الدولة المزاجية … أو هكذا يُحكم المغرب

 

المزاجية في الحكم  مصطلح سيكولوجي اكتشفه الطبيب الإغريقي « أبقراط » في القرن الخامس قبل الميلاد، يدل على العلاقة الترابطية بين سلوك الحاكم و قراره السياسي. و تقلب المزاج حالة توتر و انفعال ناتجة عن ممارسات تثير أعصاب الشخص و تحدث اضطرابات في سلوكياته تكون لها  انعكاسات على القرارات الناتجة عن هذه الحالة. 

و تلك المزاجية المتقلبة هي الأصل في تسيير دواليب الدولة لدى الحاكم في بلد كالمغرب حيث يمارس الحكم في المغرب بالغضبات والهمسات والاشارات والتوجيهات الرشيدة والسامية. فجل السياسات مبني على المزاج، مزاج « مولاي السلطان » طبعا؛ الدولة تغضب وتحقد وتنتقم وتشتم وتتهكم وتترصد و تتعقب وتتربص … خصوصا عندما تشعر أن ما سطرته من خطوط حمراء باتت متجاوزة، أو عندما لا تستسيغ أن تقابل توجيهاتها « المولوية السامية الرشيدة » بالرفض التام إلى حدود السخرية في بعض الأحيان من قبل « مشاكسين » لا ييأسون من الإستماتة والصمود ولا يتركون أصحاب المال والنفوذ والجاه والفخامة والسعادة يستمتعون وينعمون بـ »اللعب بالوطن » ومقدراته، ومصير كادحييه، ويمتصون دماء مضطهديه.

 

إن الدولة المغربية اختُزلت في فرد، وحده لاشريك له، وتتقلب بتقلب مزاجه. ومن كثرة « غضباته » التي باتت في صميم صنع القرار حتى وإن كان ذلك على حساب الدستور، تخرج علينا بعض الأقلام الصحافية وبعض « الكتاب » بعناوين غليظة وعريضة حول « غضبات سيدنا » ويقدمونها كما لو أنها قرارات ستغير مجرى التاريخ ومصير البشرية، وما إن يخفت « بريق » الغضبة وتداعياتها، حتى تعود حليمة الى عاداتها ونجد أن ما قيل أنه أثار غضب السلطان مازال قائما. وهذه الغضبات أصبحت تتناسل بدون انقطاع وبشكل منتظم كأنما ورائها قصدا وهدفا محددا.

 

هنالك الكثير من الامثلة « للغضبات السلطانية » وربما للأطلاع على جلها وجب تخصيص بحث معمق حول الموضوع. ولإعطاء فكرة ولو بشكل عام حول الموضوع سنسرد بعضها وأحدثها. نبدأ مثلا بغشت 2011، غضبة ملكية على الجعيدي وابعاده من فريق حماية الملك. وفي دجنبر 2011 غضبة ملكية تطيح بمسؤولين أمنيين بالبيضاء . و في مارس 2012 فغضبة اخرى تطيح بمسؤولين أمنيين في خريبكة. مرورا بغشت 2012 وتسونامي الغضبة الملكية الذي يآتي على ايقاف اكثر من ستين فردا من الامن والدر‏ك و الجمارك. ثم تليها في غشت أيضا غضبة ملكية على أمنيين مرتشين تقود الى إجلاء العميد الاقليمي ببرشيد إلى ميناء طنجة. بدون أن ننسى أكتوبر 2012 « الغضبة الملكية » وسحب الثقة من كرستوفر روس « المُعادي » والذي يعود للمغرب بعد ذالك بالرغم من أنف الغاضبين. أما نوفمبر 2012 فالغضبة الملكية تطيح ببرج شباط في مدينة فاس. ومؤخرا في دجنبر 2012 غضبة الملك وراء إتمام أكبر متحف في وقت وجيز. والبطل المغوار في كل هذا طبعا هو « الملك الغاضب ».

وللاشارة فقط وكملاحظة جانبية ألا وهي كثرة الغضبات التي تتوالى في فصل الصيف … لربما لحر الطقس دخل في الموضوع.

يبدو جليا أن بعض وسائل الإعلام إما أنها أبت إلا أن تبقى خارج الزمن السياسي ولم تتفاعل مع التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي وإلا كانت ستعلم أن أخبارا من هذا النوع تحتقر ذكاء القارئ، وإما أنها تتورط مباشرة  في مخططات مهندسي البروباكندا الملكية الذين يحاولون عبر قنواتهم الإعلامية، تقديم هذه الخرجات، أو الإخراجات، أي الغضبات المتتالية، على أنها دليل قاطع على « حسن نية الملك » و »سوء نية كل أعوان الدولة والمحيطين بالسلطان. يروجون لخطاب « الملك زوين ولكن لي دايرين به هما لي خايبين ». وهذا نوع من الوقاية لإبعاد المسوؤل الأول عن أي مسائلة أو محاسبة أو نقد. وبالمناسبة نفس الدور، أي ابعاد المسؤول الأول عن كل محاسبة، يلعبه رئيس وزراء وحكومة بدون صلاحيات ووزراء لا يملكون قرارهم … ولا حتى قرار استقالتهم فما بالك بسياساتهم … إن وجدت طبعا ما دامت الحكومات المتعاقبة في المغرب لا تعدو حكومات تصريف أعمال و امتصاص الصدمات.

 

هذا التصريف الاعلامي للغضبات بليد لأنه يقدم الغضب على أنه فضيلة وسمة من سمات المسؤول وكذلك يقدم الملك على أنه جاهل بما يدور في « ملكيته »، وهذا يقودنا إلى تأويلين، لا ثالث لهما، وكلاهما كارثيان. أولهما أن الملك يعلم ما يحصل في البلاد من فوضى وفساد ونهب، وبالتالي يتحمل مسؤوليته كاملة وتجب محاسبته على كل صغيرة وكبيرة. والثاني هو أنه لا يعلم حقا ما يحدث، كما يقدمه إعلامه، والمصيبة أعظم، لأننا أمام « رئيس دولة » غير مسؤول وغير مطلع على مايحدث في « دولته » بعد أكثر من عشر سنوات من الحكم (« الانتقال الديمقراطي »). ولعل ما يرجح التأويل الأول على الثاني كون  المغرب تحت حكمهم على غرار كل الأنظمة البوليسية يتوفر على عدد هام من الأجهزة البوليسية تقدم للسلطة المركزية تقارير عن الشاذة والفاذة بشكل يومي.

 

لكن هذا الوطن الذي يتوارثونه، أرضا وشعبا، جيلا بعد جيل، لن يستطيعوا أبدا خداع الناس الى الأبد و استدراجهم الى معارك جانبية لإلهائهم أو اخفاء ما نهبوه الى ما لا نهاية. فـ »اللي سرق الصمعة، خاصو يحفر البير فين يخبيها » كما يقول المثل المغربي الأصيل. ولا بد أن يأتي زمن المحاسبة طال الزمن أو قصر لأن ذاكرة هذا الشعب ومناضليه ومناضلاته ألأوفياء الذين ضحوا ولا زالوا يضحون، أقوى من أن تمحيها تاكتيكات سياسية مرحلية … فهيهات منا الذلة

 

محمد جعيط

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s