النشاط العفوي وأهمية التنظيم

سلامة كيلة
الحوار المتمدن-العدد: 4109 – 2013 / 5 / 31 – 09:34
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية

إن التأكيد على أن سمة النشاط العفوي هي السمة البارزة في النشاط الثوري في الوطن العربي يدعو إلى التأكيد على أهمية البحث في قضية التنظيم. وإذا كان إدخال الوعي الثوري عاملاً هاماً في تجاوز النشاط العفوي، والارتقاء به إلى مستوى العمل الثوري ذي الاستراتيجية الواضحة، والطبقة التي تعي مصالحها، فإن قضية التنظيم هي العامل الثاني المرادف، حيث إنه من الضروري أن يأخذ الوعي الثوري قنواته المنظمة، التي تسهم في خلق حالة ثورية تتسم بالوعي والتنظيم، تستطيع أن تعمق من أزمة الفئات الحاكمة، وتقود إلى انهيارها.
إن تأسيس تنظيم ثوري، سري، ومكافح، هي قضية هامة إلى الحد الذي يضعها في أولويات العمل الثوري. فلا ثورة دون تنظيم ثوري، كما لا تنظيم ثوري دون وعي ثوري.

إشكالية التنظيم الستاليني

كما تمت الإشارة سابقاً، فقد ظلت الأحزاب التي تأسست منذ عقود عاجزة عن أن تنظم نشاط الجماهير الثوري، وأن تجعله موحداً فاعلاً. وإذا كان المنهج المثالي سبب ذلك لدى الأحزاب القومية كلها، مادام التنظيم هو شكل التوسط بين النظرية والممارسة(76)، فقد اجتمع عاملان لدى الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية الأخرى، أديا إلى النتيجة ذاتها، أي غياب التنظيم الثوري المكافح. العامل الأول هو سيادة المنهج المثالي لديها، رغم أنها تتبنى الماركسية، هذه النظرية العلمية الوحيدة، فقد كانت رؤيتها للماركسية رؤية مثالية من أساسها، حيث غاب عنصر الدراسة في تبني الماركسية، والدراسة سمة اكتساب كل علم. لقد تبنتها الفئات بسيطة الوعي (عمالية وفلاحية، وأساساً من البرجوازية الصغيرة) بشكل عفوي، بسبب أزمة مستفحلة داخلياً، وعلى ضوء تطور خارجي، لا بسبب التطور الداخلي، الذي كان يمكن أن يقود إلى أن تعي الفئات المثقفة الواعية، الماركسية، وأن تعتنقها كطريق وحيد للخلاص. وكان نجاح ثورة أكتوبر في روسيا، ثم النجاحات في الصين والفيتنام، هو هذا العمل الخارجي. لهذا ولدت «الماركسية العربية» مثالية منذ البدء، وغدت لاهوتاً يحفظ(77)، وليست منهجاً علمياً، ونظرية علمية، تنطلق من مقولة «التحليل الملموس للواقع الملموس»(78)، مما غيَّب الروح الانتقادية فيها، سوَّد أسلوب النقل عن الآخرين، وترداد الجمل التي تناقش زمان ومكان مختلفين، كما غابت الرؤية العلمية للواقع، وبالتالي تأسيس النظرية المطابقة له، والمعبِّرة عن حركة طبقاته الصاعدة.
لقد غدت الماركسية أقنوماً، وأصبحت مقياس الواقع، فأصبح الفكر هو محور الواقع وليس العكس. الفكر هو الذي يصيغ الواقع، وما على الواقع سوى أن يمتثل له، وهذا هو جوهر المثالية. وحين يسود «الجمود العقائدي» التنظيم تسود فيه ظواهر محددة. فالجمود العقائدي يجعل الحوار الفكري مرفوض مسبقاً، لأن هناك «مرجعاً» جاهزاً، ومقياساً ثابتاً. مما يجعل هناك «آباء»، أو «أئمة» في التنظيم، هم الأوصياء عليه وعلى تطوره، وبالتالي على كل العمل التنظيمي.
والعامل الثاني هو «النظرية التنظيمية» كما تبلورت في مرحلة ستالين. ولابَّد من التأكيد أنه بقدر ما كان «التنظيم الستاليني» استمراراً للتنظيم اللينيني بقدر ما وجدت الفروقات الواسعة بين «التنظيمين». ولسوء الحظ إن النقطة الفاصلة بينهما هي انتصار ثورة أكتوبر. ورغم أن لينين استمر يقود الحزب إلى أواخر عام 1923، إلا أن ملامح «التنظيم الستاليني» تبلورت في الفترة بين ثورة أكتوبر وموت لينين أوائل عام 1924. ويمكن القول إن الفرق بين «التنظيمين» هو ذات الفرق بين النظرة المثالية والنظرة المادية للواقع. فلينين المفكر الجدلي، والقادر على استيعاب تناقضات الواقع، وانعكاساتها داخل الحزب، كان قادراً على تقبل اختلاف الآراء، وبالتالي الانطلاق من القناعة العميقة بأهمية الحوار والمناقشة. كما كان قادراً على الثقة بالأعضاء، انطلاقاً من ثقته بالحركة التاريخية، وبحتمية انتصار الطبقة العاملة. لهذا كان الحوار أساس العمل، وكان الالتزام نتيجة الحوار والاقتناع، مما جعل الحزب «ورشة عمل»، لكنه أساساً «منتدى حوار»، اتسم بالحدة في الغالب. ولم يكن الحوار والنقاش «محاصراً»، ومقيَّداً بضوابط كبيرة، مما جعله حواراً على صفحات الصحف العلنية للحزب، وفي الكتب والكراريس التي توزع للجماهير.
أما التنظيم الستاليني فقد «تأسس» بعد سيطرة ستالين على السلطة، ثم على الحزب ، ومسكه بكل مكامن قوة الحزب والسلطة. وكانت قناعة ستالين أن هناك شعارات ناضل الحزب من أجل تحقيقها طيلة ما يقرب من عشرين سنة، وها هي الظروف سانحة لذلك بعد وصوله إلى السلطة، فلماذا السفسطة والحوار والحديث عن الطرق المختلفة؟ فالمطلوب الآن هو «مجموعة» تلتزم وتنفذ، تطيع الأوامر دون مناقشة، لأن الجيش الذي ينتصر هو الجيش الذي يسوده الانضباط الشديد. والحزب، حسب ستالين، «ليس جمعية للمناظرات، فروسيا محاطة بذئاب الامبريالية…»(79). ويؤكد «إن هناك لحظات يستحيل فيها تبني مثل هذه الديمقراطية، ويصبح ذلك ضرباً من السخف»، حيث «يجب أن يكون الحزب كتلة واحدة، حزباً من الفولاذ، حزباً متراصاً، متناغماً»(80). ولقد شرح سولتس أسباب النظام المشدد داخل الحزب فقال: «لقد كنا نعرف جيداً كيف نتحدث عن الديمقراطية في جيش كان لزاماً علينا أن نفرقه، ولكن عندما أصبحنا في حاجة إلى جيش خاص بنا، غرسنا فيه النظام المشدد الضروري لكل جيش»(81).
