التحديات الراهنة للعمل النقابي بالمغرب


طفا إلى السطح مجددا نقاش واسع حول واقع النضال النقابي بالمغرب على إثر القرارات التعسفية التي اتخذتها البيروقراطية الفاسدة بالاتحاد المغربي للشغل ضد العديد من مناضلات ومناضلي التوجه النقابي الكفاحي وضد بعض التنظيمات القطاعية والمحلية المحسوبة على هذا التوجه.

وفضلا عما تقتضيه المعركة التي يخوضها التوجه النقابي الديمقراطي في مواجهة حرب الاستئصال هاته، فإن أهمية النقاش الحالي تنبع أيضا من كون النضال النقابي (والعمالي خصوصا) شكل ولا يزال واجهة متقدمة للنضال الجماهيري بالمغرب وعلى الصعيدين الإقليمي والعالمي، حيث كان التحاق النقابات العمالية المحلية بالانتفاضات الجماهيرية حاسما في سقوط نظامي بن علي ومبارك في تونس ومصر. كما أن النقابات العمالية المدعومة من قوى اليسار تواجه ببسالة المخططات الرأسمالية بأوروبا (إسقاط قانون التشغيل الأول بفرنسا، مواجهة برامج التقشف باسبانيا واليونان، التصدي لإغلاق المصانع وتسريح العمال…)

ونظرا لمكانة النضال النقابي في النضال الجماهيري فهو يتأثر – سلبا وايجابيا- بتطور الصراع الطبقي، ينتعش حين تتقدم الحريات الديمقراطية ويعاني وقد يتراجع في ضل التضييق على هذه الحريات، يستفيد من تقدم النضال السياسي ومن وحدة القوى التقدمية والديمقراطية ويتعثر بتشرذمها وضعفها.

وتزداد أهمية النقاش الحالي، مع تصعيد هجوم الرأسمالية التبعية المغربية ودولتها المخزنية على النضال النقابي على المستوى التشريعي من خلال التراجعات الدستورية (المواد 8، 111، …) والتلويح بمشروع قانون الإضراب وقانون النقابات؛ ومحاولة تدجين النقابات عبر « الحوار الاجتماعي » وجعلها شريكة في المخططات اللاشعبية، وانتهاء بالهجوم على التوجه النقابي الديمقراطي داخل الكنفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل. كما أن تقييم سنة ونصف من تجربة حركة 20 فبراير بالمغرب يمكن من الوقوف على العديد من نقط ضعفها، لعل أخطرها غياب الطبقة العاملة عموما وتغييب القواعد النقابية رغم الدعم اللفظي من القيادات البيروقراطية.

بعض سمات الظرف الراهن:

إذن فأهمية النقاش الواسع حول واقع وآفاق العمل النقابي تفرض نفسها في الظرف الراهن الذي يمكن تلخيص أهم سماته في ما يلي:

– احتدام الصراع الطبقي بين الكتلة الطبقية السائدة والرأسمال الأجنبي من جهة، والجماهير الشعبية وخصوصا الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والكادحين والمهمشين وقواها التقدمية والديمقراطية من جهة أخرى.

– تركيز أكبر للثروة بفعل تكثيف استغلال الطبقة العاملة ونهب موارد الدولة وتنامي اقتصاد الريع والاحتكار لفائدة أقلية من البرجوازيين والملاكين من محيط القصر وخدامه. ولا غرابة هنا أن يجهر بعض البرجوازيين المتضررين من »المنافسة غير الشريفة » بانتقاداتهم وينزل بعضهم إلى الشارع للاحتجاج (ميلود الشعبي، كريم التازي،…)

– تصريف أزمة الرأسمالية على حساب الطبقة العاملة وعموم الجماهير، ويتجلى ذلك في الضغط على النفقات العمومية الاجتماعية المتعلقة بقطاعات الصحة والتعليم والسكن والبنيات الأساسية وفي ارتفاع الأسعار والمستوى العالي للضريبة على الدخل وعلى القيمة المضافة، وفي تقليص كلفة العمل عن طريق التسريحات الجماعية وعدم احترام معايير الشغل …

– نهوض جماهيري غير مسبوق يتجسد على الخصوص في حركة 20 فبراير التي انطلقت منذ سنة ونصف وشكلت تتويجا واستمرارية لانتفاضات شعبية محلية ميزت السنين الأخيرة (ايفني، صفرو، بوعرفة، الحسيمة، …)

– نضالات عمالية لازالت مستمرة خاضها المنجميون وعمال البحر والخدمات والنسيج والزراعة …، وهي نضالات دفاعية متفرقة ونادرا ما تكون مسنودة سياسيا وجماهيريا.

