انسحاب « جماعة العدل و الاحسان » من نضالات حركة 20 فبراير: استجداء نصر من هزيمة

نشر المقال التالي بجريدة المناضل-ة ، عدد 45. وقد مضت سنة على انسحاب جماعة العدل و الإحسان من حركة 20 فبراير، نعيد نشره آملين تعميق نقاش تجربة حركة 20 فبراير و دروسها

وضعت حركة 20 فبراير مشكلة قيادة الكادحين في صدارة الاهتمام، فعلى امتداد العقود السابقة، و رغم التضحيات الجسام التي قدمتها أجيال من المناضلين الثوريين، في النقابات و التيارات السياسية، لم تفضي هذه التضحيات إلى بناء منظمة سياسية و لا نقابة عمالية منفلتة من سيطرة البورجوازية، هكذا عبر الاتحاد الاشتراكي خير تعبير عن استخدام العمال سياسيا لصالح مشروع بورجوازي. مع انهيار الاتحاد السوفياتي و ما لحق المشروع التحرري العمالي من خسائر فادحة و مع اشتداد الثورة الليبرالية المضادة ضد مكاسب الأجراء عالميا و الشعوب المضطهدة، تعمق الجرح أكثر و أضحت الطبقة العاملة المغربية دون بوصلة و لا خارطة و أصبحت مادة سهلة في يد البورجوازية و البروقراطية، رغم أن أشكال المقاومة العمالية بقيت حية و لكن دون أن تكون واعية بذاتها و لمصلحتها التاريخية في إنهاء استغلال الانسان لأخيه الانسان، و القضاء على الجحيم الرأسمالي، علما أن دور الطبقة العاملة و عددها عرف تطورا كبيرا خلال العقود الأخيرة.

لا شك أن الرهانات التي يطرحها الوضع السياسي، لا يمكن فهمها دون معرفة ما يجري في الحقل الاقتصادي، و بما أن الاقتصاد العالمي أصبح منذ عقود يشتغل كوحدة كلية، فلا يستقيم أي نقاش لوضع البلاد الاقتصادي و السياسي دون إلمام على الأقل بالخطوط العريضة لتطورات الاقتصاد العالمي. فنظام التراكم المبني على المالية منذ منتصف السبعينات و الذي جاء في محاولة لتجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية (1975) الأهم بعد الأزمة الكبرى للثلاثينات من القرن العشرين، وصل مع سنة 2008 إلى أزمته الشاملة، و أصبحت الرأسمالية في حالة قتال مع الموارد الطبيعية للكوكب الأرضي مفضية إلى أزمة بيئية خانقة و أزمة غذائية و طاقية، و بطالة كثيفة و انهيار في مستوى معيشة ملايين الأجراء و المهمشين.

الاقتصاد المغربي بحكم موقعه في قسمة العمل الدولية منذ الاستقلال و ارتباطه بالقوة المستعمرة (فرنسا و بدرجة أقل إسبانيا)، أي اعتماده على تصدير المواد الأولية المعدنية و الفلاحية المنخفضة القيمة المضافة، و بعض المواد شبه المصنعة التي تدخل في إطار نشاطات الشركات المتعددة الجنسيات، و كذا اعتماده على السياحة القادمة من أوروبا و تحويلات العمال المهاجرين، يجعل اقتصاد البلد يتأثر سلبا و إيجابا بتطورات الوضع الاقتصادي بأروبا و العالم. فأغلب مؤشرات الاقتصاد المحلي تميل للانحدار خلال السنتين الأخيرتين، يزيد من مفاقمة ذلك مواسم الجفاف و تأثيرها على الانتاج الفلاحي بالبلد.

الثورات و الحروب هي نتيجة الرأسمالية و شرط تجاوزها إلى نظام اجتماعي و اقتصادي و سياسي عالمي يستطع أن يضمن تعايش الانسان مع الطبيعة و تعايش البشر في ما بينهم، نظام يرتكز على تلبية الحاجات الأساسية للبشر في تناغم مع الموارد الطبيعية، نظام يخرج منطق الربح و المال من حسابات الانسان، نظام لا يجعل من خسارة الملاين من البشر لحياتهم شرط ربح أقلية قليلة من المترفين البورجوازيين لثروات طائلة و حياة مرفهة.

