أزمة النظام الضريبي المغربي

 
    عبد السلام أديب
    الحوار المتمدن-العدد: 4089 – 2013 / 5 / 11 – 19:34
    المحور: الادارة و الاقتصاد
       
    انعقدت مؤخرا بمدينة الصخيرات المناظرة الثانية للإصلاح الجبائي أيام 29 و30 أبريل 2013، والتي حددت لها كهدف، كما جاء في الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة،  » تعميق النقاش حول مختلف أبعاد السياسة الضريبية، (…) (ثم الخروج ب) توصيات عملية ومقترحات دقيقة يبتدئ تفعيلها انطلاقا من قانون المالية المقبل« .
 
    وتفيدنا المؤشرات الرقمية العامة على أن النظام الجبائي لا يساهم اليوم سوى ب 60 في المائة في موارد الميزانية العامة، وهو ما يجعل الحكومة تضطر الى البحث عن كيفية تغطية 40 في المائة من هذه الموارد، عبر المديونية الخارجية على الخصوص، بعدما تم بيع جل المرافق العمومية الممتلكة للدولة بالأولوية الى الخواص الأجانب في اطار عمليات الخوصصة.
 
    كما يفضح وجود أزمة نظام جبائي في بلادنا القرار الحكومي الأخير القاضي بتجميد مبلغ 15 مليار درهم من الاستثمار العمومي وهو ما أدى الى التقليص من قيمة الكلية لميزانية الاستثمار من 58,9 الى 43,3 مليار درهم علما أن هذا الاجراء سيكون له وقع سلبي كبير على نسبة النمو وعلى الامكانيات المتاحة للتشغيل.
 
    وإذا كانت الحكومة تعترف اليوم، من خلال اسراعها بعقد هذه المناظرة وتحضير الرأي العام لتقبل التدابير الجبائية التي ستقدم عليها، بإشراكها للعديد من الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتبرير الاجراءات الجبائية الجديدة المتوقعة في ميزانية 2014، بوجود اختلال هيكلي في المنظومة الضريبية للدولة. لكنها في نفس الوقت تبعث برسائل نوايا واضحة الى المؤسسات المالية الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لتجميد 15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار. فخلال سنة 2012 بلغ عجز الميزانية 7 في المائة وكان من المرتقب ان يبلغ عجز الميزانية العامة خلال سنة 2013 تسعة في المائة، لذلك كان الهدف من وراء هذه الاجراء هو النزول بنسبة العجز نحو 4,8 في المائة فقط.
 
    إذن فنحن بالفعل أمام أزمة عميقة في النظام الجبائي المغربي ذات أبعاد متعددة، غير أن تشخيص هذه الأزمة يتطلب البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء عجزه عن ضمان تمويل 85 في المائة على الأقل من موارد الميزانية، أو عن الخلفيات السياسية التي تحكم التسابق الحالي لإدخال اصلاح جبائي متسرع هدفه الحقيقي مالي حسابي محض، مع ارضاء شروط المؤسسات المالية الدولية ووكالات التنقيط التي أصبح يحسب لها اليوم الف حساب، وأيضا التماثل مع اكراهات الاقتصاد الرأسمالي المهيمن في بلادنا أي من خلال تفضيل رأس المال على العمل كما كان سائدا دائما وعلى توسيع القاعدة الضريبية على حساب العمال والمأجورين عموما لتحقيق حاجيات التمويل المطلوبة دون المساس بالسياسة الضريبية المحابية للتحالف الطبقي الحاكم مع تغليف كل ذلك بالحديث عن العدالة الجبائية بدون مضمون اجتماعي.
 
    أولا: أسباب أزمة النظام الجبائي المغربي
 
    أزمة النظام الضريبي المغربي ليست وليدة اليوم بل هي وليدة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في بلادنا منذ بداية عقد الستينات. ورغم الاصلاح الجبائي الكبير الذي تم اعتماده خلال عقد الثمانينات والذي استهدف عصرنة البنيات الجبائية من خلال تعديل السياسة الجمركية واعتماد الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل، إلا أن المحتوى الجبائي ظل على حاله، بمعنى أنه ظل يحابي رأس المال والبرجوازية الحاكمة على حساب العمل والعمال وعموم المأجورين، خصوصا وان تضريب الرواتب وأجور الموظفين والعمال يتم عند المنبع بحيث تنعدم امكانية التملص الضريبي. أما بالنسبة للضرائب على رأس المال وعلى الشركات وعلى المهن الحرة فحدث ولا حرج، حيث تخضع مصادرها الاقتصادية لتصريح المعنيين بالأمر ولوضعيتهم الاقتصادية ولاعلانهم الدائم عن وضعية « الخسارة » وعن رقم أعمال أقل بكثير من لحقيقة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التملص الضريبي اضافة الى استفادة الباطرونا، منذ عقد الثمانينات الى اليوم، من ثلاث قرارات العفو الجبائي وهناك احتمال صدور قرار عفو جبائي رابع عن الحكومة الحالية، وهذا عدا المحاباة الكبيرة عبر تحديد معدلات ضريبية منخفضة على رأس المال وعلى المهن الحرة.
 
