المعتقل السياسي: عبد النبي شعول. السجن المحلي عين قادوس فاس رقم الاعتقال: 83333 :شهادة حول التعذيب


 
إنه الإجرام، إجرام النظام وإجرام حواري النظام…
ورغم ذلك، سنصمد … ولن نخون…
رغم عصف الألم…
رغم همجية الجلايدن…
ورغم قساوة السجن والسجان…
لن نركع، لن نتنازل
إذا قتلنا، سيصمد رفاقنا حتى تزهر شجرة شعبنا…
·       إلى كل بذرة أمل تفتقت في خضم معارك شعبنا… فداستها أقدام الهمجية.
·       إلى كل شمعة حمراء أبت إلا أن تحترق لتنير وطن الجياع والمحرومين… فاغتالتها أيادي الرجعية.
·       إلى كل من عُذِّبَ واختطف واعتقل وزج به داخل زنازن الحرمان والقهر اللاإنسانيين في ريعان شبابه خدمة لقضايا التغيير الجذري، فحرمته الديكتاتورية أشعة الشمس لأشهر وسنوات…
·       إلى كل الرفيقات والرفاق، مناضلات ومناضلي الشعب المغربي المضطهد، المتمسكين بخط المقاومة والمواجهة، المدافعين عن الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية…
·       إلى الجماهير الشعبية المنتفضة والثائرة ضد الاستغلال والاضطهاد الطبقيين…، ضد القمع والتقتيل والاغتيال والاعتقال…، ضد التجهيل والتشريد والبأس والتهميش والاقصاء…
·       إلى الجماهير الطلابية والقواعد الأوطامية المقاتلة التي صنعت بمعية مناضلاتها ومناضليها ملحمة حقيقية بالمركب الجامعي ظهر المهراز، بالقلعة الحمراء، وإلى كافة الجماهير الطلابية بمجموع مواقع وساحات الصمود والمجابهة.
·       إلى أمهاتنا، عائلات الشهداء والمعتقلين السياسيين، عائلاتنا الواحدة.
أتوجه إليكم جميعا، وأنا الآن خلف قضبان سجن عين قادوس بفاس، بالتحية… تحية الوفاء والاخلاص للقضية والموقف، إن أملي وأملكم الوحيد، الذي يجعلنا نبتسم في وجه الموت، هو هذا العهد الذي يجمعني بكم… عهد النضال والمواجهة والمقاومة ومواصلة طريق الشهداء ضد النظام الرجعي المسؤول الأول والأخير عن مآسي شعبنا وعن فواجعه في فقدان أبنائه، من أوفى الأبناء، كما أحييكم على صمودكم البطولي في وجه القمع والحصار، في وجه التعذيب وصانعيه، في وجه النظام وجلاديه… وعلى استمراركم في حمل المشعل، مشعل الثورة، وأناشدكم على المضي قدما بخطى حثيثة ودقيقة نحو الأمام، سيرا على درب الكفاح والنضال العنيد، درب المعتقل والشهيد.
الخزي والعار لقوى الظلام والشوفين، حلفاء وبيادق النظام الدموي الطَيِّعَةُ، الخزي والعار لكل من ارتد وخان، لكل من تواطئ وهادن، لكل من تآمر وتعاون مع مغتصبي وطننا ومستعمري أرضنا وبلدنا وسارقي ثرواتنا ومشردي أبنائنا وبناتنا ومصاصي دماء جماهير شعبنا.

 

بداية، أود التأكيد على أن هذه الشهادة، شهادة تعذيبي من قبل أجهزة النظام السفاح، هي مُوَجَّهَة للتاريخ أولا وقبل كل شيء، ثانيا أوجهها لرفاقي ورفيقاتي والجماهير المناضلة أينما تواجد الظلم والقهر، كما أوجهها لهيأة الدفاع التي تقوم بعمل جبار في هذا الملف كما قدمت الشيء الكثير في ملفات سابقة. شهادة أكتبها بمداد من دمي الذي سال داخل مخافر القمع، أكتبها الآن ولا زالت آثار التعذيب الجسدي الممنهج بادية على كافة أنحاء جسمي، أكتبها لكي لا أكون متواطئا مع النظام في جرائمه ولو بالصمت، لأن الصمت والسكوت على هكذا جرائم يعتبر جريمة وتواطؤ خطير، أكتبها لأكشف قدر الامكان ما مورس في حقي من همجية، وأعمال اجرامية لا أستطيع نسيانها ما دمت حيا، والتي اصبحت جزءا من ذاكرتي ووعي اليومي، أكتبها لأخبر العالم أن عصابات النظام المجرم اختطفت مناضلا أمام عشرات الآلاف من الناس بمدينة فاس في واضحة النهار، وعذبته تعذيبا بشعا لمدة 48 ساعة داخل ولاية القمع، لا لشيء ألا لأنه قرر النزول في تظاهرة إلى جانب الجماهير الطلابية لمشاركة الطبقة العاملة في عيدها الأممي وذلك يوم فاتح ماي 2013.