لقد شكل اندلاع الثورات الشعبية في المنطقة المغاربية و العربية استجابة موضوعية لتطور التناقضات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية داخل البلدان المعنية و كذا لتناقضات الاقتصاد العالمي و أزمته و الصراع بين الامبرياليات و تطلعها لاحتكار الموارد الطبيعية الحيوية لنمط الانتاج و الاستهلاك الرأسماليين و سعي هذه القوى لهيكلة الاقتصاد الدولي بما يخدم الأقلية السائدة عالميا.

هكذا لم يكن اندلاع الاحتجاج الشعبي بالمغرب يوم 20 فبراير سحابة عابرة في جو صحو بل كان نقلة نوعية مقارنة مع الاحتجاجات و النضالات المتفرقة التي عرفتها العديد من القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية و المناطق الجغرافية، احتجاجات كانت تنقصها المطالب السياسية ذات البعد الوطني، فلم يكون مطروحا مشكل من يحكم البلاد و لفائدة من على نطاق شعبي، منذ أن استطاع الحسن الثاني إبادة أجيال من الثوريين، كما لم تعد سلطة الملكية محل معارضة شعبية، و أضحت معارضتها مقتصرة على اليسار الجذري، رغم ضعفه، و تيار سياسي ديني « العدل و الاحسان » التي لم تعترف بالشرعية الدينية و لا السياسية للملكية، و هي أكبر تنظيم معارض بالبلاد، ولكن لم تخض أي صراع مكشوف مع النظام إذا استثنينا المجال الطلابي و حرب الشواطئ و لم تقود يوما نضال اجتماعي حازم مناهض لسياسة التفقير و بقيت تناوش هنا و هناك إلى أن اندلعت حركة 20 فبراير، و أعلنت الجماعة عن الانخراط فيها من بوابة شبابها (1) و نزلت بثقلها يوم 20 فبراير 2011 للشارع إلى جانب تنظيمات أخرى.

طبعا لم يكون انخراط « جماعة العدل و الاحسان » في الحركة النضالية مستبعدا و لا مفاجئ بعد الطوفان الشعبي الذي اجتاح تونس و مصر و كنس قمتي هرمي السلطة فيهما، لكن المفاجئ هو عدم دفع العدل و الاحسان للاحتجاج للسير في نفس منحى ما ذهب إليه في تونس و مصر (2) و لاحقا في بلدان أخرى.

فما الذي جعل العودة للبيوت يوم 20 فبراير ممكنة، و من الذي منع تحويل يوم الاستفتاء على الدستور الممنوح أو الانتخابات إلى منعطفات نضالية تقلب الطاولة على النظام و مناوراته؟ ألم يكون جديرا بقوة تعلن انها العمود الفقري لحركة 20 فبراير، وقد كانت فعلا كذلك، بحكم أنها أكبر و أغنى تنظيم سياسي معارض بالبلاد، أن تخوض الصراع إلى آخره ضد الاستبداد و قد أبانت الطاقات النضالية الشعبية المندفعة على إمكانية ذلك؟ أما كان ممكنا رفع سقف المطالب؟ أما كان ممكنا بوثقة النضالات الاجتماعية المتفرقة في حركة 20 فبراية و الدفع لتسييس تلك المطالب و خاصة أن الجماعة تعلن في كل مناسبة أنها الأقوى و توجد في كل القطاعات؟

هل المبررات التي ساقتها الجماعة للانسحاب من الحركة متماسكة أم أنها تخفي تلقي الجماعة للهزيمة السياسية من طرف النظام في جولتين، الدستور و الانتخابات؟

للجواب على هذه الأسئلة سنعالج أربع محطات مفصلية في مسار الحركة من خلال قراءة للمعطيات الواردة في بيانات الجماعة و المقالات المنشورة في موقعها، وكذا الاسترشاد بمعطيات تجربة الجماعة داخل احد المدن الرئيسية و يتعلق الأمر بطنجة.

