الصيغة الإسمية للحزب الثوري أم برنامجه؟ إسهام نقدي في سجال رفيق الرامي والحبيب التيتي

هذا المقال إسهام في السجال الذي فتحه مقال رفيق الرامي المنشور بموقع « المناضل-ة » بعنوان: »حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين: نقد ماركسي » ورد عليه أحد قياديي النهج الديموقراطي الحبيب التيتي بمقال معنون بـ « للنقد الماركسي أصول ».

وإذ نعتبر مجرد فتح هذا النقاش في صفوف اليسار الجذري مسألة صحية، إلا أننا نعتبر كلا الرفيقين يحلقان خارج الإشكاليات الفعلية التي يناقشها اليسار الثوري عبر العالم. نعني بذلك أن ماركسيي القرن العشرين إذ يستندون على دروس ثورات القرن العشرين ومجمل الرصيد النظري للقادة الثوريين الذين بلوروها، فإن المطلوب منهم اليوم ليس اجترار تلك الموضوعات الكلاسيكية وتحويلها الى أيقونات، بقدر ما يجب بلورة رؤى وبرامج اشتراكية القرن 21 على أساس إشكاليات الصراع الطبقي لعالم اليوم. كما أن روح التجديد والتمسك بـ »الجوهر الحي للماركسية » لا تعني ابتدالها، وما أبعد المقالين عن هذه المنهجية. وهو ما سنبرهن عليه في هذه المقالة التي سنتبعها بتحليل ثان يطرح إسهاما في البديل البرنامجي والتنظيمي من وجهة نظر الاشتراكيين الثوريين المغاربة كي لا يكون نقدنا سواء لأصدقائنا أو خصومنا من موقع اللاموقع.

ينبني مجمل فهم أي تيار ثوري للتنظيم المطلوب بناؤه، على خلفية فكرية وسياسية نابعة من فهمه للمهام و البرنامج السياسي المطروح النضال من اجله. ان التنظيم كما قال جورج لوكاش هو » شكل التوسط بين النظرية والممارسة » وان كان العامل الحاسم هو النظرية فالتنظيم هو سلاحها.

هنا يجب التأكيد أن ماركسيي القرن 21 لا ينطلقون من فراغ في الرصيد النظري. وإن كان لينين المبدع الحقيقي لنظرية التنظيم التي حملت اسمه، فقد اغتنت هذه النظرية بدروس حية من الممارسة البلشفية لما يقارب عقدين من الزمن بعد نشر كتابه « ما العمل ». كما اغتنت بدروس التجربة التاريخية للثورات الديموقراطية والاشتراكية التي عرفها القرن العشرون، والتي لم تكن أغلبها وفق « خط » التجربة البلشفية . لكن المبادئ العامة لنظرية التنظيم الثوري التي يمكن تلخيصها في كونها من جهة نظرية في تكون الوعي الطبقي بطابعه المتناقض والمركب القائم على التمييز بين الطبقة في ذاتها والطبقة لذاتها ، ومن جهة ثانية نظرية في التنظيم القتالي المشدود بحالية الثورة .

على هذا الأساس الملخص لنظرية التنظيم الثوري يصبح كل منظور للتنظيم ينتسب للإرث الماركسي محكوما بمدى ارتباط نظرية التنظيم ببرنامج الثورة.(1)

والحال أن اقتصار نقد رفيق الرامي لموضوعات النهج في مدى إخلاصها لمصطلح تنظيمي دقيق هو « حزب العمال » دون أي إضافة ، هو نقد قاصر لكونه معبرا عن « ماركسية مدرسية » تنشغل بمدى التماثل راهنا مع نصوص كلاسيكيي الماركسية، أكثر من انشغالها بتحليل سياسي يعطي براهين من عالم اليوم على صحة انتقاداته للموضوعات التنظيمية لحزب النهج الديموقراطي.

فلنفترض جدلا أن النهج الديموقراطي قام بتغيير مصطلحاته التنظيمية وابتعد عن استعمال مفهوم « حزب العمال وعموم الكادحين  » ليعوضه بمصطلح « حزب العمال » حصرا. فهل لهذا التغيير في المصطلحات مفعول ما في تغيير الطبيعة السياسية للنهج الديموقراطي.