لهذا اعتمد «التنظيم الستاليني» على الاجبار، وإلزام الأعضاء برأي محدد، ومسلك معيَّن. وكان استلام السلطة وسيلة حاسمة في فرض رأي القيادة، حيث كانت تمسك بكل مكامن قوة السلطة، على الحزب كله. مما جعل قوى المجتمع المتخلفة، أي الفئات المتخلفة من الطبقات، وهي الفئات التي تعمل في أجهزة القمع عادة(*)، هي القادرة على سحق أية معارضة حزبية مهما كبرت(82). فأصبحت القيادة هي السلطة التي تحدد خط التنظيم، ومهام الأعضاء، وأعضاء اللجان والهيئات الفرعية والمركزية، مما جعل التنظيم يقف على رأسه، وليس على قدميه. من هنا برزت ظواهر مثل «عبادة الفرد» كما أسميت في الأدبيات السوفياتية بعد موت ستالين(83)، و«طاعون البيروقراطية»(84)، وغياب المبادرة لدى الأعضاء، وسلطة المكتب السياسي، والأمين العام.
لقد صيغ الخط التنظيمي الستاليني في السنوات اللاحقة لثورة أكتوبر من خلال بلورة رؤية جديدة لأهم المفاصل في الحياة الداخلية للتنظيم، مثل الهيكل التنظيمي، قضية الحوار والديمقراطية، الالتزام، وضع الأقلية. وهذه هي القضايا التي أعطت للتنظيم الستاليني سماته المحددة. ففيما يتعلق بالهيكل التنظيمي اتسم بسيطرة المكتب السياسي، وتحديداً الأمين العام. وإذا قارنَّا بين النظام الداخلي لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي المقَرّ في المؤتمر الثاني، والمعدّل في المؤتمر الثالث، وبين النظام الداخلي الجديد المقرّ في المؤتمر الثامن، نجد أن هناك فرقاً أساسياً. ولعل ظروف الانتقال من العمل السري إلى العمل العلني هي التي فرضت هذا التغيير. حيث نصَّت المادة الرابعة من النظام الداخلي المقر في المؤتمر الثاني على أن مؤتمر الحزب يقوم بتعيين اللجنة المركزية وهيئة تحرير الجريدة المركزية ومجلس الحزب، وأن مهمة اللجنة المركزية هي توجيه «جميع أوجه نشاط الحزب والتنسيق بينها، وهي التي تدير مالية الحزب، وكذلك جميع المنشآت الفنية التابعة له. وهي التي تتولى بحث النزاعات التي قد تنشب بين مختلف تنظيمات الحزب ووحداته، أو داخلها» (المادة الخامسة). و«تقوم هيئة تحرير الجريدة المركزية بتقديم التوجيه الايديولوجي للحزب عن طريق تحرير الجريدة المركزية للحزب والنشرات والكتيبات العلمية» (المادة السادسة). كما يتولى مجلس الحزب «تسوية النزاعات والخلافات التي قد تنشب بين هيئة تحرير النشرة المركزية، واللجنة المركزية حول القضايا العامة للتنظيم والتكتيك… ويعين مجلس الحزب لجنة مركزية جديدة في حال القبض على جميع أعضاء اللجنة القديمة» (المادة السابعة)(85).
وعدِّلت هذه الصيغة في عام 1906، بحيث أصبح «هناك جهاز مركزي واحد للحزب، أي أنه يتعيَّن على مؤتمر الحزب أن ينتخب لجنة مركزية واحدة، تقوم هي بتعيين هيئة تحرير الجريدة المركزية للحزب، إلخ»(86).
وما تتسم به هذه الصيغة هو أنها توجد هيئة مركزية تقود العمل كله، ينتخبها المؤتمر، تؤسس هي هيئة أخرى لمتابعة قضايا العمل الفكري، وتكون خاضعة لها. وهي صيغة «بسيطة» تناسب ظروف العمل السري، وتستطيع توحيد العمل كله، على أن تخضع لمحاسبة المؤتمر. ولقد عُمِل بهذه الصيغة منذ عام 1903(بعد انقسام المناشفة عن البلاشفة واستئثار المناشفة بمجلس الحزب، وهيئة تحرير النشرة، رغم أنها أقرت رسمياً في المؤتمر التوحيدي الذي عقد عام 1906)، إلى عام 1919، حيث جرى في المؤتمر الثامن للحزب تقديم نظام داخلي جديد، أنشىء بموجبه ثلاث هيئات قيادية جديدة، هي المكتب السياسي، والمكتب التنظيمي، وسكرتارية اللجنة المركزية. وحُددت مهمة المكتب السياسي باتخاذ «القرارات في المسائل التي لا تسمح بتأخير»، والمكتب التنظيمي بمتابعة «كل العمل التنظيمي للحزب»(87). وما لبثت السكرتاريا، التي كانت تعنى بتحضير جدول أعمال اجتماعات المكتب السياسي، وبتزويده بكل الوثائق اللازمة، أن استحوذت على مهام المكتب التنظيمي، حيث عهد إليها «بإدارة الشؤون الجارية ذات الطابع التنظيمي والتنفيذي»، ولم يترك للمكتب التنظيمي سوى «التوجيه العام للعمل التنظيمي»(88).
وفي المؤتمر الحادي عشر، المنعقد في عام 1922، تمَّ استحداث منصب الأمين العام، الذي أصبح معنياً بقيادة المكتب السياسي واللجنة المركزية، وبمتابعة أعمال السكرتاريا، وكل الهيئات المركزية الأخرى. وجرى تعيين ستالين أوَّل أمين عام. وهي اللحظة التي دفعت لينين إلى أن يعلن موقفه بوضوح، مبرزاً الفرق بين «التنظيم اللينيني» و«التنظيم الستاليني»، حيث أكد «أن الرفيق ستالين، الذي أصبح أميناً عاماً، قد حصر في يديه سلطة لا حدَّ لها»(89)، رغم أنه أسهم في إقرار كل الصيغ التي طرحت في المؤتمرات السابقة.
إذن، تبلورت في نهاية المطاف الصيغة التي يعتمدها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وتلتزم بها معظم الأحزاب الشيوعية، والتي تقوم على أساس أن ينتخب المؤتمر اللجنة المركزية، التي تقود «كل نشاط الحزب والهيئات الحزبية المحلية…»، التي تقوم بدورها بانتخاب المكتب السياسي «من أجل قيادة عمل الحزب بين دورتين»(90)، كما تنتخب الأمين العام، وسكرتاريا اللجنة المركزية. ولقد أظهرت التجربة أن اللجان التي تنتخبها اللجنة المركزية «سرعان ما تقاسمت اختصاصاتها، واغتصبت كل السلطة، باستثناء مظاهرها الخارجية»، وسرعان ما صار المكتب السياسي هو « المصدر الرئيسي لقرارات السياسة الكبرى»(91). وصار الأمين العام هو مصدر قرارات المكتب السياسي. فتمركزت سلطة اتخاذ القرار في أقلية ضئيلة لم تنتخب من المؤتمر مباشرة ولا تحاسب أمامه.
وهذه إشكالية هامة ارتبطت بتحكُّم هذه الأقلية بمصير التنظيم، وببنائه وفق أهوائها، من خلال قنوات عدة، منها سيادة نظام التعيين في مختلف الهيئات واللجان، أو استخدام هيبة القيادة وجبروتها في انتخاب أعضاء هذه الهيئات واللجان، وكذلك أعضاء المؤتمر، مما كان يجعل المؤتمرات صيغة غير ذات معنى، الهدف منها «إقرار» ما تود القيادة إقراره.