أولا: الأحد 20 فبراير 2011

كان نجاح المسيرات و الوقفات الشعبية بالعديد من المدن يوم الأحد 20 فبراير مهما (أكبر حشد جماهيري كان بمدينة طنجة)، كانت التنظيمات حاضرة وطبعا من بينها « العدل و الإحسان »، لكن المسيرات تفرقت و كأننا في مسيرة للتضامن مع الشعب الفلسطيني و لسنا بصدد خوض صراع ضد نظام استبدادي نود تغييره مسترشدين بتجربتي تونس و مصر، لقد كانت العودة للمنازل في مساء ذلك اليوم المشهود الضربة القوية التي طبعت نشاط الحركة في القادم من أيامها. لم يسجل أي نزوع لشباب « العدل و الإحسان » نحو البقاء في الشارع رغم أن العديد من الشباب من أبناء الشعب عبر عن ذلك صراحة، و قد بقي في الشوارع في العديد م المدن و اغتيل منهم ستة، وسيق منهم إلى السجون العشرات و عذب المئات. بدت الحركة مترددة و غير واثقة من نفسها فسهلت على النظام القيام بحملة تخريب لتبرير القمع، و تدخل للقيام بجملة مبادرات، استهلها بحملة لتحييد النقابات العمالية و إبعادها عن الصراع و ضمها لصفه. النظام بهذا الاجراء كان يعبر عن حس طبقي برجوازي وقاد و إدراك لمكمن الخطر (تنصيب المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و استقبال المستشار الملكي لقادة المركزيات النقابية و إطلاق حوار اجتماعي مع النقابات و البطرونا توج باتفاق 26 أبريل).

ثانيا: الخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011

كان للاحتجاجات الشعبية ما بين 20 فبراير و 06 مارس 2011 و خاصة المواجهات بين قوى القمع التي صمدت فيها شباب الحركة (فرض الشباب يوم 6 مارس بطنجة التراجع على قوى القمع) وقع قوي على النظام فما كان منه إلا أن انحنى أمام العاصفة من خلال إعلانه في خطاب مبهم و لكن جيد الإخراج و الصياغة و يحتمل عدة قراءات (موجه لإرباك الرأي العام الشعبي) الإعلان عن تعديلات دستورية و تنصيب لجنة استشارية و ألية سياسية مكونة من الأحزاب التي تدور في فلكه. من هنا انطلقت مرحلة جديدة مطبوعة بمحاولة النظام التقاط الأنفاس و استرداد المبادرة.

رد الجماعة على الخطاب حمله بيان الأمانة العامة للدائرة السياسية (3) حيث اعتبر « إن الطريق إلى التغيير الجدي والحقيقي واضحة ومختصرة ولا تحتاج إلى كثير صخب ولا تسويف. تقوم فيها الإرادة الحقة في التغيير بدور حاسم. أما محاولات الترقيع واحتواء الحركات الاحتجاجية أو قمعها أو ربط حركيتها بطرف معين فلن يزيد إلا في تفاقم الوضع وتجعل من كلفة التغيير أمرا باهظا » يبدو من بيانها عدم إدراكها لسعي النظام انتزاع المبادرة من الشارع. أما القيادي بجماعة العدل و الاحسان عمر إحرشان (4) فيقول « إن هذا الخطاب وحجم التعليقات حوله وطريقة الاحتفاء بمضامينه لدى جزء من الطبقة السياسية يؤكد أن لا فاعل في المشهد السياسي سوى الملك، وأن كل الهيئات والمؤسسات تابعة ومنفذة ولا تحسن المساهمة في صناعة القرار.. » و يضيف « أما الحقيقة فتؤكد أن الخطاب الملكي كان مجرد استجابة ناقصة ومختزلة ومتأخرة لبعض مطالب الشارع ….. لقد كانت مطالب المحتجين سياسية واقتصادية واجتماعية، ولم يجب الخطاب إلا عن شق من المطالب السياسية وبسقف أدنى مما طالبت به حركة 20 فبراير ». و يختتم النص  » نجزم بأننا في مفترق طرق والطريق أمامنا، لبلوغ الدولة الديمقراطية، ما تزال طويلة، وما على المجتمع إلا الاستمرار في يقظته وحركته السلمية الضاغطة من أجل تغيير ميزان القوى لفائدة منطق التطور والتغيير عوض الاستمرارية التي أثبتت أنها عاجزة عن إدخال بلادنا إلى نادي الدول المعاصرة والديمقراطية ». إنه إعلان مبهم و مهمة عامة لا تستجيب لمتطلبات اللحظة السياسية. الم يكن من الأجدر الرد على الخطاب الملكي، بالدعوة لجعل يوم الاستفتاء على الدستور يوما للإضراب العام و جعل مطلب الجمعية التأسيسية مطلب شعبي؟ أم أن الجماعة تساير الأحداث و تنتظر أن يميل ميزان القوى لصالح الشعب المضطهد من تلقاء نفسه. إنه موقف الأحزاب التي تركيبتها الطبقية متعددة لكن قمتها قابلة بأسس النظام الاقتصادي و الاستغلال الرأسمالي و تقدس الملكية الخاصة و لا تبحث سوى عن تحسين موقعها بالنظام السياسي باستخدام طاقة النضال الشعبي أو التخويف بها. يا له من استجداء !!

