حوار حول المرأة والثورة من داخل المغرب

لرفيقة زكية محمود، مناضلة في صفوف تيار المناضل-ة بالمغرب، طالبة سابقة في فصيل الطلبة الثوريين، وعضوة أيضا في لجنة النساء بجامعة ابن زهر سابقا، وعضوة بجمعية أطاك المغرب.

وليد ضو: ما هو الدور الذي لعبته المرأة المغربية خلال الحراك الذي أطلقته حركة 20 فبراير/ شباط، وما هي العوائق التي حالت دون تطور هذا الحراك إلى صدام جذري مع النظام؟
زكية محمود:
سأحاول أن أوضح الدور الذي لعبته المرأة المغربية في دينامية 20 فبراير من خلال مستويين اثنين. يتجلى الأول في المشاركة الواسعة للنساء إلى جانب الرجال في هذا الحراك، خاصة في بعض المدن التي شهدت مسيرات واسعة كطنجة والدار البيضاء. تدل هذه المشاركة على توق النساء إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من نظام الاستبداد[ مشاركة من اجل المطالب العامة مع غياب مطالب خاصة بالنساء ]. أما المستوى الثاني فيتجلى في دور النساء المناضلات في الحركة من حيث التنظيم والتوجيه. هنا يجب التمييز بين دور نساء « جماعة العدل والإحسان » الإسلامية اللواتي شاركن بشكل كثيف في الأشكال الاحتجاجية وفق المرجعية الدينية للجماعة: عدم الاختلاط والسير خلف الرجال في المسيرات، وغيابهن عن مهام التحريض وتوزيع المناشير، واكتفائهن بدور تابع لرجال « الجماعة ». و يعبر هذا عن مضمون المشروع البرنامجي للجماعة والمكانة التي ستحض بها النساء في ظله.

أما بالنسبة للنساء المنتميات لليسار المنخرط في حركة 20 فبراير فلا يمكن تجاهل مشاركتهن النوعية في بعض المدن الكبرى على مستوى التوجيه وتنظيم الاحتجاجات والانخراط في لجان التعبئة. كما كن يلقين خطابات تحريضية قوية وسط الجموع. وبعد عدة أشهر على انطلاق الاحتجاجات قامت هؤلاء المناضلات بمحاولات لإبراز المطالب النسائية رغم عجزهن عن لف النساء حول هذه المطالب لقلة عددهن، وغياب الحركة النسائية التي اصطف أغلبها إلى جانب النظام، وأخيرا نظرا لضعف اليسار الجذري عموما.

طبعا، شكل نضال حركة 20 فبراير وما رافقها من نضال عمالي وشعبي حالة نضال نوعية جديدة. جماهير من الشباب والكادحين في الشارع للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية بشكل غير مسبوق من عقود. مع ذلك لم تبلغ هذه الحالة النضالية مستوى ما بلغته في كل من تونس ومصر. بالتالي لم يتطور هذا الحراك إلى صدام جذري مع النظام. ليست القتالية هي المفقودة، بل تمثلت المشكلة في مستوى الوعي المتخلف وفي درجة تنظيم من هم في أسفل المجتمع.

كان الوضع السياسي ساكنا قبيل 20 فبراير، والنظام كان يدبر الأمور بشكل عادي بمساعدة قوى تاريخية معارضة جاءت المسؤولية الحكومية خلال الإعداد لانتقال العرش من الملك الراحل إلى الملك الحالي. أما جماهير الشعب العامل والكادح فبقيت خاملة سياسيا، تعبر سلبيا عن رفضها للديمقراطية الزائفة بعزوفها الواسع عن المشاركة الانتخابية. وقوى اليسار الجدري ظلت ضعيفة وهامشية، وأبعد كثيرا عن تشكيل حركة جماهيرية، فيما شهدت الحركة الأصولية الإسلامية صعودا مثيرا سواء المشاركة في لعبة النظام أم التي تقاطعها وبقيت في انتظارية سياسية خرقاء.

هذا الوضع السياسي الراكد، والعفن، هو ما أتاح للملكية مواصلة تنفيذ السياسات النيوليبرالية المدمرة التي يخططها الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية. سياسات واجهها الكادحون عبر تحركات مطلبية اجتماعية معزولة ومشتتة. نفس الوضع عانى منه نضال حركة المعطلين لسنوات طوال. أما الطبقة العاملة فكانت، ولا تزال، في وضع دفاع على آخر خط. وهي تحت سطوة سرطان بيروقراطي مزمن.

