البطالة وارتفاع أعداد العاطلين بالمغرب

أجرت الصحافية بجريدة المنعطف السيدة بشرى عطوشي حوارا صحفيا مع عبد السلام أديب حول البطالة وارتفاع عدد العاطلين بالمغرب، وقد جاء الحوار كما يلي:

·       من خلال النشرة التي بين أيديكم لا بد و أنكم كونتم رأيا بشأن ظاهرة البطالة و عدد العاطلين بالمغرب?

** تتطرق النشرة المذكورة لوضعية التشغيل والبطالة لمدى ثلاثة اشهر الثالثة من سنة 2012، أي يوليوز وغشت وشتنبر، ورغم ما قد يبدوا للقارئ العادي من تطور نسبي في التشغيل (95.000 منصب شغل) مقابل نسب اقل من فقدان العمل (39.000 منصب شغل)، الا أن تناقص نسب التشغيل مقارنة بفقدانه يبدو أكثر عنفا إذا ما علمنا أن هذا الفقدان يتم في أهم القطاعات الاقتصادية كقطاع الصناعة بما فيها الصناعة التقليدية (41.000 منصب شغل) وقطاع البناء والأشغال العمومية (40,000 منصب شغل) وتعود نسبة كبيرة من أسباب فقدان العمل الى اقفال المؤسسات والطرد التعسفي، وأيضا عدم قدرة الشباب الحديث التخرج الولوج الى العمل.

 

 

 

 

وتبقى أهم ملاحظة أتت بها النشرة المذكورة هي بطالة الشباب من 15 سنة الى 34 سنة والتي تشكل 44 في المائة من مجموع اليد العاملة النشيطة ، حيث تصل بطالة هذه الفئة في المدن إلى 35 في المائة، بمعنى بطالة أكثر من مليون و600 ألف شاب وشابة. وهذا ما حدر من تفاقمه حتى Inger Andersen نائب رئيس البنك الدولي المكلف بجهة شمال افريقيا والشرق الأوسط عند زيارته الى المغرب يوم 7 شتنبر 2012.

 

 

 

 أما في ما يتعلق بالإحداث الصافي لمناصب الشغل والذي يتم في أكبر قسم منه في قطاع الخدمات بدون منازع (124.000 منصب شغل)، فان أغلبية هذه المناصب تهم فقط « الخدمات الشخصية » (65.000 منصب شغل) والتجارة بالتقسيط وصيانة الأدوات المنزلية (50.000 منصب شغل).  القطاع الموالي المحدث لمناصب الشغل هو قطاع الفلاحة والغابة والصيد (19.000 منصب شغل)، ومعلوم الطابع الطفيلي للعديد من مناصب الشغل في هذا القطاع لكون بعضها عبارة عن مناصب شكلية كاعتبار اسرة الفلاح بكاملها تشتغل في ميدان الفلاحة رغم امتلاكها لأرض صغيرة جدا تقتصر على مغروسات معيشية. كما يؤكد الواقع أن عمل الغالبية العظمى من الايدي العاملة الفلاحية لا يتجاوز مدة اشتغالها في السنة 80 يوما، كما أن أجور العمال الزراعيين في الضيعات الفلاحية التي توجه انتاجها للأسواق المحلية والدولية تظل أجورا زهيدة بعيدة بكثير عن الحد الأدنى للأجور الذي لا يطبق في البادية.

وإذا ما قارنا هذه الاحصائيات ليس بالسنة التي سبقتها  فقط وإنما بوضعها في سيرورة تطور السياسات الحكومية في مجال التشغيل في المدى الطويل، فسيبدو الأمر أكثر وضوحا لو قارنا توجه هذه الاحصائيات الظرفية مع احصائيات التشغيل وفقدان الشغل خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث سنلاحظ أن كل عقد من الزمن يمر الا ويعرف تراجعا أكبر في نسب التشغيل من العقد الذي سبقه وتزايد أكبر في نسب البطالة.  كما أن الاحصائيات الرسمية للحكومة تبقى احصاءات رسمية تغلف واقعا أسوأ بكثير مما تحاول ان تظهره.