أما الرد على اتفاق 26 أبريل 2011 مع البرقراطيات النقابية و ما ترتب عنه من مكاسب تافهة لأجراء القطاع الخاص فلم يكن حافزا للجماعة لاستخلاص ما يجب فعله، دليلنا في ذالك بيانها (5) لفاتح ماي الذي اكتفى بكلام عام، جاء فيه « شجبنا للتضييق على الحريات النقابية، ودعوتنا إلى حوار اجتماعي حقيقي يستجيب لمطالب الشغيلة ويضمن لها العيش الكريم؛ ….. دعوتنا لجميع المنظمات النقابية ولكل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، إلى دعم حركة 20 فبراير، إسهاما في تفكيك بنية النظام المخزني المستبد؛ » و جلي من خلال تلاوة هذا البيان أن من أصدره لم يدرك بعد دلالات الاتفاق بين الدولة و البطرونا و البروقراطية النقابية الخائنة لمصالح الأجراء، كما يوجه الدعوة لضحايا الاستبداد (العمال) و المستبدين (أرباب العمل=الفاعلين الاقتصاديين) لدعم حركة 20 فبراير التي تحارب الاستبداد بكل أشكاله. ألم يكن انفع رفع مطلب المساواة في الأجور بين النساء و الرجال و رفع الحد الدنى للأجر و خفض مدة العمل الأسبوعية لخلق فرص عمل جديدة و إلغاء العمل الهش و تجريم التسريحات الجماعية و جعلها محور التعبئة لسحب البساط من تحت أقدام النظام. لكن الأحزاب التي تحاول التوفيق بين المستغَل و المستغِل ينتهي بها الأمر لخدمة هذا الأخير(الطريق نحو الجحيم مفروشة بالنوايا الحسنة).

ثالثا: الاستفتاء على الدستور الممنوح يوم فاتح يوليوز 2011

عرفت الحركة و ما أيقضته من نضالات خلال شهري مارس و أبريل نجاحا مشجعا أربك حسابات النظام مما دفعه لتغليب منطق الجزرة على العصا، لكن تخوفه من توسعها و السعي لاختبار قوتها التنظيمية وفعالية قيادتها السياسية و كذا الحدود التي يمكن أن يتنازل إليها، جعله يدخل في حملة قمعية خلال شهر ماي، و خاصة بعد أن مر فاتح ماي دون مفاجئات، و هي حملة أدرك من خلالها الضعف السياسي للقوى المؤثرة في الحركة و ترددها و في نفس الآن أدرك أن أي تصعيد قمعي سيدفع إلى انفجار شعبي غير متحكم فيه (برهنت عليه شراسة المواجهات يومي 22 و 29 ماي بمدينة طنجة و هي مدينة عمالية). هكذا تجاسر النظام و أعلن عن دستوره و دعا للتصويت عليه يوم 17 يونيو و حدد فاتح يوليوز 2011 موعدا لاستفتائه. هنا كان الاختبار الحاسم، فلم تستطيع الحركة و الفاعل الأساسي داخلها بلورة الرد المناسب، فما من شعار يستجيب لمتطلبات اللحظة السياسية سوى شعار الإضراب العام و التظاهر في الشارع يوم الاستفتاء من اجل سحب الشرعية من نظام الاستبداد و وضع قناعه الديمقراطي تحت لهيب الاحتجاج الشعبي، لكن القوة الأساسية في الحركة، »العدل و الإحسان » رفضت بشكل قاطع الاحتجاج يوم الاستفتاء (وقد عبرت عن ذلك في طنجة بشكل جلي). كان بإمكان حركة 20 فبراير بطنجة وحدها أن تربك حسابات النظام و تحفز مدن أخرى و كالدار البيضاء، و خاصة بعد المسيرة الناجحة ليوم 26 يونيو 2011 التي عرفت مشاركة قرابة 100 ألف مواطن و مواطنة (علما أن الجماعة أعلنت أن الكلمة الختامية (6) للمسيرة حضرها 200 ألف مواطن و مواطنة و هو رقم مبالغ فيه للغاية)، و لعاقل أن يتساءل إذا كان خمس سكان المدينة قد ساهم في المسيرة حسب موقع الجماعة، الم يكن ممكنا شل الاستفتاء بها و قلب الطاولة على النظام؟ لقد مرر النظام دستوره في أحسن الشروط الممكنة، فلا مسيرة و لا وقفة شوشت عليه.