تلك إذن كانت أهم معوقات تطور هذا الحراك إلى اندفاع ثوري جماهيري فعلي. هناك وضع غير محتمل، لكن ينقصه مقومات الوعي والتنظيم رغم القتالية الكبيرة التي أبان عنها المحتجون. لقد شكل الحراك تعبيرا محليا عما تشهده المنطقة برمتها بحفز خارجي لعوامل داخلية. كانت كل العوامل التي أنتجت الانتفاضات الشعبية التونسية والمصرية موجودة، من أزمة اقتصادية خانقة، وتدهور اجتماعي مأساوي، واستبداد سياسي مطلق. لكن اصطفاف كل الأحزاب القائمة بما فيها قسم من الإسلاميين وتنوع كبير من الزوايا والجمعيات التنموية والبيروقراطيات النقابية… ترك نضال الشباب، تلك النخبة المسيسة، معزولا ومقطوعا عن القاعدة العمالية والشعبية، صاحبة المصلحة الحقيقية في تغيير شامل وعميق.

كيف تقيمين الدور الذي تلعبه الحركة النسوية في المغرب سواء لناحية انتزاع حقوق إضافية للمرأة أو بالنسبة إلى دورها داخل الحركة النقابية؟
أولا، لا وجود لحركة نسوية مستقلة في المغرب، هي في مجملها ملحقات/ قطاعات لأحزاب سياسية ليبرالية وإصلاحية ودينية، وقسم منها موال للنظام مباشرة. مع ذلك، لا يمكن إنكار أهمية مساهمة هذه الحركة النسائية التقدمية في التعريف بالقضية النسائية، وطرحها كواحدة من القضايا الأساسية. لقد أخرجت الحركة النسائية المغربية قضية النساء من المقدس المسكوت عنه إلى مجال النقاش العام، وساهمت في تحسين وضع المرأة من جوانب عدة، بخاصة على مستوى الحقوق السياسية والمدنية. غير أن هذه الحركة سرعان ما خبت تاركة المجال لصعود حركة نسائية دينية، ولعمل نسائي « تنموي » للدولة يكرس دونية المرأة وتخلفها. وفضلا عن ذلك استطاع النظام استمالة ما تبقى من حركة نسائية تقدمية وأسكتها، ساعد في ذلك ميل وسط الحركة للاصطفاف إلى جانب النظام ضد الحركة الأصولية الإسلامية، ولما نظرة إيجابية جدا لتوصيات البنك الدولي وباقي مؤسسات الامبريالية المتعلقة بأوضاع المرأة، أكبر المتضررين من وصفاتها الليبرالية الجديدة المدمرة للحقوق والمكاسب.

هكذا، لسنا أمام حركة نسوية مستقلة ومناضلة، بل مجرد « لوبيات » ضغط تقدم المذكرات والتقارير للملكية، تستجدي تغيير قوانين غارقة في الرجعية. هذه الملحقات الحزبية لم تشارك في نضال حركة 20 فبراير بأي شكل من الأشكال، بل فضلت على غرار أحزاب ليبرالية تاريخية وأخرى إسلامية أن تقدم مذكرات بخصوص مطالبها للجنة الملك المشكلة لمراجعة الدستور الممنوح، والذي دعت حركة 20 فبراير إلى مقاطعة الاستفتاء حوله.

لقد شكلت الحالة النضالية التي شهدها المغرب فرصة مؤاتية للوصول لجماهير النساء وتعبئتها لانتزاع حقوق أساسية، لكنها ضاعت تقريبا بفعل غياب فعل نضالي نسائي مكافح ومنظم وواع كفاية.

لم تقم الحركة النسائية الموجودة فعلا عبارة عن ملحقات حزبية سوى بتحرك خلال الحملات الانتخابية للضغط من أجل انتزاع المناصفة في المقاعد البرلمانية، وقد انتهى ذلك لفشل ذريع.