– حركة الفلاحين الفقراء المطالبة باسترجاع الأراضي المستولى عليها من طرف خدام المخزن والشركات الخاصة.

– نضالات سكان المناطق المعزولة للمطالبة بفك الحصار عن القرى والبوادي وإنجاز البنيات التحتية الأساسية من طرق ومدارس ومستشفيات وماء وكهرباء…

– تمرد الشباب ضد الحكرة والبطالة والتهميش بخريبكة واليوسفية واسفي وبوعرفة وبني بوعياش وتازة وأكلموس …

– نضالات سكان مدن القصدير وضحايا الهدم وجشع المضاربين العقاريين.

– نضالات طلابية وتلاميذية لمواجهة السياسة التعليمية ومخططاتها التصفوية.

– فرز سياسي واجتماعي عبر عن نفسه، من جهة من خلال الالتفاف الجديد للقوى الرجعية حول النظام بما فيها بعض الأحزاب القادمة من الكتلة الديمقراطية أو الحركة الإسلامية، ومن جهة ثانية التقدم الملموس في مواقف القوى اليسارية التي دعمت فعلا حركة 20 فبراير ورفضت دستور 2011 وقاطعت الانتخابات التشريعية.

– جواب النظام على مطالب الشعب المغربي لم يخرج عن المألوف وهو يتراوح بين المناورة والقمع الدموي، حيث لجأ في بداية انطلاق حركة 20 فبراير إلى الاستهزاء بها ووصف أعضاءها بالشواذ وعملاء الكنيسة والبوليساريو إلى غيرها من أشكال التشويه التي تشنها الدعاية البوليسية ضد شابات وشبان الحركة، ثم ما لبث النظام أن طرح تنازلات جزئية اجتماعية وسياسية تمثلت في صفقة 26 أبريل 2011 مع القيادات النقابات لضمان ابتعادها عن حركة 20 فبراير مقابل زيادة 600 درهم في أجور الموظفين و10% في الحد الأدنى للأجور، ثم خلق 4300 منصب شغل جديد لإبعاد مجموعات الأطر المعطلة عن الحركة وأخيرا تعديل دستوري شكلي لم يغير شيئا في جوهر الحكم لكنه ضمن التفافا جديدا حول القصر من طرف القوى الرجعية وبعض القيادات الإصلاحية والوصولية.

بعدما أخرج النظام كل ما في جعبته من تنازلات شكلية وتأكد من أن حركة 20 فبراير لم تنخدع بهذه المناورات ومن استمرارها في النضال ضد الاستبداد والفساد وإلهامها للجماهير الكادحة في الأحياء المهمشة والقرى والمناطق النائية التي تنظم يوميا ما يقرب من مائة حركة احتجاجية (مسيرات، اعتصامات، إضرابات، مواجهات مع قوى القمع، …)، لم يجد (النظام) بدا من الرجوع إلى الجواب الذي يتماشى مع طبيعته القمعية، فأعلن حربا جديدة على حركة الجماهير عبر عنها بلسان خادمه الجديد رئيس الحكومة الإسلامي بن كيران: « استعادة هيبة الدولة ». وكان أول « إنجاز » حققه النظام بعد تنصيب الحكومة الجديدة هو إنهاء اعتصامات العمال والمعطلين بالقوة بالرباط ومدن أخرى وقمع دموي في حق سكان تازة وبني بوعياش وإمزورن… ومحاولة عرقلة مسيرات حركة 20 فبراير واغتيال أو اعتقال مجموعة من نشطائها وانتهاء بالهجوم على التوجه النقابي الكفاحي عن طريق تسخير رموز الفساد النقابي ضد التنظيمات النقابية المحلية والقطاعية المكافحة وطرد المناضلات والمناضلين المغضوب عليهم من طرف الباطرونا والسلطة.

– أشير أخيرا، في إطار رصد سمات الظرف الراهن، إلى ما يشكله الدستور الجديد من عرقلة لممارسة الحق النقابي والذي يشكل تراجعا حتى بالمقارنة مع دستور 1996، وخصوصا فيما يتعلق بدور النقابة والفئات التي يسمح لها بتأسيس أو الانخراط في النقابات (الدستور الجديد لا يسمح مثلا للحرفيين وأصحاب الطاكسيات والفلاحين الفقراء والمعطلين والقضاة بالانخراط في النقابات). ويهدف النظام من هذه التراجعات للحد من قوة النقابة ومن دورها في المساهمة في بلورة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة و في النضال من أجل الديمقراطية، والحد من دور النقابيين في النضالات الجماهيرية المتنامية.