إن اعتماد منهج سلفي لـ « ماركسية مدرسية » تعنى بالبحث عن صحة الصيغ النظرية لكلاسيكيي الماركسية ومدى اعتمادها في أي تنظيم ينسب نفسه لليسار، يعمي صاحبه عن رؤية جدلية للطبيعة السياسية لهذه التنظيمات وبرامجها وممارستها و مدى ارتباط خطها أصلا بالماركسية التي تحاكم بنصوصها. فعلى سبيل المثال، انتقد رفيق الرامي في دراسة سابقة حزب الطليعة من خلال موقفه من الانتخابات. (2) وكان الهاجس الأساسي لهذا النقد هو تأكيد الموقف اللينيني منها وتأكيد صحة ربط تاكتيكي المقاطعة أو المشاركة بالسياق الملموس الذي يناضل فيه الثوريون (ذاتيا وموضوعيا). وبهذه الطريقة « السلفية » المهووسة بتأكيد صحة النصوص النظرية لقادة الماركسية ومنظريها عوض النظر إلى الواقع الحي، يتناسى رفيق الرامي انه يتحدث عن حزب يبني برنامجه السياسي الإصلاحي على تحقيق نظام ديموقراطي في شكل ملكية برلمانية. وكونه بهذه الطبيعة السياسية فلا أهمية من منظور عمالي ثوري سواء لمشاركته آو لمقاطعته (وقد جرب الاثنتين معا) فلن تكون الأولى فضحا لمؤسسات البرجوازية من الداخل ، كما أن الثانية لن تكون لأجل تطوير نضال جماهيري خارج المؤسسات لتدميرها.

نفس هذه الرؤية « المدرسية » للماركسية نجدها في مقال رفيق الرامي المعنون بــ »مفهوم حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين – نقد ماركسي » فرغم إشارته إلى أن « مفهوم حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين ينبع من فهم خاص لطبيعة هذه المهام التاريخية » فليس من اجل نقد تحليلي لهذه المهام بقدر ما كان محكوما أيضا هنا بهاجس اتباث ارتباط هذا التصور بستالين إضافة إلى جمل عامة عن الاستقلال السياسي للعمال كطبقة وطبيعة تحالفاتها مع البرجوازية الصغيرة اتباثا لمقولات لينين وتروتسكي، مما جعل مفهوم الثورة الدائمة ونقيضها المراحلي مفاهيم نظرية مجردة لا يكتسي الخلاف حولها أي صبغة ملموسة في الصراع الطبقي بالمغرب بقدر ما ترتبط في ذهن القارئ بالثورات الروسية والصينية …الخ.

هذه المنهجية تجعل هذا النص النقدي إن حذفنا منه كلمة النهج الديموقراطي تنطبق فكرته العامة على جميع التيارات المنتسبة للخط الماوستاليني الناشئة أواخر الستينات، دون أي ارتباط بالواقع السياسي المغربي وبالنقد المطلوب للمنظورات السياسية الخاطئة للنهج الديموقراطي، وهو ما يجعل المقال بعيدا عن تحليل سياسي مقنع للقاعدة العريضة من المناضلين الموجه لهم.

الخلط بين التحليل السوسيولوجي والتحليل السياسي

مجمل التحليل الذي يقوم به رفيق الرامي مركز على الطبيعة الطبقية العمالية حصرا كقاعدة اجتماعية للحزب البروليتاري. وعلى هذا الأساس يبني محاجته لأطروحة النهج الديموقراطي. فهو يحصر الانتماء لهذا الحزب في العمال فقط مضيفا بأنه « لا مجال لانضمام البورجوازي الصغير إلا إذا تخلى عن وجهة نظر المالك ليتبنى وجهة نظر البروليتاري »

في هذا التحديد للحزب العمالي الثوري يسقط رفيق الرامي في فهم سوسيولوجي له، مركز على قاعدته الاجتماعية وليس برنامجه السياسي. فهل وجود قاعدة عمالية واسعة لحزب ما يعطيه صفة الثورية؟ هل يجهل رفيق الرامي إن لحزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي وحتى الحزب الديموقراطي الأمريكي قاعدة من العمال أوسع مئات المرات من المنظمات الثورية بتلك البلدان دون أن يعني ذلك كونها أحزابا عمالية ثورية.