    إن تحول السياسات الاقتصادية المعتمدة في عقد الثمانينات من تدخل واسع للدولة بواسطة القطاع العمومي نحو تخلي تدريجي للدولة عن كل تدخل لها، مع ما صاحب ذلك من خوصصة المقاولات العمومية ومراهنة على القطاع الخاص للحلول مكان الدولة، والانتقال من اقتصاد مغلق برسوم جمركية تصاعدية خاصة على الواردات نحو اقتصاد مفتوح وموجه بالكامل نحو الخارج خاصة عقب اتفاقيات التبادل الحر والتي تأتي في مقدمتها اتفاقيتي التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية؛ فعلى أساس التماثل مع هذا التحول تمت صياغة بنية النظام الجبائي الحالي منذ الاصلاح الجبائي لعقد الثمانينات. وقد حرصت السلطات الجبائية على العمل على المزيد من تقليص معدلات الضريبة على الشركات وعلى المداخيل الكبرى وعلى تمديد اعفاء القطاع الفلاحي من الضريبة الفلاحية والتي نعلم من المستفيد منها وهم كبار الملاكين الزراعيين والذين يصدرون منتوجاتهم نحو الخارج، بينما ضلت معدلات الضريبة جد مرتفعة على ذوي المداخيل المتوسطة والضعيفة، كما عرفت الضريبة على الانفاق وخاصة منها الضريبة على القيمة المضافة محاولة لاختزال معدلاتها الضريبة في اربعة ثم الشروع في التفكير في اختزالها في معدلين فقط، وهو ما يعني محاباة العديد من المنتجات الكمالية والمستوردة مقابل رفع ذكي للمعدلات الضريبية على المواد الأساسية الواسعة الاستهلاك مما يزيد من رفع من أسعارها على ذوي الدخل المحدود.
 
    ان مراجعة السياسة الجمركية وتفكيك الرسوم عند الاستيراد والتصدير تطبيقا لمعاهدات التبادل الحر أدى الى انخفاض تدريجي في عائدات هذه الرسوم مما حتم أيضا على السلطات الجبائية نقل العبء الجبائي نحو الضرائب الداخلية على الاستهلاك.
    إذن فخلفيات أزمة النظام الجبائي المغربي مركبة، وأن مسار السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة لن يزيد هذه الأزمة الا تعميقا، وأن كل اصلاح انطلاقا من هذا المنظور لن يزيد الهيكل الضريبي سوى المزيد من التشوهات.
 
    ثانيا: منطلقات الاصلاح الجبائي الجديد للحكومة
 
    تفيدنا الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة في تحديد منطلقاته للإصلاح الجبائي الذي تعتزم الحكومة اعتماده لمواجهة أزمة النظام الجبائي الذي أصبح لا يغطي سوى 60 في المائة من موارد الميزانية. وتنقسم هذه المنطلقات الى أربعة محاور كما يلي:
 
    1 – تعزيز العدالة الضريبية
 
    من خلال قراءة الكلمة الافتتاحية لبنكيران للمناظرة الثانية للاصلاح الجبائي يتضح جليا المفهوم الهلامي للعدالة الجبائية عند الحكومة. وحيث أن هذا المفهوم لا علاقة له بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، بل هي مجرد عدالة قانونية تقررها الأغلبية المهيمنة على البرلمان والمتناغمة مع مصالح التحالف الطبقي الحاكم. يقول بنكيران في كلمته الافتتاحية:
 
    « كما لا يخفى عليكم، لقد نص الدستور الحالي على أن « على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور » كما نص على أن « على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد،.. ». وحتى يتسنى ذلك فلابد من توسيع القاعدة الضريبية وإسهام كل القطاعات والفئات، كل على قدر استطاعته، في تمويل التكاليف والخدمات العمومية والتي تعود في النهاية بالنفع على الجميع.
 
    إذ ليس من المعقول ولا من العدل ولا من المستدام أن تبقى مردودية نظامنا الضريبي مبنية ومركزة على فئة محدودة من الملزمين.
 
    هل من المنطق أن تساهم أقل من 2 % من الشركات بأكثر من 80 % من محصول الضريبة على الشركات؟
 
    هل من العدل أن أكثر من 60 % من الشركات تصرح بالعجز وأن 50 % من الشركات تصرح بالعجز دون احتساب الشركات الحديثة النشأة؟
 
    هل من العدل أن 75 % من حصيلة الضريبة على الدخل تأتي من المأجورين؟
 
    بالإضافة إلى هذا الواقع، لابد من الإشارة كذلك إلى التآكل المتزايد للقاعدة الضريبية الناتج من جهة عن تزايد وتعدد الإعفاءات الضريبية غير المنتجة اقتصاديا أو اجتماعيا والتي تتجاوز اليوم 4% من الناتج الداخلي الخام والى التآكل الناجم عن استفحال ظاهرة التملص الضريبي والقطاع غير المهيكل وما ينجم عن ذلك من تأثير سلبي على تنافسية الاقتصادي الوطني.
 
    لذلك، فإن توسيع الوعاء الضريبي ومراجعة الإعفاءات غير المبررة و إدماج القطاع غير المنظم تأتي على رأس أولويات الإصلاح الضريبي« .
 
    يتضح من خلال هذا المقتطف من الكلمة الافتتاحية ان السيد بنكيران يستعمل عبارة العدالة الضريبية للتمويه على الاجراءات اللاشعبية اللاديموقراطية التي قد تعتمدها الحكومة مستقبلا بتواطؤ مع مختلف خدامها الاوفياء.
 
    2  – تعزيز تنافسية المنظومة الضريبية
 
    يظهر أن الحديث عن العدالة الضريبية يرعب رؤوس الأموال والشركات رغم المفهوم الهلامي الذي أضفاه بنكيران عليه، لدلك تم الحديث بكل وضوح عن دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل، رغم أننا نعلم جيدا أن اعتماد مبدأ التنافسية يؤدي الى طرد اليد العاملة وإلى عدم التصريح بملايين العمال لدى الضمان الاجتماعي وهو ما ينعكس سلبا على الحصيلة الجبائية.
 
    ان التنصيص على مبدأ التنافسية يؤكد أن محاباة رأس المال في الاصلاح الجبائي المقبل يرتقي الى مستوى المبدأ السياسي للحكومة والذي لا يمكن التراجع عنه دعما « للتنافسية ». يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « إن الحكومة بقدر ما تحرص على ضبط التوازنات الماكرو اقتصادية باعتبارها عنصرا أساسيا في دعم الثقة في اقتصاد بلادنا، بقدر ما تركز على دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل. وهذا ما يستدعى البحث على مستوى الضغط الجبائي الأمثل الذي يراعي مختلف الأبعاد الاقتصادية والمالية والاجتماعية« .
 