واقع الطبقة العاملة المغربية:

يتميز واقع الطبقة العاملة المغربية أولا، بتركيبتها الاجتماعية والمهنية المتغيرة بفعل التحولات التي تعرفها الرأسمالية التبعية بالمغرب وانعكاسها السلبي على التشغيل في القطاع الصناعي الذي يفقد سنويا آلاف مناصب الشغل بفعل الإغلاقات الجزئية أو الكلية للمعامل والمناجم … مما يشكل ضغطا على المطالب العمالية في الصناعة. كما يعاني عمال الزراعة من التمييز وعدم الاستقرار نتيجة لخوصصة الشركات الفلاحية للدولة ولجشع الملاكين الكبار الذين يتذرعون بالمنافسة الخارجية وبسوء الأحوال المناخية لتكريس العبودية في الضيعات والاستغلالات الفلاحية الكبرى. وإذا كان قطاع الخدمات قد شكل خزانا للتشغيل وخلق آلاف مناصب الشغل في السنوات الأخيرة وبالتالي ساهم في إخفاء حدة العطالة بالمغرب، فإن العمل بهذا القطاع يتميز بشدة الاستغلال والهشاشة.

إن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة يعكس درجة تكثيف الاستغلال واتساع الفوارق الطبقية أي درجة استحواذ البورجوازية وأصحاب الريع على فائض القيمة الذي ينتجه العمل. فضلا عن ذلك فإن الطبقة العاملة المغربية تعاني استغلالا مضاعفا ناتجا عن الطبيعة التبعية للرأسمالية السائدة؛ ذلك أن جزءا من فائض القيمة يتم تهريبه خارج البلاد عن طريق شركات المناولة وفروع الشركات المتعددة الاستيطان ومنها تلك المتواجدة « بالمناطق الحرة للتصدير » التي لا تخضع لمعايير الشغل. كما أن اتفاقيات التبادل الحر تعمق العجز التجاري للمغرب والمديونية تعمق عجز الميزانية مما يؤدي إلى المزيد من اقتطاع فائض القيمة لتغطية هذا العجز وبالتالي تعميق الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة.

وعلى المستوى السياسي والإيديولوجي، عمل النظام السائد منذ الاستقلال الشكلي للمغرب، على عرقلة أي دور للطبقة العاملة في عملية التغيير بشتى الوسائل:

 قمع شرس لليسار الجذري وخصوصا الذي يتبنى فكر الطبقة العاملة (منع الحزب الشيوعي، اعتقالات واغتيالات في صفوف الحركة الماركسية اللينينية ويسار الحركة الوطنية ….)

 قمع الطلائع العمالية وسط النقابات التحتية (طرد النقابيين من العمل، اعتقالات ومتابعات بمقتضى الفصل 288 من القانون الجنائي، تبادل « لوائح سوداء » بين المشغلين في مختلف الإحياء الصناعية لمنع إعادة تشغيل النقابيين المطرودين، تسخير شركات خاصة لملاحقة النقابيين، ….)

 استدراج القيادات النقابية للدفاع عن مصالح الرأسمال أكثر من تنظيم الطبقة العاملة للدفاع عن مصالحها. وقد نجح النظام في عزل نضال الطبقة العاملة عن كفاح الجماهير الشعبية من أجل الديمقراطية (سياسة الخبز في الستينات، عدم المشاركة في حركة 20 فبراير، التصويت « بنعم » على دستور 2011، …)

 تكسير الوحدة النقابية بما يخدم مصلحة النظام والأحزاب الرجعية والإصلاحية التي تخشى هذه الوحدة، ولا ترى في النقابة سوى ورقة ضغط لتحسين موقعها التفاوضي مع الحكم.

 الهجوم الإيديولوجي على فكر الطبقة العاملة بواسطة الوسائل الدعائية البوليسية للدولة وبمشاركة القوى الإصلاحية والمرتدين عن فكر اليسار، وإشاعة مفاهيم غريبة من قبيل « السلم الاجتماعي » و »حماية الاقتصاد الوطني من المنافسة الأجنبية » و »المقاولة المواطنة » و »التشارك بين أطراف الإنتاج » إلى غيرها من المفاهيم التي تنفي الصراع الطبقي وتبرر التعاون الطبقي.

