حزب ديال العمال والكادحين : و علاش لا؟#Maroc

arton2436

نشرت جريدة المناضل ة على صفحتها الالكترونية مقالا تحت عنوان « مفهوم حزب الطبقة وعموم الكادحين: نقد ماركسي » ينتقد فيه الرفيق رفيق الرامي مفهوم الحزب لدى تيار النهج الديمقراطي. وردا على هذا المقال، عمم الرفيق الحبيب تيتي، نشرمقال له تحت عنوان  » للنقد الماركسي أصول « . وبعد ذلك توصلنا بمقال ثالث تحت عنوان « مساهمة في النقاش حول مفهوم حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين » يتناول فيه الرفيق ش. لطفي بالنقد كلا المقالين.

وبالرغم من كون مسالة الحزب لا يكتسي نقاشها راهنية أكثر من راهنية من نقاش العديد من القضايا السياسية الملحة و المغيبة في نقاش مناضلي اليسار الجذري ، فإننا، ومن منطلق تشجيع النقاش بين مناضلي وتيارات اليسار الجذري، الذي هو هدف من بين أهداف مجموعة « من اجل بديل ثوري » ننشر على موقعنا المقالات الثلاث مع التنبيه، بان نشر هذه المقالات لا يعبر عن موقف جماعي لجماعة « من اجل بديل ثوري » مما تتضمنه من مواقف.                                                                                        

                                                                                            « من أجل بديل ثوري »

 

مساهمة في النقاش حول مفهوم حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين

  رغم كون مقال الرفيق الرامي والرد عليه من قبل الرفيق الحبيب التيتي لا يساعدان على تطوير النقاش بين الثوريين، خاصة حينما يتعلق الامر بمسالة من حجم البديل الثوري المنشود بناؤه، فان مجرد طرح المسالة هو ايجابي في حد ذاته. وما نعيب على الرفيقين هو تناولهما المسالة بشكل سجالي افرغ المقالين من قيمتهما الفكرية والسياسية. وبدل المساهمة في توضيح الحاجة الى اداة سياسية مستقلة لتنظيم وتوحيد كفاح المضطهدين وتسليط الضوء على الاشكالات الفعلية المرتبطة بهذه المسالة، تاه الرفاق في نقاش كل شيء من أجل لا شيء اللهم تغدية الصراعات بخلافات ماضوية كنا نعتقد ان زمنها قد ولى.

في الحقيقة ما كنا سنتدخل في هذا الصنف من النقاشات لولا أمرين : الاول هو أهمية المسالة بالنسبة للجيل الصاعد الى مسرح النضال السياسي لأول مرة، والثاني، ما تضمنته هذه المقالات من مواقف سياسية تستدعي التوضيح من جانبنا.

 على ضوء قراءتنا وفهمنا للمضامين والمواقف المعبر عنها في هذين المقالين سنبدي بعض الملاحظات كما سنحاول ابراز ما نعتقده رؤية اخرى مختلفة للمسالة.

حول مقال الرفيق رفيق الرامي:

 نحن لا نتفق مع هذا المقال، سواء من حيث منهجيته أو من حيث خلاصاته التي نسبها صاحبها الى الماركسية. ونعتقد ان عنوان  » نقد ماركسي » الذي ديل به الرفيق مقاله لايضفي صفة النقد الماركسي على نقد الرفيق لتصور تيار النهج الديمقراطي لمسالة « حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين ».

فعلى المستوى المنهجي، بدل نقد مسالة البرنامج (الذي هو الحزب من وجهة نظر معظم الماركسيين) والمهام والخط السياسي، اي التحليل الملموس للسياسة الملموسة لتيار سياسي (النهج الديمقراطي) وعلاقة هذه السياسة بالحركة الفعلية للصراع الطبقي، بنى الرفيق كل مقاله على نقد  الصياغة اللغوية لما يعتبره تيار النهج الديمقراطي حزبا للطبقة العاملة ( عموم الكادحين)  . بل ذهب الرفيق الى ابعد من ذلك حين اعتبر ان الصيغة التي يعبر بها تيار النهج عن الحزب التي ينشده، وحدها كافية كدليل على تخلي هذا الأخير عن هدف بناء حزب مستقل للطبقة العاملة واستبداله بحزب متعدد الطبقات.

