في حوار مع الناشط الماركسي غياث نعيسة الثورة السورية بين العمل الشعبي والعمل المسلح

حوار دينا عمر

الاشتراكي الثوري غياث نعيسة القيادي بتيار اليسار الثوري السوري
تغير التوازنات على الأراضي السورية بتصاعد العمليات العسكرية واشتداد القوى المسلحة، كان من أهم الأسباب التي أثارت العديد من الأسئلة الحائمة حول طبيعة الصراع، والتي ازدادت هي الأخرى مع تواصل الحركة الشعبية لنقاط تظاهر كثيفة. جريدة « الاشتراكي » أجرت حوارا مع الناشط الماركسي السوري غياث نعيسة لتوضيح المزيد حول مدى توازن الحراك على أرض الواقع.

بعد شهرين ستكمل الثورة السورية عامها الثاني منذ أن انتفض أحرار درعا مطالبين بالحرية والعدالة. وبعد سقوط أكثر من 50 ألف شهيد وآلاف المعتقلين والمفقودين وملايين المهجرين. ما هو تقييمك حول تصدر المطالب الاجتماعية في ظل الظروف الحالية؟

على مشارف نهاية عامين من بدء الثورة الشعبية السورية، ومطلع العام الثالث لها، هذه الثورة التي طرحت، كشقيقاتها من الثورات في بلدان المنطقة، مطالب الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية، دفعت الثمن الأكثر ارتفاعا في عدد الضحايا من الشهداء أكثر من 60 ألفا والجرحى يقترب من مائتي ألف ونحو أربع ملايين مواطن داخل البلاد في وطن إنساني سيء للغاية ومهجرين إضافة إلى ما يقارب مليون لاجئ في البلدان المجاورة ونتحدث عن تدمير أو تضرر حوالي مليون منزل. يمكن أن نتابع هكذا دواليك في سرد الخراب الفظيع الذي سببته وحشية النظام الدكتاتوري القائم لآل الأسد.

و لكن الجماهير الشعبية الثائرة، رغم هول التضحيات، ما تزال تقاوم وترفع نفس الشعارات الأساسية للثورة، تلك منها التي حملت السلاح أو تلك التي لم تتوقف عن احتجاجاتها السلمية رغم آلة القتل والدمار للدكتاتورية البرجوازية الحاكمة.

تشهد المدن السورية مظاهرات يومية وخاصة أيام الجمع الذي أصبح تقليدا، رغم أن المظاهرات لم تعد تخرج من الجوامع منذ نحو عام، ويتراوح متوسط عدد المظاهرات يوم الجمع إلى 250 مظاهرة، ما يعني أن الحراك الشعبي الذي ما يزال يرفع مطالب الثورة المذكورة لم ولن يتوقف حتى تحقيق أهداف الثورة الشعبية في إسقاط نظام الطغمة وتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. قد يكون مطلب إسقاط النظام والحرية هو المتصدر في هذه اللحظة للمشهد العام للثورة، وهو أمر مفهوم نتيجة وحشية السلطة وضرورة إسقاطها لوقف الدمار والقتل المتواصلين، ولكننا نعرف أن الديناميات الدافعة للاحتجاجات هي اقتصادية –اجتماعية، وأن القوى الاجتماعية الأساسية المحركة للثورة هي الطبقات الشعبية من العمال والكادحين والعاطلين والمهمشين والطلبة. وبالتالي لن تتوقف السيرورة الثورية على إسقاط النظام، بل ستستمر حتى تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية.

ومن اللافت للنظر، هو العديد من اللافتات التي تشير إلى أن هذه الثورة هي « ثورة الفقراء » ونجد، في المقابل، العديد من تصريحات البرجوازيين التي تعبر عن نفورهم من الثورة « لإنها ثورة الرعاع والفقراء ».