نقاط القوة ونقاط الضعف في النضال النقابي:

ومن أجل تحليل موضوعي لواقع النضال النقابي في الظرف الراهن، لا بد من استحضار نقاط القوة ونقاط الضعف التي تميزه.

1. تواجه العمل النقابي بالمغرب معيقات موضوعية وذاتية أهمها: 2. – الطبيعة اللاديمقراطية للنظام المغربي الذي يعادي الحريات الديمقراطية وضمنها الحرية النقابية وهو لا يقدم على أي تنازل في هذا الباب إلا مكرها أو في إطار تكتيك مرحلي سرعان ما يحاول التراجع عنه.

– ضعف نسبة التنقيب، حيث أن نسبة المنخرطين لا تتجاوز 8 % من العمال والعاملات، نتيجة للقمع المخزني المسلط على الحركة النقابية منذ نصف قرن، ولفقدان الثقة في النقابات التي تنخرها البيروقراطية والفساد، وللتعددية النقابية المزيفة…

– ضعف أو انعدام الاستقلالية والديمقراطية النقابيتين، مما يؤدي إلى إقصاء العديد من الطاقات النضالية ويكرس التشرذم والضعف في الهياكل النقابية.

– التقسيم النقابي المفروض من خارج الطبقة العاملة، والذي انطلق مسلسله بعد انفراد القصر بالسلطة في بداية الستينات وتأسيس « الاتحاد العام للشغالين » بإيعاز منه، إلى يومنا هذا، حيث يقدر عدد المركزيات النقابية بأكثر من عشرين.

– فساد القيادات النقابية وتداخل مصالحها مع مصالح الطبقات السائدة.

– ضعف التضامن العمالي، حيث عملت البيروقراطية على خلق كانتونات نقابية معزولة عن بعضها البعض حتى يسهل التحكم فيها.

– ضعف التكوين النقابي والسياسي للمنخرطين في النقابات. فباستثناء برامج التكوين المحدودة التي تنجزها بعض النقابات القطاعية، فإن القيادات البيروقراطية للمركزيات النقابية تتوجس من أي مشروع للتكوين النقابي قد يساهم في رفع وعي العمال بواقع الاستغلال الطبقي أو يثير، مثلا، نقاشا حول الديمقراطية النقابية والمجتمعية.

– تشتت الصف النقابي الديموقراطي الذي يضم أغلب العاملات والعمال والأطر النقابية الديمقراطية، سواء منها المستقلة أو المنتمية لليسار المناضل أو لبعض الأحزاب التي خانت قياداتها قضية الطبقة العاملة وارتمت في أحضان النظام القائم. هذا التشتت يؤدي أحيانا إلى صراعات هامشية تؤثر سلبا على المعركة من أجل الديمقراطية النقابية.

3. ورغم كل هذه المعيقات فإن العمل النقابي الذي يشكل الآن أهم واجهة للنضال الجماهيري، يتميز بنقاط قوة عديدة أهمها: 4. – ضعف هامش المناورة لدى الرأسمالية التبعية بالمغرب، نظرا لرفض النظام لأية مراجعة لتوزيع الثروة قد تمس بمصالح الكتلة الطبقية السائدة، ولانعكاس أزمة الرأسمالية العالمية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا. غياب هامش المناورة هذا، يشكل أرضية للنقابات لتوسيع قاعدتها وللرفع من وعي الطبقة العاملة وتعميق الوحدة والتضامن في صفوفها قصد الضغط على الرأسمال لتحقيق مكاسب عمالية ثمينة.

– ارتفاع نسبة الشباب والنساء والمتعلمين وسط النقابات، وخصوصا في قطاعات الانتاج والخدمات بل وحتى الزراعة؛ مما أضفى دينامية واضحة على النضال النقابي في السنوات الأخيرة، ووسع من القاعدة العمالية التي لن تقبل عن الديمقراطية الداخلية والمجتمعية بديلا.

– تغذية النقابات بطاقات نضالية تقدمية وديمقراطية قادمة من صفوف اليسار ومن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والجمعية الوطنية لحملة الشهادات ومجموعات المعطلين…

– ظهور بؤر تقدمية وديمقراطية وسط التنظيمات القطاعية والمحلية (التعليم، الجماعات المحلية، الماء الصالح للشرب، الفلاحة، …)، ومراكمة تجارب نقابية متقدمة من طرف العمال الزراعيين (سوس ماسة، الغرب، أزمور، …) وعمال البحر (أكادير، الحسيمة، طنجة، …) والمنجميين (إيمني، جبل عوام، خريبكة، إيميضر …) إلخ.