 وبدل محاكمة الممارسة السياسية الملموسة والبحث عن سند لها في معطيات التجربة الحية للصراع الطبقي، حاكم الرفيق تيار النهج من خلال تجربة تيار سياسي اخر (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) وإسناد حكمه بالرجوع الى معطيات سياق تاريخي وسياسي هو غير السياق الحالي .

اما على مستوى المرجعية الفكرية والسياسية، فسيكون من المفيد هنا احالة الرفيق رامي الى ما كتبه ارنست ماندل، الذي ينتمي كاتب المقال، على الاقل نظريا، الى تياره السياسي والفكري :  » لا يمكن للبروليتاريا الانتصار في بلد شبه مستعمر إلا بنجاحها في اقامة هيمنتها السياسية على مجموع عموم المستغلين والمضطهدين. وهذا يعني التركيب الجدلي بين ثلاثة شروط: انتزاع استقلاليتها السياسية ووعيها الواضح لأهدافها الطبقية الخاصة. ادراكها لأهداف باقي الطبقات الاجتماعية المستغلة، وهي أهداف يشملها مشروع البروليتاريا الثوري. النضال وسط الحركة الجماهيرية بهدف انتزاع الهيمنة الايديولوجية والقيادة السياسية ، بما في ذلك، تبني المطالب التقدمية والتاريخية العادلة لهذه الطبقات، لكن دون تنازل عن استقلاليتها الطبقية، و اقتراح أشكال النضال والتنظيم التي تسمح بانبثاق و توحيد الحركة الجماهيرية، بهدف خوض مواجهة شاملة و حاسمة مع الطبقات المالكة، أي انتزاع السلطة من قبل البروليتاريا. يتعلق الامر باستبدال سياسة شعبوية متعددة الطبقات بتحالف طبقي ( وأساسا تحالف البروليتاريا والفلاحين الفقراء والبرجوازية الصغيرة المدينية المتجذرة) تحت قيادة البروليتاريا بما يسمح بانتزاع السلطة من قبل هذه الاخيرة. »

ليس هدفنا ، ونحن نحيل الى هذه المقتطفات، الدعوة الى التشبث بالنصوص، بل الغاية من ذلك هو ابراز عدم انسجام رؤية الرفيق الرامي في  » نقده الماركسي » مع رؤية احد ابرز المفكرين الماركسيين خلال القرن الماضي. وبالتأكيد ان لبقية الماركسيين ، مفكرين ومناضلين ، رؤى اخرى مختلفة مع رؤية الرفيق الرامي. ما نخلص اليه هو ان الماركسيين ليست لهم رؤية موحدة ووحيدة حول الحزب.

لنترك ادن النصوص جانبا ونطرح مسالة الحزب الثوري كموضوع لنقاش مفتوح بين الثوريين.

المسألة من وجهة نظرنا، يمكن صياغتها بتركيز في ماهية الحزب البروليتاري أو حزب الطبقة العاملة المستقل في السياق التاريخي الحالي والشروط السياسية الراهنة. لا يعني هذا عدم الاستفادة من دروس التجارب السياسية السابقة ، بل يعني قراءة هذه التجارب بوضعها في شروطها السياسية والتاريخية.

وحتى بالرجوع الى التجربة التاريخية ، فانه لا يمكن ان نستنتج منها أن الحزب البروليتاري تتحدد طبيعته من خلال قاعته الاجتماعية. فالحزب الشيوعي الصيني على سبيل المثال ، كانت قاعدته الاجتماعية المباشرة من صغار الفلاحين، ولم يكن التيار البلشفي عماليا بالمعنى الاجتماعي للكلمة ، على عكس التيار المنشفي الذي كانت قاعدته الاجتماعية ذات غلبة عمالية. ولا داعي للتذكير بأن القاعدة الاجتماعية للعديد من الاحزاب البرجوازية الجماهيرية هي قاعدة عمالية (الحزب العمالي البريطاني، حزب العمال البرازيلي…).

 ما يجب استنتاجه من التجربة التاريخية هو ان طبيعة الحزب وهويته لا تحددها قاعدته الاجتماعية، بل خطه السياسي ومضمون تدخله في الصراع الطبقي. ليست ادن القاعدة الاجتماعية المباشرة عاملا محددا لماهية الحزب البروليتاري أو العمالي، بل العامل الاساسي المحدد هو خطه السياسي الطبقي المستقل في المعارك الطبقية.