تختلف الثورة السورية في حدة صراعها عن ثورات المنطقة في تنوع المجموعات المسلحة، سواء بجنود منشقين وأهالي مدنيين حملوا السلاح، أو تسلل جماعات تكفيرية جهادية عبر الحدود لتنفيذ مخططات القاعدة والإرهاب العالمي، أو بجيش نظامي مازال يمتلك الخيار التدميري بمخزون أسلحة كيماوية وأخرى محظورة دوليا تم استخدامها بالفعل. من وجهة نظرك كيف سيكون أفق العمل المسلح؟

لقد أوصل عنف النظام و وحشيته الفظيعة قطاعات من الجماهير الشعبية الثائرة إلى حمل السلاح للدفاع عن ذاتها وعن أحيائها وبلداتها وأهلها، وحصل هذا التحول مع نهاية عام 2011 مترافقا مع حصول انشقاقات في صفوف الجيش النظامي، وأغلب هؤلاء الجنود هم من الطبقات الشعبية نفسها، فتشكلت حالة نسميها المقاومة الشعبية المسلحة ( تحمل أسماء عديدة منها الجيش السوري الحر وأسماء كتائب معروفة أو غير معروفة) ، لا يشكل الجنود المنشقين أكثر من 30% من المقاومة المسلحة، فالغالبية العظمى هم من المدنيين (المتظاهرين) الذين قرروا حمل السلاح. ويقدر عدد المقاتلين بنحو مائة ألف مقاتل أو أكثر.

وكما حصل في كل الثورات الشعبية والاجتماعية في تاريخ البشرية الحديث، فلا توجد ثورات اجتماعية نقية « وفق مزاجنا وتصورنا تماما » فالثورات تخرج إلى السطح كل ما يحمله المجتمع المعني في أحشائها، من دعاة الحرية والمساواة والعدالة ودعاة الاشتراكية، وحتى دعاة شكل من أشكال الفاشية أو الرجعية. وأيضا، وكما حصل في ثورات اجتماعية أخرى، فإن البلدان التي تشهدها، لا يمكن أن تكون بمنأى عن تدخلات دول اقليمية وإمبريالية لها مصالحها و أحيانا أتباعها، وغالبا ما تتدخل بهذا الشكل أو ذاك في البلد المعني. ألم تشهد ثورة اكتوبر العظيمة في روسيا 1917 تدخلا، مباشرا، للدول الإمبريالية؟ وألم تشهد هي نفسها بروز جيوش بيضاء وغيرها بل وعصابات متعددة؟

هذا هو حال الثورات الاجتماعية. فالجماهير لا تنتفض بوعي ثوري كامل، كما نأمل، بل وعيها هو الوعي المباشر لها بشروط محددة وتبحث في مخيالها الجمعي لما يمكن أن يعطيها قوة وعزما في متابعة ثورتها، من هنا نجد أن المخيال الديني لعب دورا ما في قدرة بعضها على مواجهة الموت اليومي، فهتافات الله أكبر التي نسمعها هي صرخة شجاعة واندفاع للنضال وليست دعوة سياسية دينية. المهم أن تكون المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العامة والمباشرة للطبقات الشعبية هي الأبرز والمهيمنة وأن تبقى القوى الاجتماعية القائدة للثورة هي هذه الطبقات الشعبية نفسها، بهيئات تنظيمها الذاتي و هيئات إدارتها الذاتية، وهو ما يميز السيرورة الثورية الجارية في سوريا، وإن كانت ما تزال تفتقر، كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى التي تشهد مسار ثوري، إلى قيادة سياسية ثورية بديلة عن القيادات السياسية الليبرالية الهزيلة القائمة الآن، وتفتقر أيضا إلى برنامج واستراتيجية ثوريين بأفق اجتماعي، ولكن هذه الشروط المفتقرة الآن تتشكل في خضم الصراع الطبقي العنيف الدائر في بلداننا.

في هذا الإطار، يمكننا القول إنه توجد مجموعات مسلحة جهادية في سوريا، وبخطاب سياسي واجتماعي شديد الرجعية، ولكن عددها ما يزال هامشيا (من 5-10 آلاف مقاتل وفق التقديرات)، رغم الضجيج الإعلامي حولها، وليس لها نفوذ جماهيري يذكر. لا يجب المبالغة بتأثيرها، كما إنه لا يجب التقليل من أن تزايد أثر خطابها الرجعي والعديد من ممارساتها المدانة سيسيئان بشدة لمسار الثورة الشعبية وآفاقها، وعلينا أن لا نتردد، ولا للحظة، في فضحها ونقدها في أوساط الجماهير الشعبية، وعند الضرورة مواجهتها بكل حزم. وهذا يتطلب، بشكل أخص، انخراط أوسع للقوى الثورية الديمقراطية وخاصة لقوى اليسار الثوري في الحراك الشعبي وزيادة نفوذها فيه.