    3  – استحضار البعد الجهوي في السياسة الجبائية
 
    تعتبر الجهات كوحدات ترابية وادارية جزءا من الجماعات المحلية وبالتالي تدخل ماليتها ضمن المالية المحلية. وقد تشكل الجهات وسيلة جديدة لفرض جبايات جهوية محلية. ولا تختلف الجبايات المحلية في منطقها عن الجبايات الوطنية من حيث المعاملات التمييزية خصوصا بين المركبات الرأسمالية والزراعية والتجارية الكبرى وبين الانشطة المحلية الكثيرة والمتعددة والتي تشكل أكبر ممول للميزانيات المحلية. يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « لقد أسس الدستور، كما لا يخفى عليكم لجهوية متقدمة. واعتبارا لما للنظام الجبائي من ارتباط وثيق بتمويل السياسات العمومية ورسم معالم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجهوية، فإن هذا البعد يجب أن يكون حاضرا وبرؤية مستقبلية ضمن أشغال هذه المناظرة« .
 
    4  – عصرنة الإدارة الضريبية
 
    ترتبط الادارة الضريبية بالسياسة الضريبية المعتمدة، حيث لا يمكن لأي اصلاح جبائي حكومي أن يعرف طريقه للتطبيق بدون أن تواكبه هيكلة ادارية جبائية متلائمة مع بنياته. لذلك يتناول المحور الرابع مسألة عصرنة الادارة الضريبية. ويظهر أن هذه العصرنة تهم ثلاث واجهات أساسية:
 
    – واجهة العلاقة مع المكلفون بالضريبة، وهو ورش أساسي لارساء علاقات شفافة متوازنة تتسم بسرعة تصفية الملفات وتدبير الشكايات والمنازعات، بالاضافة الى الارشاد والتوضيح؛
 
    – واجهة العنصر البشري المؤهل القائم على تدبير الملفات الضريبية بالاضافة الى تبسيط المساطر الجبائية وسهولة الولوج الى المعلومة وتأهيل الأداة المعلوماتية؛
 
    – واجهة المراقبة الجبائية، حيث لا يكفي تدبير الملفات الجبائية ومتابعتها ومعالجة المنازعات بل لا بد من جهاز تفتيشي لرصد الهفوات والأخطاء والتملص والغش الضريبي
 
    على سبيل الختم:
 
    نستخلص مما سبق أن النظام الجبائي المغربي الذي ظل نظاما مختلا يحابي رأس المال والملاكين العقاريين الكبار على حساب الطبقة العاملة وعموم المأجورين والفئات الوسطى، عرف خلال عقد الثمانينات اصلاحا هيكليا للتلائم مع سياسات التقويم الهيكلي وذلك من خلال ادخال عدد من أنواع الضرائب العصرية المعمول بها في الدول الرأسمالية الكبرى مثل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل كما تمت مراجعة الرسوم الجمركية نحو الانخفاض. لكن هذا الاصلاح حافظ على بنيانه المختل لصالح أصحاب رؤوس الأموال والملاكين العقاريين الكبار، على حساب باقي فئات المأجورين والمهن الحرة الصغيرة والمتوسطة.
 
    ومع اتفاقيات التبادل الحر، وتوالي الأزمات الاقتصادية والسكتات القلبية الدورية تعمقت أزمة النظام الجبائي المغربي فأصبحت مردودية النظام الجبائي لا تغطي سوى 60 في المائة من مداخيل الميزانية. وهو ما دفع الحكومة الى اللجوء المفرط الى المديونية الخارجية على الخصوص. وإذا كانت الحكومة تسارع اليوم نحو ادخال اصلاح جبائي وتحاول اشراك عدد من الاطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاضفاء الاجماع على قراراتها الجبائية الجديدة والتي يبدوا أن همها الوحيد سيكون ماليا حسابيا فقط ويقع بشكل صارم على الملايين من العمال والمأجورين.
 


 
 
 
أزمة النظام الضريبي المغربي سنة 2013
 

 
    عبد السلام أديب
    الحوار المتمدن-العدد: 4089 – 2013 / 5 / 11 – 19:34
    المحور: الادارة و الاقتصاد
       
    انعقدت مؤخرا بمدينة الصخيرات المناظرة الثانية للإصلاح الجبائي أيام 29 و30 أبريل 2013، والتي حددت لها كهدف، كما جاء في الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة،  » تعميق النقاش حول مختلف أبعاد السياسة الضريبية، (…) (ثم الخروج ب) توصيات عملية ومقترحات دقيقة يبتدئ تفعيلها انطلاقا من قانون المالية المقبل« .
 
    وتفيدنا المؤشرات الرقمية العامة على أن النظام الجبائي لا يساهم اليوم سوى ب 60 في المائة في موارد الميزانية العامة، وهو ما يجعل الحكومة تضطر الى البحث عن كيفية تغطية 40 في المائة من هذه الموارد، عبر المديونية الخارجية على الخصوص، بعدما تم بيع جل المرافق العمومية الممتلكة للدولة بالأولوية الى الخواص الأجانب في اطار عمليات الخوصصة.
 
    كما يفضح وجود أزمة نظام جبائي في بلادنا القرار الحكومي الأخير القاضي بتجميد مبلغ 15 مليار درهم من الاستثمار العمومي وهو ما أدى الى التقليص من قيمة الكلية لميزانية الاستثمار من 58,9 الى 43,3 مليار درهم علما أن هذا الاجراء سيكون له وقع سلبي كبير على نسبة النمو وعلى الامكانيات المتاحة للتشغيل.
 