اندماج المصالح بين البيروقراطية النقابية والنظام القائم:

تتميز التجربة النقابية المغربية بسمة خاصة تتمثل في التوتر الدائم بين القواعد العمالية والقيادات النقابية رغم كون هذه الأخيرة « تنبثق » عن مؤتمرات وطنية يفترض فيها تمثيل إرادة أغلبية هذه القواعد. ويكمن سبب هذا التوتر في كون التوجه البيروقراطي المتنفذ في القيادات – الذي يستغل موقعه القيادي والامكانيات المادية المتوفرة له لإغراق المؤتمرات و »صنع » الأغلبيات- اندمج تدريجيا في بنيات الاستغلال والقهر، وابتعد نهائيا عن مصالح الطبقة العاملة التي يدعي الدفاع عنها.

منذ الاستقلال الشكلي، اعتمدت الدولة المخزنية ميكانيزمات مختلفة لتقييد البيروقراطية النقابية وربط مصالحها الضيقة بمصالح الطبقات السائدة. ومن هذه الميكانزمات:

– تمتيع رموز البيروقراطية بامتيازات مادية سخية على شكل تعويضات سخية وسكن وتفرغات وأسفار وسيارات المصلحة ومعاشات مزورة وضيعات زراعية…، مما جعل العديد منهم يعيشون وفق نمط حياة يتجاوز بكثير دخلهم الأصلي.

– تشجيع بعض القياديين النقابيين على تأسيس مقاولات فعلية أو وهمية، أو المساهمة فيها. وهي تستعمل في تبييض الأموال المتحصلة من الرشوة والفساد النقابي وتستفيد من صفقات خيالية من الدولة ومن المؤسسات الاجتماعية.

– إرشاء المسؤولين النقابيين وتوريطهم في ملفات جنائية قصد ابتزازهم بها عند الضرورة (ملفات الضمان الاجتماعي والتعاضديات وصندوق الأشغال الاجتماعية، …). ولا يسعني هنا سوى دعم الخطوة التي أقدم عليها أحد النقابيين البنكيين الشرفاء الذي طالب بفتح تحقيق قضائي حول شيكات بملايين الدراهم صرفتها إحدى الابناك في ظروف غامضة « كدعم نقابي » سري لفائدة النقابة التي ينتمي إليها.

– المشاركة في المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية كالبرلمان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجالس الجهوية والمجالس الادارية لبعض المؤسسات الاجتماعية مثل الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتعاضديات ومؤسسات الشؤون الاجتماعية… لقد سمحت مشاركة العديد من المسؤولين النقابيين في هذه المؤسسات، ليس فقط بالتقرب من دوائر القرار وبالتالي تحقيق مصالح ضيقة، بل والأخطر من ذلك، تكونت مع السنين شبكات للوساطة تقدم « خدماتها الاجتماعية والتعاضدية … » للمنخرطين مقابل رشاوي أو ولاء سياسي وانتخابي. كما أن جل رؤساء المؤسسات الاجتماعية والتعاضدية حولوها إلى إقطاعيات خاصة تفوت صفقات بالملايير إلى شركات يملكونها أو يملكها ابناؤهم أو زوجاتهم أو المقربين منهم. وقد اكتشفنا مؤخرا دورا آخر لهذه المؤسسات الاجتماعية لا يقل خطورة عما سبق، يتجلى في تمويلها لأنشطة الفرق البلطجية التي كانت تهاجم المقرات النقابية وتعتدي على النقابيات والنقابيين الديمقراطيين تحت إشراف البيروقراطية الفاسدة وبتواطؤ مع قوات القمع الرسمية.

– « الحوار الاجتماعي » يندرج في استراتيجية الدولة لتحويل النقابات إلى مواكبة ومساندة للهجوم الرأسمالي على حقوق الطبقة العاملة. وغالبا ما يجد المسؤولون النقابيون على مستوى القطاعات والجهات صعوبة في إقناع العمال والعاملات بالنتائج الهزيلة للحوارات الاجتماعية »، لأن الاتفاقات الموقعة بين القيادات النقابية المركزية والحكومة والباطرونا، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. أما الجزء الخفي غير المكتوب فغالبا ما يتعلق بصفقات لا مبدئية بعيدة عن مصلحة الطبقة العاملة. وقد لجأ النظام القائم في السنوات الاخيرة إلى شراء « السلم الاجتماعي » بأقل تكلفة، وحصل مقابل ذلك من النقابات على تبرير وتحصين مسلسل تركيز الثروة في يد أقلية من كبار البرجوازيين المحليين وتحويل جزء منها إلى الرأسمال الأجنبي عبر فروع الشركات المتعددة الاستيطان وغيرها. وفي مرات أخرى حاول النظام من خلال « الحوار الاجتماعي » أن يمتص غضب الجماهير الكادحة والطبقة العاملة خصوصا وخير مثال هو « الحوار الاجتماعي » بتاريخ 26 أبريل 2012 والذي جرى بطلب من الحكومة قصد تحييد النقابات في فترة النهوض الجماهيري وإبعادها عن حركة 20 فبراير.