لقد وصف أحد قادة « جماعة العدل و الإحسان » بطنجة الموقف من الاستفتاء في مقال (7) نشره قبيل انسحاب جماعته من نضالات حركة 20 فبراير قائلا: « لو تبنت الحركة شعار إسقاط الاستفتاء فإن ذلك كان سيعني أنها تجعل من « المجلس التأسيسي للدستور » مدخلا شرطيا لكل مطالبها، وعندها ستكون مجبرة على الدخول في معركة كسر عظم مباشرة مع النظام السياسي، ولكنها اختارت المقاطعة …. ليقوم أسلوبها على إقامة معسكرين متباينين في لحظات معينة، والغريب أنه قام توافق غير مكتوب ترك فيه النظام السياسي للحركة أن تحسب جماهيرها في أعراسها النضالية، على أن تترك الحركة النظامَ السياسي يحتسب أصوات شعبه الوفي في أعراسه الاقتراعية ». عندما تتفاخر الجماعة بكونها كانت العمود الفقري لحركة 20 فبراير يكون جليا أن هي من قررت في شكل المعركة الدستورية و بالتالي هي من تتحمل مسؤولية الهزيمة السياسية للحركة عند هذه الجولة.

رابعا: في الطريق إلى الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011

اعتبرت « العدل و الإحسان » في بيان الأمانة العامة للدائرة السياسية (8)  » إن الوضع الآن ما يزال يراوح مكانه لأن شيئا مهما لم يحدث ولا تغييرا حقيقيا وقع، بل وقعت الانتكاسة الكبرى في مرحلة فاصلة كان بالإمكان أن تضعنا على السكة الحقيقية التي ينادي بها جميع الشرفاء منذ زمن بعيد…. « . و يضيف البيان « … فإما نجاري المفسدين المستبدين المستغلين السلطة والثروة ليواصلوا الدفع بالبلد إلى الهاوية ، أو أن نتحمل جميعا، أحزابا وحركات ونخبا وعقلاء في كل الدوائر، مسؤوليتنا التاريخية أمام الله والشعب والوطن، ونواجه الحقائق ونفتح باب الحوار الشامل على قاعدة ميثاق وطني جامع، لنجنب البلاد الانزلاق نحو الهاوية والسير في طريق المجهول الذي تسعى إليه وتدفعنا نحوه الجهات المغرقة في الفساد والمنتفعة من الاستبداد ». إن لغة الاستجداء غالبة على البيان و تخفي ما لقيته الحركة من انتكاسة جراء تمكن الاستبداد من تمرير دستوره بسلام، و جلي أن البيان لا يستخلص المهمة العاجلة الضرورية لإرجاع الضربة للنظام، رغم دقة المرحلة و خطورتها، فبدل تدارك الأمر و السعي لجعل محطة الانتخابات مناسبة لتأجيج الحركة و الدعوة للاضراب العام و العمل على دمج المطالب الاسياسية و الاقتصادية و تبني المطالب الملحة للساكنة و خاصة تلك التي تحضى بالتفاف شعبي كبير. فمثلا رفضت « العدل و الاحسان » بإصرار النضال ضد أمانديس بطنجة حيث هناك إجماع للسكان على ضرورة طردها، و كان من السهل تسييس القضية وربطها بلا شرعية المؤسسات المنتخبة و الحكومة الموقعة على اتفاقيات التدبير المفوض و الخوصصة، لأن الجميع يقر بأن تاريخ الانتخابات بالمغرب هو تاريخ التزوير. فكيف يعقل أن تخرج 200 ألف متظاهر للشوارع و لا تتمكن الحركة من فرض طرد أمانديس و حتى انهيارها و هي تحوز حقدا واسعا وسط الساكنة؟