وبهذا المعنى لا يمكن ان تكون القاعدة الاجتماعية لحزب اشتراكي ثوري جماهيري محصورة في العمال، بل لا بد أن تشمل قطاعات جماهيرية واسعة من صغار الفلاحين (الجماهير القروية) والحرفيين والعاطلين (كادحي الاحياء الشعبية) والمثقفين والموظفين وصغار الملاكين (الفئات المهددة والمرشحة للبلترة). وهذه هي القاعدة الاجتماعية التي ارتكزت عليها معظم الحركات الثورية الجماهيرية ، بما في ذلك الحزب الذي قاد ثورة اكتوبر.

ومع احترامنا لكل الرؤى الثورية ، سواء كانت منتسبة للماركسية او لغيرها، فان الرؤية التي يدافع عنها الرفيق رامي رؤية سوسيولوجية لا تنسجم مع الماركسية كنظرية ثورية أساسها صراع الطبقات وليس وجود الطبقات ككتل اجتماعية.

 وفي اعتقادنا أن الرفيق ارتكب خطأ نظريا باختزاله الصراع الطبقي في الصراعات الناجمة من التناقض المباشر بين الرأسمال والعمل.  وهنا أيضا يمكن الرجوع، ليس الى النصوص، بل الى التجربة الملموسة للصراع الطبقي، ليتبين ان العديد من النضالات والصراعات الاجتماعية الراهنة تنبثق ، ليس من التناقض المباشر بين الرأسمال و العمل، بل من مجمل تناقضات مسلسل التراكم الرأسمالي ومستلزماته في المرحلة الراهنة من تطور أزمة النظام الرأسمالي.

 وفي وضع بلد تابع كالمغرب يتولد عن النموذج الرأسمالي القائم تركيبة طبقية مفككة( بروليتاريا القطاع غير المهيكل، جماهير شعبية واسعة مفقرة… ) لا يمكن اختزالها في ثنائية الطبقة العاملة- البرجوازية، ويؤدي انفجار تناقضات هذا النموذج الى بروز حركات اجتماعية شعبية، نضالاتها ومطالبها وتطلعاتها، في تناقض موضوعي مع الرأسمالية. وما يجمع بين مكونات هذه الكتلة الاجتماعية الواسعة، ليس وضعها الاجتماعي غير المختلف عن الوضع الاجتماعي للعمال فحسب، بل أيضا، وهذا هو الاساسي في الصراع الطبقي، مصلحتها الموضوعية في تغيير نظام التملك والتوزيع الرأسماليين. ان عدم الاعتراف بهذه الكتلة الشعبية كقاعدة اجتماعية للمشروع الثوري يقود على الصعيد السياسي والبرنامجي الى اخطاء ذات تكلفة سياسية باهضة. ومن بين هذه الاخطاء التنازل الطوعي عن كسب هذه الكتلة الى المشروع الثوري بدعوى تعدد انتمائها الطبقي.

ودون الخوض في معضلة الخط السياسي » غير الطبقي وغير المستقل » الذي دافع عنه تيارالرفيق الرامي داخل حركة 20 فبراير، الم يجد الرفيق رامي ورفاقه انفسهم وسط حركة شعبية « متعددة الطبقات » ولا ترتكز على الطبقة العاملة كما يتصورها الرفيق؟

وفق منطق الرفيق الرامي، لا تشكل الجماهير الشعبية المنتفضة في افني وبني بوعياش وفي مختلف القرى وضواحي المدن قاعدة اجتماعية مباشرة لمشروع ثوري بحكم عدم انسجام نسيجها الاجتماعي او ما يسميه الرفيق « تعددها الطبقي ».

الم يقرأ الرفيق الثورات الأخيرة في العالم العربي التي لعب فيها الكادحون والبوعزيزيون من مختلف الفئات الاجتماعية دورا مفجرا لهذه الثورات؟.