أما بالنسبة لدور الحركة النسائية المغربية داخل النقابة، فليس لها اي دور يذكر، فهي بعيدة كليا عن اهتمامات ومعاناة النساء العاملات، فأغلب نشاط هذه الحركة هو من داخل جمعيات اتجهت نحو العمل « التنموي » بمنظوره الليبرالي الوارد من البنك العالمي (مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف، مشاريع وتكوينات لتمكين النساء …)

فقط، بناء تنظيم نسائي مستقل وديمقراطي وجماهيري وتقدمي ومكافح، مرتبط بنضال الطبقة العاملة، هو الكفيل بخلق الأسس الضرورية للتقدم نحو تحرر فعلي للنساء الكادحات بشكل خاص، والنساء المضطهدات بشكل عام.

ما هو أثر وصول حزب العدالة والتنمية على حقوق المرأة (والرجل) الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى مسألة الحريات العامة والخاصة؟ وكيف يمكن مواجهة هذا الحزب الذي حاز على أكثر من ربع المقاعد في البرلمان المغربي، وبالطبع غيره من الأحزاب الانتهازية؟
عموما، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي يمكن القول إن لا شيء تغير، بالتالي فتولي حزب العدالة والتنمية المسؤولية الحكومية لم ولن يغير شيئا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ظهر ذلك مع إعلان رئيس الحكومة وجود « عفاريت وتماسيح » تعرقل التغيير من جهة، ومن جهة أخرى حين أعلن « عفا الله عما سلف » في مواجهة الفساد. بالتالي ظل شعار محاربة الاستبداد والفساد مطلبا شعبيا دون جواب. من جانب آخر قامت الحكومة بإشارات استعراضية سرعان ما تبين خواؤها، إذ لم تقم بالواجب في محاربة الريع، عند نشرها للوائح المستفيدين منه. ما قامت به الحكومة حتى الآن يثبت ذلك، فأولى إجراءاتها الفعلية كان الزيادة في أسعار المحروقات وبالتالي إطلاق وحش الغلاء على الأغلبية الشعبية الكادحة. وهو ما تزيده تأكيدا مشاريعها « الإصلاحية » القادمة مثل تفكيك صندوق دعم أسعار بعض المواد الأساسية، وأنظمة التقاعد، وقانون تكبيل الحق في الإضراب… أما على مستوى الحريات العامة والخاصة فهناك لمسة للعدالة والتنمية. لقد وقف الحزب في وجه المطالبة بتجريم الاغتصاب، بل ذهب وزير العدل وهو من العدالة والتنمية، إلى حد إلقاء اللوم على المغتصَبة. وهو نفس الشيء الذي قامت به الوزيرة الوحيدة بالحكومة وهي الأخرى من العدالة والتنمية.

لم يغير وصول الحزب تمثيل المرأة السياسي، فالحكومة على عكس سابقاتها فيها وزيرة واحدة فقط، وعدد المقاعد البرلمانية المخصصة للنساء بقي تقريبا على حاله، والشيء نفسه ينطبق على تولي المسؤوليات العمومية من طرف المرأة. هنا يجب التذكير بأن الحزب وقف باستماتة في وجه خطة إدماج المرأة في التنمية -وقف حزب العدالة والتنمية ضد جزء من تلك الخطة، و ليس كلها. كان معارضا لبعض الإجراءات التقدمية فيما سكت عن الجانب الاقتصادي و الاجتماعي الذي ليس سوى توصيات البنك العالمي- التي أعدتها حكومة التناوب بقيادة اليساري عبد الرحمن اليوسفي. نتج عن ذلك اللجوء للتحكيم الملكي ومدونة أسرة لا تختلف كثيرا عما سبقها من قانون الأحوال الشخصية.

بالنسبة لمواجهة هذا الحزب والأحزاب الانتهازية عامة لا مناص من النضال. لقد كشفت الحالة النضالية بالمغرب مع حركة 20 فبراير خيانة أحزاب معارضة تاريخية، وخيانة جزء من الحركة الإسلامية المتواطئ مع النظام، وجبن القسم الآخر منها، كما فضحت تواطؤ البيروقراطيات النقابية. إلى جانب ذلك أبانت مدى السخط الشعبي الكامن، لكن غير الواعي وغير المنظم للأسف. القتالية موجودة لكنها ليست كافية، والمطلوب باستعجال هو حفز التنظيم التحتي العمالي والشعبي سياسيا واقتصاديا وثقافيا…

لقد دخلت البلاد مع حركة 20 فبراير منعطفا تاريخيا مهما، عنوانه العريض التوق إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وأنه لا سبيل لنيلها سوى بانتزاعها انتزاعا.