لكن الجماعة لم تدرك دقة المرحلة رغم أن أحد قادتها التقط الخيط (9) حيث لاحظ أن « بعد الاستفتاء ـ أي يوم السبت 2 يوليوز … تنطلق الجولة الثانية من الحراك الشعبي بقواعد لعب جديدة وميزان قوى تختلف عما كانت عليه قبل الاستفتاء. جولة لا يُسمح فيها بالخطإ من الطرفين، والنزال سيحسم من خلال جزئيات الأمور. تُرى من سيكون أكثر ضبطا للنفس انتظارا لهفوة المنافس، ويتمكن من استثمار فرصته الوحيدة وتسجيل الهدف الذهبي!؟ »

بعد تزوير الاستفتاء على الدستور و تشكيل « التحالف من أجل الديمقراطية » (10) بنت « العدل و الاحسان » استراتيجيتها على مسلمة كون النظام سيزور الانتخابات لصالح التحالف و ضد حزب العدالة و التنمية، و هو ما سيدفع هذا الحزب للاتحاق بحركة 20 فبراير أو تهجره قواعده و سيأجج السخط الشعبي ضد النظام (كان أنصار الجماعة بطنجة مثلا يصرحون دوما أن النضال الفعلي سينطلق بعد 25 نونبر 2011 أي بعد الانتخابات).و هذه خدعة انطلت على « العدل و الاحسان » لأنها لم تكن تدرك مكانة و أهمية حزب العدالة و التنمية بالنسبة للنظام الاستبدادي . و جلي أن النظام ما كان ليعبث بمصيره إلى هذا الحد.

النقطة الثانية التي أعادت فيها « العدل و الاحسان » ارتكاب الخطأ الذي لا يغتفر هي ترك يوم الجمعة 25 نونبر يمر دون احتجاج، علما أن حملة المقاطعة ما كان لها من معنى إن لم تتوج بإضراب عام ينزع الشرعية عن مؤسسات النظام و يقابلها بشرعية الشارع، فقد كان من شأن ذلك أن يربك حسابات النظام و القوى الملتفة حوله، و قد عارضت الجماعة في طنجة بإصرار أي احتجاج و كذالك فعل شبابها في الحركة، لقد عرفت طنجة مسيرة ضخمة يوم 20 نونبر 2011 قدر عدد المشاركات و المشاركين فيها بما يفوق المئة ألف، و قد كان المزاج الشبابي و الشعبي يتطلع للاحتجاج يوم الجمعة و مواجهة ديمقراطية الاستبداد في الشارع، لكن مرة أخرى العمى السياسي لم يستطيع التمييز بين أهمية الأيام و التوقيت في السياسة، لقد رفضت الجماعة في اجتماع التنسيقية يوم 24 نونبر 2011 بطنجة أي شكل من أشكال الاحتجاج يوم الاقتراع و لو بعد إغلاق مكاتب التصويت.

و سجل الهدف الذهبي، و نزل خبر فوز حزب بن كيران بانتخابات الاستبداد، و كان ما كان من ضربة مؤثرة على المعنويات الشعبية، فأسبوع بعد المسيرة الضخمة السالفة الذكر لم يتجاوز عدد المشاركين في المسيرة في أحسن الأحوال الخمسين ألف، أي تراجع قوة الحركة بالنصف في ظرف أسبوع.

هكذا سيتبلبل موقف الجماعة، فكيف يمكن تفسير انسحاب الجماعة من نضالات حركة 20 فبراير و هي تقول أنها عمودها الفقري و انها قدمت تضحيات كبيرة (11) داخلها بغير الاستسلام في و جه النظام على الأقل في هذه الجولة؟ السعي للانسحاب بعجالة من الحركة المناضلة ضد الاستبداد ليست سوى مناورة للإيحاء بالقوة و الحفاظ على ماء الوجه.

