الاحتجاجات الشعبية والاحتقان الاجتماعي في المغرب

أجرت الصحفية السيدة بشرى عطوشي عن جريدة المنعطف مع عبد السلام أديب حوارا حول موضوع الاحتجاجات الشعبية والاحتقان الاجتماعي في المغرب، حيث جاء الحوار كما يلي:

*كيف يمكن للقدرة الشرائية للمواطن أن تقاوم بين جمود الأجور وارتفاع الأسعار؟

 ** ما تطرحينه يشكل أحد أوجه اشكالية نمط الانتاج الرأسمالي، فالرأسمالي يبحث باستمرار عن كيفية الحفاظ على الأجور جد متدنية مقابل بدل العامل لمجهودات أكبر لتحقيق أعلى مستوى من الانتاج. فالرأسمالي محكوم بقانون التنافسية مع الرأسماليين الآخرين، لذلك يصبح مضطرا لتجميد الاجور وتقليصها لأن العمل الحي هو العنصر الوحيد الذي يمكن للرأسمالي التحكم فيه، علما ان فائض القيمة لا تحققه الآلات وما يسمى بالرأسمال الميت، بل يتحقق على كاهل العمال.

 

 

 

إذن فكلما استطاع العمال بفضل نضالاتهم تحقيق الزيادة في الاجور، الا وتحركت ترسانة  آليات الزيادة في الاسعار من أجل تدارك الرأسماليين للزيادات في الاجور التي قدموها للعمال تحت ضغط نضالاتهم. فهناك من جهة الباطرونا أو المساهمون في الشركات ومدرائهم (مجلس الادارة، المدراء، رؤساء المصالح) الذين يدافعون عن مصالح الأرباح؛ ومن جهة أخرى هناك جماهير العمال، الذين يقفون ضد استغلالهم ويسعون إلى أن تعاملهم البرجوازية  كإنسان.

 

http://www.lnt.ma/wp-content/uploads/2012/01/Maroc.jpg

 

فالقدرة الشرائية للمواطن توجد إذن رهينة لحاجة الرأسمالي لتحقيق ارباح رأسمالية متزايدة وربح ما يسمونه برهان المنافسة، لذلك تصطدم القدرة الشرائية للمواطنين بافتعال البرجوازية المهيمنة لتجميد الأجور ورفع الأسعار.

 

 

 

ونظرا لأن موازين القوة مختلة بين الطبقة البرجوازية الرأسمالية، المتحكمة في جهاز الدولة والمتداخلة معها، في كافة قطاعاتها التشريعية والتنفيدية وداخل الاحزاب السياسية والمركزيات النقابية، وبين الطبقة العاملة وعموم الكادحين الذين ينظمون أنفسهم عند تطور وعيهم الطبقي تارة أو يتشتتون بين القوى المسيطرة عندما يتدنى هذا الوعي منخدعون بخطابات هذه القوى الرنانة، فإن البرجوازية المهيمنة بدون شريك تتمكن، من خلال تحكمها، فرض إرادتها والمحافظة على الدوام، كلما حدثت زيادات في الاجور وفي القدرة الشرائية، على نفس العلاقة والبعد في الفوارق بين الأجور والأسعار أو العمل على تعميقها أكثر.

 

http://www.leblogauto.com/wp-content/uploads/2008/07/Joest_jonathan_ouaknine/Somaca_2.jpg

 

تاريخ المغرب منذ الستينات حافل بالامثلة للنضالات العمالية القوية التي تتوخى الزيادة في الاجور لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، لكن حالما تتحقق بعض الزيادات الطفيفة حتى ترتفع معدلات الاسعار، ويتم تجميد الأجور لفترات طويلة جدا، وغالبا ما تحدث مبالغة في رفع الاسعار وتجميد الاجور الشيء الذي يدفع بشكل طبيعي الى انتفاظات قوية وكان ذلك هو شأن انتفاظات 1981 و1984 و1990. كما أن الحراك الاجتماعي الذي شهده المغرب منذ سنة 2005 على شكل تنسيقيات مناهضة ارتفاع الاسعار وتدهور الخدمات العمومية كانت تستهدف على الخصوص ايقاف هذا الغلو المتواصل في رفع اسعار المنتجات والخدمات التي تدمر القدرة الشرائية للمواطنين.