نشرتم/ن في موقع المناضل/ة مقالة بعنوان « الذكوريون الثوريون » للكاتبة جويل جريس، كيف تقرأين هذه المقالة في ظل واقع الأحزاب والتنظيمات الجذرية في المغرب التي قد تتبنى ممارسات السلطة خلال مناهضتها لممارسات هذه الأخيرة؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟
كما جاء في المقالة إن ممارسات السلطة الذكورية داخل المنظمات الثورية ليست شيئا يثير الدهشة، فالأشخاص الذين يشكلونها، رجالا ونساء، يستبطنون قيم المجتمع الذي ترعرعوا فيه ويعيدون، بلا وعي، شاءوا أم أبوا، إنتاج ما يؤاخذون عليه الطبقات المهيمنة.

في رأيي المسألة مرتبطة بمدى وعيننا بهذه الظاهرة وبالأخص المناضلات، فالأمر يتعلق بالتربية اليومية للمناضلين والمناضلات على السواء على المساواة في كل المسؤوليات والمهام، ويجب أن تكون النساء المناضلات هن الأكثر حرصا على هذه المساواة وعلى المنظمات الثورية اتخاذ تدابير لتفادي استحواذ الذكور على النقاشات وتدابير تمييزية لصالح المناضلات من أجل الدفع بهن لتولي المسؤوليات.

نعم لا يكفي استنكار المسألة، فأيا كان إخلاص الثوريين الذكور لمبادئ التحرر، وبخاصة تحرر المرأة، يظلون مكبلين بتقاليد المجتمع المتخلف. وللخروج من هذه الحلقة المفرغة ينبغي في المقام الأول ازدياد عدد المناضلات الثوريات في صفوف المنظمات المناضلة، ومن ثم قيامهن بالضغط الضروري لقلب المعادلة، بتولي المسؤوليات، وإدخال رزمة من التدابير الملائمة لوضع النساء من حيت وقت الاجتماع، ودوريته، وشروطه. المهمة صعبة في مجتمعاتنا الشديدة المحافظة، لكنها ليست مستحيلة. فقط شيء من الإرادة وقسط من الصرامة، والكثير من الالتزام السياسي والصدق النضالي سيسمح بتحول إيجابي لصالح المناضلات في الأوساط المناضلة عموما والثورية بشكل خاص.

كيف تنظرين إلى انسحاب الحركات الإسلامية من حركة 20 فبراير/ شباط، وهل جاء ذلك بسبب فوزهم في الانتخابات النيابية وبالتالي هل نجحوا في استعمال هذه الحركة لأهدافهم الانتخابية؟
أولا يجب توضيح أن جماعة العدل والإحسان هي من انسحب من الحركة، وهي جزء من الحركة الأصولية الإسلامية المنخرط في حركة 20 فبراير، وهي تقاطع العمل السياسي داخل المؤسسات. أما حزب العدالة والتنمية الإسلامي فهو من يقود الآن حكومة الواجهة، وهو كان أصلا معارضا للحركة مند البداية.

إلى حد ما يرجع نجاح حزب العدالة والتنمية الانتخابي إلى المناخ الذي خلقته حركة 20 فبراير، لكن العامل الرئيسي لنجاحه هو ولاؤه للنظام وحاجة، هذا الأخير، الملحة لاستخدام هذا الحزب الفتي وغير المستهلك، على غرار سابقيه من المعارضة الليبرالية، من أجل اجتياز العاصفة الثورية الآتية من الشرق. أضف لذلك سيادة وهم الاستقرار، ما يدعى استثناء مغربيا، وبخاصة مع « المأزق » الليبي والسوري فيما بعد، حيث تغذى الوهم لدى الأغلبية الشعبية حول انتقال هادئ من فوق يرعاه الملك. مع ذلك لم ينجح الإسلاميون في استعمال الحركة لأهدافهم الانتخابية، سواء من حيث النتائج، أو من حيث استمرارها في القيام بتعبئة ولو أنها أقل زخما.