    وإذا كانت الحكومة تعترف اليوم، من خلال اسراعها بعقد هذه المناظرة وتحضير الرأي العام لتقبل التدابير الجبائية التي ستقدم عليها، بإشراكها للعديد من الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتبرير الاجراءات الجبائية الجديدة المتوقعة في ميزانية 2014، بوجود اختلال هيكلي في المنظومة الضريبية للدولة. لكنها في نفس الوقت تبعث برسائل نوايا واضحة الى المؤسسات المالية الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لتجميد 15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار. فخلال سنة 2012 بلغ عجز الميزانية 7 في المائة وكان من المرتقب ان يبلغ عجز الميزانية العامة خلال سنة 2013 تسعة في المائة، لذلك كان الهدف من وراء هذه الاجراء هو النزول بنسبة العجز نحو 4,8 في المائة فقط.
 
    إذن فنحن بالفعل أمام أزمة عميقة في النظام الجبائي المغربي ذات أبعاد متعددة، غير أن تشخيص هذه الأزمة يتطلب البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء عجزه عن ضمان تمويل 85 في المائة على الأقل من موارد الميزانية، أو عن الخلفيات السياسية التي تحكم التسابق الحالي لإدخال اصلاح جبائي متسرع هدفه الحقيقي مالي حسابي محض، مع ارضاء شروط المؤسسات المالية الدولية ووكالات التنقيط التي أصبح يحسب لها اليوم الف حساب، وأيضا التماثل مع اكراهات الاقتصاد الرأسمالي المهيمن في بلادنا أي من خلال تفضيل رأس المال على العمل كما كان سائدا دائما وعلى توسيع القاعدة الضريبية على حساب العمال والمأجورين عموما لتحقيق حاجيات التمويل المطلوبة دون المساس بالسياسة الضريبية المحابية للتحالف الطبقي الحاكم مع تغليف كل ذلك بالحديث عن العدالة الجبائية بدون مضمون اجتماعي.
 
    أولا: أسباب أزمة النظام الجبائي المغربي
 
    أزمة النظام الضريبي المغربي ليست وليدة اليوم بل هي وليدة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في بلادنا منذ بداية عقد الستينات. ورغم الاصلاح الجبائي الكبير الذي تم اعتماده خلال عقد الثمانينات والذي استهدف عصرنة البنيات الجبائية من خلال تعديل السياسة الجمركية واعتماد الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل، إلا أن المحتوى الجبائي ظل على حاله، بمعنى أنه ظل يحابي رأس المال والبرجوازية الحاكمة على حساب العمل والعمال وعموم المأجورين، خصوصا وان تضريب الرواتب وأجور الموظفين والعمال يتم عند المنبع بحيث تنعدم امكانية التملص الضريبي. أما بالنسبة للضرائب على رأس المال وعلى الشركات وعلى المهن الحرة فحدث ولا حرج، حيث تخضع مصادرها الاقتصادية لتصريح المعنيين بالأمر ولوضعيتهم الاقتصادية ولاعلانهم الدائم عن وضعية « الخسارة » وعن رقم أعمال أقل بكثير من لحقيقة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التملص الضريبي اضافة الى استفادة الباطرونا، منذ عقد الثمانينات الى اليوم، من ثلاث قرارات العفو الجبائي وهناك احتمال صدور قرار عفو جبائي رابع عن الحكومة الحالية، وهذا عدا المحاباة الكبيرة عبر تحديد معدلات ضريبية منخفضة على رأس المال وعلى المهن الحرة.
 
    إن تحول السياسات الاقتصادية المعتمدة في عقد الثمانينات من تدخل واسع للدولة بواسطة القطاع العمومي نحو تخلي تدريجي للدولة عن كل تدخل لها، مع ما صاحب ذلك من خوصصة المقاولات العمومية ومراهنة على القطاع الخاص للحلول مكان الدولة، والانتقال من اقتصاد مغلق برسوم جمركية تصاعدية خاصة على الواردات نحو اقتصاد مفتوح وموجه بالكامل نحو الخارج خاصة عقب اتفاقيات التبادل الحر والتي تأتي في مقدمتها اتفاقيتي التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية؛ فعلى أساس التماثل مع هذا التحول تمت صياغة بنية النظام الجبائي الحالي منذ الاصلاح الجبائي لعقد الثمانينات. وقد حرصت السلطات الجبائية على العمل على المزيد من تقليص معدلات الضريبة على الشركات وعلى المداخيل الكبرى وعلى تمديد اعفاء القطاع الفلاحي من الضريبة الفلاحية والتي نعلم من المستفيد منها وهم كبار الملاكين الزراعيين والذين يصدرون منتوجاتهم نحو الخارج، بينما ضلت معدلات الضريبة جد مرتفعة على ذوي المداخيل المتوسطة والضعيفة، كما عرفت الضريبة على الانفاق وخاصة منها الضريبة على القيمة المضافة محاولة لاختزال معدلاتها الضريبة في اربعة ثم الشروع في التفكير في اختزالها في معدلين فقط، وهو ما يعني محاباة العديد من المنتجات الكمالية والمستوردة مقابل رفع ذكي للمعدلات الضريبية على المواد الأساسية الواسعة الاستهلاك مما يزيد من رفع من أسعارها على ذوي الدخل المحدود.
 
    ان مراجعة السياسة الجمركية وتفكيك الرسوم عند الاستيراد والتصدير تطبيقا لمعاهدات التبادل الحر أدى الى انخفاض تدريجي في عائدات هذه الرسوم مما حتم أيضا على السلطات الجبائية نقل العبء الجبائي نحو الضرائب الداخلية على الاستهلاك.
    إذن فخلفيات أزمة النظام الجبائي المغربي مركبة، وأن مسار السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة لن يزيد هذه الأزمة الا تعميقا، وأن كل اصلاح انطلاقا من هذا المنظور لن يزيد الهيكل الضريبي سوى المزيد من التشوهات.
 