وساعد على ذلك افتقاد هذه الأحزاب لـ«الروح»، حيث تحوَّلت إلى «جثة ميتة»، بعدما تحوَّلت النظرية إلى «جثة ميتة»، على ضوء سيادة منطق الجمود العقائدي، وترداد الشعارات، و«المنهج التدريسي». فقد غاب الحوار والنقاش فيها، وأصبحت مهمات الأعضاء تتقوَّم في مهمة مركزية وحيدة، وهي «الالتزام والانضباط»، أي الخضوع لقرارات وتوجيهات الهيئة القيادية، لأن الحزب ليس «جمعية مناظرات»، حسب تعبير ستالين.
لقد حاول الحزب أن يلملم صفوفه بعد صراعات تفاقمت بعد ثورة أكتوبر، حول طبيعة الحكم الجديد، دور الحزب في السلطة، دور النقابات، كيفية التعامل مع جهاز الدولة، الخطة الاقتصادية الجديدة، الثورة العالمية، ودور النظام السوفيتي الجديد ..ألخ. ووصلت هذه الصراعات إلى حد تأسيس «أحزاب» داخل الحزب، حيث أصبح لكل تكتل برنامجه، وقيادته، وعلاقاته، مما هدَّد بتقويض وضع الحزب، والوصول إلى الانشقاق، فأصدر المؤتمر التاسع للحزب قراراً يمنع «أي أعمال تكتلية»، ويحل جميع المجموعات التي تشكلت على أساس تكتلي، ويقرر طرد كل من لا يلتزم بذلك(92)، كما أكد القرار على ابقاء باب الحوار والنقاش مفتوحاً. وهذه قضية مبررة في حزب يواجه الأعداء من كل حدب وصوب، خصوصاً أنه مازال حديث العهد بالحكم، ولأن الديمقراطية في الحزب لا تستدعي «تشكيل مجموعات لكل منها منبرها الخاص»، مع سعيها لأن تنعزل « وأن يكون لها انضباطها الخاص داخل مجموعتها»(93). أما ستالين فقد أولى هذه القضية اهتماماً كبيراً إلى الحد الذي جعلها سمة أساسية من سمات الحزب. فالحزب «هو وحدة في الإرادة لا تقبل وجود التكتلات الانقسامية»(94). ولن يظهر الغرض من هذا الاهتمام إلا عام 1927، حيث أقرَّ المؤتمر المنعقد في ديسمبر من ذلك العام، قاعدة تنص على أن الأقلية التي هزمت في المؤتمر عليها ليس فقط العدول عن الدفاع عن آرائها علنياً حتى الحقبة اللاحقة من النقاش، ولكن عليها العدول عن أفكارها، والارتداد عنها بوصفها خاطئة(95)، وأعلن المؤتمر «أن الانتماء إلى المعارضة والدعاية لوجهات نظرها، لا يتفقا وعضوية الحزب»(96).
ثم حدد المؤتمر السابع عشر للحزب، المنعقد عام 1934 مفهوماً للمركزية الديمقراطية (وهو التعبير الذي بات يستخدم منذ سنة 1906 دون أن يحول إلى قانون) يقوم على أربعة أسس هي التالية:
أ) تطبيق المبدأ الانتخابي على جميع الأجهزة الرئيسية للحزب من أعلاها إلى أدناها.
ب) المسؤولية الدورية لأجهزة الحزب تجاه التنظيمات الحزبية المقابلة لها.
جـ) النظام الحزبي المشدد وخضوع الأقلية للأكثرية.
د) الالتزام الكامل المطلق بقرارات الأجهزة العليا من جانب الأجهزة التي هي أدنى ومن جانب جميع الأعضاء(97).
وهكذا أصبحت المركزية الديمقراطية تعني السلطة، وتعني الخضوع للهيئة القيادية، والالتزام بكل ما تصدر. أما الحوار والنقاش والانتقاد، فتخضع للمركزية المشددة، مما كان يؤدي إلى غياب الثقة في داخل الحزب، هذه القضية التي كان لينين يعتبرها البديل الجوهري للديمقراطية الواسعة(98). كما غاب النقد الذي أصر لينين وهو يقرر إلغاء الكتل على أن الحياة الحزبية تحتاج إليه بشكل مطلق(99). وفي هذه الأجواء تصبح الانتخابات قضية شكلية، تقرر نتائجها الهيئات الأعلى دائماً.
وفي هذه الأجواء يصبح العضو «شيئاً»، ولا يعود فرداً له دوره. ويصبح الحزب، ليس مجموع أعضائه، بل «قائد ومنفذين». فـ«الحزب دائماً على حق»، أما الحزب لكل الأعضاء فهذا أمر نسبي، بينما الحزب للحزب فهو الجانب المطلق(100).
بذلك تبلورت سمات محددة للتنظيم الستاليني أبعدته عن الصيغة اللينينية، وكان الوصول إلى السلطة هو العامل الذي حقق هذا الانفصام. إن جوهر الخلل في صيغة «التنظيم الستاليني» تكمن في القضايا التالية:
1) أنها كرست سلطة الهيئة القيادية الأعلى وخصوصاً سلطة الأمين العام.
2) أنها، وانطلاقاً من الجمود على الصعيد النظري، كرَّست صيغة قمعية، منافية للحوار والنقاش والنقد.
3) أنها كرَّست خطاً أحادياً لدور الأعضاء، يتمثل في أن يكونوا منفذين فقط، من واجبهم الالتزام بقرارات الحزب، لأنه دائماً على حق، ودون أن يكون لهم حق المشاركة في صياغتها.
4) وهي صيغة لا تستوعب العمل السري، خصوصاً بالنسبة للقوى التي تعمل في ظروف سرية، لأن «الهيكل الستاليني» هيكل علني، وُجد لكي يناسب ظروف روسيا بعد ثورة أكتوبر، وفي ظل النشاط العلني.
ولقد أصبح نمط العلاقات في الحزب هو نمط العلاقات البيروقراطية السائدة في أجهزة الدولة، حيث تتلقى «أوامرها» من مصدر أعلى، لتقوم هي بالتنفيذ، دون حق في الاعتراض، وأساساً دون سيادة روح الثقة، والعلاقات الرفاقية الديمقراطية، التي تسمح بالتفاعل والحوار والانتقاد. وتصبح المركزية الديمقراطية سلطة بيروقراطية تسيِّرها «نظرية الإمامة»، أو نظرية الحاكم المطلق، حيث يستمد حاكم شرعية وجوده من تمثيله لسلطة غيبية، هي سلطة الله. فيكون هناك «الله» جديد، ويتحوَّل الأعضاء إلى «رعايا» تتحكَّم فيهم القناعة الدينية القائمة على أساس أن الإنسان (العضو) معرَّض للخطيئة دائماً، أما الله (القيادة) فبعيد عن الخطيئة. وفي هذا الوضع ينتفي حق الحوار والانتقاد لأن الأعضاء من طينة أدنى من طينة القيادة.