قاطع الاستفتاء على الدستور الشكلي أكثر من نصف المغاربة، عكس الأرقام الرسمية التي كانت غايتها التدليل على شرعية الملكية. أما انتخابات تجديد واجهة النظام الديمقراطية، فدعت حركة 20 فبراير، واليسار الراديكالي، وجزء من اليسار الإصلاحي وحركة العدل والإحسان الإسلامية إلى مقاطعتها. وكان هذا الموقف منتشرا أصلا وسط السكان خلال الانتخابات السابقة، بخاصة سنة 2007 مع نسبة الإقبال الرسمية التي لم تجاوز بالكاد 37 ٪.

وخلافا للنتيجة المضللة لنسبة مشاركة بلغت 45٪ التي أعلنها النظام لانتخابات 25 نوفمبر، فإن النسبة الفعلية، وذلك باستخدام الأرقام الرسمية، هي 21 ٪ في الواقع، فإن عدد المغاربة في سن التصويت هو 21 مليون نسمة والمسجلون 13.5 مليون. وعدد المصوتين هو 6.1 مليون، وعدد الأصوات الملغاة 1.6 مليون نسمة.

هذا فضلا عن ترهل أحزاب المعارضة التاريخية مما دفع قسما من السكان إلى التصويت لحزب لم يستهلك بعد. هذا علما أن النظام يستخدم حزب العدالة والتنمية تماما كما فعل الملك الراحل مع حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي هيمن على المشهد النضالي بخاصة النقابي من خلال الكنفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، ولهذا الحزب تاريخ طويل من المعارضة، لإنقاذ نظامه من »السكتة القلبية »، وضمان انتقال سلس للسلطة.

انسحبت جماعة العدل والإحسان من نضال حركة 20 فبراير يوم الأحد 18 ديسمبر 2011، بعد 10 أشهر من انخراطها القوي. انسحاب فاجأ أتباعها قبل خصومها وأعدائها، فإعلان الانسحاب جاء في وقت نزل فيه شبابها كالعادة للتعبئة ما فاجئهم وجعلهم في حرج من أمرهم. بل خرج منهم من عبر صراحة عن تحفظه من ذاك الإعلان.

كل ما بنت عليه الجماعة انسحابها مردود عليها، أما الأسباب الحقيقية فلم تعلنها بتاتا. المرجح أنها استبقت خفوت الحركة خاصة أمام نجاح النظام في تمرير استحقاقاته من دستور ممنوح، وانتخابات شكلية، وتقديمه تنازلات هامة في الأجور ودعم القدرة الشرائية للأغلبية الشعبية…الخ. حتى ما اعتبرته الجماعة مواصلة بطرق أخرى للنضال ضد الاستبداد والفساد لم نشهد منه سوى وقفات مسجدية، ووقفات نادرة لنصرة الثورة السورية، كلها على ما يبدو موجهة لاحتواء استياء منتسبيها.

علاوة على ذلك، لم يبلغ الزخم النضالي بالمغرب مستوى نظيريه بتونس ومصر الذي استفادت منه حتى الآن الأصولية الإسلامية من جهة. ومن جهة أخرى فجماعة العدل والإحسان لم يسبق لها أن خاضت أو قادت نضالات مطلبية جماهيرية على أساس اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، بل قاطعت أو تابعت عن بعد أهم نضالات شعبية شهدتها البلاد قبل ظهور 20 فبراير(طاطا وبوعرفة وإفني وغيرها).

لقد انضمت الجماعة لنضال الحركة خشية أن يفوتها الركب في مناخ نضالي غير مسبوق، وانسحبت منه خشية أن يحسب عليها أفولها، ولما لا خشية أن تضعها الحركة في مواجهة مباشرة مع قسم من الحركة الأصولية الإسلامية يتولى المسؤولية الحكومية.

ما « يميز » المغرب حاليا هو وصول الإسلام السياسي إلى السلطة بالشراكة مع النظام الملكي بالإضافة إلى دور السلطة العسكرية الفاعل، هل تعتبرين ذلك فرصة أمام الحركة الثورية لمواجهة هذه الأطراف في آن معا، ومحاولة إسقاطها؟
نعم، تلك هي السمة الأساسية للوضع حاليا، غير أن الإسلام السياسي ليس شريكا فعليا في السلطة، الذي يحكم حقيقة هو النظام الملكي الممسك بحزم بكل عناصر السلطة والمستحوذ اقتصاديا. الواقع أن الملكية، كما في السابق، تستخدم قسما من الحركة الإسلامية كما استعملت في السابق القسم الأهم من المعارضة البرجوازية الليبرالية. فواحدة من آليات حكم الملكية الرئيسية تتمثل في اتخاذ واق يحميها من سخط الجماهير المباشر بتركيزه على باقي المؤسسات مثل الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية، ولما لا تركيزه على شخصيات سياسية بعينها كما كان الحال مع وزير الداخلية القوي الأسبق إدريس البصري الذي تركز عليه كل السخط الموجه للنظام القائم.