 

http://213.139.108.172/radiofr/images/105/USINE432.jpg

 

إذن فمقاومة تدهور القدرة الشرائية ومواجهة تجميد الأجور وارتفاع الاسعار ضرورية، لكنها لا تتحقق سوى بنضالات ميدانية جماهيرية منظمة ذاتيا وواعية بالخبث والتضليل البرجوازي الذي يجعل الكادحين يتحملون ارتفاع الاسعار وتدني قدرتهم الشرائية صاغرين. ان المأجورين يدخلون في حروب صغيرة متواصلة في المقاولة من أجل تحسين شروط الاجر والعمل والحفاظ عليها ضد هجومات البرجوازية. هذه المعارضة المستمرة للعمال لمختلف اساليب الاستغلال تكره الرأسماليين على تقديم تنازلات. فالباطرونا عندما لا تتوقع أن تجد لدى العمال مقاومة مركزة ومعارضة جماهيرية قوية، فإنها تجتهد من أجل التقليص التدريجي للأجور. فالتنافسية تفرض ذلك على الرأسماليين وتعتبر بذلك عدوة للعمال لانها تؤدي الى تدهور مفتعل للاجور وللقدرة الشرائية.

 

http://www.hyperassur.com/assurance-auto/tarif-assurance-auto/assurances-augmentation-des-tarifs-est-justifiee.jpg

 

إن العمال عندما يناضلون يدافعون عن أنفسهم ضد هذا التدهور، وهو ما يحدث الاحتقان، والوسيلة الوحيدة للصراع لدى العمال هي الاضراب. وبذلك تتحول التناقضات بين الطبقتين العمال والبرجوازية تدريجيا من وضعها السلمي الى وضع صدامي، خاصة عندما تلجأ البرجوازية عبر الاجهزة القمعية والوسائل القانونية والقضائية لقمع العمال المضربين واعتقالهم ومحاكمتهم. التناقض الطبقي يتحول اذن الى صراع طبقي. جميع هذه النضالات الاقتصادية التي تتراكم كمناوشات متصاعدة لا يمكنها أن تصل الى الغاء نظام العمل المأجور، لكنها تعتبر مدرسة مهمة في الصراع الطبقي. وفي أي مجتمع طبقي، فإن رهان الصراع الطبقي ضد الطبقة البرجوازية هو الوصول الى انتزاع السلطة منهم.

 

 

http://www.lematin.ma/files/2012/04/1er-mai.jpg

 

الاصل في الاحتقان الاجتماعي هو انقسام المجتمع الى طبقتين كبيرتين متناقضتين، فمن جهة هناك الرأسماليون الذين يملكون كافة وسائل الانتاج ومن جهة أخرى هناك العمال الذين لا يملكون أي شيئ سوى قوتهم البذنية والذهنية للعمل المنتج. وحيث أن ناتج العمل يجب أن يقسم بين الطبقتين، ومن أجل تحقيق هذا التقسيم يتزايد الصراع الطبقي، فكل طبقة تحاول أن تحصل على أكبر حصة ممكنة من عائد الانتاج.

 

الغريب في هذا الصراع هو اتهام البرجوازية للطبقة العاملة في الكثير من الأحيان بنهبها للرأسماليين، بينما هي في الواقع لا تصارع إلا من أجل حصة من الانتاج الذي تحققه بيديها.

 

لكن الصراع بين طبقتين كبيرتين داخل المجتمع تتحول بشكل حتمي الى صراع سياسي. وفي كل صراع بين طبقة ضد طبقة أخرى، فإن الهدف المباشر الذي تصارع من أجله هو السلطة السياسية.

 

 

http://communismeouvrier.files.wordpress.com/2012/01/tvacolor.gif?w=500

 

لقد شهد المغرب منذ سنة 2005 سياسة منهجية سنوية تدفع نحو رفع الأسعار، وغالبا ما تبدأ بالزيادة في الضرائب على بعض السلع والخدمات  كالماء الشروب والكهرباء والنقل والبترول … الخ، الشيء الذي يبرر تكالب الرأسماليين والباطرونا مباشرة عقب ذلك، على رفع أسعار السلع والخدمات، مما يؤدي الى نشر موجة  من التوترات التضخمية، تنهك القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين وتلبية حاجياتهم الاساسية.

 

http://www.lavieeco.com/images/artimage/baisse-Salaires-Maroc-(2013-01-29).jpg

 

 

وقد تتبعنا تصريحات والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري الذي كان يوجه تنبيهاته للحكومة سنويا بضرورة رفض تلبية المطالب النقابية العمالية في الزيادة في الاجور. وإذا كانت قد تحققت الزيادة الطفيفة في الاجر سنة 2011 تنفيذا لما يسمى باتفاق 26 أبريل والتي لم تتجاوز 20 درهم في اليوم للموظفين وزيادة 15 في المائة في أجور العمال لم تتحقق بشكل كامل، فإنها جاءت تحت تأثير ما يسمى بالربيع الديموقراطي والحراك الشعبي تحت راية حركة 20 فبراير.