يوظف الرفيق تجربة الاتحاد الوطني للقوات للقوات الشعبية ليستنتج منها، وليس من تجربة الصراع الطبقي، أن مأل من يدعو لحزب للعمال والكادحين هو ما أل اليه من كان يدعو قبل خمسين سنة الى حزب للقوات الشعبية. هنا ايضا، يستبدل الرفيق رامي التحليل السياسي الطبقي بالتحليل السوسيولوجي الميكانيكي. هل يمكن تفسير انحطاط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بسبب قاعدته الاجتماعية الشعبية؟ أم يجب تفسير هذا الانحطاط بالخط السياسي المساوم والانهزامي الذي قاد القوى الشعبية الى الانهزام امام الكتلة الطبقية السائدة وساعد نظامها على تفكيك جيش التحرير وتدجين بيروقراطية النقابة والحزب وإجهاض انتفاضة مارس 65؟.

ان المثال الذي يوظفه الرفيق كدليل لدعم استنتاجاته، هو في الحقيقة دليل على عدم صواب هذه الاستنتاجات. فقد كانت القاعدة العمالية لحزب القوات الشعبية أوسع بكثير من القاعدة العمالية لتيار النهج الديمقراطي واليسار في مجموعه، لكن هذه القاعدة العمالية لم تمنع من انحطاط هذا الحزب وتكيفه فيما بعد مع النظام القائم. ليست ادن القاعدة الاجتماعية هي سبب الانحطاط بل الخط السياسي الذي نهجته قيادة هذا الحزب.

ان ما يعتقده الرفيق رامي نقدا ماركسيا هو في حقيقة الامر نقد لا ينسجم مع الماركسية ، منهجا ومضمونا. وهو اقرب الى المنهج الستاليني منه الى المنهج الماركسي. فالنقد الماركسي لا يبنى على أحداث منزوعة عن سياقها التاريخي والسياسي و مقولات غير مادية وموظفة بشكل انتقائي .

يبدو أن المنطق الذي تحكم في الرفيق الرامي، ليس هو نقد الخط السياسي لتيار النهج الديمقراطي وسياسته ومواقفه الملموسة وسط اليسار الاصلاحي وداخل النقابات والإطارات الجماهيرية، بل منطق المنافسة والصراع حول  » شرعية ثورية » قد لا ينتزعها أي طرف من اطراف هذا الصراع. هذا المنطق هو الذي سيعود باليسار اربعون بل ستون سنة الى الوراء اذا ما  بقي متحكما في النقاش بين مناضلي ومكونات اليسار الثوري..

فقبل الحكم على التطور المستقبلي لتيار النهج الديمقراطي الى حزب اصلاحي على شاكلة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان على الرفيق رامي الجواب عن سؤال هل تسمح الشروط الراهنة في المغرب وغيره من البلدان التابعة، بإعادة تشكل حزب اصلاحي جماهيري ؟ لو ركز الرفيق جهده على تحليل طبيعة المرحلة وخصوصيات أزمة الرأسمالية والعولمة لتوصل الرفيق الى محدودية القاعدة المادية والسياسية لإعادة تشكل حركات سياسية اصلاحية ترتكز على الطبقات الشعبية.

 ان تطور الحركات السياسية لا تحدده قاعدتها الاجتماعية، بل يحدده  شكل ومضمون تدخلها السياسي في مسلسل الصراع الطبقي، فالطبقات لا يتمظهر وجودها إلا من خلال صراعها الطبقي. أما القاعدة الاجتماعية المباشرة لما سيكونه حزب الطبقة العاملة مستقبلا، فستفرزها النضالات الملموسة في كل مرحلة من مراحل تطور الصراع الطبقي.

بدل اهدار الجهد والوقت في تحليل مقارن للحركات السياسية كان الاجدر بالرفيق توظيف الوقت والجهد في :

–  تحليل الدينامية الاجتماعية الراهنة التي ستنبثق منها القوى التي ستشكل القاعدة الاجتماعية للمشروع الثوري.

– التفكير في شكل واليات توحيد القوى التي تفرزها هذه الدينامية لبناء كتلة طبقية في مواجهة الكتلة الطبقية السائدة.

– الاستراتيجية السياسية والنضالية الكفيلة بتعديل موازين القوى لصالح الطبقة العاملة والجماهير الشعبية .