في الواقع، يفتح تولي قسم من الأصولية الإسلامية مسؤولية حكومة الواجهة إمكانية نزع الشرعية والمصداقية سواء عنها أو عن النظام القائم. ويشكل ذلك فرصة، خاصة مع الارتباك الحاصل لدى الأصولية الإسلامية سواء بتونس أو مصر، وغيرهما، أمام انطلاقة نضالية أكثر حزما وتنظيما ووعيا لمواجهة تلك الأطراف في آن معا، وخلق إمكان إزاحتها. الذي يدفع لذلك الاعتقاد هو أن الإسلاميين ليس لديهم حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي توجد في أساس الهبة النضالية الشعبية. نفس البرامج الليبرالية الجديدة التي ترعاها الإمبريالية ومؤسساتها هي ما يتم نهجه.

ما هو موقف الحركة الأمازيغية من الثورات العربية، وهل يتم العمل على تدارك الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها الأحزاب القومية حين همّشت الحركة الأمازيغية أو حرمتها من حقوقها، كما حصل في الجزائر على سبيل المثال؟
الحالة المغربية متمايزة عن نظيرتها الجزائرية، رغم أن هذه الأخيرة هي إحدى محفزات بروز الحركة الأمازيغية بالمغرب. لا يكمن مشكل أمازيغ المغرب، في أحزاب معادية للأمازيغية، وذات ميولات قومية وفقط، وإنما مع نظام حكم فردي استبدادي، بنى مشروعيته على الدين – إمارة المؤمنين – واللغة العربية اللصيقة به.

أجد من الضروري قبل الإجابة عن سؤالك، لمزيد من توضيح الأمر، التذكير بحالة الحركة الأمازيغية وبداية نشأتها بالمغرب. تأسست أول جمعية أمازيغية « الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي » في 10 نوفمبر1967، أي عامين بعد انتفاضة 23 مارس 1965، بنفس مدينة الانتفاضة، ومباشرة بعد هزيمة حركة القومية العربية البورجوازية في يونيو1967. وكان ظهور الحركة الثقافية الأمازيغية، نتيجة غير مباشرة لتفكيك البنى التقليدية للمجتمع المغربي، ونتيجة مباشرة لما وصلت إليه الأمازيغية في دولة الاستقلال، وفي نفس الوقت نتيجة لسياسات الدولة في المجال الثقافي واللغوي. فأغلب مؤسسي الحركة الأمازيغية كانوا خريجي مدارس ومعاهد التعليم الأصيل والمعرب، أي من خريجي مدارس الحركة الوطنية.

ارتبط ظهور جمعيات الحركة الثقافية الأمازيغية أساسا بالمدن الكبرى، والتحاق أبناء القرى بالمدرسة الوطنية، حيث اصطدموا بواقع لغوي آخر لا علاقة له بلغتهم الأم. كما عاينوا التهميش والاحتقار الذي تعاني منه ثقافتهم ولغتهم في البرامج الدراسية. كان لهذه الصدمات أثر كبير في دفع مجموعة من الطلبة للانتظام من أجل إعادة الاعتبار للغتهم. وقد ساهم انفتاح التعليم الجامعي (حيث اطلعوا على نتائج بحوث علم الاجتماع واللسانيات والانثربولوجيا والتاريخ)، على أبناء الطبقات الشعبية على مد هؤلاء بصورة عن تاريخ وثقافة ولغة الأمازيغ غير التي تلقنها برامج التعليم ووسائل الإعلام.

