قمع الحريات النقابية ميزة ثابتة للنظام القائم بالمغرب

نص الكلمة الملقاة في ندوة « أوجه الهجوم على الحريات النقابية وسبل المواجهة » بالرباط، بتاريخ 30 مارس 2013 )

عبد الله لفناتسة

1.تمثل الطبيعة اللاديمقراطية للنظام المغربي القائم، العائق الرئيسي أمام ممارسة الحريات الديمقراطية وضمنها الحريات النقابية. وتنعكس طبيعة النظام هاته في التشريعات وفي السياسات العمومية وبرامج الدولة ودور المؤسسات الرسمية بما فيها الأجهزة القمعية، والقضاءالطبقي، والسلطات المحلية ، التي تنحاز إلى جانب الباطرونا في حربها ضد الوجود النقابي بمواقع الإنتاج.

 

إن مواقع الإنتاج هي نقطة التماس بين الرأسمال والعمل، والمدخل لانتزاع فائض القيمة من الطبقة العاملة، أي نقطة انطلاق التوزيع غير العادل للثروة. مما يفسر العنف السائد داخل المعامل والضيعات والأوراش وفي قطاع البحر والمناجم … فكلما اقترب العمل النقابي من مواقع الإنتاج كلما كانت الحرب ضده شرسة، وكلما ابتعد عن هذه المواقع وعن الهموم الحقيقية للطبقة العاملة، كان مقبولا من الباطرونا والسلطة، بل مطلوبا لتلميع صورة النظام وللتغطية على واقع الاستغلال والقهر.

2.إذا كان قمع الحريات النقابية ناتجا اساسا عن الطبيعة اللاديمقراطية للنظام القائم، فإن حدة هذا القمع تعكس تطور الصراع الطبقي من مرحلة إلى اخرى. لذا وجب التذكير بأهم سمات الظرف الراهن:

– احتدام الصراع الطبقي بين الكثلة الطبقية السائدة والرأسمال الأجنبي من جهة، والجماهير الشعبية وخصوصا الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والكادحين والمهمشين، وقواها التقدمية والديمقراطية من جهة أخرى.

– تركيز أكبر للثروة في يد أقلية من البرجوازيين والملاكين الكبار بفعل تكثيف استغلال الطبقة العاملة ونهب ممتلكاتالدولة ومواردها.

– تراجع في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وفي نسبة تطبيق قانون الشغل، مما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للجماهير الشعبية وتدهور الخدمات العمومية وهشاشة الشغل.

-تصريف أزمة الرأسمالية العالمية على حساب الطبقة العاملة والجماهير عموما،عبر تخفيض كلفة العمل والمصاريف العمومية.

– نهوض جماهيري مستمر وغير مسبوق، حيث امتدت الاحتجاجات إلى مدن وقرى نائية حول مطالب اقتصادية واجتماعية وتضامنا مع ضحايا القمع البوليسي، إما بتأطير من حركة 20 فبراير أو باستلهام أساليبها الاحتجاجية.

– نضالات عمالية دفاعية ومتفرقة، تؤطرها النقابات القطاعية والقاعدية لعمال المناجم والبحر والزراعة والنسيج والأشغال العمومية والخدمات … مما يشكل ضغطا على قيادات المركزيات النقابية نفسها، للكف عن انتظاريتها والدخول في معارك وطنية لا بديل عنها لوقف الهجوم على حقوق ومكتسبات الطبقة العاملة.

– النظام، بعد استنفاذ محاولات التنويم والالتفاف على مطالب الطبقة العاملة وانكشاف خلفية إبرام صفقة 26 أبريل2011، ونظرا لضيق أو انعدام هامش المناورة لديه في ما يتعلق بالمطالب الإقتصادية والإجتماعية، لم يجد بدا من الرجوع إلى الجواب الذي تمليه طبيعته القمعية إزاء الحركة العمالية، أي:

** قمع المظاهرات والاعتصامات،

** تجريم الإضراب عبر استعمال الفصل 288 من القانون الجنائي، والاقتطاع من الأجور، ومحاولة تمرير « قانون الإضراب ».

** الهجوم على التجارب النقابية الكفاحية وعلى التوجه النقابي الديمقراطي في المركزيتين الكنفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل.