 

 

 

 كما أن مقارنة هذه الحقبة (1982 – 2012) بالحقبة التي سبقتها أي انطلاقا من سنة 1956 الى سنة 1982 فتؤكد أن المنحى الذي ساد خلال  الحقبة السابقة كان تصاعديا نظرا للمجهود الذي كانت تبدله الدولة في مجال التشغيل. وتفسير هذا المنحى التصاعدي يكمن في اتجاه سياسة الدولة قبل سنة 1982 نحو التدخل الواسع في الحياة الاقتصادية والاجتماعية عبر القطاع العمومي والذي ظل يشكل منذ بداية الحقبة قاطرة للقطاع الخاص المحلي والاجنبي مما استلزم  توسعا في نسب التشغيل مقارنة بنسب فقدانه. لكن هذا التوجه سينقلب 180 درجة منذ سنة 1982 حيث سيؤثر تراجع تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية تدريجيا مع لجوؤها الى خوصصة القطاع العمومي وانحسار دورها نسبيا في لعب دور القاطرة التي تجر القطاع الخاص، وبالتالي اعتماد سياسات تقشفية انكماشية متواصلة طيلة الحقبة.

 

فتراجع موارد الدولة ونفقاتها وخوصصة القطاع العمومي  الى جانب حزمة سياسات التقويم الهيكلي من أجل التصدي للازمة المالية والاقتصادية التي ما فتئت تتعمق، وتوجه واضح لخدمة الدين العمومي، أوجد فرامل قوية تكبح امكانيات النمو والتشغيل في بلادنا من اجل المحافظة نسبيا على معدلات الربح الرأسمالي. فعقب كل عقد يحدث تزايد تناقصي أكبر وبالتالي يحدث انحسار تدريجي في نسب التشغيل وطرد متزايد للقوى العاملة أو حرمان نسب متزايدة من الشباب من ولوج سوق الشغل، بتزامن مع تقليص تدريجي للانفاق الاجتماعي وتعهد المرافق العمومية.

 

واذ تقدم نشرة المندوبية السامية للتخطيط  احصائيات معيارية عن تطور نسب التشغيل والبطالة، فإنها تحاول من جهة أخرى بهذه الطريقة تلميع سياسات الحكومة واعطاء الانطباع بأن هذه السياسات لا تزال ذات مفعول ايجابي على سوق الشغل، بينما هي في الواقع تواصل تدبير الأزمة لفائدة رأس المال من خلال سياسات تقشفية  تعمق الهشاشة والمزيد من البطالة.

 

·       ما رأيكم حول السياسة التشغيلية للحكومة؟

 

** تبدوا السياسة التشغيلية للحكومة، بل سياسات مختلف الحكومات المتعاقبة منذ بداية الحقبة الاخيرة مشغولة بهاجس تدبير الأزمة الرأسمالية الاقتصادية والمالية في المغرب والتي ما فتأت تتعمق بشكل عنيف من حين إلى آخر رغم مختلف التضحيات التي تبدل والتي تدفع الشغيلة فاتورتها بشكل واضح.

 

 

ومعلوم أنه خلال الحقبة السابقة حينما كانت جميع الدول الرأسمالية تعتمد سياسات تدخلية على قاعدة الكينيزية وهو الامر الذي كان مقبولا في اطار التنافس بين المعسكر الاشتراكي السابق والمعسكر الرأسمالي. فكان تدبير الاقتصاد والتشغيل يتم على اساس المخططات الاقتصادية الخماسية أو الثلاثية. فكانت سياسات التشغيل ترسم على اساس هذه المخططات وتقوم الميزانيات المالية السنوية بمحاولة تجسيد تلك السياسات خاصة في القطاع العمومي الذي كان يستوعب اكبر قدر من الشباب الذي يدخل لاول مرة سوق التشغيل.

 

 

 

 

 

لكنه انطلاق من تفجر ازمة المديونية الخارجية مع تعمق الازمة الاقتصادية والمالية ابتداء من أواخر عقد السبعينات واضطرار الدولة الى اللجوء الى المؤسسات المالية الدولية لإعادة جدولة الديون بدأت هذه المؤسسات المالية تفرض على المغرب السياسات الليبرالية الجديدة والتي تقتضي تخلي الدولة تدريجيا عن أي تدخل لها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بدأ بتقلص حجم الادارة العمومية وتفويت القطاع العمومي الى رأس المال المحلي والاجنبي. فبدأت المراهنة منذ ذلك الحين على القطاع الخاص للحلول محل الدولة في ميدان التشغيل.

