراب نهاية السنة الاولى من الانتهاء، والوقوف على الحصيلة السيئة، حتى بمعايير البرجوازية كنسبة النمو وعجز الميزانية وغيرها مما تنشره الصحافة الان في كثير من المقالات، سقطت الحكومة المغربية في منطق التبرير كما العادة. وتناسى وزراء حزب العدالة والتنمية وعود الخطابات الحماسية في أيامهم الأولى، ونسوا كلام الليل والنهار الذي تقاسموه مع بعض الجماهير التي رأت فيهم المنقذ، ولم تجن الآن سوى مزيداً من سوء الحال. في هذا المقال، حاولت الرجوع قليلاً الى الوراء للوقوف على التضليل الذي يمارسه الحزب كغيره من الاحزاب المشاركة في الحكومة من خلال البرامج الانتخابية.
بدون الرجوع إلى أجواء انتخابات 25 نونبر 2011 وأجواء الاستفتاء على دستور 2011، لننظر فقط
إلى وعود الأحزاب المشاركة من ديمقراطية وحكومة مسؤولة أمام البرلمان والشعب. الآن مع اقتراب نونبر0122، ماذا تحقق؟ مازلنا نرى حكومة تختبئ وراء الملك، وعبد الإله بنكيران يكرر في كل مرة أن رئيسه هو الملك (كلمته في المؤتمر الجهوي الثالث لحزب العدالة والتنمية بالدار البيضاء يوم 15شتنبر 2012 )، مؤكدا الانتقادات التي وجهت إلى الدستور إبان حملة الاستفتاء.
لم أستغرب تصريحات وتصرفات بنكيران، فالأمر لا يتعلق بشخصه. إن تعيين أي شخص محله من حزبه أو من باقي الأحزاب المشاركة، لن يأتي بنتيجة مغايرة إلا في حدود البصمات الشخصية التي لا تمس الجوهر؛ لسبب بسيط هو أن الدستور يعطي للملك فعلا صلاحيات الرئيس الفعلي لرئيس الحكومة ولباقي الوزراء، ولا مكان لقرار يخالف إرادته. فالملك يترأس المجلس الوزاري الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء (الفصل48)، ويتداول هذا المجلس، من بين قضايا أخرى، التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية (ف 49). أما مجلس الحكومة فيتداول من بين قضايا أخرى السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري؛ بمعنى آخر فدوره ليس تقريريا في هذه النقطة الهامة. وبالتالي فصلاحيات المجلس الوزاري جد واسعة، ويمكنه التدخل في كل مرافق الدولة، حتى يتحقق من أنها تشتغل بالإيقاع المطلوب لتنفيذ الاستراتيجية والسياسة العامة التي يقررها . و داخل هذا المجلس، الآلية الوحيدة لاتخاذ القرارات هي إرادة الملك. ولا يستطيع بنكيران أن يختلف معه، فحتى إذا كل الوزراء على رأي والملك على رأي، فليس هناك أي نص قانوني يسمح لهم بالمرور إلى التصويت واتخاذ القرار ..
بعد أكثر من سنة بعد الاستفتاء(07.2011) هذه فرصة الذين لم يفهموا في وقته مضامين الدستور الجديد القديم، أن يستوعبوها الان على ضوء الدروس التطبيقية التي نتابعها كل يوم. فنصوصه تقنن تفويضا لبعض سلطات الملك وليس توزيعا للسلط، و ليس لأية حكومة القدرة على اللعب خارج الخطوط المرسومة سلفا. و لأنها تتحرك بمنطق التعليمات كما يصرح بذلك الوزراء بدون خجل، فهي تجد أحيانا كثيرة صعوبة في اعطاء تفسير منسجم و واضح لقراراتها. مثلا، الحكومة الحالية تحركت لتوظيف 63 معطلا من الصحراء الغربية، بوزارة العدل والحريات وضمن أسلاك الجماعات المحلية لشراء صمتهم في إطار التهيئ لزيارة خوان ماندز مقرر الأمم المتحدة المكلف بالتعذيب. التوظيف جرى خارج مباريات الوظيفة العمومية، والتبرير المقدم هو توصية هيئة الانصاف والمصالحة، بينما لم تتزحزح قيد أنملة للاستجابة لمطلب المعطلين المغاربة المعروفين بمحضر 20 يوليوز الذين وقعت معهم الحكومة السابقة تعهدا بالتوظيف المباشر في يوليوز 2011 وطبعا لشراء صمتهم في إطار الدعاية للدستور. وتنصلت من هذا العهد بكل سهولة الذي يعتبر أعلى درجة من مجرد توصية، بينما تشبثت بالعهد مع مدرب المنتخب غريتس بعدم الإفصاح عن أجره، استنادا على القيم الإسلامية « أوفوا بالعهود ». وهذا يعطي فكرة عن « التأويل الديمقراطي » للدستور الذي يتحدث عنه حزب العدالة والتنمية؛ فهو لن يكون أفضل حالا من التأويل الديني للنصوص الإسلامية.