إن خطورة الفساد النقابي لا تنحصر في الاغتناء الفاحش لبعض المسؤولين النقابيين وانفصالهم عن هموم الطبقة العاملة وفي نهب الممتلكات النقابية، بل تتعداها لتصبح ملفات الفساد ورقة في يد النظام للضغط على القيادات النقابية من أجل:

• تدجين المنظمات النقابية وجعلها ملحقات للنظام الرأسمالي التبعي. اي أنها، في أحسن الأحوال، لا تعارض المخططات التراجعية التي تستهدف مكاسب الطبقة العاملة والشعب المغربي عموما (اتفاقيات التبادل الحر، خوصصة المؤسسات العمومية، …)، وفي اسوأ الأحوال، فإنها تدافع عن مشاريع النظام التي تكرس الاستبداد والاستغلال (التصويت بنعم على الدستور، التصويت بالإجماع على مدونة الشغل، إبرام اتفاقات مع منظمات الباطرونا تتجاهل معايير الشغل وتستعيض عنها بمفاهيم فضفاضة من قبيل « الحقوق الاساسية » و »العمل اللائق » …)

• عرقلة أي دور للطبقة العاملة في نضال الشعب المغربي من أجل الديمقراطية. وقد اتضح ذلك جليا منذ بداية الستينات من القرن الماضي أي منذ انفراد القصر بالسلطة وما واكب ذلك من قمع ضد رموز الحركة الوطنية وضد الجماهير الشعبية على مرأى من قيادة الاتحاد المغربي للشغل التي اختارت « سياسة الخبز » كوسيلة لغض النظر عن هذه الجرائم وعن تكريس الاستبداد. ويتأكد هذا المنحى اليوم بالموقف السلبي للبيروقراطية النقابية من حركة 20 فبراير المتجسد في « المساندة » اللفظية في البيانات والتصريحات، والمناهضة الفعلية من خلال إغلاق المقرات في وجه الحركة وإصدار التعليمات إلى النقابات القطاعية والتحتية بعدم المشاركة في المسيرات والوقفات الجماهيرية ضد الفساد والاستبداد.

• الاطمئنان إلى أن التوجه المتنفذ داخل القيادات النقابية لن يجرؤ على فضح فساد الدولة. فكيف لفاسد ان يفضح الفساد؟. وقد تأكد في عدة مناسبات توفر مصالح وزارة الداخلية على معطيات دقيقة حول ملفات الفساد التي تورط مسؤولين حزبيين ونقابيين (نهب المال العام، التهرب الضريبي، …) والتي تستعملها عند الضرورة للضغط على هذه المنظمات أو لإخراس أصوات مناهضة لفساد الدولة، وكمثال أذكر هنا بالتراجع المفاجئ لنوبير الأموي أثناء محاكمته الشهيرة عن فضح ملفات الفساد المتوفرة لديه !

• استعمال رموز الفساد النقابي كطابور خامس في خدمة الباطرونا والدولة المخزنية لقمع الطلائع العمالية والأصوات الديمقراطية داخل النقابات. وقد سبق أن أثيرت، في اجتماعات الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، مسألة تشكي الدولة من وجود موقفين متناقضين داخل نفس المركزية من « الحوار الاجتماعي » و »الدستور » … واتضح آنذاك ان النظام يدفع بالتوجه الفاسد والمتنفذ داخل القيادة النقابية إلى التخلص من « الأصوات المزعجة ». وقد كان بعض رموز الفساد النقابي صريحين حين طالبوا يوم 05 مارس الماضي بطرد النقابيين الديمقراطيين وحل الأجهزة الشرعية للاتحاد الجهوي بالرباط، مبررين موقفهم « بعدم انضباط » هؤلاء الديمقراطيين لمواقف القيادة البيروقراطية التي تكون محرجة أمام مسؤولي الدولة بسبب وجود من يفضح أي تواطؤ بيروقراطي مع الباطرونا والدولة المخزنية.