حول مقال « للنقد الماركسي اصول »

يمكن الاتفاق مع الرفيق تيتي في اكثر من فكرة، ويمكن مواصلة النقاش حول بقية القضايا الخلافية اذا ما توفرت شروط نقاش يفضي الى توضيح الرؤى واجلاء مساحات الغموض بين مقارباتنا لمختلف القضايا السياسية الجوهرية. لكن هذا لا يمنع من ابداء بعض التحفظات حول المنهجية والخطاب وتناول المعطيات في مقال الرفيق تيتي. فرغم صواب تفنيده للأساس المادي الذي بنى عليه الرفيق رامي تحليله واستنتاجاته و توقعاته بشان التطور المحتمل لتيار النهج الديمقراطي ، وهو أمر لا يتوقف سوى على امتلاك أدوات ومنهجية التحليل الماركسي، فان المنهجية و الاستعمال الانتقائي للمعطيات وعدم والتدقيق في صحتها افقد مقال الرفيق تيتي قوة الإقناع وجعله مجرد صورة طبق الاصل لمقال الرفيق رامي، وان بصياغة مختلفة.

وقبل تناول المضمون سنبدي  بعض الملاحظات حول المنهجية والمعطيات التي استند اليها الرفيق دون تدقيق في صحتها.

ان مماثلة مضامين مقال الرفيق الرامي مع الأطروحات التروتسكية يحيل، اما الى جهل تام بالتروتسكية (وهي تروتسكيات كما هي الماركسية اللينينة) وإما الى نية مقصودة لاستغلال هفوات ومكامن الضعف في في هذا المقال للهجوم على التيارات السياسية المنتسبة الى التروتسكية. وهي للأسف نفس المنهجية التي اعتمدها الرفيق رامي حينما ماثل بين تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتجربة تيار النهج الديمقراطي لإسناد توقعاته بشان المستقبل السياسي لهذا التيار.

 كان على الرفيق تيتي وهو يذكر بأصول النقد الماركسي ان يلتزم بهذه الأصول حتى يمكنه اقناع قرائه ومحاوريه بصدقية نواياه. فهو يدعو الى »توخي الموضوعية والتحرر… من ارث الماضي والصراعات التاريخية التي عرفتها الحركة الشيوعية العالمية » لكنه يلجأ الى نفس الصنف من الخلافات، لتبرير استنتاجاته.

 فنعت التروتسكية مثلا بالعمالوية، هو اتهام من مخلفات خلافات الماضي وجهل غير مبرر بإسهامات تروتسكي وتياره او على الاقل بعض فصائله. أما حثه « الحركة الشيوعية المغربية » على « مناقشة قضايا لم تكن مثار جدل في أوساطها سابقا نظرا لمستجد التواجد التنظيمي لتيارات تروتسكية جديدة » دون توضيح ما هي هذه القضايا، يحيل الى حقبة مظلمة في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية، عنوانها اتهام التيار التروتسكي والمعارضة الشيوعية اليسارية بشكل عام، من قبل شيوعيي ستالين بالعداء للثورة والعمالة للامبريالية والنازية، لتبرير تصفية المعارضة اليسارية ودبح قادة الثورة الروسية وحل الاممية الشيوعية كشرط من شروط ابرام اتفاق ستالين هتلر.

 ألا يعتبر الرفيق الحبيب تيتي التيار التروتسكي مكونا من مكونات الحركة الشيوعية؟ وأين المشكل اذا كانت التيارات التروتسكية أو غيرها من التيارات حديثة ولم يسبق لها وجود تنظيمي في السابق؟ علما ان الرفيق تيتي، وهو من قدماء منظمة الى الأمام ، على علم بوجود مناضلين من الحركة التروتسكية في صفوف هذه المنظمة و خارجها.

 لا يكفي الدعوة الى « توخي الموضوعية والتحرر… من ارث الماضي والصراعات التاريخية » لنقاش قضايا راهنة، بل يجب الالتزام بها لاقناع الاخر بجدوى هذه الدعوة. نحن لا نسوق هذه الملاحظات بحثا عن شرعية تاريخية او استجداء شهادة الاعتراف من أحد، بل نسوقها بهدف الدعوة الى التمييز بين السجال مع الخصوم السياسيين وبين قواعد النقاش مع رفاق الطريق. فالخلط بينهما يفقد النقاش جدواه ويفرغه من محتواه الفكري والسياسي.