هذا الحزب الذي يترأس الحكومة يعتبر نموذجا لباقي الاحزاب المشاركة في النصب على المواطنين وبيعهم الأوهام سواء أثناء الانتخابات السابقة أو حاليا من داخل الحكومة. لنلق نظرة على برنامجه المقدم خلال انتخابات 25 نونبر 2011، والذي أشرفت عليه20 لجنة موضوعاتية ولجنة مركزية ضمت 25 إطارا لهم تراكم معرفي وعملي في المجال، أتساءل في أي رف من الرفوف انتهى به المطاف الآن؟ ليس هناك أي دليل على أنه مازال على الطاولة .و رغم هذا العدد الكبير من الخبراء، فقد أتى في مجمله كلاما فضفاضا، و فيما يلي بعض العينات:
المستوى السياسي:
)1. النقطة 1 من البرنامج). اعتماد مخطط للإصلاح التشريعي الشامل من أجل تطوير الإنتاج التشريعي و تحديث المنظومة القانونية لبلادنا على ضوء الدستور الجديد.
24. اعتماد مخطط تشريعي لتحيين المنظومة القانونية المتعلقة بالحريات على ضوء مقتضيات الدستور.
المستوى الاقتصادي:
77. تدقيق الأولويات والأهداف المرسومة وفق الحاجيات والإمكانيات والتطلعات.
32.اعتماد إطار استراتيجي مندمج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 2012-2016، مع بلورة توجهات كبرى للمغرب في أفق 2025.
المستوى الاجتماعي:
85. وضع استراتيجية جديدة لمكافحة الأمية بهدف تقليص الأمية العامة إلى 20% في أفق 2016 و10%سنة 2020، والقضاء على أمية الفئة العمرية 15-24 سنة في أفق 2015.
114. اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب
119. إرساء سياسة رياضية وطنية تستجيب لحاجيات المجتمع
123. وضع مخطط استراتيجي جديد يرتكز على نتائج البحث الوطني حول الإعاقة
مستوى القيم المغربية:
130. اعتماد سياسة أفقية تشمل مختلف القطاعات الحكومية الإعلامية والثقافية والتعليمية والاجتماعية والدينية.
صيانة السيادة الوطنية:
149. إطلاق حملة مبنية على رؤية واضحة لمحاورة وتحسيس الدول المساندة للأطروحة الانفصالية وإقناعها بالحل المغربي.
ولا يتحدث البرنامج عن أي حوار آخر فا ذا كانت للحزب رؤية واضحة لما ذا لا يتقدم بها إلى أبناء الصحراء الغربية لإقناعهم بدل التوجه لدول أخرى؟ هل الشعوب لا تستحق سوى لغة القوة في نظر الحزب؟
الآن بعد100 يوم.. وبعد عشرة أشهر من عمر الحكومة، لم تخرج بعد هذه السياسات والاستراتيجيات والرؤى إلى الوجود، على الأقل كخطاطات . أما بداية تنفيذها فربما يحتاج إلى الولاية التشريعية الثانية أو الثالثة!والحزب لا ينقصه التفاؤل في هذا الباب، بحيث مدد البرنامج حتى 2020 و2025 (النقطة32 و 85). إذن أين هي الشجاعة السياسية التي يتغنى بها بنكيران لترجمة هذه الوعود؟ وهو الذي يتوفر بالإضافة إلى اللجان التي أشرفت على البرنامج على خبراء من مختلف المجالس الاستشارية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للتعليم…
حاولت الاختصار ما أمكن، فالبرنامج مليء بهذه اللغة التي لا تصلح أن تكون وعودا من حزب سياسي لمواطن ناخب، لأن وضع استراتيجية وسياسة عامة أو خاصة أو اعتماد رؤية واضحة بدون تحديد معالم واضحة (مثل المدة الزمنية، الكلفة السياسية، والاجتماعية والاقتصادية…النتائج المتوقعة)، يحيل على التزامات لمكتب دراسات أكثر مما يحيل على حزب سياسي. لأن المفروض في هذا الأخير أن يحدد من بين الاستراتيجيات والسياسات والرؤى الواضحة اختيارا واحدا ويدافع عنه أمام الشعب.والمشكل ليس في غياب استراتيجيات لدى الأحزاب الأخرى والحكومات الأخرى، إنما في طبيعتها.