هل يتجاهل رفيق الرامي أن مفهوم الطليعة كصفة يطمح لاكتسابها أي حزب عمالي ثوري لن تتحقق إلا إذا استطاع ممارسة الهيمنة السياسية على مجموع الطبقة العاملة والفئات والطبقات الكادحة الأخرى غير العمالية (فلاحين فقراء- حرفيون- باعة خدمات صغار … الخ)؟

فقد ضمن البلاشفة في روسيا انتصارهم الثوري من خلال تنظيمهم لهذه الهيمنة السياسية أو ما نعته ماندل بمفهوم المركزة السياسية، أي ظهور حزب العمال الثوري بصورة من يمثل كافة المعانين من الاضطهاد الرأسمالي الذين لهم مصلحة موضوعية في قلب هذا الأخير ، بما في ذلك تبني المطالب التقدمية لهذه الفئات. إن الشرط الرئيسي هنا هو عدم فقدان الاستقلالية السياسية الطبقية للعمال كطبقة قائدة للتغيير والتي تعني بتحررها التحرر الشامل للمجتمع كافة من شرور الرأسمالية. ليست القاعدة الاجتماعية إذن هي من يحدد الطابع الثوري للحزب بقدر ما هي هذه الاستقلالية الطبقية، أي البرنامج السياسي الذي سيحقق انصهار الحزب والطبقة في الممارسة.

إذا كان الأمر يستحق مرة أخرى العودة للنصوص فليعد رفيق الرامي إلى فقرة مهمة من كتاب ما العمل بعنوان « الطبقة العاملة مناضل طليعي من اجل الديموقراطية » (3) كما أن كتاب « النظرية اللينينية في التنظيم » ارنست ماندل مليء بهذه التحديدات. وللتعمق أكثر يمكن الإحالة على كتاب رائع هو « اللينينية في ظل لينين » لمارسيل ليبمان المليء باستشهادات من المناضلين البلاشفة وصحافيين ومؤرخين للبلشفية حيث تتعرى حقائق القاعدة الاجتماعية للحزب الذي قاد أول ثورة اشتراكية في التاريخ عام 1917.

إننا هنا إذن نتحدث ليس عن الأصل الاجتماعي لأعضاء حزب العمال الثوري بقدر ما نتحدث عن تبني برنامج سياسي مبني على فكرة الاستقلال السياسي للعمال كطبقة قائدة.

إن علة كل هذا المنظور من الأساس هي سعي رفيق الرامي لنقد المنظور التنظيمي للنهج الديمقراطي من موقع الماركسيين الثوريين دون امتلاك هؤلاء الأخيرين أصلا لمنظور سياسي وتنظيمي ملموس وواضح لهذه المسائل.

النزعة العمالوية

يؤشر هذا التحليل السوسيولوجي أيضا على خطا آخر يرتكبه رفيق الرامي. فهو إذ سقط في فخ المنظور السوسيولوجي وليس الماركسي الجدلي، فقد استتبع سقوطه هذا بفخ آخر هو النزعة العمالوية. إذ انه بتلك الرؤية يركز ميكانيكيا على التناقض التناحري للرأسمالية بين البرجوازية والعمال مما أدى به إلى استبطان فكرة اختزال الطبقي في الصراعات الناجمة عن التناقض المباشر بين الرأسمال والعمل. وبما أن الحزب الثوري هو حزب للعمال فقط فان رفيق الرامي تعميه هذه التسطيحية عن إدراك أن العديد من النضالات والصراعات الاجتماعية الحالية تتفجر ليس من التناقض التناحري بين العمال والبورجوازية، بل من جميع حلقات سلسلة تناقضات التراكم الرأسمالي في الأزمة الراهنة لهذا النظام. وهذا هو الأساس الاجتماعي لبروز الحركات الاجتماعية الجديدة، كتعبير عن نضال الفئات والطبقات المضطهدة غير العمالية. هذه الأخير لا يسعى حزب البروليتاريا إلى توسيع هيمنته السياسية نحوها (تمثيل مظالمها لبوتقتها في برنامج للتغيير الشامل) فقط لأنها تعاني البؤس والحرمان وبعضها يعانيه أكثر من العمال، ولكن لأنها ذات مصلحة موضوعية في تغيير نظام التملك والتوزيع الرأسماليين.