3. حلت سنة 2012 على ايقاع الدستور الجديد، الذي شكل نكسة تشريعية على صعيد الحريات النقابية وتراجعا صريحا على وعود الحكومة بالمصادقة على الاتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية، بل تراجعا حتى عن بعض المكاسب الواردة في دستور 1996 ومدونة الشغل، ويمكن تلخيص التراجعات الدستورية المتعلقة بالحق النقابي في ما يلي:

  1. حصر الأشخاص الذين يحق لهم الانخراط النقابي في « فئة المأجورين »، أي إقصاء فئات أخرى مثل الحرفيين وأصحاب الطاكسيات والشاحنات والفلاحين الفقراء والتجار والباعة المتجولين والطلبة والتلاميذ والمعطلين، …

  2. تقليص مهام النقابة إلى مجرد « الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها ». أي إبعاد النقابة عن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام وعن الحقوق المعنوية، وعدم الاعتراف لها بأيدور في بلورة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة،

  3. عدم السماح للنقابات بالدفاع عن حقوق « فئات لا تمثلها » من معطلين ومحرومين من السكن أو التعليم أو الصحة…،

  4. منع صريح ودستوري لفئة القضاة من العمل النقابي، أي إغلاق الباب أمام المصادقة على الاتفاقية 87 لمنظمة العمل الدولية.

إن الطابع التراجعي لدستور 2011 يتجاوز نصه المكتوب، ويؤشر على تدشين الدولة لمرحلة جديدة في حربها على الحريات الديمقراطية وضمنها الحريات النقابية. وقد تجلى ذلك، مباشرة بعد تمرير دستور النظام وتجديد مؤسساته التشريعية والتنفيدية، في العديد من القرارات والاجراءات:

  • الهجوم على الاعتصامات العمالية،

  • تصعيد في متابعة النقابيين بالفصل 288 من القانون الجنائي،

  • تزكية القضاء لضرب حقوق العمال،

  • التمهيد لتمرير قانون الإضراب والبدء عمليا في تطبيق مضمونه عبر الاقتطاع من أجور المضربين،

  • التراجع عن الاتفاقات السابقة مع المركزيات النقابية وآخرها اتفاق 26 أبريل 2011،

  • قمع النضالات النقابية (مناجم بووازار، وإيمضر، وجبل عوام، الطرق السيارة، العمال الزراعيين بسوس ماسة والغرب، التعليم الكاثوليكي، الشركة الصينية للأشغال العمومية سينوهيدرو، …)،

  • انتهاز الفرصة من طرف الباطرونا للإجهاز على مجموعة من المكتسبات العمالية في مجال شروط العمل والحق النقابي،

  • الهجوم على التوجه النقابي الديمقراطي ومحاولة اجتثاثه من طرف تحالف الرأسمال والدولة والبيروقراطية النقابية الفاسدة.

4. إذا كان قمع الحريات النقابية يعكس وجها من أوجه الطبيعة اللاديمقراطيةللنظام المغربي، فما بالك لما يحتل النضال النقابي مكانة متقدمة في الكفاح الشعبي، وخصوصا في ظل النهوض الجماهيري الذي ميز السنتين الأخيرتين.

إن التجربة النقابية المتواضعة التي كان لنا شرف بنائها بمنطقة الرباط- سلا- تمارة، حاولت وضع النضال العمالي في قلب النضال الجماهيري من خلال احتضان معارك الشباب المعطل والحركة الحقوقية والنسائية والشبابية ونضالات ذوي الاحتياجات الخاصة وعائلات المعتقلين السياسيين … كما كان المقر النقابي سباقا لاحتضان البوادر الأولى للتنسيق بين مختلف المركزيات النقابية في المعارك الفئوية والقطاعية رغم معارضة القيادة البيروقرطية. وذلك فضلا عما عرفت به تجربة الاتحاد المغربي للشغل بمنطقة الرباط- سلا- تمارة، من ارتباط بالهموم الحقيقية للطبقة العاملة ودفاع مستميت عن حقوقها وفضح لكل التواطؤات والمساومات مع أعدائها، بل إن الاتحاد الجهوي ساند أو ساهم في معارك عمالية تاريخية (مناجم جبل عوام، عمال الفوسفاط باليوسفية، عمال البحر، إضراب الشاحنات،العمال الزراعيون بضيعة لاكليمونتين …).