و ماذا بعد؟

انسحاب « جماعة العدل و الاحسان » من حركة 20 فبراير يضعها مباشرة ضدها، مهما حاولت إنكار ذلك، فاستمرار الحركة و تطورها يسعد إخفاقا مزدوجا للجماعة، لكن العداء السافر لها سينزع عن الجماعة مصداقيتها، لكنها تلجأ للمناورة من خلال الاهتمام بقضايا التضامن مع الشعب الفلسطيني و الشعب السوري مثلا، و هي قضايا تلقى صدى من طرف المواطنين و تُنظم مسيرات لدعمها من اطراف عدة و تلقى تساهلا من طرف النظام الاستبدادي، الجديد هو تزامن هذه المسيرة الضخمة لدعم الشعب السوري مع التحرك الذي قاده النظام في مجلس الأمن بمعية إمارات البترول للتآمر على الثورة السورية إلى جانب القوى الامبريالية. ألا تستحق سبعة آلاف أسرة هدمت مساكن بنتها إبان الحراك الاجتماعي و السياسي من طرف سلطات تحمي رأسماليي القطاع العقاري التضامن؟ ألا يستحق نساء و أطفال و شباب تازة و بني بوعياش التضامن الفعال و حشد المسيرات جراء ما تعرضوا له من مس بالكرامة وقمع؟

تقول « العدل و الاحسان » في رسالة (12) لها إلى حزب العدالة و التنمية  » إخوتنا الأفاضل، نختلف معكم جذريا، ونعتبر –وهذا تقديرنا– أن تزكيتكم ودفاعكم عن هذا الدستور كانا مساهمة في الالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب، ومساهمة كذلك في تضييع فرصة ليست بالهينة، مع العلم أن الفرص الكبرى لا تدوم إلى الأبد ». فعلا الفرص الكبرى لا تدوم و تضيعها تتحمل فيه الجماعة مسؤولية مباشرة لكنها حاولت أن تلقيها في بيان انسحابها على غيرها.

على سبيل الخاتمة:

لم يكن يوما لدى الاشتراكيين الثوريين وهم حول النزعة الديمقراطية للقوى البورجوازية منذ أن بسط النظام الرأسمالي سلطته على ما سواه من أنظمة اجتماعية سابقة، فالأحزاب البورجوازية أيا كان الغطاء الذي تلتحفه، ليبرالية أو قومية أو دينية، تبقى مرعوبة من طاقة الطبقة العاملة و عموم الجماهير المفقرة حتى و هي طبقة دون تعبير سياسي، و تسعى للحفاظ على أسس النظام الاقتصادي المبني على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يؤكد ذلك سعي الإخوان المسلمين في مصر و النهضة في تونس و حلفائهم للحفاظ على الجهاز العسكري و القمعي للنظام الرأسمالي التبعي و الهجوم على المطالب العمالية و الشعبية دون مساسهم في نفس الوقت بمصالح الرأسمال المحلي و الأجنبي. هذا تعبير عن حقيقة طبقية هذه القوى السياسية، أما تعاونها مع الامبريالية الفرنسية و الأمريكية فلا يحتاج لإيضاح.

إن بناء أدوات النضال العمالي و الشعبي و حزب العمال الاشتراكي، بهدف قيادة النضال ضد البورجوازية و دولتها و القضاء على نظام الاستغلال و مقاومة الامبريالية، مهمة لا غنى عنها، فالثورات و التمردات يمكن أن تنطلق بشكل مفاجئ و لا أحد يستطيع تحديد موعدها، إلا ان نجاحها في القضاء على الاستبداد و بناء مجتمع جديد خالي من الاستغلال الرأسمالي و كل اشكال الاضطهاد، يبقى مرهونا بوجود هكذا حزب عمالي. حزب يجمع خيرة مناضلي الطبقة العاملة يمركز النضالات و يقود الصراع في وجه البورجوازية و دولتها. حزب لا مصلحة له غير مصلحة الطبقة العاملة و عموم الشعب المضطهد.

تثبت الأيام و الأحداث و أحيانا بشكل مأسوي حاجتنا لهذا الحزب، فلنجعل من إخفاقنا في السنة الماضية رافعة لتنظيم الطلائع المناضلة على طريق بناء منظمات عمالية مستقلة عن البورجوازية و أحزابها و دولتها.