هل نحتاج مرة أخرى للتدليل على هذا المسار إلى العودة لتراث الماركسية الكلاسيكي؟ لا يا رفيق، فالوضع الحالي مليء بالنماذج. وما الثورات المتفجرة حاليا في البلاد العربية و المغاربية سوى دليلا معبرا عن هذه التناقضات. كما أن اغلب المعارك الاجتماعية التي يتدخل فيها الماركسيون الثوريون المغاربة ( وضمنهم رفيق الرامي و ياللتناقض) هي من الصنف المتفجر خارج هذا التناقض المباشر بين الرأسمال والعمل.

خطأ المماثلة بين النهج والاتحاد الوطني للقوات الشعبية

عوض تحليل رفيق الرامي للخط والممارسة السياسيين للنهج كتنظيم سياسي للتدليل على صحة انتقاداته له، وبعد أن لجأ للتركيز على الصياغات اللغوية وعرج على لينين وتروتسكي وماو و ستالين، عاد للمغرب كي يرجع إلى الوراء حوالي 40 سنة و يعطي مثال حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ساردا مقولة المهدي بن بركة في » الاختيار الثوري » مضمونها كون هذا الحزب حزبا متعدد الطبقات.

هنا أيضا يعوض رفيق الرامي المادية التاريخية(التحليل السياسي الطبقي) برؤية سوسيولوجية مبتذلة. فإذا غضضنا الطرف عن اختلاف السياقات السياسية التي يعمل فيها كلا الحزبين، وغضضنا الطرف عن كون ا.و.ق.ش ضم آنذاك قوة عمالية كبيرة في قاعدته بشكل لا يضاهيه فيها حزب النهج ولو بنسبة الواحد في المائة، فإننا نطرح السؤال مع رفيق الرامي هل تفسير انهزام ا.و.ق.ش وانحطاطه سنجده في طبيعة قاعدته الاجتماعية ( كونه حزبا شعبويا متعدد الطبقات) أم إن سبب الانحطاط يكمن في خطه السياسي المفتقد أصلا لمنظور ثوري؟ نقصد هنا تجاور داخلي متوازي لكافة الخطوط والممارسات السياسية، من نقد جذري للملكية والعمل على استبدالها بجمهورية ديمقراطية، إلى اتفاقات مساومات مع الملكية، وأيضا المنظور الإصلاحي الكلاسيكي المنظر لفكرة أن المشكل لا يكمن في الملك بل في الدائرة المحيطة به من مستشارين وجنرالات دمويين يوجهونه وينقلون له تقارير بشكل خاطئ. هنا يكمن المشكل الأساس وليس في فكرة حزب متعدد الطبقات، التي بقدرما هو ضروري الإشارة إليها، فإنها فكرة غير حاسمة في الوجهة التي أخذها الحزب لاحقا.

ان هذه المماثلة الغريبة المؤشرة على مثالية غائية، يكمن سبب السقوط فيها، في تعويض رفيق الرامي التحليل الطبقي السياسي، برمي نفسه في إشكالية صياغات لغوية وأحكام نظرية جاهزة يبحث لها بشكل إسقاطي عن مواقع لإتباث صحتها(4) تسقطه في رؤى أحادية الجانب يعتقد ان الخلاص منها هو العودة للنصوص الكلاسيكسة الماركسية عوض شحذ الرؤية السياسية التي يكفي الوصول إليها فهم( نقول فهم واستيعاب لأننا ندرك ان رفيق الرامي اطلع عليها بغزارة) التحاليل التي قدمتها مقررات الأممية الرابعة التي ينتمي لها الرامي، لكن تحليلاته تؤشر على الانفصام عن منظورات وبرامج الأممية الرابعة. لا نعني هنا ايضا تحويل تلك المنظورات الى خط عالمي ملزم، ولكن قصدنا الاسترشاد بها في التحليل السياسي الملموس ببلادنا.

الحبيب التيتي والنقد بلا أصول ولا فروع

أجهد الحبيب التيتي نفسه كثيرا في مقاله النقدي لرفيق الرامي، ليؤكد الهوية العمالية للنهج الديمقراطي وكونه يسعى لبناء التنظيم السياسي المستقل للعمال وكل الكادحين. لكنه هنا أيضا يستنجد بمقررات مؤتمر النهج ويستطرد طويلا في سرد بياناته وبرامجه كي يعوض فراغ المقال من أي تحليل سياسي جدي.