لذا فإن الحرب المسلطة على هذه التجربة النقابية ليست وليدة اليوم، بل تعود –على الأقل- إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي. وفي هذه الحرب تحالف ضدنا كل من الباطرونا والسلطة والبيروقراطية الفاسدة والقضاء الطبقي مدعومين بالإعلام الرأسمالي. ويكفي استحضار بعض الوقائع للوقوف على حدة وعنف المواجهة المستمرة بين الطبقة العاملة بالمنطقة بقيادة التوجه النقابي الديمقراطي والجبهة المعادية المذكورة أعلاه:

  • القمع الشرس للمسيرة العمالية بتاريخ 17 أبريل 1997، والتي كان من نتائجها سحب مشروع مدونة الشغل من البرلمان،

  • الهجوم المتكرر على المقر النقابي من طرف جهاز القمع وتكسير ابوابه والعبث بمحتوياته،

  • حصار ومراقبة مستمرة للمقر النقابي من طرف الأجهزة البوليسية السرية والعلنية،

  • إلقاء القنابل المسيلة للدموع داخل المقر واعتقال مناضلين معطلين ومسؤولين نقابيين من داخله،

  • الهجوم بالجرافات على المقر النقابي يوم 9 يونيو 1999 واحتلال الساحة الخلفية إلى يومنا هذا،

  • قطع الماء والكهرباء على المقر طيلة الصيف،

  • تواطؤ البيروقراطية الفاسدة في الانقلاب على مكاتب نقابية بالعديد من المعامل، وطبخ مكاتب نقابية بديلة بطلب من الباطرونا وبتواطؤ السلطة المحلية،

  • رفض البيروقراطية الفاسدة لإرادة الطبقة العاملة في اختيار ممثليها الجهويين. وللتذكير فإن الأمين العام السابق للإ. م. ش لم يقبل بنتائج المؤتمر الجهوي الحادي عشر المنعقد بالرباط يوم 25 دجنبر 2005، وبالتالي لم يوضع الملف القانوني قط، لدى السلطة المحلية.

  • طرد النقابيات والنقابيين من المعامل والضيعات والفنادق وملاحقتهم من طرف عصابات الباطرونا، ووضع لوائح سوداء للممنوعين من العمل في الأحياء الصناعية بسبب انتمائهم النقابي،

  • إغلاق المعامل وقمع المعتصمين واستبدال العمال المنقبين بعمال جدد،

  •  وانتهاء بالهجوم الأخير على التوجه النقابي الديمقراطي ابتداء من تاريخ 5 مارس 2012، حيث تم طرد مجموعة من مناضلي هذا التوجه وحل الأجهزة المحلية الشرعية واستبدالها بأجهزة بيروقراطية وإغلاق المقر النقابي في وجه أغلب القطاعات والمناضلات والمناضلين الديمقراطيين. وقد استهدفت التجربة النقابية بمنطقة الرباط- سلا-تمارة، في إطار الهجوم المضاد للنظام على حركة 20 فبراير وما تمثله من نهوض جماهيري عارم.

5. إن الحرب المتعددة الأطراف التي تستهدف النضال النقابي الديمقراطي بالمغرب، تستدعي بناء جبهة نقابية ديمقراطية ترتكز إلى التضامن العمالي القطاعي والمحلي، جبهة تنطلق من التنسيق بين النقابيين الديمقراطيين في المركزيات والنقابات القطاعية والمحلية المناضلة، وخوض معارك موحدة لحماية الحريات النقابية والدفاع عن المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للطبقة العاملة ومواجهة السياسات الرسمية في هذه المجالات ووضع العمل النقابي في قلب النضال الجماهيري من أجل الحقوق المشروعة للشعب المغربي. جبهة نقابية ديمقراطية في افق وحدة اندماجية لكافة مكونات الحركة النقابية التقدمية.

عبد الله لفناتسة

الرباط في 30 مارس

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s