وبالعودة إلى السؤال، فإن العمل الشعبي المسلح أصبح من مكونات الثورة ولكنه لا يكفي وحده لتحقيق انتصار الثورة الشعبية بأفضل الشروط الاجتماعية، و هو ليس كذلك، و لا يجب أن يكون المكون الأساسي الوحيد في دينامية الثورة، بل إن إنهاض الحراك الشعبي الجماهيري هو شرط أساسي لانتصار الثورة الشعبية.

اعتمد النظام الأسدي مؤخرا وبشكل أساسي على الطيران الحربي لإحداث أكبر قدر من التدمير، كما شهد العمل العسكري للقوات المعارضة أوسع الخيارات من مجرد الدفاع إلى معارك السيطرة على أهم المواقع الاستراتيجية والأمنية. في ظل الصعود الملحوظ واشتداد العمل المسلح كيف ترى العمل الشعبي؟ وما هي أهم التحديات التي تواجهه؟

بالطبع، نلاحظ إنه مع توسع وتفاقم الحرب التي يشنها النظام ضد الشعب، يتوسع ويزداد دور المقاومة الشعبية المسلحة، التي تمزج بين العديد من التكتيكات العسكرية الهجومية والدفاعية، وحرب عصابات مع حرب مواقع. ومن الواضح أن الخراب الناتج عن تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية للعديد من المناطق أثًر على حجم ووتيرة الحراك الشعبي، ولكنه، كما ذكرت أعلاه ، ما يزال قائما وفعالا رغم كل المعوقات.

إضافة للمعوقات المذكورة، نجد أن التشتت المناطقي للتنسيقيات الثورية وعدم التوصل، بعد، إلى تشكيل هيئات مركزية منتخبة لها، تسمح بقيادة الحراك الشعبي وتنظمه على الصعيد الوطني، يصبح هو أيضا عائقا هاما في تطويره. علاوة على أن الحراك الشعبي ما يزال ضعيفا في عدد من المناطق السورية، وإنه لأمر جوهري إقناع ودفع كل الجماهير الشعبية السورية وفي كل المناطق للانخراط في الحراك الشعبي، واقناعها ليس بالقول فقط بل أيضا بالأفعال، إن مصلحتها الحقيقية هي في التخلص من دكتاتورية آل الأسد.

لقد أوضحت جماهير الشعب السوري الثورية من خلال هيئات تنظيمها الذاتي و هيئات إدارتها الذاتية قدرات وإبداعات نضالية هائلة، وإمكانيات مهمة للرد على ومواجهة الكثير من التحديات والصعوبات التي واجهتها، وهي قادرة على تجاوز الصعوبات المذكورة، وستنجح أكثر بحلها بشكل تقدمي بقدر ما يكون للقوى الثورية الديمقراطية العلمانية و لليسار الثوري حضور ونفوذ متزايد في الحراك الشعبي المستمر. فالسيرورات الثورية المستمرة مفتوحة على العديد من الآفاق الممكنة التي ستعتمد على موازين القوى الاجتماعية والسياسية وخياراتها. لكنها بسبب الديناميات الاقتصادية- الاجتماعية العميقة الدافعة لها، لن تتوقف في منتصف الطريق، لإن ذلك يعني موتها.

لوحظ منذ بدء الثورة الدور الفعال لمناطق الأرياف من حيث تسجيل نقاط تظاهر، واعتبارها حاضنة للجنود المنشقين، كذلك تحديدها أولى الخيارات لارتكاب الآلة العسكرية النظامية أبشع المجازرعند اشتداد المعارك بالمدن. كما لوحظ تحررها تقريبا بالكامل من سيطرة القوات النظامية مع انتقال المعارك شمالا، في حين لوحظ تراجع لكلا من العمل الشعبي والمسلح بمناطق أخرى كالسويداء والقنيطرة. كيف تصف اختلاف نفوذ العمل الشعبي والمسلح بالمناطق؟

لم تشهد مناطق السويداء والقنيطرة تراجعا في الحراك الشعبي أو المسلح، فالمظاهرات ، وأيضا الاعتقالات التي تمارسها أجهزة أمن الدكتاتورية، قائمة على قدم وساق في هذه المناطق. كما أن السويداء شهدت في بداية شهر يناير الجاري معارك طاحنة بين مقاتلي المقاومة الشعبية وقوات النظام.