    ثانيا: منطلقات الاصلاح الجبائي الجديد للحكومة
 
    تفيدنا الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة في تحديد منطلقاته للإصلاح الجبائي الذي تعتزم الحكومة اعتماده لمواجهة أزمة النظام الجبائي الذي أصبح لا يغطي سوى 60 في المائة من موارد الميزانية. وتنقسم هذه المنطلقات الى أربعة محاور كما يلي:
 
    1 – تعزيز العدالة الضريبية
 
    من خلال قراءة الكلمة الافتتاحية لبنكيران للمناظرة الثانية للاصلاح الجبائي يتضح جليا المفهوم الهلامي للعدالة الجبائية عند الحكومة. وحيث أن هذا المفهوم لا علاقة له بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، بل هي مجرد عدالة قانونية تقررها الأغلبية المهيمنة على البرلمان والمتناغمة مع مصالح التحالف الطبقي الحاكم. يقول بنكيران في كلمته الافتتاحية:
 
    « كما لا يخفى عليكم، لقد نص الدستور الحالي على أن « على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور » كما نص على أن « على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد،.. ». وحتى يتسنى ذلك فلابد من توسيع القاعدة الضريبية وإسهام كل القطاعات والفئات، كل على قدر استطاعته، في تمويل التكاليف والخدمات العمومية والتي تعود في النهاية بالنفع على الجميع.
 
    إذ ليس من المعقول ولا من العدل ولا من المستدام أن تبقى مردودية نظامنا الضريبي مبنية ومركزة على فئة محدودة من الملزمين.
 
    هل من المنطق أن تساهم أقل من 2 % من الشركات بأكثر من 80 % من محصول الضريبة على الشركات؟
 
    هل من العدل أن أكثر من 60 % من الشركات تصرح بالعجز وأن 50 % من الشركات تصرح بالعجز دون احتساب الشركات الحديثة النشأة؟
 
    هل من العدل أن 75 % من حصيلة الضريبة على الدخل تأتي من المأجورين؟
 
    بالإضافة إلى هذا الواقع، لابد من الإشارة كذلك إلى التآكل المتزايد للقاعدة الضريبية الناتج من جهة عن تزايد وتعدد الإعفاءات الضريبية غير المنتجة اقتصاديا أو اجتماعيا والتي تتجاوز اليوم 4% من الناتج الداخلي الخام والى التآكل الناجم عن استفحال ظاهرة التملص الضريبي والقطاع غير المهيكل وما ينجم عن ذلك من تأثير سلبي على تنافسية الاقتصادي الوطني.
 
    لذلك، فإن توسيع الوعاء الضريبي ومراجعة الإعفاءات غير المبررة و إدماج القطاع غير المنظم تأتي على رأس أولويات الإصلاح الضريبي« .
 
    يتضح من خلال هذا المقتطف من الكلمة الافتتاحية ان السيد بنكيران يستعمل عبارة العدالة الضريبية للتمويه على الاجراءات اللاشعبية اللاديموقراطية التي قد تعتمدها الحكومة مستقبلا بتواطؤ مع مختلف خدامها الاوفياء.
 
    2  – تعزيز تنافسية المنظومة الضريبية
 
    يظهر أن الحديث عن العدالة الضريبية يرعب رؤوس الأموال والشركات رغم المفهوم الهلامي الذي أضفاه بنكيران عليه، لدلك تم الحديث بكل وضوح عن دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل، رغم أننا نعلم جيدا أن اعتماد مبدأ التنافسية يؤدي الى طرد اليد العاملة وإلى عدم التصريح بملايين العمال لدى الضمان الاجتماعي وهو ما ينعكس سلبا على الحصيلة الجبائية.
 
    ان التنصيص على مبدأ التنافسية يؤكد أن محاباة رأس المال في الاصلاح الجبائي المقبل يرتقي الى مستوى المبدأ السياسي للحكومة والذي لا يمكن التراجع عنه دعما « للتنافسية ». يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « إن الحكومة بقدر ما تحرص على ضبط التوازنات الماكرو اقتصادية باعتبارها عنصرا أساسيا في دعم الثقة في اقتصاد بلادنا، بقدر ما تركز على دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل. وهذا ما يستدعى البحث على مستوى الضغط الجبائي الأمثل الذي يراعي مختلف الأبعاد الاقتصادية والمالية والاجتماعية« .
 
    3  – استحضار البعد الجهوي في السياسة الجبائية
 
    تعتبر الجهات كوحدات ترابية وادارية جزءا من الجماعات المحلية وبالتالي تدخل ماليتها ضمن المالية المحلية. وقد تشكل الجهات وسيلة جديدة لفرض جبايات جهوية محلية. ولا تختلف الجبايات المحلية في منطقها عن الجبايات الوطنية من حيث المعاملات التمييزية خصوصا بين المركبات الرأسمالية والزراعية والتجارية الكبرى وبين الانشطة المحلية الكثيرة والمتعددة والتي تشكل أكبر ممول للميزانيات المحلية. يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « لقد أسس الدستور، كما لا يخفى عليكم لجهوية متقدمة. واعتبارا لما للنظام الجبائي من ارتباط وثيق بتمويل السياسات العمومية ورسم معالم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجهوية، فإن هذا البعد يجب أن يكون حاضرا وبرؤية مستقبلية ضمن أشغال هذه المناظرة« .
 
    4  – عصرنة الإدارة الضريبية
 
    ترتبط الادارة الضريبية بالسياسة الضريبية المعتمدة، حيث لا يمكن لأي اصلاح جبائي حكومي أن يعرف طريقه للتطبيق بدون أن تواكبه هيكلة ادارية جبائية متلائمة مع بنياته. لذلك يتناول المحور الرابع مسألة عصرنة الادارة الضريبية. ويظهر أن هذه العصرنة تهم ثلاث واجهات أساسية:
 
    – واجهة العلاقة مع المكلفون بالضريبة، وهو ورش أساسي لارساء علاقات شفافة متوازنة تتسم بسرعة تصفية الملفات وتدبير الشكايات والمنازعات، بالاضافة الى الارشاد والتوضيح؛
 
    – واجهة العنصر البشري المؤهل القائم على تدبير الملفات الضريبية بالاضافة الى تبسيط المساطر الجبائية وسهولة الولوج الى المعلومة وتأهيل الأداة المعلوماتية؛
 