من هنا كان من الضروري التأكيد على أهمية إعادة النظر في صيغة «التنظيم الستاليني»، سواء من حيث طبيعة الهيكل، أو قضايا الحوار والنقاش، والانتقاد ووضع الأقلية. أي باختصار الانتقال من صيغة التنظيم الذي كان نتاج علاقات الاستغلال الطبقي منذ عهد الرق إلى الرأسمالية، حيث كانت الطبقة المستغِلة تبني صيغة التنظيم الذي يسهل عملية الاستغلال ويكرسها. والذي أُعطي الشرعية من خلال نظريات مختلفة أهمها النظرية الدينية للسلطةن والتي حاولت الماركسية تجاوزها من خلال مجمل الأفكار والممارسات لكل من ماركس ـ انجلز، ولينين على وجه الخصوص، إلا أنها عادت تخترق الماركسية من خلال العودة إلى «بعض عناصر التقاليد البيزنطية المتأصلة في روسيا، وبعض عناصر أسلوب الروم الأرثوذكس»(101).الانتقال من صيغة كهذه إلى صيغة التنظيم الثوري الذي يمتلك روحاً ديمقراطية حقة، حتى وهو «يخضع» لسلطة مركزية، لأن استمرار هذه الصيغة في الاتحاد السوفياتي نابع من قوة السلطة، ومن رسوخ التقاليد الحزبية التي تشكلت في زمن ستالين، وليس نابعاً من صحتها. ولقد أظهرت الانقسامات المتزايدة في الأحزاب الشيوعية العربية، والتي وصلت إلى حد التفتت، عقم هذه الصيغة، وعدم قدرتها على استيعاب الوضع الراهن، وظروف النشاط الجماهيري، واتجاهات القوى الطليعية.
إن تأسيس حزب جديد يفترض تحديد تصور نظري للمعضلة التنظيمية، كما يفترض تحديد خط تنظيمي جديد يتوافق والظروف التي يعيشها الوطن العربي، كما يتوافق ووضع الطليعة الثورية.

إشكالية الواقع

إذن ما هو التصور التنظيمي الذي يمكنه أن يلائم الوضع الراهن في الوطن العربي؟
هناك مؤشران هامان في هذا المجال، من الضروري دراستهما، وتحديد إطار العمل المناسب لهما.
أولهما الظروف الراهنة، وهي تتمثل في إشكالين أساسيين لهما انعكاسهما على بينة التنظيم، وعلى طبيعة الحياة الداخلية فيه. فهناك الوضع الطبقي الذي من الهام دراسته بدقة وشمول، حيث إن ضعف الطبقة العاملة، وطبيعة الثورة كونها ثورة قومية ديمقراطية، يفرض التحالف مع الفلاحين الفقراء. وكون الريف قد انهار لمصلحة اتساع البرجوازية الصغيرة في المدن، يفرض أيضاً التحالف مع البرجوازية الصغيرة. هذا التحالف هو الذي يشكِّل القاعدة الأساسية للحزب الثوري المكافح، وإلا عجز عن الارتباط بحركة المجتمع الصاعدة، وظلَّ معزولاً، غير قادر على الفعل. وهذه الإشكالية تفرض نفسها على الحزب، مما يفرض فيه التركيز على الوعي، لصهر هذه الفئات في بوتقة واحدة متماسكة، قادرة على أن تكون طليعة واعية مكافحة.
هناك أيضاً قضية التجزئة السياسية، و«الدول» الواحدة والعشرين الموجودة في إطار الوطن العربي، خصوصاً أنها ارتبطت بتفاوت مستويات التطور الاقتصادي الاجتماعي، الذي يؤدي إلى وجود تمايز محدود في المهمات التكتيكية. إن وجود التجزئة السياسية والتفاوت الاقتصادي الاجتماعي معاً يفرضان مسألتين متناقضتين، المركزية الشديدة، لكي يكون ممكناً قيادة العمل الثوري في كل الوطن العربي، وتوحيد النضالات الجماهيرية، في مواجهة الحلقات الرئيسية، وضد الأعداء الأساسيين، ويفرضان أيضاً الديمقراطية الواسعة، بسبب تنوع الظروف، والإشكالات التي توجدها التجزئة، مثل تمايز المهمات التكتيكية، صعوبة الاتصال والتنقل و… إلخ.
كيف يمكن التوحيد بين المركزية الشديدة، والديمقراطية الواسعة؟ ما هي الصيغة التنظيمية المناسبة لذلك؟ ما هي طبيعة المركز القيادي؟ ما هي طبيعة الهيكل؟ ما هي طبيعة القوانين التي تنظم العلاقات الداخلية؟
وثانيهما وضع الفئات الأكثر وعياً، التي خاضت تجربة العمل في إطار الأحزاب القائمة، أو التي تعرفت على تجربة هذه الأحزاب من خلال الدراسة والاضطلاع، حيث عاشت إشكالية «التنظيم الشمولي»، و«الحكم العسكري»، داخل هذه الأحزاب، فيتحول العضو إلى آلة، ويفقد انسانيته، ويتخلى عن قيمته المعنوية، وهذا ما تم شرحه في الفقرة السابقة. إن غياب الديمقراطية، وسيطرة الهيئة القيادية، وإلزام الأعضاء بالتنفيذ فقط، أدى إلى حدوث ردة فعل طبيعية ترفض النظام الشمولي، وتتطلع نحو الديمقراطية. ولقد قادت تجربة الأحزاب عندنا إلى أن تتبنى بعض الفئات « الهاربة » من جحيم النظام الشمولي موقفاً ليبرالياً صرفاً، يقوم على أساس تغييب المنطلق الايديولوجي للحزب، والانطلاق من ضرورة الجمع بين تيارات مختلفة في حزب واحد(103) (التيار الماركسي، القومي، الليبرالي، الإسلامي المتنور)، بهدف إسقاط وحدانية الفكرة التي كانت سائدة لدى الأحزاب السابقة. وهذا الموقف ضار، في جوهره، لأنه يلغي أهم قضية في الماركسية، أي قضية (النظام المعرفي)، لمصلحة اختلاط ايديولوجي غير واضح المعالم، وإن كانت نتيجته سيادة منهج مثالي غيبي، وبالتالي تسلط تيار معين، وتحكمه بالعمل التنظيمي. فالمشكلة ليست في تبني تيار ايديولوجي معيَّن، بل في سيادة المنطق الغيبي داخل هذا التيار، ومن ثمَّ تأسيس الإطار التنظيمي الذي يساعد على إعادة إنتاج هذا المنطق، وعلى نموه.
في المقابل، برزت الحاجة إلى حزب لا يلغي «كيان» أعضائه، ولا يحوِّلهم إلى شيء، كما فعلت الرأسمالية في الطبقة العاملة(104)، بل يحافظ على هذا الكيان ضمن الكيان الشامل، الذي هو الحزب. لقد برزت الحاجة للديمقراطية، للنقد والحوار، والصراع الفكري والسياسي، لتأكيد الحقيقة الأساسية، وهي أن الاختيار الحر في الانتماء لحزب يفرض الاقتناع بما يُطرح، والقناعة بأن اختلاف الآراء أمر طبيعي، وأن الوحدة الفكرية والسياسية لن تقوم إلا على ضوء حوار عميق يؤدي إلى الخروج باتفاق عام، أو باختلاف يُحسم ديمقراطياً. لهذا يبرز سؤال بحاجة للإجابة، وهو هل هناك إمكانية للحفاظ على التنوع في الوحدة؟ هذه هي الإشكالية التي تنتظر الإجابة.