 

لكن العالم الرأسمالي الذي دخل في ازمة هيكلية طويلة الأمد منذ سنة 1973 والمتمثلة على الخصوص في الوفرة والانتاج الزائد الذي لا يجد اسواقا جديدة لاستيعابها، وبالتالي دفع البرجوازية المهيمنة بدون شريك سواء على المستوى الدولي او على المستوى المحلي الى البحث عن كيفية تدبير الازمة والحفاظ على قانون القيمة،  من أجل الحفاظ على معدلات الربح مرتفعة.

استنادا على هذا الواقع الرأسمالي المتأزم اصبحت سياسات الدول البرجوازية طاردة للعمل من خلال التسريحات الجماعية والاقفالات المستمرة للوحدات الانتاجية والاندماجات بين عدد من الشركات التي تتم على حساب التسريحات الواسعة للشغيلة.

من هنا يمكن فهم التزايد المتناقص في احداث مناصب الشغل الجديدة منذ سنة 1982، وأن دور سياسات التشغيل الحكومية ترقيعية، أصبحت مجرد فرامل للوضع الاجتماعي القابل للانفجار في اية لحظة. فأعداد مناصب الشغل المحدثة بمقتضى القوانين المالية السنوية ضلت تتناقص منذ بداية عقد الثمانينات من القرن العشرين. وقد لا حظنا أنه منذ انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية الجديدة سنة 2008 واحداث خلية ازمة في فبراير 2009، منحت صلاحيات واسعة للباطرونا لتسريح اليد العالة في حدود 5 في المائة وتفليص الحد الادنى للاجر الى حدود 1200 درهم في الشهر، وقد تجاوزت الباطرونى هذه الحدود سواء بالنسبة للتسريحات أو بالنسبة لتقليص الاجور.

 

 

 ويبدوا أن الحكومة الحالية المنصبة عقب 25 نونبر 2011 تعمل حاليا على تحقيق هدفين متناقضين، يتمثل الهدف الأول في احباط المد الاحتجاجي الذي دشنته حركة 20 فبراير في ظل ما يسمى بالربيع الديموقراطي وبالموازاة معها احباط كافة الاحتجاجات الاجتماعية بما فيها حركة المعطلين حاملي الشهادات، وقد لمسنا الاسلوب المعتمد في هذا الشأن والمتمثل في القمع الوحشي والتعديب والاعتقالات السياسية والأحكام القاسية بالسجن. أما الهدف الثاني فيتمثل في مواصلة تدبير الأزمة عبر اتخاذ اجراءات مؤلمة صارمة لفائدة رأس المال المحلي والاجنبي: كرفع أسعار المحروقات ومعها كافة اسعار المواد والخدمات الاساسية، وايقاف تشغيل المعطلين وتوسيع الاستدانة الخارجية ورفع بعض انواع الضرائب ومنح اعفاءات ضريبية لشركات رأسمالية كبرى، استهداف الغاء صندوق المقاصة ومراجعة انظمة التقاعد ومعاقبة المضربين بالاقتطاع من اجورهم ومراجعة قانون النقابات، وتبذير مبالغ مالية ضخمة في مشاريع غير منتجة كالصفقة المبرمة مع فرنسا بمبلغ 33 مليار دولار لبناء مشروع تيجيفي، واقتناء دبابات واسلحة بمبلغ 8 مليار درهم من الولايات المتحدة الامريكية، وتسير كافة هذه الاجراءات في اتجاه خدمة الرأس المال على حساب العمل والتشغيل والتوازنات المالية الداخلية والخارجية فضلا عن تعميق التبعية نحو الخارج.