هذا، وقد مرت الحركة الأمازيغية بثلاث مراحل: مرحلة النشأة (1967/1991)، طبعت بعمل ثقافوي متجه أساسا للحفاظ على ما تبقى من التراث الشعبي الشفوي (إصدارات شعرية ونثرية، ومهرجانات، الاهتمام بالفلكلور…). ثم مرحلة المطالبة (1991/2001): توسع محموم للحركة (تأسيس مجموعة من الجمعيات، تنسيقيات وطنية وجهوية، ميثاق اكادير، صحافة منتظمة…) وأخيرا مرحلة الاحتواء، ابتداء من 2001، شهدت تأسيس معهد الملك للأمازيغية، على شاكلة نظيره الجزائري، « المحافظة السامية للأمازيغية ». أدمج في معهد الملك أغلب مؤسسي الحركة الأمازيغية. وكان هدف الملكية التنازل الطفيف، درءا لانتصاب حركة أمازيغية مناضلة، شبيهة بنظيرتها القبايلية بالجزائر. وهذا ما تحقق فعلا، فقد استطاع معهد الملك أن يشد إليه قسما مهما من الحركة الأمازيغية، وأن يبث الخلافات في صفوفها، ويشتتها في النهاية.

والحالة هذه، فقد وجدت السيرورة الثورية المنطلقة بمنطقتنا العربية والمغاربية، الحركة الأمازيغية بالمغرب، في حالة شديدة من الضعف. ساهم فيها بالإضافة لما ذكرت، سمتان أساسيتان: الأولى طبعت « الحركة الأمازيغية » طيلة العقود الأربعة من وجودها، فهي لم تستطع، أو بالأحرى لم تسعَ للانغراس وسط قطاعات شعبية غير قطاعات المثقفين الذين أسسوها منذ انطلاقتها (طلبة، محامون، جامعيون..). أما السمة الثانية، هي أن « الحركة الأمازيغية »، لم تخبر تقاليد النضال الجماهيري التي فتحت حركة 20 فبراير بابها على مصراعيه أمام الجماهير.

أفنت الحركة عقودا من عمرها في عمل ثقافي وأكاديمي (ثمين بقدر ما كان عملا علميا)، كان له دور كبير في إضفاء المشروعية على المطلب الأمازيغي ومراكمة الكوادر في ظل مناخ سياسي غير ملائم متسم بقمع الدولة وعداء التيارات القومية العربية (إسلامييها وليبرالييها). لكن هذا طبع الحركة الأمازيغية بخيار « النضال المشروع » والسعي لدخول مؤسسات الدولة، هذا ما دفع نخبة- أو بوجه أدق وجوهها البارزة، أي قادة المعهد الملكي حاليا – الحركة على الاقتصار على بعث المذكرات المطلبية والاستجداء، متغاضية بذلك عن النضالات الجارية وعازلة المطلب الأمازيغي عن المطالب الديمقراطية الأخرى، والاجتماعية والاقتصادية.

مع ذلك ساهم القسم المتبقي من الحركة الأمازيغية، خارج وصاية القيادة الليبرالية، الشباب الجامعي بالأساس وخريجيه، في نضالات حركة 20 فبراير. وتحمسوا لبروز حركة 20 فبراير، وتفجر الثورات بالمنطقة، رغم الحساسية التي يبدونها، إزاء استعمال مصطلح « الربيع العربي »، وهو استياء في محله، إذا أخدنا بعين الاعتبار تكاثر الروافد القومية في منطقتنا، أمازيغ ليبيا وأكراد سوريا… إنه ربيع كافة شعوب وقوميات كل منطقتنا.

مكنت نضالات حركة 20 فبراير، من إدراج اللغة الأمازيغية في الدستور الممنوح، وتم تأسيس قناة تلفزيونية أمازيغية عمومية جذبت هي الأخرى قسما من الحركة الأمازيغية للعمل داخلها، وتم البدء بتدريس اللغة الأمازيغية بالمدارس والجامعات بدءا من سنة 2003 بموجب اتفاقيات بين المعهد الملكي ووزارة التعليم، مع ما طبع ذلك من تعثر فاضح لعملية التدريس. وشمل الدستور الممنوح إحداث مؤسسات أمازيغية جديدة وعلى رأسها المجلس الوطني للغة والثقافات، سيجذب نحوه ما تبقى من نخبة الحركة الأمازيغية. ورغم كل هذه التنازلات تحت ضغط كفاح الشارع، لا زالت الأمازيغية لم تحتل مكانتها كاملة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا ببناء حركة أمازيغية جماهيرية، تلتقي مع كافة حركات النضال ذات المصلحة في التغيير العميق والشامل للمجتمع. وهذه مهمة لن تقوم دون اضطلاع اليسار الثوري بدوره.

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s