آفاق النضال النقابي ومهام التوجه الديمقراطي:

في ظل احتدام الصراع الطبقي بالمغرب ومن أجل أن يحتل النضال النقابي مكانة متقدمة في النضال الديمقراطي الجماهيري المتصاعد، لا بد من توسيع النقاش الدائر وسط التوجه النقابي الديمقراطي ليشمل أوسع العاملات والعمال وينصب حول متطلبات الانتصار في معركة الديمقراطية الداخلية بالموازاة مع النضال من أجل تحسين أوضاع الطبقة العاملة والمساهمة في معركة التغيير الجذري للمجتمع، علما بأن التغيير المنشود ستقوده الطبقة العاملة عبر أداتها السياسية المستقلة.

انطلاقا من أهدافه القريبة والبعيدة فإن النضال النقابي أمامه خياران رئيسيان:

• إما أن يصب ويساهم في عملية التغيير من خلال التجذر وسط الطبقة العاملة (مع الإشارة إلى أن عملية التجذر هاته لا تقتصر على الواجهة النقابية) ومعايشة همومها وتقوية تنظيماتها للدفاع عن حقوقها ورفع وعيها إلى مستوى استيعاب جوهر الاستغلال الرأسمالي وضرورة تجاوز بنياته.

• وإما أن العمل النقابي يساهم، في أحسن الأحوال، في تحسين شروط الاستغلال والقهر أي يحاول « إصلاح أعطاب الرأسمالية » ومساعدتها على التكيف مع تطور الصراع الطبقي، وبالتالي يتحول هذا العمل النقابي إلى مواكب لمخططات الرأسمالية ومساهم في تنفيذها، وهو بذلك يخون دوره في عملية التغيير المنشود.

إن النقابيين الديمقراطيين الذين يتبنون تصورا كفاحيا للنضال النقابي مدعوون للاستفادة من دروس المواجهة الجديدة مع البيروقراطية الفاسدة والإسراع في توحيد الصفوف حول مهام عملية واضحة ومحددة في الساحة (دعم المعارك العمالية، تحصين التنظيمات النقابية، فضح ملفات الفساد النقابي، حماية الديمقراطية الداخلية، فضح لعبة « الحوار الاجتماعي »، …) في أفق تعميق النقاش حول المهام الاستراتيجية واعتماد جدلية النقد والوحدة بينهم وتدبير ديمقراطي للاختلاف وعدم خلط الصراع الرئيسي ضد الرأسمالية السائدة ودولتها المخزنية بالصراعات الثانوية والتي تخترق الصف الديمقراطي نفسه.

دروس عديدة فرضت نفسها في خضم الصراع مع التوجه النقابي الفاسد يتمثل أحدها في ملحاحية الديمقراطية النقابية، باعتبارها أساسا لتقوية النضال العمالي ضد الباطرونا والسلطة، وضمانة لتحصين المكاسب العمالية ضد الانحرافات البيروقراطية والانتهازية. لذا فإن معركة الديمقراطية النقابية آنية وملحة لا تقبل التأجيل او المساومة. كما أن النضال ضد بنيات الاستغلال والقهر يجب ان يشمل ايضا الصراع ضد الفساد النقابي كامتداد لفساد النظام القائم. ليس في ذلك اي خلط بين المهام الرئيسية والثانوية للنضال النقابي الديمقراطي، ما دامت وسائل وأشكال معركة الديمقراطية الداخلية هي التي تتطور بتطور وعي الطبقة العاملة.

كما أن النقابيين الديمقراطيين مدعوون لبعث التضامن العمالي داخل كل قطاع وبين القطاعات والمناطق. لقد سهرت البيروقراطية طيلة عقود على إبعاد التنظيمات القطاعية والمحلية بعضها عن بعض، حتى يسهل التحكم فيها وتوجيه نضالاتها أو فرملتها حسب تطور علاقة البيروقراطية بالباطرونا وبالسلطة. وإذا كان جوهر النقابة هو التضامن الذي من شأنه ان يعزز القوة العمالية في مواجهة تحالف الباطرونا والسلطة والقضاء الطبقي، فإن تطوير صيغ التضامن العمالي سيمكن من قطع الطريق على توظيف هذه النضالات بشكل لا مبدئي من طرف القيادات البيروقراطية والانتهازية. ويمكن بعث هذا التضامن بمختلف الأشكال والمبادرات الملائمة بدءا بتشكيل لجان او مجالس مشتركة بين نقابتين قطاعيتين أو اكثر أو بين اتحادين محليين أو أكثر لبلورة مطالب مشتركة أو خطة نضالية موحدة ثم الدخول في معارك مشتركة …