  

·       هل يجسد مشروع قانون المالية لسنة 2013 التزامات الحكومة عند تنصيبها حول محاربة البطالة؟

 

** يظهر جليا أن مشروع القانون المالي لسنة 2013 يقتفي أثر القوانين المالية السنوية السابقة، فبينما تطالب الحكومة الطبقة العاملة بالصبر وتفهم ظروف الأزمة وتحمل الزيادات في الاسعار وفي الضرائب والتقشف والزيادة في الاستدانة الخارجية وتحمل الغاء صندوق المقاصة وتجميد الاجور وتصفية أنظمة الحماية الاجتماعية كالتقاعد والتعاضد والتسريحات الفردية والجماعية، نجدها في المقابل تعلن عن عفوها عن ناهبي المال العام بمقولة عفا الله عما سلف، والرزق عند الله، وافراغ الحوار الاجتماعي من مضمونه واستعدادها لفرض الأداء على التعليم الجامعي …

ان مقارنة البرنامج السياسي لحزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات التشريعية وبعد وصول الحزب الى الحكومة يؤكد، أن ما أوصل هذا الحزب الى الحكومة هو قدرته على خداع الجماهير عبر ارتداء الجلباب الديني والدعوة الى محاربة الفساد والاستبداد وتعهده باحقاق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. لكن الجماهير التي انخدعت بهذا الخطاب حتى من بين المنخرطين في هذا الحزب صدموا عند اكتشافهم لنفس السياسات التفقيرية التي كانت تطبق عليهم منذ ثلاثين سنة هي نفسها وبنفس الملامح تحاول الحكومة التي اصبحت ملتحية بالكامل فرضها بأساليب قمعية مباشرة.

 

 

 

·       ما هي في نظركم أنجع مقاربة لمعالجة الظاهرة ؟

 

** ان اختلال موازين القوى السياسية والاقتصادية لصالح البرجوازية المهيمنة بدون شريك محليا ودوليا، وتبعية مختلف الاحزاب السياسية اليمينية واليسارية والاسلامية والمركزيات النقابية للخطاب السياسي والاقتصادي الرسمي للدولة، التي تعمل منذ عقد الثمانينات باستمرار على معالجة أزمة الرأسمال على حساب العمل، فيصعب نجاح أية مقاربة لمعالجة ناجعة لظاهرة البطالة.

 

 

 

 

فظاهرة البطالة قضية سياسية طبقية، ومعالجتها تمر بالضرورة عبر الصراع السياسي الطبقي، وعبر قدرة الطبقة العاملة على بلورة تنظيمها السياسي القادر على معالجة اختلال موازين القوى السياسية، وآنذاك فقط يمكن ضمان الحد من ظاهرة البطالة بل والقدرة على انهاء عهد البطالة كليا عبر تغيير نمط الانتاج الاستغلالي.

 

·       أي دور يجب أن تقوم به مؤسسات الوساطة في تشغيل العاطلين ؟

 

 

** مؤسسات الوساطة في التشغيل هي جزء من المشكل، لأنها تشغل أيدي عاملة مؤقتة في أشغال متعددة بدون ضمانات أو تغطية اجتماعية. وقد انتشرت هذه المؤسسات الوسيطة في العديد من الدول الرأسمالية المتقدمة منها والمتخلفة وقد عرفتها بلادنا أيضا وأبرز مثال عليها شركة سيميسي التي كانت تشغل 850 عامل في وحدات الانتاج التابعة للمكتب الشريف للفسفاط، فرغم أن عمل هؤلاء العمال المؤقتين الذين تجدد عقود شغلهم كل سنتين أكثر ارهاقا من عمال المكتب الشريف للفسفاط نفسه، فقد كانوا لا يحضون بنفس امتيازات هؤلاء ولا حق لهم في التقاعد، وعندما شكلوا مكنبا نقابيا قامت شركة الوساطة بطردهم بالكامل سنة 2009 وضلوا يناضلون لمدة سنتين قبل ان يتم ترسيمهم بفضل نضالهم بالموازاة مع تنامي حركة 20 فبراير سنة 2011.

 

 

 

إذن فمؤسسات الوساطة في التشغيل تستغل هذا الجيش الاحتياطي من العاطلين لتشغيلهم في ظروف لا إنسانية وبأجور زهيدة وبدون أدنى تغطية اجتماعية. فهي مؤسسات رأسمالية ووجدت من أجل خدمة مصالح البرجوازية المهيمنة لتشديد استغلال الطبقة العاملة.

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s