رحلة الملك الى الخليج

بقلم: الحجوجي محمد

لعل المتتبع للزيارة المكوكية التي قام بها الملك (أو رئيس الدولة) لمنطقة الخليج، سيدرك (أو سيلاحظ) بقدر ما تؤكد من جديد ولاء النظام القائم للرجعية الخليجية على مستوى تصوراتها لمصير قضايا الشعوب فإنها تأكيد جديد على التحالف بين الملكيات الرجعية في المنطقة ببعد استراتيجي، خصوصا بعد توالي الانتفاضات الشعبية في العديد من الأقطار، وتداعيات استمرار نضالات الجماهير الشعبية من اجل الحرية وتقرير المصير بالرغم من دائرة الالتفاف والاحتواء التي عانت منها تحت يافطة أصبحت مكشوفة للعيان، عنوانها توظيف التيارات الظلامية الشوفينية في عملية تدجينها سياسيا وإعلاميا بالموازاة مع القمع الدموي الشرس المسلط عليها، بحساب.

والأكيد، أن محاولة فهم هذه الرحلة الى الخليج وتداعياتها تتأسس على المعطيات والوقائع التالية:

أ- الرحلة الى الخليج جاءت بعدما استنفذ النظام كل مساعيه لدى الامبريالية الأمريكية والأوربية قصد التدخل المالي لإنقاذ المغرب من سكتة قلبية اقتصادية يمكن أن تهدد استقرار النظام ووجوده السياسي، مثال: عدم تجديد اتفاقية الصيد البحري، رفض تموين المغرب بالقمح، رفض  ضخ أموال لإنقاذه من وضعية الإفلاس المالي…

وبالرغم من حجم الإغراءات والخدمات التي يقدمها له من مثيل: القاعدة الجوية لأمريكا، التدخل السياسي اللوجيستيكي في مالي والكونغو والكامرون وسوريا…

ب- الوفد المرافق للملك في الرحلة الى الخليج اقتصر على المحيط الملكي ووزراء الثقة القريبين منه مع تغييب ممنهج ومقصود لعصاه التنفيذية وواجهته الإعلامية، حكومة البهلوان بنكيران ومن معه. وتم توجيه رسالة سياسية ذات بعدين أساسيين:

البعد الأول، يؤكد أن المؤسسة الملكية هي جهاز الحكم الأساسي والرئيسي لا منازع لها، وهي الضمانة السياسية الحقيقية للرأسمال الخليجي.

البعد الثاني، هو رسالة للداخل مفادها عجز هذه الحكومة عن إيجاد منافذ خارجية لتدبير الأزمة الاقتصادية وما يرافقها من احتقان سياسي وشعبي. بمعنى أن ضمانة تفادي مخاطر السكتة الاقتصادية هي المؤسسة الملكية، كتعبير سياسي عن التحالف الطبقي السائد. وهذا ما يؤكد أن مجموع الإجراءات السياسية، من انتخابات ودستور وغيرها هي مجرد فقاعات للتداول الإعلامي، وظيفتها تسويق مشاريع النظام. وهي في نفس الآن أداة لتدجين وتضليل الجماهير الشعبية.

ج- الحملة الدعائية والإعلامية الكبيرة التي رافقت الرحلة الى الخليج على مستوى الداخل هي محاولة يائسة وبئيسة من لدن النظام، حاول بواسطتها بيع وهم الانفراج الاقتصادي على المستوى المتوسط ولو بالتقسيط للجماهير الشعبية من خلال المؤسسة الملكية, بعدما انفضحت الأوهام التي حاول بنكيران ترويجها من خلال الخطاب الشعبوي، من مثيل وهم المطر ووهم محاربة العفاريت وشياطين الفساد بالعبارة الشهيرة الخادعة « عفا الله عما سلف ».

د- توظيف المقولة الشهيرة للنظام التي رافقت الانتفاضات الشعبية منذ 20 فبراير، وهي عبارة الاستثناء المغربي والتي عبر عنها في رحلته الى الخليج بعبارة الاستقرار بوابة الاستثمار. وللدقة، نقول، إن النظام يروج لقاعدة أساسية مفادها أن استمراره هو الضمانة الوحيدة لاستمرار المغرب كعمق استراتيجي اقتصاديا وعسكريا، فهو مصير محفوف بالمخاطر يهدد الكل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهذه العبارة هي رسالة تهديد واضحة للشعب المغربي لاختيار الاستقرار بين أحضان الرجعية أو سوء العاقبة إذا ما غضبت السلطنات الرجعية. وزيارة مخيم اللاجئين السوريين، كانت تقصد في إحدى معانيها هذا السياق.