 فمن أجل تطوير نقاش سياسي حقيقي يفضي الى حوار مثمر وتعاون بين الثوريين،علينا الارتقاء بهذا النقاش الى مستوى النقاش الفكري والسياسي، بعيداعن السجالات العقيمة والاستخدام الانتقائي للمعطيات الذي لايؤدي سوى الى تكريس حالة الفقر الفكري وشحن الشباب بخلافات لم يكونوا طرفا فيها وليسو مسؤلين عنها .

ولا نعتقد ان الرؤية الأبوية التي ينظر بها الرفيق تيتي الى بقية مناضلي اليسار الثوري وخاصة الشباب منهم ( مجموعة شباب، أصحاب الجملة الثورية….) ستساعد على كسب الطاقات الشابة الى المشروع الثوري، ولسنا في حاجة الى التذكير بخطر تجفيف معظم المنابع التي كان يتغذى منها اليسار وأثاره الوخيمة على مستقبل اليسار، بما في ذلك مستقبل تيار الرفيق تيتي.

علينا الانتباه الى ما جرى ويجري من حولنا، فلا أحد يمكنه اليوم الركون الى شرعية تاريخية مزعومة أو الاعتقاد بامتلاكه لأجوبة مكتملة وناجزة عن مختلف التحديات والإشكالات التي يصطدم بها اليسار الثوري. فهناك تيارات سياسية كانت اكثر انغراسا، اجتماعيا وتاريخيا، من النهج الديمقراطي، عصفت بها الرياح وانمحت من الساحة السياسية.

لنترك التاريخ للمؤرخين ونعود الى جوهر موضوعنا.

يعتبرالرفيق تيتي ان « احد ابرز نقط الخلاف » مع التروتسكيين هو في « عدم تحليلهم للتشكيلة الاجتماعية المغربية الملموسة التي على أساسها يدور الصراع الطبقي الملموس » و في كونهم يعتبرون ان « المهمة  المباشرة والعاجلة الملقاة على عاتقنا في المغرب ومجمل البلدان التابعة، هي الاشتراكية ». وهو ما يؤدي، في نظره، إلى « احتقار كل معضلة النضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني وتمفصله مع  قضية النضال والانتقال الطويل نحو  الاشتراكية ».

 هل يمكن للرفيق تيتي، وهو يوصي غيره بتوفير »العدة والمادة السياسية والتاريخية والحقائق »  لأتباعهم « كي يشغل هؤلاء هم أنفسهم أدمغتهم فيصوغوا الخلاصات ويتوصلوا إلى الاستنتاجات ويبنوا القناعات » ان يدل اتباعه عن « المادة السياسية والتاريخية والحقائق » التي استقى منها خلاصاته واستناجاته حول منظور التروتسكيين للمهام المباشرة للثورة في البلدان التابعة؟ وهل يمكنه ان يدل أتباعه او على الاقل قراء مقاله الاخير، عن الوثيقة او النص الذي استنتج منه « احتقار » التروتسكيين لمهام النضال من اجل الديمقراطية والتحرر الوطني؟ و من هي التيارات التروتسكية التي لا تنظر الى تمفصل مهام التحرر الوطني والديمقراطي مع مهام الانتقال نحو الاشتراكية؟ …..

ان مضمون كل معارك تروتسكي والتيارات التروتسكية حول مهام الثورة في البلدان التابعة، كان اساسا هو الدفاع عن تمفصل (عدم الفصل بين ) مهام التحرر الوطني والديمقراطي بالمهام الاشتراكية. ولو بدل الرفيق تيتي جهدا بسيطا لقراءة وثيقة او وثيقتين لأحد التيارات التروتسكية وشغل دماغه بدل استنفار عواطفه وردود افعاله ، لتوصل بموضوعية ، الى استنتاجات وخلاصات غير تلك التي نسبها الى الحركة التروتسكية واكتشف ان مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية الذي يتبناه تياره، على الاقل نظريا، لا يختلف كثيرا عن مفهوم الثورة الدائمة الذي تتبناه الحركة التروتسكية.

ليس الخلاف ادن مع تيار النهج الديمقراطي، في المرحلة الراهنة، حول علاقة المهام المباشرة للثورة بمهامها الانتقالية، كما يعتقد الرفيق تيتي او حول اسم الحزب و قاعدته الاجتماعية، كماذهب اليه الرفيق رامي، بل حول علاقة  الممارسة الملموسة لهذا التيار بالأهداف السياسية الاستراتيجية.