وحين نسعى لأن تشكل الفئات الأكثر وعياً أساس حزب جديد، لايسعنا إلا أن نأخذ هذه القضية بعين الاعتبار ـ رغم أنها قضية مبدئية في الأساس ـ. فإذا كانت الفئات الفلاحية بسيطة الوعي، وغير البعيدة عن النظام العشائري الأبوي، لا تعرف الديمقراطية، ولا تشعر بها، وبالتالي تقبل سلطة القيادة بديل سلطة الأب، أو بديل سلطة زعيم القبيلة، وتقبل «الالتزام والانضباط» (الذي يعني الخضوع)، ولا تعرف حقوقها، فإن الفئات المتنورة التي عاشت تجارب «الأنظمة الشمولية»، وشعرت بذوبان كيانها في خضم هذا الأقنوم الذي أطلق عليه اسم الحزب، لا تقبل كل ذلك، وهي تسعى لأن تؤسس حزباً ديمراطياً، يعتمد العمل الجماعي، ويمتلك روح التعاون والحوار والنقاش، والروح الانتقادية.
هذان المؤشران يطرحان أكثر من قضية هامة تتعلق ببنية التنظيم الأساسية، منها دور الهيئات ودور الأفراد. دور الهيئة القيادية، ودور الهيئات واللجان القاعدية. الشكل التنظيمي القاعدي، وطبيعة الهيكل الذي يراعي إشكالات الاختلاط الطبقي والتجزئة السياسية، ويحقق المركزية الضرورية لتنظيم يعمل في ظروف معقدة، كما يحقق الديمقراطية القادرة على أن توجد الحيوية الضرورية في الحزب لكي يكون طليعة النضال في مجال الفكر، وفي مجال العمل.
ولن نجيب هنا بأن صيغة المركزية الديمقراطية تفي بالغرض، لأن كل الأحزاب تضعها في صدر أنظمتها الداخلية، رغم أنها ليست أحزاباً ديمقراطية كما أثبتت التجربة. إن صيغة المركزية الديمقراطية ليست « نصوص جاهزة » قادرة على «فك ألغاز» كل الظروف وكل الأوضاع، خصوصاً أنها ارتبطت بصيغة «التنظيم الستاليني » أكثر من ارتباطها بالتنظيم اللينيني، رغم أن لينين هو الذي طالب بأن تصبح مبدأ من مبادىء الحزب منذ عام 1906، على الرغم من أنه لم يعطها «التحديد» الذي أعطاه ستالين(105). لكنه كان يعني بها مجمل الحياة التنظيمية، القائمة على الانتظام وقبول الأقلية بقرار الأغلبية، وخضوع كل التنظيم لقيادته، إضافة إلى «روح» الحياة الداخلية، التي ألغيت فيما بعد، والمتمثلة في التالي:
1) أهمية المؤتمرات، واعتبارها قاعدة العمل التنظيمي وأساسه، لأنها المقررة لكل سياسات التنظيم.
2) الحوار الواسع، والنقاش الفكري والسياسي، الذي لا يقف عند حد، داخل الحزب، في مؤتمره وهيئاته ولجانه، وخلاياه. وخارجه في مجلات الحزب، ومن خلال الكراريس والكتب(106).
3) الانضباط الصارم والمركزية المطلقة(107)، وتأمين تبعية الهيئات الدنيا في الحزب للهيئات العليا(108).
4) إن دور القيادة يتأتى من ثقة الأعضاء فيها، ومن اقتناعهم بدورها ونشاطها، ونتيجة الميزات التي تتميز بها.
لذلك فإن غياب هذه الأسس، أو غياب بعضها، أعطى سمات محددة للمركزية الديمقراطية، حدا بالبعض لإعطائها اسماً آخر غير المركزية الديمقراطية، وأعني «المركزية البيروقراطية»، هذه الصيغة التي حافظت على الشكل وأبدلت الروح، من روح ديمقراطية ثورية، إلى روح بيروقراطية محافظة.

العمل السري

غالباً ما يثار موضوع أشكال العمل الثوري في مجال التنظيم، وخصوصاً في المراحل الأولى من نشاط الحزب، ولقد أصبح واضحاً أن أسلوب العمل العلني هو السائد، رغم أن هناك اتجاهات ما زالت تتمسك بأسلوب العمل السري كأسلوب وحيد. بينما يقتضي العمل الثوري الأسلوبين معاً، لأن الحزب ليس «عصابة» تقوم بعملها في الخفاء وتحقق أهدافها دون حاجة للجماهير، بل إنه «عصبة» سرية، لكنها تقيم صلات مختلفة مع العمال والفلاحين، ومع البرجوازية الصغيرة المدينية، لأن مهمة الحزب الأساسية هي «تطوير» وعي الجماهير، وإكسابها وعياً مطابقاً لمصالحها، ولأن مهمته أيضاً، تنظيم نضالاتها، وتطوير صراعها مع الفئات الحاكمة المستغِلة، وقيادتها نحو النصر. وبذلك فالحزب «عصبة» تندمج بالجماهير، تلتحم فيها، لتصبح طليعتها المكافحة، «دينامو» العملية الثورية، القائد والمربِّي، المنظِّم، ومحدِّد الاستراتيجية والتكتيك.
لذلك فالحزب يجب أن يمارس العمل السرِّي، وكذلك العمل العلني. فهو حياة داخلية (حزبية) مغلقة من جهة، لكنه من جهة أخرى علاقات مع الناس، مع العمال والفلاحين. إنه تنظيم تآمري لفئة محددة من الثوريين المحترفين، لكنه أيضاً يسعى لأن يقود الجماهير، أن يعبِّر عن مواقفها، أن يطرح قضاياها، وأن يلتحم بها. إنه يخطِّط، يقرِّر، يحيك المؤامرات، يخوض العمل «غير الشرعي»، الخارج على القانون ـ حسب لغة النظام الحقوقي السائدـ، يحارب المفاهيم السائدة نظرياً، يهيء القوى لتهديم بُنى ومؤسسات. لكنه لا يستطيع تحقيق ذلك إلا من خلال الجماهير، ومن خلال الارتباط بحركتها العفوية. مما يفرض أن تكون هناك علاقة بين هذه الفئة السرية المحترفة، وبين الجماهير العفوية البسيطة. كيف؟ هذا يفرض الحديث عن العلاقة بين العمل السرِّي والعمل العلني(*)، وعن الصيغة التي تحدد أشكال العمل في كل مرحلة.
فما هي سمات المرحلة الراهنة؟
إنها باختصار، هيمنة القوى الإمبريالية والرأسمالية التابعة في الوطن العربي، حيث تفرض الامبريالية الأميركية هيمنتها العامة، وتقوم الفئات الكومبرادورية المرتبطة بها بدور قوة القمع التي تحاول «تدجين» القوى السياسية، وتحويلها إلى قوى إصلاحية، أو تابعة، من جهة، وسحق النشاط الجماهيري والقوى الثورية من جهة أخرى. ولتحقيق هذا الغرض، عملت هذه الأنظمة، وبدعم امبريالي، على تأسيس أجهزة قمع كبيرة، ومتطور، ورصدت لها الميزانيات الكبيرة، وبذلت جهوداً مهمة في تدريبها، وتوجيه عملها في الاتجاه الذي يسمح لها أن تكون فاعلة ضد النشاط الثوري.