ه- من العناوين الأساسية التي أسست ورافقت هذه الرحلة الى الخليج عنوان في شكل سؤال أونطولوجي رافق مسار المؤسسة الملكية منذ الاستقلال الشكلي، وهو سؤال الشرعية والجدوى، وطرح هذا العنوان اليوم مرتبط أساسا بحالة الميوعة والابتذال السياسي الذي تعيشه المؤسسات السياسية للنظام على وفرتها، والمتزامن مع حالة تدمر شعبي واستياء جماهيري، عبرت عنهما الاحتجاجات القطاعية والفرعية للجماهير الشعبية، وامتدت الى القرى التي لطالما اعتبرت من لدن النظام مجاله الحيوي لتدبير الصراع حول شرعيته، بحيث تعد هذه المؤسسات السياسية ومجموع قراراتها السياسية، إن صح القول،  قادرة على لجم وتدجين الجماهير وتقديم صورة جديدة عن النظام القائم سواء لدى العالم الداخلي أو الخارجي.

هنا اقتنع النظام القائم، بعدما أقر بمحدودية وفشل العديد من المبادرات التضليلية من مثيل، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إصلاح القضاء، إصلاح التعليم…

وأمام أوج الأزمة الاقتصادية وتوسع مجالات النضال، تم الخروج عن الصمت من خلال سياسة القمع الطبقي التي كانت نتائجها وخيمة على صورته، ولم تستطع وقف المد النضالي، رغم التواصل المباشر مع الرجعية الخليجية لإنقاذه من السكتة القلبية، من خلال الاستجداء والانضباط لرؤيتها للمنطقة، وهي ممارسات كفيلة في نظره ولو كره الكارهون بفرض شرعيته وتعويض بنية المؤسسات التي لطالما تغنى بكونها واجهته الديمقراطية.

و- الرحلة الى الخليج حاولت أن تؤسس لحركية ودينامية سياسية وهمية في الداخل المغربي بعد الموت السريري الذي أضحت تعيشه الحياة السياسية بالمغرب، سواء من خلال انكشاف القوى السياسية الرجعية والإصلاحية على مستوى ممارستها وشعاراتها أو من خلال مفاوضاتها السرية أو تدخلاتها في الشأن الداخلي للأحزاب السياسية.

ز- الرحلة الى الخليج كشفت طبيعة المنطق السياسي الذي يحكم علاقة القوى الظلامية سواء مع النظام أو مع الجماهير الشعبية. فاستثناء حكومة مبدع لازمة « عفا الله عما سلف » كشفت بالملموس طبيعة العلاقة التي ينظمها التحالف الطبقي السائد مع احد أركانه، مما يكشف حقيقة الأزمة الذاتية لهذا التحالف الرجعي من جهة، ومن جهة أخرى، كشفت وضع حكومة « عفا الله عما سلف » المسنودة بما يسمى الدستور الجديد والانتخابات المهزلة، بما هو عملية توزيع ادوار بحرفية مفضوحة تخدم بنية النظام القائم بهياكله العسكرية والاقتصادية والسياسية والتقنوقراطية التي مهمتها الحفاظ على الوضع القائم وعلى استمراريته السياسية وبنية الحكومة بتوليفتها الهجينة المفروض فيها تقديم وجه جديد عن النظام يعكس المرحلة بشعاراتها وكذا تطويع الحياة السياسية والنضال الشعبي عن طريق الخطاب والإجراءات الهامشية التي لا تؤثر في بنية الواقع بقدر ما تؤجل أي وضع متقدم للتغيير الجدري الحقيقي.

ح- الرحلة الى الخليج وتأكيد طبيعة التحالف الاستراتيجي بين السلطنات الرجعية افقدا خطاب ما يسمى، بين ألف قوس، بالحداثة، جاذبيته الإعلامية والسياسية التي اعتمدت في مشروع النظام، كإحدى الدعامات الأساسية للعهد الجديد بما تحيل إليه من عودة مشؤومة للقرون الوسطى بهمجيتها ولا إنسانيتها, ومن جهة أخرى كشفت طبيعة الأبواق السياسية التي ظلت تغني وتغرد لهذا العهد الجديد المزعوم وكشفت محدودية تأثيرها في النسق السياسي للنظام القائم، بل تأكد بالملموس أنها مجرد أدوات سياسية متفقة في الجوهر مع النظام الطبقي القائم وكآلية تجميل له على مستوى شكليات المرحلة. وهو ما نزع عنها مضمون الصراع الذي تدعيه لفائدة شعار وممارسة التوافق بحجة بئيسة عنوانها تمتين الجبهة الداخلية لمواجهة تحديات التغيرات الدولية والإقليمية.

بهذه المعطيات، أصبحت الرحلة الى الخليج رحلة من اجل تأبيد السيطرة الطبقية للتحالف الطبقي المسيطر وخدمة مجانية للسلطنات الرجعية في الخليج سيؤدي ضريبتها الشعب المغربي وشعوب المنطقة، والشعب الفلسطيني كذلك…

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s