كان الأحرى بالرفيق التيتي ان يبين لنا بالملموس من خلال الصراعات الطبقية بالمغرب أين تكمن لدى النهج ممارسة سياسية تنحو نحو المراكمة لبناء هذا التنظيم الطبقي المستقل أيا كانت تسميته.

عوضا عن ذلك انبرى الحبيب التيتي تائها في اتهامات التروتسكيين بلغة محترمة، ملخصها غياب فهم حقيقي لديهم بتفاصيل الأطروحات السياسية والتنظيمية للنهج(ليس قصورا منهم بل بسوء النية)وحول افتقارهم لفهم علمي للتشكيلة الاجتماعية بالمغرب. وطوال هذا السرد الطويل للاتهامات والبرهنة عليها بفقرات من المقررات والبيانات، لم يوضح لنا هذا الرفيق أصول النقد الماركسي التي عنون بها مقاله. إننا إذا واقعون بين مطرقة الرامي في ماركسيته النصوصية وبين سندان الحبيب التيتي الفاقد لأية بوصلة فكرية أو سياسية مبنية على جوهر الماركسية المتبجح بتبنيها.

في الرؤية التنظيمية للنهج

تنطبق نفس الرؤية المراحلية فكريا وسياسيا لدى النهج على منظوره للتنظيم. فمن خلال رؤية تفصل بين المهام الاشتراكية كمهمة استراتيجية بعيدة، يرى النهج ان المهام المطروحة اليوم هي التحرر الوطني والبناء الديمقراطي من خلال ما يسميه بالسيرورات الثلاث او الأربع. وهذه المهام تفرض بناء جبهة الطبقات الشعبية لانجاز برنامج التغيير الديمقراطي الجذري. هذه الجبهة ستضم العمال والفلاحين وممثلي الطبقات الوسطى،إضافة لشرائح من البورجوازية الكبيرة المتضررة من الهيمنة الاقتصادية للملكية. والقوام البرنامجي لهذه الجبهة هو إسقاط « المافيا المخزنية » كشعار مجمع لهذا الخليط غير المتجانس من الطبقات.

انطلاقا من هذه الرؤية المراحلية يبني النهج الديمقراطي منظوره للتنظيم. فلكل مهمة برنامجية على المستوى التاريخي شكل التنظيم الملائم لها، يمتد من تنظيم ديمقراطي جماهيري واسع، ثم تحالف ديمقراطي يوازيه تحالف للاشتراكيين، وصولا إلى تنظيم مستقل للعمال والكادحين سيكون احد الفصائل المساهمة في بناء حزب ثوري واسع لا يمكن الجزم اليوم في الشكل الذي سيتخذه بناؤه مستقبلا.

وبناءا على ان المطروح راهنا هو بناء جبهة على أساس شعار إسقاط  » المافيا المخزنية » فان التنظيم المطلوب هو بالشكل الذي ورد في الفقرة 13 من مقرر المؤتمر الثالث للنهج حول التنظيم هو :  » ان الهدف التنظيمي الممكن وتسمح الفترة الحالية بالتقدم نحو تحقيقه وينسجم مع الهدف الاستراتيجي، هو بناء النهج الديمقراطي كتنظيم سياسي قوي ومتماسك يستند إلى العمال والكادحين وعموم الجماهير الشعبية والمثقفين الجذريين » اما « الهدف التنظيمي على الصعيد الاستراتيجي هو بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين(بمن فيهم الفلاحين الفقراء) وهي مهمة مرتبطة الى حد كبير ببناء الذات وبتوحيد الاشتراكيين الماركسيين » (الفقرة10 من ذات المقرر)

هنا نرى بان النهج الديمقراطي ينظر لطبيعة تنظيم كل مرحلة بطبيعة المهام السياسية المطروحة لها. وإذا كان البرنامج السياسي الراهن للنهج موجها بفكرة جبهة طبقية لإسقاط « المافيا المخزنية » فهو غير معني بالنقاش حول شكل التنظيم الثوري اليوم. والعجب العجاب هو اهتمام رفيق الرامي بسجال حول اسم الحزب مع تيار لا يطرحه اصلا إلا من زاوية مهام مستقبل بعيد. وهذا هو صلب نقدنا للمنهجية »النصوصية » لرفيق الرامي التي تعميه عن حقائق السياسة اليوم كمن يجهد نفسه لاقتحام ابواب هي مفتوحة أصلا.