من هنا تنطلق رؤية أهمية العمل السرِّي، فالحزب يمارس العمل «غير الشرعي»، أي العمل المناهض للفئات الحاكمة والقوى المسيطرة، لأنه يحاول التعبير عن مصلحة الفئات المستغََلة المضطهَدة، ضد الفئات المستغِلة ـ الحاكمة، في وضع يدعو إلى تحقيق التغيير الجذري. ويهدف هذا العمل إلى هزيمة الفئات المستغِلة ـ الحاكمة وإحداث تغيير جذري في المجتمع، يسقط طبقات ويهزم قوى، ويأتي بطبقات أخرى. إن الحزب يسعى إلى تهديم الايديولوجيا السائدة لكي يفتح آفاق تطور وعي الجماهير، كما أنه يسعى إلى دعم كل الأعمال الثورية التي تقوم بها الجماهير، من الاحتجاج، إلى الإضراب والمظاهرة، إلى الانتفاضة الثورية والعمل المسلح، بل إن دوره هو تعميق هذه الأعمال، بتحويل الاضراب إلى عصيان، والمظاهرة السلمية إلى مظاهرة عنيفة، والانتفاضة الاحتجاجية إلى انتفاضة مسلحة، والعمل المسلَّح إلى حرب شعبية. وهو بذلك «يلقي» بنفسه خارج إطار المفاهيم الحقوقية التي كرَّستها الفئات المستغِلة ـ الحاكمة، ومنها مثلاً تحريم الاضرابات، أو المظاهرات، أو تجريم العمل المسلَّح، وهي الأساليب الضرورية لأي انتصار ثوري، والتي لا انتصار بدونها. والحزب بذلك يقع تحت طائلة «العقاب القانوني»، فتلجأ هذه الفئات المستغِلة ـ الحاكمة إلى اعتقال «مثيري الشغب»، و«المحرضين على الإضرابات»، و«الداعين إلى سقوط الأنظمة»، وتحاكمهم «فتقتصَّ» منهم، ويتخذ القانون مجراه!!
ولما كان للفئات المستغِلة ـ الحاكمة أجهزة كبيرة، وقوى تنفذ أوامرها، ولأن الأجهزة تتغلغل في النقابات، والمصانع، والمدارس، والأحياء الشعبية والدوائر المختلفة…إلخ، كان من الضروري إتباع أساليب العمل السرِّي، حيث تبرز الحاجة الماسة لأن يحذر المناضلون تحركات هذه الأجهزة، لأنها تعتبر أن ملاحقة العمل الثوري مهمتها المركزية. إن العمل الثوري يجري في مواقع ترصدها الأجهزة القمعية، وتراقب كل نشاط فيها، لتتدخل في اللحظة التي ترى أن تدخلها ضروري. إن مهمة «الجواسيس» هي الاندساس بين صفوف الجماهير، بهدف كشف نشاط القوى الثورية. لهذا يجب ملاحظة أن في علاقة الحزب بالجماهير «طرف ثالث» يجب الحذر منه، ويجب إتباع كل أساليب العمل السري التي تجعل كشف التنظيم من قبل الجواسيس مهمة صعبة.
إذن، ما هي طبيعة العلاقة التي دعونا إليها منذ البدء، بين التنظيم والجماهير؟
إن المهام المتعددة الأشكال التي يسعى التنظيم لتحقيقها تفرض تنوعاً في الأساليب، أساليب العمل السرّي، ونصف السرّي، والعلني. لكن ولكي تحقق هذه الأساليب الأغراض التي وضعت من أجلها كان من الضروري أن تمارس بالشكل الذي يجعلها تخدم العمل الثوري، ولا يقود بعضها للإضرار بالبعض الآخر. ولهذا يمكن التأكيد على التالي:
أولاً: ليس كل الرفاق معنيين بالعمل العلني، لأن التنظيم السري يحافظ على معظم خلاياه سرية، ولا يسمح بإنكشافها، ولأن المهام الثورية لا تفرض على كل الخلايا القيام بالعمل العلني، بل تحتم على جزء كبير من التنظيم ممارسة المهام التنظيمية السرية. إن اللجان القيادية سرية، ويجب أن تبقى سرية، لأنها المعنية بمتابعة العمل كله، ولأن انكشافها يقود إلى تحطيم رأس التنظيم، مركز التنظيم، مواقعه الحساسة، مما يؤدي إلى تشتته وانهياره. ثم إن خلايا الاستقطاب سرية أيضاً، لأن اللبنات الأساسية يجب أن تكون سرية. لكن على التنظيم أن يفرز أعضاء، أو خلايا، مهمتها العمل الدعاوي التحريضي، وتكون عادة علنية أو شبه علنية، وأيضاً أعضاء أو خلايا للعمل النقابي والجماهيري، وهي علنية أو شبه علنية كذلك، شرط أن يكون ارتباطها بالتنظيم حساساً، فهي مفصولة عن الهيكل، في المناطق أو الأحياء، لكنها موصولة بشكل دقيق من خلل عضو قيادي، أو صلة وصل جيدة، لأنهم معرضون للاعتقال دائماً، كما أنهم معرضون للمراقبة. لهذا فإن اتصالها بالتنظيم يجب أن يخضع لدراسة أمينة دقيقة.
إن الحديث عن العلاقة مع الجماهير لا يفرض علنية كل الأعضاء، بل عدد محدود يستطيع إيصال رأي التنظيم، وممارسة العمل العلني، أما باقي التنظيم فسري، ويخضع لكل شروط العمل السري.
ثانياً: إن العمل الدعاوي علني بالضرورة، لأن هدف التنظيم الأساسي هو تطوير وعي الجماهير، وإقناعها بأهداف التنظيم، وتعريفها بالظروف العامة التي تعيشها. لهذا من الضروري أن تصل آراء ومواقف التنظيم للجماهير. وهذا لا يستلزم كشف الأعضاء ـ سوى نفر ضئيل فقط ـ، ويعتمد على العمل السري في أغلب الأحيان، لأن توزيع النشرة يجب أن يكون سرياً، رغم الحاجة لأن يشمل قطاعات واسعة من الجماهير. وإيصال الشعارات للجماهير يعتمد البيان أو المنشور الذي يوزع بشكل سري أيضاً. وكذلك توزيع الكراريس والكتب و… إلخ. لذلك فإن الأفكار والشعارات التي تتبلور داخل الأطر السرية تستلزم تقنية عمل سري متطور لكي يتم إيصالها للجماهير، خصوصاً في مراحل العمل الثوري الأولى، وفي ظل انكفاء الحركة الجماهيرية، وقوة القوى المعادية. وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من «العمل الشرعي»، أي الجرائد والمجلات الرسمية، دور النشر العلنية، المسارح والنوادي الثقافية، إضافة للخلايا المختصة بالعمل الدعاوي، التي تعمل بشكل شبه علني.