أثير هذه الشهادة الحية ليس من أجل تحريك عواطف الناس أو طمعا في عطفهم أو شفقتهم، بل أثيرها من باب المسؤولية التاريخية، ومن الموقع المناضل، باعتبارها عملا نضاليا ينضاف لأعمال نضالية/ شواهد التعذيب التي أنجزوها باقي المعتقلين السياسيين السابقين والحاليين الهادفة إلى المزيد من إماطة اللثام وتكسير جدار الصمت والكتمان عما يمارس خلف جذران « الولاية » من تجريد للإنسان من كرامته وانسانيته، والتعامل الوحشي مع المناضلين والمناضلات.
أثير هذه الشهادة أيضا لأوصل إلى رجال « القضاء والقانون » بأن جميع المحاضر التي أنجزتها ما يسمى « الضابطة القضائية »/الأجهزة القمعية، في حق المعتقلين السياسيين هي محاضر مفبركة من نسج واختلاق الجلادين، والتهم الملفقة والمحاكمات الصورية، وأن التعذيب والجسدي والارهاب النفسي في حقنا جميعا كمعتقلين سياسيين حقيقة لا غبار عليها ولا حاجة لمن يدافع عنها، لأن أجسادنا المجروحة ميدانا لاكتشاف صدقيتها وموضوعيتها.
شهادة نابعة من تجربة قاسية قوامها التعذيب والتنكيل والحقد الدفين والانتقام السياسي من جهة الجلاد، والصمود والتحدي والشموخ من جهة المناضل.
أكتبها من أجل التحدي ومن أجل أن نقاتل.
أكتبها من أجل أن أؤكد للعالم أن الثوريين يحبون الحياة، حياة الكرامة والعدالة، لا حياة العبودية والظلم والحرمان.
أكتبها لنسجل انتصارنا كمعتقلين سياسيين على الجلادين والسجانين.
أكتبها لنعلن مشروعيتنا النضالية وصحة مواقفنا وعظمة مشروعنا السياسي، مشروع يهدف إلى حرية الانسان الكادح وكرامته وتحريره من الاستغلال والاضطهاد…
أكتبها لنصون تضحياتنا.
إذن هي من أجل الحاضر، ومن أجل المستقبل.
إننا ندون تضحيات شعبنا.
إننا نفضح أعداء شعبنا.
ربما الجميع على علم، أنه لم يمض على اطلاق سراحي ومغادرة السجن سيء الذكر إلا 45 يوما، قضيت منها 43 يوما أناضل إلى جانب الجماهير الطلابية من داخل الاطار العتيد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ناهيك عن مساهمتي النضالية في محطات وأشكال نضالية في مناطق خارج مدينة فاس، فيما خصصت يومين فقط لرؤية عائلتي والاطلاع على أحوالها لحظة تنظيم لجنة المعتقل استقبال المعتقلين السياسيين بمدينة غفساي الصامدة.
إذن 45 يوما، هي المدة الزمنية التي عشتها خارج الزنزانة، بعدما عشت داخلها ثمانية أشهر من القهر والحرمان والتعذيب، قابلتها ثمانية أشهر من الصمود والمقاومة والشموخ والتحدي إلى أن انتصرنا على الجلادين وفرضنا اطلاق سراحنا، أنا ورفاقي والمعتقلين السياسيين، كان نصيبي أربعة أشهر سجنا نافذة أصدرتها في حقي محاكم الرجعية « كحكم ابتدائي » ولازال الملف مفتوحا على كل الاحتمالات، إذ لم يبث لحدود اللحظة، ولم يحدد يوم المحاكمة الصورية في مرحلة « الاستئناف ».
طول هذه المدة الزمنية القصيرة، لم أستكين، ولم أتراجع، ولم أتنازل عن المسار، لم أسلك طريق المهادنة والصمت والسكوت على جرائم النظام المتواصلة، كما يفعل البعض للأسف الشديد، بعد مغادرتهم السجن، يستثمرون تجربة الاعتقال السياسي كرصيد رمزي للمناضل، كمخرج للتملص من النضال ومواصلة الكفاح، وكمدخل للهجوم على مناضلي ومناضلات الخط الجذري ببلادنا، وكجواز سفر نحو « التقاعد السياسي » والدخول بلا رجعة في مرحلة « النقاهة السياسية » الموصلة حتما إلى المهادنة والمغازلة السياسية، محولين بذلك النضال إلى عملية لفظية ورياضة انشائية عن طريق اكتفائهم فقط بقرع شفاههم. بدل اعتبار النضال كعلم لممارسة الصراع فكرا وممارسة ميدانية بجانب الجماهير المقهورة، والتشبث بالموقف السياسي الذي يعكس مصالحها والاستعداد لتقديم التضحية تلو التضحية، ومواصلة طريق المقاومة والكفاح من أجل قضايا الثورة إلى آخر نقطة دم في جسم الانسان المقاتل و… إلخ.