ودون الاسهاب في تحليل المعضلة الأم وهي سقوط النهج في أكثر نسخ المراحلية انحطاطا لكونها تعمق المراحلية أكثر مما ورثته عن المنظمة الأم « إلى الأمام » فقد كان الماركسيون الثوريون ينتقدون المراحلية مقصودا منها الفصل بين المهام الديموقراطية والمهام الاشتراكية الذي تحمله صيغة « الثورة الديمقراطية الشعبية ». لكننا اليوم بصدد مراحلية معمقة(مرحلة النضال الديمقراطي الجماهيري- مرحلة التغيير الديمقراطي الجذري – مرحلة الإستراتيجية الاشتراكية). لكننا هنا سنركز على آثار هذا الفهم المراحلي على منظور النهج للتنظيم.(5)

ان الماركسيين ،من خلال المنظورات التاريخية لدى لينين وتروتسكي وروزا و غرامشي، لا يطرحون أصنافا من التنظيم الثوري لكل مرحلة تاريخية. فهم يعملون لبناء حزب عمالي ثوري ينظم ويقود كافة مضطهدي الرأسمالية بقيادة العمال لانجاز مهام القطيعة الثورية عن الرأسمالية وبناء مجتمع ديمقراطي اشتراكي. وهم في المجتمعات الرأسمالية التابعة يتبنون برنامج نضال يمزج الطموحات الديموقراطية والتحرر الوطني والعلمانية وتحرر النساء والبيئة ببرنامج نضال اشتراكي في اطار سيرورة متواصلة. ونجاح هذه الأخيرة مشروط ليس فقط بالتوفر على رؤية سليمة وصحيحة، بل بقدرة الحزب الثوري في ممارسته على الهيمنة السياسية لتمثيل كافة المضطهدين وقدرته على بناء تحالفات وجبهات حسب الشروط الملموسة ساعيا لقيادتها وفق الشروط الستة التي أوردها ليون تروتسكي في كتابه النقدي لمقررات المؤتمر السادس للكومنترن والمعنون بالأممية الثالثة بعد لينين.

في إطار هذه الرؤية البرنامجية لا تنبني نظرية التنظيم على فهم انتهازي نظريا، يقوم على مسالة بناء مراحلي من تنظيم ديمقراطي يتلوه تنظيم ثوري. ان المطروح على عكس ذلك هو بناء تنظيم ثوري اليوم والعمل على تجذره في الطبقة العاملة وكافة الكادحين. هذا التنظيم يمكن ان يتنامى ذاتيا ليكون حزب البروليتاريا الثوري التعددي، كما يمكن ان ينشا هذا الأخير من انصهار منظمات ثورية مختلفة. المهم ان المسالة هنا لا تكمن في الشكل التنظيمي بل في برنامجه السياسي، أي برنامج إسقاط نظام الرأسمالية التبعية المستبد وبناء حكم عمالي شعبي.

هنا أيضا لا يمكن ان يكون النقد من موقع الماركسية الثورية لحزب النهج مبنيا فقط على هذه الترسيمات النظرية بل وجب بناء منظور نقدي يطور النقاش الدائر حول الحزب نحو نقاش المهام السياسية المطروحة اليوم على الثوريين. وهنا فقط سيتم تصويب النقاش حول شكل التنظيم الثوري في مغرب الصراع الطبقي اليوم عوض التحليق في اشكالات كتبة مجردة موروثة عن الماضي.

ان الممارسة السياسية للنهج لا تؤشر على وجود أية علاقة بين المهام المطروحة في مقرراته(على علاتها) وبين ممارسته السياسية الملموسة في حقل الصراع الطبقي. فأين يكمن السعي للاستقلالية السياسية للعمال وعموم الكادحين في ممارسة النهج النقابية على اعتبار ان النقابة هي عصب مفهوم التجذر العمالي؟ واين يكمن هذا المسعى في ممارسته بكافة المنظمات الجماهيرية؟ واين يكمن هدف الاستقلالية السياسية للعمال وعموم الكادحين في ممارسة سياسية مبنية على هدف التحالف مع الحزب الاشتراكي الموحد والمؤتمر الاتحادي والطليعة وهو التحالف المنعوت بأنه ديمقراطي سيكون أداة لقيادة التغيير الديمقراطي الجذري؟

خارج البيانات ومقررات المؤتمرات الثلاث لا نرى أي سعي جدي لدى النهج الديمقراطي نحو ربط منظوراته بممارسته التي ليست سوى سقوطا في الانتهازية (ليس بمفهومها الأخلاقي بل بمعنى التضحية بالمصالح التاريخية لغايات آنية) ناتجا عن الطابع » الوسطي » لهذا الحزب وهو ما يدل عنه برنامجه السياسي أصلا قبل أن تدل عليه وقائع ممارسته السياسية .