لقد قام النظام برسم استراتيجية عنيفة وخبيثة لمواجهة الثورة، من بين مكوناتها أنه فعل كل ما في وسعه للحفاظ على حياة هادئة للمناطق التي تقطنها البرجوازية السورية الكبيرة، تلك الطبقة التي يعبر عن مصالحها، كما قام بسحق الضواحي الشعبية المحيطة بالمدن الكبرى، مما دفع بالجماهير الشعبية إلى الهجرة إلى مناطق أبعد وهي إلى حد ما ريفية، وهذا فاقم من صعوبة حياة المهاجرين مثلما فاقم من صعوبة حياة المناطق التي استقبلتهم. ولم يتوانى النظام الدكتاتوري منذ اليوم الأول من الثورة إلى اتهامها بأنها مسلحة وإسلامية، في محاولة منه إلى تطييف الصراع وتخويف وتحييد الأقليات الدينية في البلاد، وعلينا القول أن تفاهة خطاب المجلس الوطني السوري، ساهمت في نجاح جزئي للنظام على هذا الصعيد، وأيضا استطاع النظام أن يحظى بدعم المؤسسات الدينية الرسمية لكل الأديان والمذاهب. وكان مفهوما أن تجد المقاومة الشعبية المسلحة تواجدا أكبر لها في المناطق الحدودية مثل الشمال والشمال الغربي للبلاد أو المناطق الشرقية والجنوبية، ولكننا لا يمكن أن ننكر أن ضواحي دمشق نفسها تشهد حضور واسع للمقاومة الشعبية المسلحة. لا توجد منطقة في سوريا خالية من حضور المقاومة الشعبية المسلحة أو الحراك الشعبي، لكن حجمهما و وتيرة نشاطهما مرهون بعدد من العوامل منها تلك التي ذكرتها أعلاه. بمعنى ، إنه في المناطق الحدودية، نجد أن وتيرة العمل المسلح هي أعلى مما هي عليه في المناطق الأخرى.

بعض المزاعم سيقت حول التحول الكامل لطابع الثورة السورية حيث يتصدر الجانب المسلح المشهد بما يعني تراجع الثورة الشعبية من وجهة نظرهم، في حين راهن البعض الآخرعلى القدرة النوعية في الإدارة الذاتية التي اتضحت بلجان الإعاشة والإغاثة ثم تطورت لمجالس شعبية ناجحة. كيف ترى انعكاس كلا من العمل الشعبي والعمل المسلح على سوريا ما بعد الأسد؟

تلك المزاعم التي تدعي بتحول الثورة السورية إلى ثورة مسلحة فحسب هي مزاعم ظالمة وتتجنى على الثورة، وهي لدى البعض من اليسار التقليدي حجة لتبرير تقاعسهم إن لم يكن لدى بعضهم خيانتهم لقضايا الطبقات الشعبية ومصالحها المباشرة والعامة. لدينا في الحالة السورية ثورة تمشي على قدمين، العمل الشعبي السلمي والعمل المسلح الذي دفع إليه عنف النظام و وحشيته. بالتأكيد إننا نرى أن سقوط النظام بالعمل المسلح وحده مع غياب للعمل الشعبي، والأمر ليس كذلك الآن في سوريا، سيكون إيجابيا في خلاص البلد من الدكتاتورية. ولكنه، في الوقت عينه، قد يدفع بالبلاد إلى آفاق أكثر صعوبة ومجهولة الآفاق، لأنه سيكون لحملة السلاح كلمة الفصل، وهذا ما لا نريده. إننا نريد إنهاض حراكا شعبيا واسعا يكون هو الأساس الكفاحي في إسقاط النظام الدكتاتوري، وإعادة هيكلة العمل المسلح ليتوافق مع متطلبات العمل الشعبي وليس العكس. وفي كل الأحوال، فإن أحدا لن يستطيع، أن يفرض على الجماهير الشعبية السورية، التي قدمت تضحيات هائلة في ثورتها، دكتاتورية جديدة تحت أي اسم كان. ولن تتوقف السيرورة الثورية بمجرد إسقاط النظام ، فالمسألة ليست تغيير هذا الحاكم أو ذاك، بل إنها تتعلق بأعمق التغييرات السياسية والاجتماعية التي ثارت الجماهير من أجلها، ولن تتوقف قبل تحقيقها، حتى ولو شهدنا فيها- أي في السيرورات الثورية- في هذه اللحظة أو تلك، تراجع هنا ، أو منعطف هناك . إنها، كما سبق أن قلت، ثورات دائمة. ولأنها كذلك فإن بناء الحزب العمالي الاشتراكي الثوري والجماهيري في خضم هذه الثورات هي المهمة الأساسية لليسار الثوري.

الرابط الدائم: http://revsoc.me/_17856

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s