ثالثاً: إن الممارسة التنظيمية بين الجماهير التي يمارسها معظم الأعضاء، لا تفترض العمل العلني بالضرورة، بل تفترض أشكالاً من العمل تجعل الاتصال بالجماهير ممكناً، دون كشف التنظيم، أو حتى العضو الممارس. إن العمل السري لا يعني انعزال الأعضاء في خلايا معزولة، ولا في غرف مغلقة، لأن الممارسة لا تعني العمل العلني فقط، بل تعني العمل السري أيضاً. إن العلاقات مع الناس تسمح لعضو التنظيم التأثير فيهم دون أن يكون مضطراً لإعلان  انتمائه، ولا تفرض عليه الحديث المباشر بأفكار ومفاهيم التنظيم، بل عليه أن يوصل أفكار وشعارات التنظيم، رويداً رويداً، وعلى مراحل. لكن يمكن للعضو أن يمارس بصفته عضواً في المجتمع، وبالتالي أن يخوض في الممارسة ضمن الحدود الشرعية، أو ضمن حدود لا تعتبرها الفئات الحاكمة خطراً كبيراً، وبالتالي فعقوبتها محدودة. ومنها:
1) العمل النقابي، والشعبي والمطلبي. إن هذا العمل وسيلة اتصال هامة بالجماهير، وهي وسيلة متاحة في أغلب الأحيان، لأن نضالات الجماهير تفرض أشكالاً من العمل النقابي والشعبي والمطلبي، تكون الفئات الحاكمة مضطرة لقبولها، خصوصاً وأنها تسعى لتعزيز الاتجاه الإصلاحي في صفوف الجماهير. لذلك من الضروري أن يشارك الأعضاء في ذلك، مع الحذر الشديد، والحرص على عدم كشف انتمائهم التنظيمي بأي شكل من الأشكال، ولأي سبب كان، إلى حين يرى الحزب ضرورة ذلك.
2) العمل الثقافي والاجتماعي والرياضي، وهي قضايا مسموح بها، ولا يطالها القانون.
3) المشاركة بالمظاهرات، والإضرابات مع جموع الجماهير، لأن ذلك يجعل العقوبات عامة في حال حدوثها، ولا تشير المشاركة فيها إلى انتماء تنظيمي بسبب مشاركة قطاعات مختلفة فيها.
4) وقد يتم العمل في المجال السياسي، وفق أحداث إصلاحية فقط، ويكون ذلك مدخلاً لتطوير وعي قطاعات من الجماهير ودفعها للعمل الثوري.
إن المشاركة في كل هذه الأعمال مسألة ضرورية، وهي جزء من العمل الثوري، كما أنها تسمح بالحفاظ على سرية الأعضاء، رغم الدور الكبير الذي يمكنهم القيام به في تطوير وعي الجماهير، وفي تنظيمها، وتطوير نشاطها. إن العمل لا يقتضي العلنية فقط، بل يقتضي السرية في أحياة كثيرة، والعمل السري ليس العمل التنظيمي فقط، بل وأشكال عديدة من العمل الجماهيري.
رابعاً: لكن العمل الثوري يخضع للظروف الموضوعية ولا يمكن أن ينمو خارجها. وضمن ذلك تخضع أساليب العمل العلنية والسرية للظروف المحددة، أي وضع التنظيم من جهة(أي كونه ناشئاً أو قوياً متراصاً، قليل العدد أو واسع الانتشار، لديه تجربة واسعة أو قليل التجربة)، وبالجماهير من جهة أخرى (أي هل تمر بحالة إحباط وتراجع، أم تعيش حالة نهوض ثوري؟ وهل ظروف القمع شديدة أم هناك انفراجات؟). فمرحلة النهوض الثوري تقتضي فعلاً عملاً علنياً واسعاً ـ دون تناسي إمكانيات الانتكاس، وبالتالي إمكانية انكشاف التنظيم ، وهذا يفرض التمسك بالعمل السري ـ. أما في مرحلة استقرار الوضع وتوفر ظروف عمل علني ـ إصدار صحيفة، مشاركة في انتخابات ـ فإن التوجه العلني ضروري، لكنه أكثر حساسية من الحالة الأولى، ولهذا من الضروري التمسك بأشكال العمل السري المختلفة. أما في ظل بطش القوى المعادية، وجبروتها، فالعمل السري فقط ـ رغم سلبية الفقط هذه ـ هو الأسلوب المناسب. وأيضاً حين يكون التنظيم ناشئاً، ويعمل في ظروف غير مؤاتية، يتم التشديد على العمل السري، ويعتبر «الأسلوب الرئيسي للعمل»، وكلما تطور وضع التنظيم، واتسعت صفوفه، استطاع أن يلقي في خضم العمل الجماهيري أعداداً متزايدة من الرفاق الذين يخوضون النضال شبه العلني والعلني.
خامساً: إن تنوع أشكال العمل، ووجود هيكل سري، وأعضاء علنيين، يفرض أن يستوعب الهيكل التنظيمي كل ذلك، بحيث لا يقود عمل الأعضاء العلنيين إلى كشف العمل السري، ولا أن يفرض العمل السري توقف نشاط العمل العلني.
إن العمل الثوري ضمن الظروف التي نعيشها يفرض أن يكون التنظيم سرياً لكنه مندمج بالجماهير، وأن يمارس أشكال العمل العلني المختلفة دون أن ينكشف. إن الحديث عن ضرورة العمل العلني لا تعني أن يمارس كل التنظيم العمل العلني، بل أن يمارس أعضاء محددون ذلك. ولا يقود الحديث عن العمل السري إلى الانعزال عن الجماهير، فالعمل السري بين الجماهير يعني الممارسة (أي تطوير وعيها، محاولة تنظيمها، تحريضها)، بشكل لا يكشف انتماء العضو. وهذا ممكن، وضروري.
فالنشرة هي اللسان المحرض بين الجماهير، ولتكن خلايا الدعاية والتحريض، داعمة لها. والخلايا السرية، القوة المؤثرة، القادرة على الفعل بعيداً عن أعين المخابرات، والجواسيس، والقادرة على أن تكون «لولب» النشاط الجماهيري.

الديمقراطية ضمن المركزية

إن وجود عامل التجزئة مترافق مع سيادة الأنظمة الشمولية، القمعية، وبالتالي الحاجة للعمل السري، «غير الشرعي»، «الخارج على القانون»، في ظروف نضال قومي، وحاجة ماسة لتأسيس حزب ماركسي في الوطن العربي، يسهم في توحيد النضال القومي وتوطيد أركانه في كل الوطن العربي. إن كل ذلك يفرض الحاجة لهيئة مركزية تقود العمل كله، وتنسق بين مختلف أجزائه، تكون معنية بتحقيق الاستراتيجية العامة للنضال، مادام النهوض القومي، هو أساس النهوض القطري، المحلي…إلخ.
كما أن ظروف العمل السري تفرض دوراً مهماً للهيئة المركزية في توجيه العمل الثوري، والتخطيط له. كما تفرض التأكيد على ضرورة وجود القادة المحترفين الذين يكرسون نشاطهم للعمل الثوري.
إن الهيئة المركزية ضرورية ضرورة مطلقة، ولا يجوز اعتبار أن العمل في الإطار العربي هو محصلة تطور قطري عفوي، يكفي فيه الاتفاق على المنطلقات العامة، أو الشعارات المتقاربة.