أ.د

مارس 2012

إحالات :

(1) انظر البيان المعنون  » شباب العدل والإحسان يشارك في احتجاجات 20 فبراير 2011″ على الرابط: http://www.aljamaa.net/ar/document/39261.shtml

(2) « وإن الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان إذ تعتبر حق الشعوب في تقرير مصيرها حقا مشروعا يتيح لها اختيار أجهزة الحكم والسلطة، ونوع النظام الذي ترتضيه وتختاره بكل حرية وشفافية، وإذ تعتبر النظامين الحاكمين في تونس ومصر نظامين غير شرعيين، ومرفوضين بكل المقاييس الديمقراطية والشرعية » انظر البيان على الرابط التالي: وقد نشر بتاريخ 3 فبراير 2011 http://www.aljamaa.net/ar/document/39077.shtml

(3) انظر البيان على الرابط التالي: تاريخ النشر: الخميس 17 مارس/آذار 2011

http://www.aljamaa.net/ar/document/40600.shtml

(4) انظر النص التالي: « مغرب في مفترق الطرق » ونشر يوم 24 مارس 2011 على الرابط التالي:

http://www.aljamaa.net/ar/document/40991.shtml

(5) انظر نص البيان: القطاع النقابي: جميعا من أجل مغرب الحرية والعدالة الاجتماعية تاريخ النشر: الخميس 28 أبريل/نيسان 2011

http://www.aljamaa.net/ar/document/42599.shtml

(6) انظر النص التالي  » أكبر مسيرة تشهدها طنجة تصدح برفض دستور الاستبداد  » نشر يوم الإثنين 27 يونيو/حزيران 2011 على هذا الرابط:

http://www.aljamaa.net/ar/document/45463.shtml

(7) انظر مقال ذ. خالد العسري  » حركة 20 فبرير لحظة ثورة أم احتجاج سياسي؟ » على الرابط التالي:

http://www.alaalia-press.com/index.php?option=com_content&view=article&id=553:—-20——&catid=36:2011-07-12-17-55-44

(8) انظر البيان المعنون ب » فاتح يوليوز 2011 صفحة مشرقة في سجل النضال الشريف للشعب المغربي ضد الاستبداد والفساد » المنشور بتاريخ 3 يوليوز 2011 على الرابط التالي:

http://www.aljamaa.net/ar/document/45794.shtml

(9) انظر مقال المصطفى سنكي « النظام يلعب كل أوراقه » المنشور بتاريخ 5 يوليوز 2011 على الرابط التالي: http://www.aljamaa.net/ar/document/45926.shtml

(10) التحالف ضم الأحزاب التالية: التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، الأصالة والمعاصرة، الحزب الاشتراكي، اليسار الأخضر، الحزب العمالي، وحزب النهضة والفضيلة. و هي أحزاب خاضعة لتوجهات البلاط الملكي، وقد تم الاعلان عن تشكيله يوم 5 أكتوبر 2011.

(11) التضحيات التي قدمتها الحركة عموما تبقى بسيطة بالمقارنة مع ما جرى في باقي البلدان التي عرفت سيرورات ثورية، ومهما يكن فالأرقام التي نشرتها « رابطة محامي العدل والإحسان » كحصيلة أولية لضحايا قمع واعتقالات ومحاكمات السلطات المغربية لنشطاء ومؤيدي حركة 20فبراير منذ انطلاقتها إلى غاية 24 نونبر 2011 توضح حجم التضحيات و نصيب العدل و الاحسان منها. فعـدد الذين زج بهم في مخافر الشرطة : 1193 شخص من بينهم 355 عضوا من جماعة العدل والإحسان. و الذين أصيبوا بجروح وكسور ورضوض : 595 شخص من بينهم 340 عضوا من جماعة العدل والإحسان. و الذين توبعوا قضائيا بجنح : 49 شخص من بينهم 19 عضوا من جماعة العدل والإحسان. و توبع قضائيا بجنايات : 178 شخص من بينهم 17 عضوا من جماعة العدل والإحسان. في حين اعتقل إبان الحملة الداعية إلى مقاطعة الإنتخابات : 135 شخص من بينهم 60 عضوا من جماعة العدل والإحسان. أما عـدد الوفيات فوصل 11 شخص من بينهم عضوا واحدا من جماعة العدل والإحسان. البيان موجود على الرابط التالي:

http://www.aljamaa.net/ar/document/50083.shtml

(12) انظر الرسالة المنشورة يوم الأربعاء 11 يناير/كانون الثاني 2012 على الرابط التالي:

http://www.aljamaa.net/ar/document/51660.shtm

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s