إن التضامن النقابي العمالي المقصود لا يقتصر على المنخرطين في مركزية نقابية بعينها، بل يجب ان يشكل جسرا بين العاملات والعمال بمختلف انتماءاتهم النقابية. وهي مهمة موكولة للتوجه النقابي الديمقراطي المؤهل لبلورة مبادرات وحدوية أو تشجيع أية خطوة في هذا الاتجاه (مسيرة 27 مارس 2012 كمثال) وجعلها لا رجعة فيها وتتجاوز الأهداف التكتيكية للقيادات النقابية.

لم تعد الوحدة النقابية هدفا لليسار الماركسي وحده، بل أصبحت تفرض نفسها في ظل العولمة الرأسمالية لمواجهة استراتيجية الشركات المتعددة الاستيطان التي تجعل الطبقات العاملة بمختلف الفروع تنافس بعضها البعض عن طريق التنازل عن مكاسبها لتخفيض كلفة العمل مقابل الحفاظ على استقرار الشغل ولو بشكل مؤقت.

على مستوى آخر، فإن احتدام الصراع الطبقي بالمغرب يفرض انفتاحا للعمل النقابي على النضال الجماهيري المتصاعد وذلك في الاتجاهين. أي من جهة، اعتماد الحركة الجماهيرية كقاعدة خلفية لدعم المعارك العمالية ضد الرأسمال والسلطة، ومن جهة أخرى، تبني وتفعيل شعار « لكل نضال جماهيري صداه في النقابة ». وفي هذا المضمار، يمكن استلهام دروس تجارب كفاحية محلية وعالمية رائدة، ومنها على سبيل المثال تجارب العمال المنجميين بجنوب افريقيا وبولفيا وتجربة فرع الكنفدرالية الديمقراطية للشغل ببوعرفة الذي قاد نضال السكان لمدة سنوات حول مطالب اقتصادية واجتماعية محلية وتجربة فرع الاتحاد المغربي للشغل بالرباط في دعم واحتضان حركة 20 فبراير وحركة المعطلين … قبل الاجهاز على هذه التجربة. وقد استفادت الحركة النقابية بدورها من دعم الجماهير الشعبية خصوصا في بعض المراكز المنجمية (جبل عوام، جرادة، إيميني، إيميضر، …) والضيعات الفلاحية (لاكليمونتين …) إلى غيرها من المناطق التي لازالت تحافظ على رصيد من التضامن الشعبي بسبب الانعكاس المباشر لوضعية الطبقة العاملة على أوضاع الأسر والتجار والحرفيين …

وفي الختام اشدد على أهمية التكوين النقابي والسياسي للطبقة العاملة. بديهي أن العامل الذي لا يتجاوز وعيه حقوقه المادية (الأجر، الضمان الاجتماعي، العطلة، …) لا يمكنه استيعاب أهمية التضامن مع عمال مطرودين تعسفا من معمل مجاور أو مع نقابيين اعتقلوا من منجم بعيد، فبالأحرى أن يشارك في مظاهرة مناهضة للفساد والاستبداد (حركة 20 فبراير). كما أن نفس العامل لا يمكنه أن يستوعب أهمية الديمقراطية (بما فيها الديمقراطية النقابية) إلا بقدر تأثيرها على حقوقه المباشرة. بل إنه قد يتخلى عن مطلب الديمقراطية حين تصبح « مكاسبه » المباشرة مهددة (الخوف من فقدان العمل مثلا). وكثيرا ما استغلت الباطرونا هذه الورقة لإبعاد العمال عن العمل النقابي أو لتكسير التضامن مع مسؤول نقابي مطرود … إن مهمة التكوين العمالي أصبحت تفرض نفسها بإلحاح، ذلك أن التقدم في إنجازها شرط للنجاح في باقي المهام. كما لا يمكن تصور وجود طليعة عمالية دون توفرها على مستوى كاف من التكوين النقابي والسياسي. وهنا يصبح من المشروع التساؤل: في غياب حزب الطبقة العاملة واستمرار سيادة الطابع الدفاعي والإصلاحي للنضال النقابي، وفي غياب برامج للتكوين والرقي بالوعي العمالي إلى مستوى استيعاب جوهر النظام الرأسمالي وشروط مواجهته ومتطلبات تغييره، ألا نسدي خدمة لبنيات الاستغلال ونساهم في تأبيده؟

عبد الله لفناتسة / الرباط

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s