    – واجهة المراقبة الجبائية، حيث لا يكفي تدبير الملفات الجبائية ومتابعتها ومعالجة المنازعات بل لا بد من جهاز تفتيشي لرصد الهفوات والأخطاء والتملص والغش الضريبي
 
    على سبيل الختم:
 
    نستخلص مما سبق أن النظام الجبائي المغربي الذي ظل نظاما مختلا يحابي رأس المال والملاكين العقاريين الكبار على حساب الطبقة العاملة وعموم المأجورين والفئات الوسطى، عرف خلال عقد الثمانينات اصلاحا هيكليا للتلائم مع سياسات التقويم الهيكلي وذلك من خلال ادخال عدد من أنواع الضرائب العصرية المعمول بها في الدول الرأسمالية الكبرى مثل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل كما تمت مراجعة الرسوم الجمركية نحو الانخفاض. لكن هذا الاصلاح حافظ على بنيانه المختل لصالح أصحاب رؤوس الأموال والملاكين العقاريين الكبار، على حساب باقي فئات المأجورين والمهن الحرة الصغيرة والمتوسطة.
 
    ومع اتفاقيات التبادل الحر، وتوالي الأزمات الاقتصادية والسكتات القلبية الدورية تعمقت أزمة النظام الجبائي المغربي فأصبحت مردودية النظام الجبائي لا تغطي سوى 60 في المائة من مداخيل الميزانية. وهو ما دفع الحكومة الى اللجوء المفرط الى المديونية الخارجية على الخصوص. وإذا كانت الحكومة تسارع اليوم نحو ادخال اصلاح جبائي وتحاول اشراك عدد من الاطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاضفاء الاجماع على قراراتها الجبائية الجديدة والتي يبدوا أن همها الوحيد سيكون ماليا حسابيا فقط ويقع بشكل صارم على الملايين من العمال والمأجورين.
 

3

 

 
    عبد السلام أديب
    الحوار المتمدن-العدد: 4089 – 2013 / 5 / 11 – 19:34
    المحور: الادارة و الاقتصاد
       
    انعقدت مؤخرا بمدينة الصخيرات المناظرة الثانية للإصلاح الجبائي أيام 29 و30 أبريل 2013، والتي حددت لها كهدف، كما جاء في الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة،  » تعميق النقاش حول مختلف أبعاد السياسة الضريبية، (…) (ثم الخروج ب) توصيات عملية ومقترحات دقيقة يبتدئ تفعيلها انطلاقا من قانون المالية المقبل« .
 
    وتفيدنا المؤشرات الرقمية العامة على أن النظام الجبائي لا يساهم اليوم سوى ب 60 في المائة في موارد الميزانية العامة، وهو ما يجعل الحكومة تضطر الى البحث عن كيفية تغطية 40 في المائة من هذه الموارد، عبر المديونية الخارجية على الخصوص، بعدما تم بيع جل المرافق العمومية الممتلكة للدولة بالأولوية الى الخواص الأجانب في اطار عمليات الخوصصة.
 
    كما يفضح وجود أزمة نظام جبائي في بلادنا القرار الحكومي الأخير القاضي بتجميد مبلغ 15 مليار درهم من الاستثمار العمومي وهو ما أدى الى التقليص من قيمة الكلية لميزانية الاستثمار من 58,9 الى 43,3 مليار درهم علما أن هذا الاجراء سيكون له وقع سلبي كبير على نسبة النمو وعلى الامكانيات المتاحة للتشغيل.
 
    وإذا كانت الحكومة تعترف اليوم، من خلال اسراعها بعقد هذه المناظرة وتحضير الرأي العام لتقبل التدابير الجبائية التي ستقدم عليها، بإشراكها للعديد من الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتبرير الاجراءات الجبائية الجديدة المتوقعة في ميزانية 2014، بوجود اختلال هيكلي في المنظومة الضريبية للدولة. لكنها في نفس الوقت تبعث برسائل نوايا واضحة الى المؤسسات المالية الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لتجميد 15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار. فخلال سنة 2012 بلغ عجز الميزانية 7 في المائة وكان من المرتقب ان يبلغ عجز الميزانية العامة خلال سنة 2013 تسعة في المائة، لذلك كان الهدف من وراء هذه الاجراء هو النزول بنسبة العجز نحو 4,8 في المائة فقط.
 
    إذن فنحن بالفعل أمام أزمة عميقة في النظام الجبائي المغربي ذات أبعاد متعددة، غير أن تشخيص هذه الأزمة يتطلب البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء عجزه عن ضمان تمويل 85 في المائة على الأقل من موارد الميزانية، أو عن الخلفيات السياسية التي تحكم التسابق الحالي لإدخال اصلاح جبائي متسرع هدفه الحقيقي مالي حسابي محض، مع ارضاء شروط المؤسسات المالية الدولية ووكالات التنقيط التي أصبح يحسب لها اليوم الف حساب، وأيضا التماثل مع اكراهات الاقتصاد الرأسمالي المهيمن في بلادنا أي من خلال تفضيل رأس المال على العمل كما كان سائدا دائما وعلى توسيع القاعدة الضريبية على حساب العمال والمأجورين عموما لتحقيق حاجيات التمويل المطلوبة دون المساس بالسياسة الضريبية المحابية للتحالف الطبقي الحاكم مع تغليف كل ذلك بالحديث عن العدالة الجبائية بدون مضمون اجتماعي.
 