إذن عكس طريق الهدنة مع النظام الفاشي واصلت النضال بعد مغادرتي السجن يوم 13 مارس 2013، بجانب رفاقي ورفيقاتي في النهج الديمقراطي القاعدي والجماهير الطلابية والشعبية، سيرا على درب الشهداء، درب بلهواري والدريدي وسعيدة وشباظة والمعطي وبوعبيد والحسناوي والساسيوي والشايب والحساني … درب المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم طارق الحماني وعبد الصمد هيدور… وحسن كوكو ومنير آيت خوفو ….. والبقالي وبنشعيب وأهباظ … إلخ، درب التحرر والانعتاق من قبضة الاستعمار الجديد.
من هذا المنطلق ساهمت إلى جانب الجماهير الطلابية في استعداداتها وتحضيراتها لمقاطعة الجريمة المنظمة/الامتحانات الاستثنائية المشبوهة بكلية الآداب والعلوم الانسانية – ظهر المهراز، هذا الخيار، خيار المقاطعة، جاء كنتاج موضوعي وتتويج منطقي لسيرورة الأشكال النضالية التي أقدمت عليها الجماهير الطلابية، بعدما تعنتت الادارة ورئاسة الجامعة والنظام بشكل عام، في الاستجابة للملف المطلبي العادل والمشروع بمستوياته الثلاثة (الديمقراطي، المادي والبيداغوجي)، إذن من التحضير إلى التنفيذ كنت حاضرا الدفاع عن خيار الجماهير العادل والمشروع (للإشارة، اتخذ قرار المقاطعة وأنا لازلت معتقلا بعين قادوس)، من موقع الدفاع عن حقوق ومطالب الطلبة والطالبات المشروعة، من موقع الدفاع عن حرمة الجامعة وأعرافها وثقافتها الملتزمة، أعراف وثقافة ومبادئ وتاريخ وحاضر ومستقبل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، من موقع الدفاع عن مجانية التعليم وباقي القضايا التي تهم بنات وأبناء الشعب المغربي،… ونظرا لطبيعة النظام الدموية، وتعاطيه القمعي مع كافة الأصوات المكافحة والمطالبة بحقوقها والمناصرة لطموحات وتطلعات الجماهير المقموعة، وبعد استعداده الكامل المسبق، عسكريا واستخباراتيا وسياسيا واعلاميا… سيعمل على ضرب حصار قمعي رهيب حول المركب الجامعي ظهر المهراز منذ الساعة الخامسة صباحا من يوم الاثنين 15 أبريل إلى غاية 30 أبريل، 15 يوما من الغزو الهمجي الذي طال الجامعة والأحياء الشعبية المحيطة بها، غزو حقيقي بكل ما تحمل الكلمة من دلالات ومعاني وأبعاد، استهدفت عشرات الآلاف من الطلاب، استهدفت النهج الديمقراطي القاعدي بمناضليه ومناضلاته و قواعده الأوطامية والمتعاطفين معه في الجامعة وخارج الجامعة، استهدفت الأساتذة الشرفاء والموظفين الشرفاء (با البركاني كنموذج، رجل مسن تجاوز عمره 60 سنة، أفنى حياته في خدمة بسيطة أجرها المادي لا يغني ولا يسمن من جوع، تعرض للبطش والصفع والتنكيل، لأنه رفض الوشاية بأحد المناضلين)، أستهدف المرافق الاجتماعية والكليات الثلاث، وما آثار الدمار والتكسير والتخريب الذي لحقها لخير دليل، الكل تعرض للقمع والبطش الارهابي للأجهزة القمعية بدءا بالانسان والنبات والحجر… أَكُلُّ هذا الضمار والارهاب والعدة والعتاد من أجل أمن الطلاب وسلامتهم؟ أَكُلُّ هذا من أجل السهر على اجتياز امتحان استثنائي مشبوه فاقد للمشروعية والشرعية معا؟؟ لا وألف لا، لسنا سدج وأطفال صغار لكي تنطلي علينا هذه الأكذوبة وننخدع باشاعات النظام ونصدقها.