وبصيغة أخرى، هل تسمح الممارسة السياسية الملموسة لتيار النهج الديمقراطي ، على الصعيد الجماهيري ، والتحالفات السياسية وعلى مستوى تجميع وتوحيد القوى الثورية ، بالتقدم ولو بشكل تدريجي ومتعثر، نحو هدف بناء الاستقلال السياسي للطبقة العاملة وعموم الكادحين؟ نحن لا نعتقد ذلك.

 فاذا ما اخدنا على سبيل المثال، الممارسة النقابية لتيار النهج الديمقراطي ، التي يتحدث عنها الرفيق تيتي، فسيكون من السهل  الوقوف على عدم انسجام هذه الممارسة مع سياسة نقابية تربط بين المطالب والنضالات المباشرة و بين الهدف الإستراتيجي ، سواء على مستوى الحزب او على مستوى البديل الاجتماعي. بل ان هذه الممارسة لا تنسجم حتى مع هدف تطوير الديمقراطية العمالية والتنظيم الذاتي للطبقة العاملة، هذا ناهيك عن بناء الوحدة النضالية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة.

وما يسري على الصعيد النقابي يسري على باقي مستويات العمل الجماهيري. وقد شكلت محطة 20 فبراير امتحانا ملموسا لهذه الممارسة. فتجربة تيار الرفيق تيتي ومعه ايضا تيار الرفيق الرامي، داخل حركة 20 فبراير، تكشف بالملموس الخلل الحاصل بين ما هو مكتوب في المقررات وبين الممارسة العملية. وهي ممارسة اقل ما يمكن القول بشأنها ، عدم انسجامها مع سياسة طبقية مستقلة مرتبطة بهدف بناء الاستقلال السياسي للطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة او بهدف تطوير نضال ديمقراطي جماهيري.

يمكن ادن الاتفاق مع المقررات والبرامج والتحاليل، او على الاقل عدم اعتبار الاختلاف معها يشكل عائقا للتقدم معا في بناء حزب سياسي ديمقراطي وتعددي وموحد بين مختلف مكونات اليسار الثوري. لكن ذلك غير كافي ادا كانت الممارسة العملية تقف عائقا مباشرا للتقدم نحو هذا الهدف.

بدل الدفاع عن مقررات المؤتمر والتحاليل العامة لتيار النهج الديمقراطي، كان على الرفيق تيتي شحد قواه الفكرية واهتماماته للجواب عن سؤال: لمذا لم يبرز تيار النهج الديمقراطي كوعاء سياسي مقبول لتجميع قوى اليسار الجذري رغم صحة هذه المقررات والتحاليل؟ وبدل الركون الى تفسيرات تبسيطية (العصبوية،اليسراوية، الجملة الثورية) على الرفيق البحت عن مكامن الخلل في الخط السياسي ، ليس داك المصادق عليه خلال ايام المؤتمر، بل كما هو مترجم على صعيد الممارسة الملموسة، والذي يغذي التحفظات والحدر وعدم الثقة، والعداء في بعض الحالات.

فهل يمكن لتيار النهج الديمقراطي تجميع قوى اليسار الثوري على قاعدة ممارسة نقابية لا تشكل بديلا عن المشروع النقابي البيروقراطي؟ او تجميعها على قاعدة التحالف مع تيارات اليسار الاصلاحي التي فكت ارتباطها السياسي مع الطبقات الشعبية ولم يعد لها اي تأثيرعلى موازين القوى السياسية؟

 هنا ايضا ليس الخلاف مع تيار النهج الديمقراطي حول ضرورة تكتل الطبقات الشعبية في جبهة لمواجهة جبهة الطبقات المالكة، بل الخلاف حول الترجمة العملية لهذه الجبهة في بناء تكتل سياسي بين الثوريين والإصلاحيين على حساب بناء تكتل عمالي شعبي.