    أولا: أسباب أزمة النظام الجبائي المغربي
 
    أزمة النظام الضريبي المغربي ليست وليدة اليوم بل هي وليدة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في بلادنا منذ بداية عقد الستينات. ورغم الاصلاح الجبائي الكبير الذي تم اعتماده خلال عقد الثمانينات والذي استهدف عصرنة البنيات الجبائية من خلال تعديل السياسة الجمركية واعتماد الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل، إلا أن المحتوى الجبائي ظل على حاله، بمعنى أنه ظل يحابي رأس المال والبرجوازية الحاكمة على حساب العمل والعمال وعموم المأجورين، خصوصا وان تضريب الرواتب وأجور الموظفين والعمال يتم عند المنبع بحيث تنعدم امكانية التملص الضريبي. أما بالنسبة للضرائب على رأس المال وعلى الشركات وعلى المهن الحرة فحدث ولا حرج، حيث تخضع مصادرها الاقتصادية لتصريح المعنيين بالأمر ولوضعيتهم الاقتصادية ولاعلانهم الدائم عن وضعية « الخسارة » وعن رقم أعمال أقل بكثير من لحقيقة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التملص الضريبي اضافة الى استفادة الباطرونا، منذ عقد الثمانينات الى اليوم، من ثلاث قرارات العفو الجبائي وهناك احتمال صدور قرار عفو جبائي رابع عن الحكومة الحالية، وهذا عدا المحاباة الكبيرة عبر تحديد معدلات ضريبية منخفضة على رأس المال وعلى المهن الحرة.
 
    إن تحول السياسات الاقتصادية المعتمدة في عقد الثمانينات من تدخل واسع للدولة بواسطة القطاع العمومي نحو تخلي تدريجي للدولة عن كل تدخل لها، مع ما صاحب ذلك من خوصصة المقاولات العمومية ومراهنة على القطاع الخاص للحلول مكان الدولة، والانتقال من اقتصاد مغلق برسوم جمركية تصاعدية خاصة على الواردات نحو اقتصاد مفتوح وموجه بالكامل نحو الخارج خاصة عقب اتفاقيات التبادل الحر والتي تأتي في مقدمتها اتفاقيتي التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية؛ فعلى أساس التماثل مع هذا التحول تمت صياغة بنية النظام الجبائي الحالي منذ الاصلاح الجبائي لعقد الثمانينات. وقد حرصت السلطات الجبائية على العمل على المزيد من تقليص معدلات الضريبة على الشركات وعلى المداخيل الكبرى وعلى تمديد اعفاء القطاع الفلاحي من الضريبة الفلاحية والتي نعلم من المستفيد منها وهم كبار الملاكين الزراعيين والذين يصدرون منتوجاتهم نحو الخارج، بينما ضلت معدلات الضريبة جد مرتفعة على ذوي المداخيل المتوسطة والضعيفة، كما عرفت الضريبة على الانفاق وخاصة منها الضريبة على القيمة المضافة محاولة لاختزال معدلاتها الضريبة في اربعة ثم الشروع في التفكير في اختزالها في معدلين فقط، وهو ما يعني محاباة العديد من المنتجات الكمالية والمستوردة مقابل رفع ذكي للمعدلات الضريبية على المواد الأساسية الواسعة الاستهلاك مما يزيد من رفع من أسعارها على ذوي الدخل المحدود.
 
    ان مراجعة السياسة الجمركية وتفكيك الرسوم عند الاستيراد والتصدير تطبيقا لمعاهدات التبادل الحر أدى الى انخفاض تدريجي في عائدات هذه الرسوم مما حتم أيضا على السلطات الجبائية نقل العبء الجبائي نحو الضرائب الداخلية على الاستهلاك.
    إذن فخلفيات أزمة النظام الجبائي المغربي مركبة، وأن مسار السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة لن يزيد هذه الأزمة الا تعميقا، وأن كل اصلاح انطلاقا من هذا المنظور لن يزيد الهيكل الضريبي سوى المزيد من التشوهات.
 
    ثانيا: منطلقات الاصلاح الجبائي الجديد للحكومة
 
    تفيدنا الكلمة الافتتاحية لعبد الاله بنكيران رئيس الحكومة في تحديد منطلقاته للإصلاح الجبائي الذي تعتزم الحكومة اعتماده لمواجهة أزمة النظام الجبائي الذي أصبح لا يغطي سوى 60 في المائة من موارد الميزانية. وتنقسم هذه المنطلقات الى أربعة محاور كما يلي:
 
    1 – تعزيز العدالة الضريبية
 
    من خلال قراءة الكلمة الافتتاحية لبنكيران للمناظرة الثانية للاصلاح الجبائي يتضح جليا المفهوم الهلامي للعدالة الجبائية عند الحكومة. وحيث أن هذا المفهوم لا علاقة له بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، بل هي مجرد عدالة قانونية تقررها الأغلبية المهيمنة على البرلمان والمتناغمة مع مصالح التحالف الطبقي الحاكم. يقول بنكيران في كلمته الافتتاحية:
 
    « كما لا يخفى عليكم، لقد نص الدستور الحالي على أن « على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور » كما نص على أن « على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد،.. ». وحتى يتسنى ذلك فلابد من توسيع القاعدة الضريبية وإسهام كل القطاعات والفئات، كل على قدر استطاعته، في تمويل التكاليف والخدمات العمومية والتي تعود في النهاية بالنفع على الجميع.
 
    إذ ليس من المعقول ولا من العدل ولا من المستدام أن تبقى مردودية نظامنا الضريبي مبنية ومركزة على فئة محدودة من الملزمين.
 
    هل من المنطق أن تساهم أقل من 2 % من الشركات بأكثر من 80 % من محصول الضريبة على الشركات؟
 
    هل من العدل أن أكثر من 60 % من الشركات تصرح بالعجز وأن 50 % من الشركات تصرح بالعجز دون احتساب الشركات الحديثة النشأة؟
 
    هل من العدل أن 75 % من حصيلة الضريبة على الدخل تأتي من المأجورين؟
 
    بالإضافة إلى هذا الواقع، لابد من الإشارة كذلك إلى التآكل المتزايد للقاعدة الضريبية الناتج من جهة عن تزايد وتعدد الإعفاءات الضريبية غير المنتجة اقتصاديا أو اجتماعيا والتي تتجاوز اليوم 4% من الناتج الداخلي الخام والى التآكل الناجم عن استفحال ظاهرة التملص الضريبي والقطاع غير المهيكل وما ينجم عن ذلك من تأثير سلبي على تنافسية الاقتصادي الوطني.
 