 

http://img.lavieeco.com/Salaires-Maroc-(2013-01-29).jpg

 

لكن تأثير هذه الزيادات الطفيفة كان أفيد للرأسماليين لأنهم عمدو تدريجيا الى الزيادة في أسعار مختلف السلع والخدمات وهي الزيادات التي بلغت أوجها في ظل الحكومة نصف ملتحية، كان أشهرها زيادات يونيو 2012 في المحروقات بايام قبل حلول شهر رمضان وهو الذي اعطى الضوء الأخضر لارتفاعات في أسعار جميع السلع والخدمات. بل إن الحكومة أعلنت بشكل صريح عن نيتها التحضير لموجات جديدة من الغلاء وتجميد الاجور بل وتقليصه أيضا في بعض الحالات كرواتب التقاعد مثلا، نذكر من بينها استهداف صندوق المقاصة لاعدامه وهو ما سيؤدي الى ارتفاع كارتي في الأسعار، الزيادة في اسعار الماء والكهرباء والتي ادت الى العديد من الاحتجاجات ولعل ابرزها الاحداث العنيفة التي عرفها حي سيدي يوسف بن علي بمراكش والتي انفجرت في 28 دجنبر 2012 . هناك أيضا مشروع اصلاح أنظمة التقاعد حيث ورد على لسان عبد الإله بنكيران أنه لا يعقل أن يتقاضى المتقاعدون عند احالتهم على التقاعد آخر أجرة كانو يتقاضونها أثناء مزاولتهم للعمل، كما يستهدف هذا الاصلاح رفع سن التقاعد الى 65 سنة ورفع نسبة الاقتطاع من أجور العاملين برسم التقاعد. كما أكد الوزير الملتحي أن لا حديث اليوم عن أية زيادة في أجور الموظفين قبل سنة 2016، أي عند انتهاء ولاية الحكومة.

 

 

http://economie.jeuneafrique.com/images/stories/Automobile/Renault-maroc_cAzzouz-Boukallouch-AFP.jpg

 

إذن فاشكالية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين توجد في مأزق نتيجة تراجع المقاومة الشرسة للعمال، خاصة بعد انطفاء جدوة حركة 20 فبراير، والتي استغلتها الاحزاب لقضاء أجندتها الخاصة المرتبطة بمساومة ومغازلة النظام بعيدا عن هموم الشعب الحقيقية، وعودة واسعة لأعمال القمع والاختطاف والتعذيب والأحكام القاسية الملفقة بالسجن، طويل المدة، ضد العمال المضربين او المعتصمين أو المناضلين الميدانيين والنقابيين وعموم المواطنين المحتجين، مع ضرب تماسك المركزيات النقابية عبر استعمال البيروقراطية الفاسدة داخل هذه المركزيات لاستئصال خيرة المناضلين النقابيين الديمقراطيين كما حدث داخل الاتحاد المغربي للشغل منذ 5 مارس 2012.

 

 

http://4.bp.blogspot.com/-OLji8uJ0Kig/ULJagTd3VTI/AAAAAAAAAMQ/rCC0vjzdWfg/s1600/dyn006_original_600_424_jpeg_2522062_8d2b1389455882846ff6ccb82e6cc91d.jpg

 

 

فالأزمة الرأسمالية العالمية والتي ما فتئت تتعمق في بلادنا، منذ انفجارها سنة 2008، والتي تؤكد جميع مؤشراتها أنها آخذة في التعمق الى غاية 2019 على الأقل، تجعل الاحتكارات الرأسمالية تحت رعاية الدولة تستهدف معالجة الأزمة على حساب الطبقة العاملة وعموم الكادحين، سواء بشكل مباشر عبر الزيادة في الضرائب وفي الأسعار وتجميد الأجور وفتح المجال للتسريحات الجماعية وعدم الالتزام بالحد الادنى للاجور والغاء صندوق المقاصة ورفع سن التقاعد والتقليص من راتب التقاعد، أو بشكل غير مباشر عبر تفكيك المرافق العمومية خاصة منها مرفقي التعليم والصحة من أجل دفع المواطنين نحو التعليم والصحة الخصوصيين، وحرمان المواطنات والمواطنين من التعليم والصحة العمومية الجيدة.