إضافةً إلى هدا أغنى البرنامج لغة الاشارات التي تطغى على السياسة عندنا في المغرب. مثلا في النقطة 41 يتحدث عن وضع سياسة استباقية إزاء تقلبات أسعار المواد الطاقية. من يقرأ هذا من قبل ربما سيذهب به الخيال بعيدا، خاصةً أن المشرفين على البرنامج خبراء. لكن من بعد، اتضح أنها ليست سوى زيادة قبل الاوان لأسعار المحروقات تستبق أي زيادة على المستوى العالمي. وفي النقطة 36 يتحدث عن سياسة إرادية لإنهاء اقتصاد الريع والاحتكار. ولحد الآن لم نر سوى نشر لائحة الكريمات أو المأذونيات من طرف وزارة النقل، بدون أن تعلن من المخطئ في هذا الموضوع؟ بعد ذلك رأينا الوزراء يدافعون عن أصحاب هذه الكريمات المساكين حسب تعبيرهم. إذا كانوا كذلك، لماذا لم يتركوهم وشانهم ؟ و أن يتوجهوا لغير المساكين أصحاب كريمات الصيد مثلا في أعالي البحار، أم أن نياشينهم العسكرية تفزعهم ؟ الإرادية تعني في قاموس الحكومة الحالية هي ترك المستفيدين من اقتصاد الريع كل حسب ارادته. لكن هذه السياسة الإرادية وهذه الليونة لا يراها أحد مثلا في التعامل مع المتظاهرين من أجل المطالب المشروعة. أخيرا أصدرت محكمة الاستئناف بالحسيمة، في جلسة 15 أكتوبر الجاري، حكمها في ملف البشير بنشعيب بإدانته ب12 سنة سجنا نافذة على خلفية مشاركته في نضالات سكان بني بوعياش.أما في النقطة 186 تحدت البرنامج كلاما جميلا عن ريادة الجامعة والانفتاح على المنظمات الطلابية. مع هذا الدخول الجامعي، فهمنا بعض المفاهيم، الانفتاح لا يعني سوى فتح أعين المخابرات على الجامعة. رأينا في بعض الجامعات تجريف الاشجار وزرع أجهزة التنصت والتصوير في مختلف الساحات للتجسس على نضالات الطلبة، ومحاصرة الجامعات من طرف أجهزة القمع بعد دعوة وزارة الداخلية للإشراف على الدخول الجامعي. الحكومة لم توفر موظفين جدد لاستقبال الطلبة وتسجيلهم، ولا فتحت حوارات مع ممثليهم، إنما وفرت أجواء التحصيل العلمي حسب قاموسها!. أما الآن لما يرى في النقطة 153 مضاعفة العناية المادية و المعنوية و الصحية للأسرى المغاربة والعائدين من تيندوف، لن يحتاج القارئ أن أذكره أنها نفس العناية التي يمكن سماعها في أقبية التعذيب. فقد تحركت الالة القمعية ليلا لفك اعتصامهم من شوارع الرباط بمناسبة زيارة خوان منديز في شتنبر 1201 بعدما تم تجاهلهم في الفترة السابقة.
أطرح هذه التساؤلات ليس بسبب أنني أنتظر سابقة من الحزب، ولكن لأزكي الكلام الذي يشبه الانتخابات باللعبة السياسية. أما الواقع فهو بعد الدخول إلى الحكومة، حيث تنتهي كل الوعود الانتخابية، وتوضع الإكراهات الحقيقية للنظام وتبدأ أي حكومة في التدبير اليومي لأزمته ويبدأ التخبط في السياسات الذي يحاول رئيس الحكومة أن يخفيه تارة بوجود التماسيح و العفاريت، وتارة أخرى بالأزمة العالمية. توضع الحكومة أمام اولويات النظام من الحفاظ على توازن مالية الدولة وخفض الضرائب على الاستثمار وزيادة مصاريف الجيش وباقي أجهزة القمع حتى تبقى السياسات اللاشعبية وحدها القابلة للتطبيق. وتسهر على مصالح القوى الاجنبية الموروثة من عهد الاستعمار المباشر، وعلى تطبيق سياسة التفقير والتهميش وتحافظ على أمن النظام، بأي وسيلة؟ وحده القمع اللغة الوحيدة التي تبقى في يدها لمخاطبة الشعب.
وختاماً لا ننسى أن نذكر ببعض انجازات الحكومة على عهد « الحزب الاسلامي »، مثل البنوك الاسلامية التي تتهيأ لدخول السوق الآن، طبعا لدعم « حلال  » لنظام الاستغلال، وكذلك القروض « الحلال » من البنك الدولي لرهن مستقبل الأجيال القادمة في أيدي الامبريالية.

محمد سعيدي

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s