    لذلك، فإن توسيع الوعاء الضريبي ومراجعة الإعفاءات غير المبررة و إدماج القطاع غير المنظم تأتي على رأس أولويات الإصلاح الضريبي« .
 
    يتضح من خلال هذا المقتطف من الكلمة الافتتاحية ان السيد بنكيران يستعمل عبارة العدالة الضريبية للتمويه على الاجراءات اللاشعبية اللاديموقراطية التي قد تعتمدها الحكومة مستقبلا بتواطؤ مع مختلف خدامها الاوفياء.
 
    – تعزيز تنافسية المنظومة الضريبية
 
    يظهر أن الحديث عن العدالة الضريبية يرعب رؤوس الأموال والشركات رغم المفهوم الهلامي الذي أضفاه بنكيران عليه، لدلك تم الحديث بكل وضوح عن دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل، رغم أننا نعلم جيدا أن اعتماد مبدأ التنافسية يؤدي الى طرد اليد العاملة وإلى عدم التصريح بملايين العمال لدى الضمان الاجتماعي وهو ما ينعكس سلبا على الحصيلة الجبائية.
 
    ان التنصيص على مبدأ التنافسية يؤكد أن محاباة رأس المال في الاصلاح الجبائي المقبل يرتقي الى مستوى المبدأ السياسي للحكومة والذي لا يمكن التراجع عنه دعما « للتنافسية ». يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « إن الحكومة بقدر ما تحرص على ضبط التوازنات الماكرو اقتصادية باعتبارها عنصرا أساسيا في دعم الثقة في اقتصاد بلادنا، بقدر ما تركز على دعم القدرة التنافسية للمقاولات للرفع من معدلات النمو وإيجاد فرص الشغل. وهذا ما يستدعى البحث على مستوى الضغط الجبائي الأمثل الذي يراعي مختلف الأبعاد الاقتصادية والمالية والاجتماعية« .
 
    – استحضار البعد الجهوي في السياسة الجبائية
 
    تعتبر الجهات كوحدات ترابية وادارية جزءا من الجماعات المحلية وبالتالي تدخل ماليتها ضمن المالية المحلية. وقد تشكل الجهات وسيلة جديدة لفرض جبايات جهوية محلية. ولا تختلف الجبايات المحلية في منطقها عن الجبايات الوطنية من حيث المعاملات التمييزية خصوصا بين المركبات الرأسمالية والزراعية والتجارية الكبرى وبين الانشطة المحلية الكثيرة والمتعددة والتي تشكل أكبر ممول للميزانيات المحلية. يقول بنكيران في هذا الصدد:
 
    « لقد أسس الدستور، كما لا يخفى عليكم لجهوية متقدمة. واعتبارا لما للنظام الجبائي من ارتباط وثيق بتمويل السياسات العمومية ورسم معالم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجهوية، فإن هذا البعد يجب أن يكون حاضرا وبرؤية مستقبلية ضمن أشغال هذه المناظرة« .
 
    – عصرنة الإدارة الضريبية
 
    ترتبط الادارة الضريبية بالسياسة الضريبية المعتمدة، حيث لا يمكن لأي اصلاح جبائي حكومي أن يعرف طريقه للتطبيق بدون أن تواكبه هيكلة ادارية جبائية متلائمة مع بنياته. لذلك يتناول المحور الرابع مسألة عصرنة الادارة الضريبية. ويظهر أن هذه العصرنة تهم ثلاث واجهات أساسية:
 
    واجهة العلاقة مع المكلفون بالضريبة، وهو ورش أساسي لارساء علاقات شفافة متوازنة تتسم بسرعة تصفية الملفات وتدبير الشكايات والمنازعات، بالاضافة الى الارشاد والتوضيح؛
 
    واجهة العنصر البشري المؤهل القائم على تدبير الملفات الضريبية بالاضافة الى تبسيط المساطر الجبائية وسهولة الولوج الى المعلومة وتأهيل الأداة المعلوماتية؛
 
    واجهة المراقبة الجبائية، حيث لا يكفي تدبير الملفات الجبائية ومتابعتها ومعالجة المنازعات بل لا بد من جهاز تفتيشي لرصد الهفوات والأخطاء والتملص والغش الضريبي
 
    على سبيل الختم:
 
    نستخلص مما سبق أن النظام الجبائي المغربي الذي ظل نظاما مختلا يحابي رأس المال والملاكين العقاريين الكبار على حساب الطبقة العاملة وعموم المأجورين والفئات الوسطى، عرف خلال عقد الثمانينات اصلاحا هيكليا للتلائم مع سياسات التقويم الهيكلي وذلك من خلال ادخال عدد من أنواع الضرائب العصرية المعمول بها في الدول الرأسمالية الكبرى مثل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل كما تمت مراجعة الرسوم الجمركية نحو الانخفاض. لكن هذا الاصلاح حافظ على بنيانه المختل لصالح أصحاب رؤوس الأموال والملاكين العقاريين الكبار، على حساب باقي فئات المأجورين والمهن الحرة الصغيرة والمتوسطة.
 
    ومع اتفاقيات التبادل الحر، وتوالي الأزمات الاقتصادية والسكتات القلبية الدورية تعمقت أزمة النظام الجبائي المغربي فأصبحت مردودية النظام الجبائي لا تغطي سوى 60 في المائة من مداخيل الميزانية. وهو ما دفع الحكومة الى اللجوء المفرط الى المديونية الخارجية على الخصوص. وإذا كانت الحكومة تسارع اليوم نحو ادخال اصلاح جبائي وتحاول اشراك عدد من الاطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاضفاء الاجماع على قراراتها الجبائية الجديدة والتي يبدوا أن همها الوحيد سيكون ماليا حسابيا فقط ويقع بشكل صارم على الملايين من العمال والمأجورين.
 
Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s