 

http://www.lematindz.net/thumbnail/size/article_medium/file/petrole_217038831.jpg

 

 

لكن، مقاومة الطبقة العاملة وعموم الكادحين لهذا الهجوم البرجوازي الجديد  لا زال ضعيفا جدا، نظرا للوهم الديني الذي خلقته الحكومة نصف الملتحية وأيضا تواطؤ باقي الاحزاب والمركزيات النقابية لتشتيت النضالات العمالية وافشالها. فالخلاصة الممكنة هنا هي أنه على الرغم من الاحتقان الاجتماعي القائم إلا أن الحكم استطاع ضبط الاوضاع على اساس عاملين اثنين أحدهما القمع المباشر لنضالات الطبقة العاملة والثاني التغليط والتخدير الايديولوجي للعمال وحيث يلعب الدين دورا اساسيا.

 

*كيف تقيم الشق الاجتماعي في القانون المالي 2013؟

 

** تعتبر الميزانية العامة أداة سياسية بيد الحكومة تعمل من خلالها على تطبيق سياساتها التقشفية وتوسيع الوعاء الجبائي لكي يشمل شرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود سواء بالنسبة للضريبة على الدخل أو الضريبة على الانفاق. وفي مقابل توجه الحكومة في منح امتيازات مهمة للقطاع الخاص الرأسمالي البارز في هذه الميزانية ومنها اعفاء الشركات التي تدخل في عمليات التفكيك والاندماج، مثل فروع شركة أونا، من الضريبة الى سنة 2016، فإن الاجراءات الاجتماعية ضعيفة جدا مثل آلية الرميد واعانة الاسر المعوزة والتي اتبثت لحد الآن محدوديتها، فهذه الاجراءات الاجتماعية المتغنى بها هي فقط من أجل درء الرماد على العيون من أجل تمرير السياسات التقشفية وترسانة الضرائب والاقتطاعات والقوانين اللاشعبية. ويبدوا أن نتائج هذه السياسات التي تغلف بتلك التدابير الاجتماعية ستؤدي في المستقبل القريب في رأيي إلى أوضاع أكثر كارثية مما هو حاصل اليوم.

 

http://img.lavieeco.com/Investissements-publics-Mar-(2011-01-10).jpg

 

*إلى أي حد يمكن لتعطل عجلة الحوار الاجتماعي أن يساهم في تفاقم الاحتقان الاجتماعي الحالي؟

 

**  يبدوا من خلال الممارسة أن هناك تواطؤ واضح بين الحكومة وعدد من الاحزاب وعدد من المركزيات النقابية ونقابة الباطرونا، فأي حوار اجتماعي جدي شهدته بلادنا خلال السنين الأخيرة؟. فحتى بالنسبة لاتفاق 26 أبريل بين الحكومة والباطرونا والمركزيات النقابية التي هي في نفس الوقت تابعة لأحزاب منخرطة في اللعبة، لم يطبق بالكامل على علته. كيف يمكن لثلاث مركزيات هي الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني للشغل والاتحاد العام للشغالين أن يبرما محضر اتفاق تعاون مع نقابة الباطرونا؟، فما هي الأغراض الكامنة وراء هذا الاتفاق التعاون في ظل المشهد السياسي والاقتصادي المتسم بالأزمة والهجوم البرجوازي العنيف على الشروط المادية للطبقة العاملة وما يصاحب ذلك من احتقان اجتماعي، إن لم يكن هو حفظ سلم اجتماعي مصطنع والتعاون أو التواطؤ الطبقي بين المركزيات النقابية والباطرونا تحت رعاية الحكومة؟.

 

 

ان إطفاء الاحتقان الاجتماعي الحالي لا يتأتى عبر التواطؤ والتعاون الطبقي بين المركزيات النقابية والاحزاب السياسية والباطرونا، أو حتى عبر الوعود المعسولة التي لا تطبق أبدا خصوصا منها تلك التي تقدم خلال الحملات الانتخابية. فالشعب المغربي هو شعب ذكي جدا ولا يمكن للمناورات المكشوفة ان تخدره، لأن الاحتجاجات ستتواصل حتى من دون تأطير سياسي أونقابي، بل حتى الاختيارات الامنية والقمع والسجون لن تتمكن في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين والفقر والتهميش والحرمان اللذان يخلفهما ، من ردع الاحتقان الاجتماعي.