أن هذه الحملة القمعية جاءت كقرار سياسي طُبِخَ منذ أشهر بعيدة داخل مراكز عليا في هرم جهاز الدولة، من أجل اضعاف موقف سياسي ثوري أصبحت قاعدته الجماهيرية تكبر وتتعاظم باضطراد، أصبح ينتشر كالنار في الهشيم في مناطق جغرافية بعيدة عن بؤر تواجده القوية، تصور سياسي لا يمكن اخراسه أو اجهاضه، لأنه بكل بساطة تصور سليم يعبر بصدق وأمانة عن واقع الجماهير الشعبية ويعكس في جوهره مصالح ومطامح كل المقموعين والمحرومين وحقهم المقدس في تعليم شعبي ديمقراطي علمي وموحد،…
أمام هذا الهجوم الكاسح صمدنا، وفي خط النار الأمامي واجهنا، وعلى خيار الجماهير دافعنا، وبمقاومتنا وقناعتنا هزمنا الماكينة القمعية، وأحبطنا مشروعا سياسيا تدميريا جاء محمولا على آليات قمعية يرمي في أبعاده إلى فرض معادلة الخنوع والاستسلام بدل المعادلة القائمة، معادلة الصمود والمقاومة، وذلك من أجل توفير وضع ملائم ومساعد ومؤيد للاستثمار في الجامعة وتمرير ما تبقى من مجانية التعليم للخوصصة والحكم على بنات وأبناء الشعب بالتشرد والضياع والجهل والرمي بهم في مستنقع الشارع المرير دون حاضر أو مستقبل، إلا أن هذا الطموح الاجرامي وجد أمامه طموحا مشروعا عصيا على التخطي والتجاوز بدون اراقة الدماء وتكاليف باهظة جدا، طموح عادل انتصر على طموح غير عادل، درس سياسي وفكري استخلصه الأعداء قبل الأصدقاء، مفاده أنه عندما تستوعب الجماهير مطالبها ومصالحها الحقيقية وتؤمن بالنضال من أجل انتزاعها، وتتق في طاقاتها وقدراتها وامكانياتها الجبارة وتثق في مناضليها ومناضلاتها وتحتل موقع الفاعل الرئيسي في تقرير وتوجيه وتسيير معاركها النضالية وفق رؤية ثورية، حتما آنذاك، ستقاتل وتضحي بالغالي والنفيس حتما ستواجه الأعداء بشراسة، حتما ستنتصر في معركتها مهما اشتد القمع وطال الزمن،… هذه المقاومات وغيرها الغير مذكورة، سر الملحمة البطولية التي صنعت في ظهر المهراز رغم الحصار والتقتيل، رغم قوة القمع والتعذيب، رغم حملة الاعتقالات السياسية الواسعة النطاق التي طالت الطلبة والطالبات والرفاق والرفيقات، رغم كافة أشكال وفنون البطش والارهاب، تغلبت ارادت الجماهير وصمودها على همجية النظام وعنفه.
أجهزة النظام الرجعي تكبدت خسائر فادحة أكيد لم يَسْتَسْغِ صناع القرار في هذا البلد الهزيمة على يد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بجماهيره الصامدة ومناضلاته ومناضليه، في معركة أخدت بعدا وطنيا وأمميا نظرا لثقلها النقابي والسياسي، وأهميتها التاريخية، في الظرفية الراهنة، ولهذا السبب سيواصل النظام سياسية القصاص والانتقام من المناضلين والجماهير، فكان فاتح ماي 2013 يوما مناسبا له من أجل تنفيذ جريمته في واضحة النهار، متخطيا ومسقطا كل الاعتبارات، فرغم القمع والارهاب الذي طال جامعة ظهر المهراز، وكل الطرق والمنافذ المؤدية « لمركب الحسن الثاني » وسط مدينة فاس، ولكوني مناضل ثوري لا يمكنني بالبث والمطلق أن أتواجد خارج الجماهير أو بعيدا عنها، أو أن أتخلف عن معراك وخطوات نضالية…، وبالتالي كان وجودي إلى جانب رفاقي ورفيقاتي والجماهير الطلابية في محطة فاتح ماي – العيد الأممي للطبقة العاملة – مهمة نضالية لا يمكن التخلف عنها، فمنذ انطلاق التظاهرة من مكانها المعهود عمل النظام على استنفار قواه القمعية العلنية والسرية، ضاربا طواقا قمعيا رهيبا من كل جوانب الشكل النضالي إلى حدود