أخيرا نختم بالتأكيد على أن الحزب دوما هو البرنامج، وصحة وصلابة الخط السياسي البرنامجي تتوضح في الممارسة الملموسة داخل معمعان الصراع الطبقي الذي يصوبه كما تنجر المنجرة أقلام التلاميذ. أما الصياغات اللغوية لاسم الحزب فهي آخر ما يلفت انتباه الماركسيين الثوريين.

نبيل عثمان

2012-12-13


ملحوظة من موقع المناضل-ة

تاريخ توقيع النص أعلاه غير تاريخ إرساله ، إذ وصل اليوم 31 ديسمبر2012


هوامش:

(1) راجع كتاب « النظرية اللينينية في التنظيم » تأليف: ارنست ماندل. تعريب : كميل داغر بيروث 1984.

(2) اليسار الجذري والانتخابات نقاش على ضوء مواقف حزب الطليعة والنهج الديمقراطي الأخيرة. المناضل-ة عدد: 13

(3) انظر فقرة ه من الفصل الثالث من كتاب « ما العمل؟ » لينين حيث ترد المقولة التالية: « إن الوعي السياسي الطبقي لا يمكن حمله إلى العامل إلا من الخارج، أي من خارج النضال الإقتصادي، من خارج دائرة العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال. فالميدان الوحيد الذي يمكن أن نستمد منه هذه المعرفة هو ميدان علاقات جميع الطبقات والفئات تجاه الدولة والحكومة، ميدان علاقات جميع الطبقات بعضها تجاه بعض. ولذلك، على سؤال: ماذا ينبغي لحمل المعرفة السياسية إلى العمال؟ لا يمكن تقديم ذلك الجواب الوحيد الذي يكتفي به في معظم الحالات المشتغلون في الميدان العملي، فضلا عن أولئك الذين يميلون منهم إلى « الإقتصادية »، ونعني جواب: « التوجه إلى العمال ». فلكيما يحمل الإشتراكيون-الديموقراطيون إلى العمال المعرفة السياسية ينبغي لهم التوجه إلى جميع طبقات السكان، ينبغي لهم أن يرسلوا فصائل جيشهم إلى جميع الجهات.(…) ينبغي لنا أن « نتوجه إلى جميع طبقات السكان » بوصفنا نظريين وبوصفنا محرضين وبوصفنا منظمين »

(4) هذه المنهجية أدت ايضا بكاتب مقال  » راهنية فكر بنبركة وضرورة استكمال إجاباته-المناضل-ة عدد: 2″ إلى خلاصة عجيبة مفادها اقتراب وطني شعبوي إصلاحي هو المهدي بنبركة من مفهوم الثورة الدائمة.

(5) سيكون نقد الخط الفكري والسياسي مضمون مقال مستقل سننشره قريبا.

Autres articles sur le même  sujet:https://badiltawri.wordpress.com/2012/12/15/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AF%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%88-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%B4-%D9%84%D8%A7%D8%9Fmaroc/

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Un commentaire pour الصيغة الإسمية للحزب الثوري أم برنامجه؟ إسهام نقدي في سجال رفيق الرامي والحبيب التيتي

  1. majdi dit :

    مقال جيد رفيقنا نبيل عثمان ، لانه وقف على عمق اشكالية بناء البديل الثوري بالمغرب. قد تكون لي بعض انتقادات طفيفة لكن ما اثارني اكثر هو المنهجية الصائبة في النظر للمسالة وهي وضعها في سياقها الملموس عوض التجريدات النظرية.
    تحياتي للرفيق كما ادعو جميع الثوريين للاسهام في هذا السجال بعدما اخرجه نبيل عثمان من قالبه النصوصي السطحي ، حيث ان المزيد من المقالات ستغني هذا النقاش وتجعل راهنيته ملموسة

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s