 

 

http://a407.idata.over-blog.com/478x600/0/58/99/49/Renault-R8-Major/statistiques/Renault-usines-Euromed-1-sem.JPG

 

إن مسرحية الحوار الاجتماعي في ظل التواطؤ المكشوف بين أطراف الحوار من أجل تطبيق سياسات لا شعبية لا ديموقراطية تخدم فقط الاحتكارات الرأسمالية المهيمنة على جهاز الدولة لكي تتجاوز أزمتها، تبقى مسرحية مكشوفة، وستظهر ردود فعل الطبقة العاملة وعموم الكادحين خلال الانتخابات الجماعية المقبلة والتي قد تعرف مقاطعة عارمة لتلك الانتخابات.

 

http://sphotos-a.xx.fbcdn.net/hphotos-ash4/c0.0.403.403/p403x403/397689_455039544551095_1547055768_n.jpg

 

*يظل الرفع من الأجور مطلبا أساسيا في الوقت الراهن، كيف يمكن تحقيقه دون الزيادة في اختلالات الاقتصاد الوطني؟

 

** ان الاقتصاد الوطني مبني أصلا على الاختلالات بين البرجوازية المهيمنة على هذا الاقتصاد في تداخل مع جهاز الدولة والتي تحقق من ورائه أرباحا خيالية، وطبقة عاملة وعموم الكادحين الذين يتحملون عواقب هذه الاختلالات. ونظرا لأن الاقتصاد المغربي موجه في أغلبيته الساحقة للتصدير نحو الخارج، فإن هذه الاختلالات القائمة تعتبر مفيدة للبرجوازية المهيمنة، لان تدني الاجور وبالتالي تدني القدرة الشرائية لا يهم سوى السوق الداخلي وهو غير مهم بالنسبة للمصدرين، لكنه يشكل عاملا أساسيا في مجال التنافسية مع الشركات الاجنبية. فالتناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج المولد لهذا الاختلال، يتم تعميقه أكثر من أجل ضمان التنافسية الخارجية، لكنه تناقض بمثابة قنبلة موقوتة، ستنفجر نيرانها لا محالة نتيجة السياسات الحكومية الحالية. لذلك فإن الرفع من الأجور هو ما يمكن أن يخفف في الواقع من هذه الاختلالات ومن هذا التناقض.

 

http://www.toutlemaghreb.com/images/upload/maroc_incendie_usine_de_matelats.jpg

 

 

*بلغت البطالة في المجتمع المغربي حدا لم يعد يطاق، كيف يمكن في نظرك حل هذه المعضلة؟

 

** البطالة لم تفتأ تتزايد سواء في المغرب أو في العالم منذ أواسط الستينات، أي منذ ظهور أزمة الانتاج الزائد، والذي تفرض تقليص الإنتاج وإحداث تسريحات عمالية واسعة وأيضا تقليص الأجور وتجميدها. ان تواصل هذه الأزمة بدون انقطاع وفي فترات مد وجزر حيث تظهر كل مرحلة مد للازمة أقوى بكثير من سابقاتها، وحيث نشاهد أعداد العاطلين يتزايد بشكل متوالي، جعلت الحكومات البرجوازية ومن بينها حكومتنا نصف ملتحية تلجأ باستمرار الى سياسات التقشف والمديونية وتفكيك المرافق العمومية والتغطية على التسريحات الجماعية وعلى اقفال العديد من الشركات والمعامل. وبطبيعة الحال فإن مختلف هذه السياسات تؤدي الى تفاقم معدلات البطالة. ولا ترى البرجوازية المهيمنة بدون شريك في البطالة عنصرا سلبيا للاقتصاد الوطني، بل ان اتساع البطالة تعتبره ايجابيا لأنه يوسع الجيش الاحتياطي للعمل، مما يسهل مساومة الراغبين في العمل حول اجور زهيدة، كما تهدد العاملين اما بالقبول بانخفاض اجورهم أو باستبدالهم بجموع العاطلين المستعدين للعمل بأقل الاجور.

 

http://img.lavieeco.com/Diplomes-chomeurs-MAROC-(2011-03-11).jpg

 

تغيير أوضاع البطالة اليوم في ظل الأزمة الاقتصادية الرأسمالية والسياسات البرجوازية المعتمدة لمعالجتها، أصبح اشكالية غير قابلة للمعالجة، فالنضال العمالي ونضال المعطلين من أجل تغيير موازين القوى التي تهيمن عليها اليوم البرجوازية بدون شريك هو ما يمكن الطبقة العاملة من فرض نفوذها وبرنامجها الطبقي الاشتراكي.

 


عبد السلام أديب
الحوار المتمدن-العدد: 3987 – 2013 / 1 / 29 – 08:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s