شارع « محمد الخامس » في وسط مدينة فاس، وبعد تحديده للهدف بشكل دقيق، سيتم اختطافي من وسط التظاهرة أمام مرأى ومسمع الآلاف من الناس (عمال وعاملات، موظفين ومهنيين ومستخدمين وأساتذة ومعطلين وطلبة وتلاميذ…)، بعدما حوصر الطلاب من الأمام والخلف والأطراف الجانبية، عملية اختطاف كلفتهم الاستعانة بعشرات من رجال القمع مدججين بالهراوات الخشبية والحديدية وفرقة خاصة تدعى « النشطاء » مختصة في رصد تحركات المناضلين واختطافهم بطرق وأساليب احترافية، في لحظة انتبه الكل لما يجري من حوله، وأنا ممدد فوق الأرض على وجهي وهم فوقي بكل ثقل أجسادهم، سيختلق مسؤول هاته العصابة الإجرمية أكذوبة مفضوحة لتزييف هويتي كمناضل، إذ صرخ قائلا للناس المندهشة من جراء هذا المشهد المثير: « هاذا شفار ديال بورطابل »، في لمح البصر سيأخذني بالقوة والضرب ومصفد اليدين لمسافة تقارب 100 متر، ليبعدني عن أعين المتظاهرين، بحيث أصعدوني إلى سيارة أجرة صغيرة، مهددين صاحبها إن لم يتوجه بسرعة إلى مقر « الولاية الكبرى » سيضربونه، لكن السائق لحظة وصوله إلى شارع فلورونس سيأمره أحد « المسؤولين الكبار » بالتوقف، تم ركب معنا باتجاه مقر التعذيب والاجرام، عند وصولنا ستنضاف عناصر قمعية أخرى للمجموعة التي اختطفتني، وسنصعد جميعا إلى الطابق العلوي في إحدى غرف التعذيب، أجلسوني في ركن الغرفة قيدوا يداي مع قضيب حديدي بطريقة محكمة حتى انتابني ألم فظيع على مستوى عظام يداي، أما الرفيقة فاطمة الزهراء والرفيق أسامة وأحد الطلبة، أجلسوهم في مكان واحد بدون قيد في الركن المقابل، آنذاك بدأ وفود الجلادين « الكبار » تزورنا وتخاطبنا بألفاظ نابية لا تليق إلا بمقامهم الوضيع، والفرح والسرور بادية على وجوههم، « مالك الزامـ… ما بغيتيش دير عقلك »، « وأشداك عند العمال ففاتح ماي »، « عذبتيني عاد شدناك »، « وفين المناضل، أنا متبع كل صغيرة وكبيرة كاديرها… »، « باش كاتعجبنا نت كتخرج ليها ديريكت وبوجهك أحمر »، « علاش ما هربتيش بحال هادوك واش ما خفتيش من الاعتقال؟ » ، « أفين غادي يهرب راحنا مبيكيين عليه، منين خرج من الجامعة حتى شديناه »، « سير ألقو… »، « خاليتينا بلا راحة هاد النهار »،  » مادمت مادايرش عقلك وداخل سوق كر… غادي تعيش حياتك فالحبس، أو نقتلوا دين مك… »، « العلوي فراسك، راه اللحظة لي تسوطينا عليه أنا والدرايري لي معايا، دين مهم الطلبة لي كانوا وراه كانوا كيضربونا بالركل… ».
هذه الدردشة المختصرة جدا دارت بين عشرات الجلادين وهم يحيطون بي من كل الجوانب، بعدها بمدة قصيرة سيتم تقيدنا أنا والرفيق أسامة وادخالنا إلى غرفة أخرى، سألوني على رقم البطاقة « الوطنية » أجبتهم: « ما حافضش رقمها »، فرد علي أحدهم:  » زيدها فراسك، أسميتك والنمرة ديال لاكارط ديالك العالم حافظها »، برهة دخل علينا إثنان من رجال القمع، جلاد و »جلادة » (افتكرت سلسلة لابركاد، المساومات في الجلد…) الأول بدأ يطرح علي الأسئلة ويسجل على ورقة بيضاء إسمي وعائلتي ومستواي الدراسي، والثانية تفعل نفس الشيء مع الرفيق أسامة في نفس المكان، بغثة دخل رئيس الجلادين « عزيز السويري، عميد شرطة ممتاز » فصرخ بقوة في وجهها « أش كديروا المرض، آش هاذ الخدمة ديال الزفت، احتاشي واحد ما يتكلم معاهم، احتا نعطيكم لوردر »، ثم خلع « الجاكيط » وأجمع قميصه إلى المرفقين وانصرف غاضبا، لم تمر إلا ثوان قليلة