و ليس جوهر الخلاف مع تيار النهج حول السيرورات الاربع او حول مفهومه للعلاقة بين التناقض الاساسي والتناقضات الرئيسية. فالخلاف حول هذه الامور يدخل ضمن تعدد المقاربات واختلاف التقديرات، وهو امر يمكن حصوله حتى داخل النهج نفسه ولا يشكل عائقا امام العمل المشترك لبناء الاداة السياسية المستقلة للعمال والكادحين، بل الخلاف هو على مستوى الممارسة السياسة الملموسة، أي الترجمة العملية للمقررات والتحليل . وحين يطرح الخلاف على هذا المستوى، فان الوحدة غير ممكنة سواء كنا ننهل من معين مرجعيات فكرية مختلفة او من معين نفس المرجعية.

اما بشان مسالة الحزب الثوري، فليس هناك نموذج جاهز يمكن الاتفاق اوالاختلاف بشأنه. و من حسن حظ الثوريين اليوم ان النقاش حول هذه المسالة اصبح مفتوحا وغير مقيد ومكبل بنماذج يجب الاقتداء به، او الاسوء من ذلك، اعادة استنساخها.

 ودون الادعاء بامتلاك تصور او مجرد رؤية مكتملة حول ما سيكونه الحزب او الاحزاب الثورية في القرن الواحد والعشرين، تتلخص المسالة من وجهة نظرنا في  الجواب على التحديات التالية:

1-تحدي الإستراتيجية السياسية: ان الحزب المنشود بناؤه هو الاداة القادرة على قيادة نضال المضطهدين من اجل قلب موازين القوى العامة وطرح مسالة السلطة على جدول اعمال النضالات الشعبية. أي الانتقال بنضال الجماهير من نضالات فئوية وجزئية الى نضال سياسي يستهدف الاطاحة بسلطة الطبقات المالكة وإقامة سلطة شعبية بديلة.

2-تحدي أشكال النضال والتنظيم: تطوير اشكال النضال والتنظيم التي تسمح اليوم بتوحيد كفاح الشغيلة والجماهير الكادحة والمضطهدة في حركة سياسية جماهيرية واعية لأهدافها ومصالحها الطبقية المشتركة. فكل الاحتجاجات الشعبية والنضالات الاجتماعية الاخيرة كشفت عن محدودية بل تارة عقم اساليب نضالنا وأشكال تنظيمنا. وقد شكلت حركة 20 فبراير امتحانا لهذه الاساليب والأشكال.

3- تحدي الوعي السياسي: تطوير الوعي السياسي لدى جماهير العمال والكادحين، فلا يكفي الاقرار بضرورة حزب سياسي مستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين، فكل المسالة تتوقف على وعي جماهير العمال والكادحين بضرورة التنظيم السياسي واعترافهم بالحزب كاداة ضرورية لتنظيم وتوحيد كفاحهم واعطائه افقا سياسيا. وعلى هذا المستوى لا يجب استصغار حجم تحدي تطوير وعي سياسي جماهيري في بلد لم يعرف عماله وكادحوه اية تجربة سياسية او خبرة تنظيمية حقيقية، هذا علاوة على ازمة الثقة في الحزب كأداة.

4-تحدي الأفق الإستراتيجي: بلورة مشروع بديل سياسي واجتماعي يمنح الجماهير المضطهدة التقة في مشروع التغيير الجذري  الذي لا يمثل الحزب سوى احد ادوات بلوغه وانجازه.

اذا ما نظرنا الى مسالة الحزب الثوري من زاوية هذه التحديات، والتي بدونها، لا مبرر لوجوده  إلا كهدف في حد ذاته، فان التراكمات الحاصلة لحد الآن ، سواء على مستوى البلورة النظرية او على مستوى التجربة العملية، لا زالت غير كافية لبلورة رؤية مكتملة حول طبيعة الحزب الثوري اليوم.

هذه هي التحديات التي يجب ان تنصب حولها الجهود والنقاش في احترام تام لمختلف الاسهامات ودون قيود او شروط. مستعدون لمواصلة النقاش والتفاعل الايجابي مع مختلف الرؤى والتصورات.

                                                                                                         ش.لطفي

http://www.almounadil-a.info/article3002.html

http://www.annahjaddimocrati.org/index.php/AR/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/8-arabe/945-%D9%84%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%8A-%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Un commentaire pour حزب ديال العمال والكادحين : و علاش لا؟#Maroc

  1. Ping : الصيغة الإسمية للحزب الثوري أم برنامجه؟ إسهام نقدي في سجال رفيق الرامي والحبيب التيتي | Badil Tawri

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s