فأخرجوني إلى غرفة أخرى ويداي مصفدتين وراء ظهري، فلما أدخلوني وجدت ذلك الجلاد الذي ينادونه « بالرئيس »، قبل أن يتكلم معي،  نادى على أكثر من عشر جلادين كمساعدين له في التعذيب، وضعوني في وسطهم طريح « الضس »، وجلس رئيسهم فوق كرسي وجها لوجه معي، فقال بلغة فصيحة: « شعول، سبق لي تعذيبك في المرة السابقة، الآن سأطرح عليك أمران لا ثالث لهما، إما ستقول كل شيء وستحافظ على كرامتك وآدميتك، وإما ستفقد كرامتك ورجولتك »، ثم اضطر ليتكلم بالدارجة: « غادي نسحق دين مك شخصيا، وغادي نتكلف أنا بيدي نغتاصبك »، « جاوب الرب دموك شنو ختاريتي » فأجبته: « أنا يالاه خارج من السجن ومستعد نرجع ليه »، بسرعة البرق وضعوا « البانظا » على عيناي ويداي مقيدتان وراء ظهري، ومددوني على بطني وأغلقوا الباب بالمفتاح والنوافذ باحكام، وأعلن الرئيس أوامره وتعليماته المقدسة ببدء المجزرة، فانطلق البعض يعذبني فقط بالركل والصفع، والبعض الآخر انهال علي بالهراوات في كافة انحاء جسدي لساعات طويلة وبدون انقطاع، حتى انقطع صراخي وخَرَّتْ قواي الجسدية وانهارت أعصابي، حين ذاك سيعيد علي السؤال الذي رفضت الإجابة عليه: « غادي تهدر أو لا؟ » فلم أجبه، فأمر أحدهم بإدخال كرسي خشبي طويل، فوضعوني فوقه على ظهري هذه المرة، وقيدوا يداي تحت الكرسي، وجلس أربع جلادين على رجلي، وأحد منهمك في الضرب على مستوى بطني وجهازي التناسلي بالزرواطة، أما « الرئيس » ومن معه وضعوا قطعة ثوب خشنة « الشيفون » على فمي وربطوا أطارفه وراء رأسي، وقام وضع مادة ذات رائحة نتنة تزكم الأنوف وتسبب القي والاختناق السريع، فوق فمي، وشرعوا يصبون الماء فوقها بشكل مسترسل، حتى اختنقت وكدت ألفظ أنفاسي الأخيرة، مدة هذه العملية تستغرق أكثر من 30 دقيقة، وتكررت أكثر من 20 مرة بعدها مباشرة فقدت الوعي بشكل كلي لمدة طويلة فلما استيقظت وجدت نفسي عاريا من ملابسي، فلم يترك إلا شورت صغير (سليب)، ممددا على بطني فوق « الضس » البارد جدا، عائما في الماء، والنوافذ مفتوحة على مصراعيها، إنها عملية تعذيب تدعى « الماء والريح »، ووجهي منتفخ بالضرب والصفع، لا أستطيع لمسه، أذناي لا أسمع شيئا بهما إلا أصوات بعيدة غير مفهومة المعنى، يداي ورجلي اليمنى لا أستطيع تحريكهما بالبث والمطلق، وعواصف الآلام ونوبات عصيبة تجتاحني، والدم يسيل من ظهري وكثفي اليسرى ويداي ورجلي وفمي، أنزلوا « البانظة » عن عيناي، وأنا في حالة كارثية لا أستطيع الحركة أو الكلام، فصرخ رئيسهم في وجهي شامتا ومتلذذا بالإنجاز « الوطني » الذي صنعه: « واش هاد الشي لي بغيتي غير العصا والتكرفيص »، حدقت في وجهه – وجه جلاد لن أنساه ما دمت حيا – وأطلت النظر، دون أن أتكلم، فصفعني مساعديه حتى طرحت أرضا، وأخرج أحدهم قضيبه التناسلي محاولا اغتصابي، فمنعه أحد قائلا له: « أرب غالوظ ما غتصبناه ما والو، غير كذب علينا وخلق الضجة، أما هاد الجلاخة إلى غتصبناه بصح غادي يدير لينا فضيحة » فلما أراد إيقافي وحاولوا أن يجلسوني على الكرسي، لم يقوى جسدي على التحمل، كل عضو من أعضائي لا يتحرك بإرادته، لا كلام، لا حركة، قيئ مستمر، دماء غزيرة تنزف من فمي وأنفي، لون جسدي تحول إلى لون أزرق، تنفسي متقطع، … سأبقى على هذه الحالة لمدة طويلة، حتى جاءهم الأمر بنقلي بشكل استعجالي وفي سرية تامة إلى مكان مجهول، حملوني على أكتافهم وكأني خروف العيد سقط بيد « الشناقة » إلى مرأب سيارات القمع، فأركبوني « سيارة الإسعاف »، رافقني عشرة من الجلادين ويداي مقيدتين مع السرير، إلى أن أدخلوني مستشفى آنذاك عرفت الوجهة التي أرسلوني إليها، إنه مستشفى الغساني، أدخلوني إلى قاعة « العلاج »، صرخت كثيرا من شدة آلام التعذيب الهمجي أمام الجلادين، قاموا بإعطاء أوامر وتعليمات رئيسهم إلى الطبيب، ثم تقدم هذا الأخير وهم يحيطون به من كل الجوانب: « شنوا سميتك؟ مالك شنوا كاي ضرك؟ » أجبته بصوت عال من شدة ما أعانيه من آلام وجراح بليغة: « شوف مزيان حالتي، شوف يدي ورجلي وأنفي وظهري… وغادي يبان ليك شنو تاي ضرني » فرد علي بجواب مفاجئ: « واش كتاكل القرقوبي؟ أنت بسيكوباط » آن ذاك تأكدت من المآمرة التي اتفقوا على حبكها جميعا، وأن الطبيب لا يختلف عنهم إلا « بالطابلية البيضا »، وبسرعة نادى على ممرضة قدمت له مواد سائلة في قنينات زجاجية مجهولة الإسم، وضعوها في حقنة (picure) ثم قال لي: « غادي نضرب ليك هاد الشوكة وغادي تبرى بالزربة »، لم أشعر بنفسي حتى صرخت فوجهه: « أنت متوطئ معهم، أنت باغي تحمقني صَحَّ، تحمل مسؤوليتك »، فبدأ صوتي يسمع في كل أرجاء المستشفى، حتى استفاق بعض المرضى أمامي وشاهدوهم يرغمونني على تلقي هذا العلاج – الحقنة – ضدا على ارادتي، فتراجعوا عن فعلتهم، جاء المدير العام للمستشفى وتكلم معي بلطف، فقلت له: « أنني لا أريد العلاج »، وصرخت في وجه الجلادين الذين رافقوني: « ردوني للولاية، أنا باغيكم تقتلوني، بغيت نموت في الولاية على يديكم »، فحصلت ضجة كبيرة داخل المستشفى، بعدما حملوني على أكتافهم وأرجعوني في سيارة بيضاء « صطافيط »، وعلى طول المسافة يمطرونني بالسب والقذف والشتم، يهددونني بالمزيد من التعذيب والتنكيل، فلما وصلت رموني في قاعة كبيرة بالطابق السفلي المجاورة « للسيلونات » المتواجدة في « لاكاب »، فبدأ أحد الجلادين يقدفني بأحد الركلات وكأنني كرة للعب الرياضة، ركلات مسددة بدقة باتجاه الأعضاء التي تعرضت للتعذيب ببشاعة والتي لا أستطيع تحريكها، بعدما أزال لي « السمطة » و »السبرديلة » ثم جرني كجثة هامدة من يد واحدة حتى أوصلني « للسيلون » رقم 5، في حالة صحية جد متدهورة، تمددت على الاسمنت القارس حوالي ساعة من الزمن، برهة شاهدة الرفيق أسامة مارا في « الكولوار » بادلني التحية بعينيه، ثم أدخله إلى « السيلون » المقابل، رقم 15 لم أتذوق طعم النوم أو الأكل، ليلة جحيمية، وشمت في ذاكرتي المليئة بالحقد الدفين اتجاه من عذبني وعذب رفاقي وشعبي، في اليوم الثاني أعيد نفس المشهد، ونفس الجلادين الذين أذاقوني المرارة في اليوم الأول، فصار أحدهم يطرح علي الأسئلة حول مقاطعة الامتحانات المشبوهة بكلية الآداب، وقال لي: « غادي دوز حياتك فالحبس، وغادي نعيش مك فالبؤس »، و »علاش رفعت شعار اسقاط النظام؟ »، « أنت هو الرأس المذبر (وأضاف اسمين أو ثلاث لرفاق معي) اللي قاطعوا الامتحان، ودين مكم نجحتوا المقاطعة، وصنعتوا كوكتيل مولوتوف » ثم قال لي: « تفرج فيديوات الطلبة ؟؟  » يعترفون بالصوت والصورة بإسمي وأسماء رفاق آخيرن، ويعطينا معطيات دقيقة حول تحرك المناضلين وأشياء أخرى لا أستطيع ذكرها لعامة الناس هنا، نظرا لدقتها، بعد مشاهدتي لهذه المقاطع من الفيديو، قال لي: « شوف جاوب ولا كاع لا تجاوب، المحضر واجد ها هو فهاد USB، وكل واحد غادي نديرولوا الرواية لي بغينا، هادي أولدي هي خدمتنا… » فلما رفضت التجاوب معه، قام اثنان من عناصر القمع بصفعي وجَرِّي من رأسي ونتف شعري لمدة طويلة، حتى أغمي علي من شدة هذا التعذيب السادي، بعدها أنزلوني إلى « السيلون » بطريقة وحشية، ثم رموني على « الضس »، فلم تمر إلا ساعات قليلة أصعدوني على إيقاع ونغمات الضرب والسب والشتم والتهديد، فوجدت محضرا على شكل كتيب صغير فوق المكتب، فأمروني بالإمضاء عليه، فرفضت التوقيع على أوراق رواية لا أعلم محتواها، فصرخ في وجهي أحد الأنذال: « غادي نسينيو مك صَحَّ، وبسيف على القحـ…. دموك »، فقاموا بتعصيب عيناي وقيدوا يداي ووضعوا قلما بيدي، وشرع يمضون كما يحلوا لهم، ولما انتهوا من هذه الجريمة، أنزلوا « البانظة » والقيد، وخاطبني أحد الجلادين: « إوا ما بغيتيش تسني بخاطرك، ها حنا سنيناك بطريقتنا »، بعدها أخدوا ذلك المحضر الملفق والمطبوخ، وانصرفوا جميعا تاركين إياي لوحدي، لم تدم إلا دقائق قليلة، دخل علي عنصران من جهاز « DST » سألني أحدهم عن حالتي الصحية، فلم أجبه، تم لاذ بالصمت أمامي لمدة طويلة، وشرع يتقمص دور إنسان متعاطف معي، لم أتفاعل معه، ثم قال لي: « اسمع أشعول، أنا عارف أنهم تكرفسوا عليك بزاف، ولكن أنت ما بغيتيش دير عقلك وتديها في مستقبلك، وفي عائلتك، يالاه خرجتي من الحبس، وستمريتي فالصداع، شنوا كاي عجبك فهاد الشي؟ … » ثم أضاف بلغة عربية فصيحة: « إنك تملك مؤهلات فكرية وسياسية ممتازة، وقدرتك على التحريض والتشهير كبيرة، لكنك تستغل ذكاؤك في محيط الغباء و… » ثم أضاف أيضا: « شوف أشعول اعتقال ديالك، جا بأوامر عليا من أجل خلق التوازنات السياسية فالساحة، ومازال غادي نجيبوا 2 أو 3 وراك، وأنت راك عارفهم مزيان، حقاش مالي كتجمعوا كاملين فالساحة كالديروا الروينة، خاص النص فالحبس والنص برا ».
بعدما انته من هذه الدروس الحسنية والخطب العمياء، انصرف وتركني، ثم دخل علي أحد الجلادين وأنزلني إلى « لاكاب ». هكذا مرت علي 48 ساعة من العذاب الأليم والتعذيب بمختلف أشكاله والإرهاب النفسي المتواصل… إنهم مجرمون محترفون.
صباح يوم الجمعة 03 ماي، توجه بنا أنا والرفيق أسامة وأحد معتقلي « الحق العام » باتجاه المحكمة الابتدائية، أحالوا ذلك المعتقل على « المحكمة »، وأرجعونا معا إلى « محكمة الاستئناف »، أحلت على أنظار « نائب وكيل الملك »، محمد الموفق، قبل أن أتكلم قال لي وهو يضحك: « واش جابوك أشعول عوتاني »، ثم أمر بإحالتي على أنظار « قاضي التحقيق »، عبد الرحيم علوي حسني، فبمجرد أن رأى وجهي كشر عن أنيابه، ثم رشقني برزنامة من التهم الثقيلة ذات « طابع جنائي » محض، حاولت الإجابة والرد على هاته التهم الملفقة، قاطعني بعنف قائلا « لكاتب الضبط » اكتب ما يلي: « يحال المتهم عبد النبي شعول على الاعتقال الاحتياطي بسجن عين قادوس بفاس من أجل سلامة التحقيق ».
فبمجرد قدومي إلى سجن عين قادوس، استقبلني مدير السجن قائلا لي: « ختار 4 ديال طلبة معاك وغادي تسكن في الحي الجنائي بوحدكم » ومجموعة من الاغراءات المباشرة وأخرى بلغة مرموزة، فرفضتها رفضا قاطعا، وطلبت أن أنضاف بجانب رفاقي المعتقلين السياسيين المتواجدين بالغرفة 9 حي التوبة.
 
مزيدا من الصمود والمقاومة، مزيدا من تعميق الارتباط الجذري بالجماهير.
إما أن نكون عظماء فوق الأرض.. إما أن نكون عظاما تحتها.
Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s