والهيئة المركزية هي المؤتمر العام الذي يحدد استراتيجية النضال، وينتخب لجنة قيادية تتابع العمل الثوري، التي تشكل بدورها مركزاً يلعب دوره في قيادة النشاط التنظيمي، وتنسيق الجهود بين مختلف اللجان والهيئات، التي من الضروري إيجادها، في الأقطار، وأساساً في المصانع والتجمعات العمالية، في الريف، وفي الأحياء الشعبية، لكي تكون صلة الوصل مع الجماهير، ولكي تكون العصب الثوري، القادر على تنظيم الحركة الجماهيرية، وبث الوعي الثوري في أوصالها. إن تطور العمل الثوري، وتطور قدرة الحزب، تتقوم في مدى القدرة على تأسيس الهيئات واللجان المختلفة في المواقع الحساسة للمجتمع، أي بين العمال والفلاحين الفقراء، والشرائح الثورية من البرجوازية الصغيرة، لأن هذه القوى هي قاعدة التغيير الثوري الجذري.
والهيئة القيادية هي المعنية بمتابعة هذه الهيئات واللجان، ولها الحق في معرفة كل أوضاعها، كما أن لها القرار «في التحليل الأخير»، فكونها الهيئة المركزية يجعلها الهيئة الأكثر قدرة على فهم ظروف التنظيم العامة. لكن ذلك لا يفرض تحول هذه الهيئات واللجان إلى أدوات منفذة، و«أشياء ميتة»، أو آلات تحتاج إلى من يديرها، ويبث فيها الحركة والنشاط. فالتنظيم كونه مجموع الخلايا واللجان ومجموع الأعضاء، لا يلغي هذه الخلايا واللجان، كما لا يلغي الأعضاء. وضمن هذا الفهم يمكن تأسيس الحياة الداخلية، حيث من الضروري توفر قدر كبير من الديمقراطية، التي تسمح بالحوار والنقاش، والانتقاد، بما يشعر الهيئات واللجان والأعضاء، إنهم جزء من عمل شامل، لكنهم جزء فاعل، ومؤثر، وله موقعه ودوره في مجمل الحياة الداخلية.
وإذا كانت ظروف النضال في الإطار العربي، وطبيعة العمل السري، وكذلك طبيعة أي حزب سياسي يعمل على تحقيق هدف معين، تفرض وجود هيئة مركزية، فإن ضمان عدم تحول هذه الهيئة إلى هيئة مطلقة الصلاحيات(109)، يفرض الانطلاق من الحاجة إلى الديمقراطية. وإذا كان ستالين قد استطاع أن يفرض سلطته اعتماداً على أجهزة الدولة، فإن ظروف العمل السري تجعل أي ميل نحو التسلط والتفرد قضية تفضي إلى تفتت الحزب، لأن ظروف العمل السري تجعل مبدأ الاختيار الحر هو المبدأ الأساسي الذي يجعل الفئات الطليعية تنضم للحزب، وتشارك في نشاطه، انطلاقاً من قناعة بالاستراتيجية العامة للحزب. وحين لا تجد وضعاً يسمح لها بأن تلعب دوراً ثورياً يقوم على أساس أن لها رأيها وملاحظاتها وانتقاداتها ورؤيتها للعمل والنضال، أي باختصار لها كيانها، حين لا تجد ذلك تنسحب من العمل بهدوء، أو تنشق، ولن يردعها خوف من سلطة الهيئة القيادية مادامت لا تستطيع فرض سلطتها بالقوة، والإجبار.
لهذا فإن الحوار والنقاش قضية من جوهر النشاط التنظيمي، ليس لأننا نريد تأسيس «منتدى حوار»، بل لأن الحاجة لتوحيد كل الفئات الطليعية، والحاجة لصيانة الوحدة، وتأكيد استمرارها، ولأن وعي الواقع ذاته لا يتحقق إلا بالنقاش والحوار، تفرض أن يبقى الحوار والنقاش قضية حية، إنها «روح» الحزب، وبدونها يتحول إلى «جثة ميتة»، والجثة الميتة سرعان ما تتفسخ.

حول الصراع الفكري
الأقلية والأغلبية

إن تكريس منهج ديمقراطي في التنظيم يفرض الاعتراف باختلاف الآراء، وبإمكانية تبلور وجهتي نظر أو أكثر، تتصارعان لتحظى إحداهما بموافقة الأغلبية، والأخرى بتأييد أقلية محددة. إن الوصول إلى هذه النتيجة يفرض محددات أخرى لأن تبلور وجهة نظر غالبة، وأخرى تحظى بتأييد الأقلية، لا ينهي الصراع، بل يطرحه في شكل جديد، هو شكل تصارع «تكتلين»، أكثري وأقلي.
وهنا تنطرح حقوق الأقلية على وجه التحديد، لأن حقوق الأكثرية واضحة من خلال ما يحويه النظام الداخلي، حيث تكون وجهة نظرها هي وجهة نظر التنظيم، وهي وجهة النظر الملزمة لكل التنظيم. وهي كأكثرية التي تقود التنظيم. أما حقوق الأقلية فلا رؤية حولها. ولقد اعتمد الخط الشيوعي التقليدي (الستاليني)(*)، سياسية تلغي الأقلية، وتعتبر أن مجرد كونها أقلية يعني أنها على خطأ، وهي السياسة التي أقرها ستالين منذ عام 1927 في الحزب الشيوعي السوفياتي، والقائمة على أساس «أن أقلية هزمت في مؤتمر، عليها ليس فقط العدول عن الدفاع عن آرائها علنياً حتى الحقبة اللاحقة من النقاش. ولكن عليها العدول عن أفكارها، والارتداد عنها بوصفها خاطئة»(110، خالطاً بين الأقلية وبين «الكتل» التي قامت، أو تقوم، على أساس برنامجي، (أي الأحزاب داخل الحزب)، وهي السياسة التي أكدها لينين، وأقرها المؤتمر العاشر للحزب المنعقد عام 1921(111).
ولقد أدت السياسية الستالينية إلى تكريس مبادىء خاطئة في هذا المجال، مما فرض «موت» الأحزاب الشيوعية، من خلال منع روح الحوار والنقاش والانتقاد، وبالتالي ظهور الأكثرية والأقلية، وسيادة الرأي الواحد، والالتزام بتوجيهات الهيئات القيادية، دون حوار، أو قدرة على الاعتراض، أو المناقشة.
إن سيادة هذا المنطق يفرض التحديد الدقيق لماهية الأقلية؟ ولحقوقها؟. انطلاقاً من أن هناك بديهيات لا يمكن تجاوزها، وهي أن الالتزام بمنهج علمي مادي جدلي يفرض الحوار والنقاش الانتقاد، وبالتالي يفرض تبلور أقلية وأغلبية، رأي ورأي مضاد، فكرة وفكرة مخالفة، تصور وتصور نقيض. إن المنطق اللاهوتي هو وحده الذي يتجاوز هذه البديهية، لأنه يقوم على أساس وحدانية الفكرة، وبالتالي وحدانية المفكر، مما يحول التنظيم إلى مفكر وقائد عظيم!!، وإلى أتباع ومنفذين، مرددين ومادحين.. ولهذا لم يكن غريباً أن التحول الذي أحدثه ستالين في الحزب الشيوعي السوفياتي اعتمد أساساً على تحويل الماركسية إلى نصوص جامدة، وقوانين مطلقة، ثم تحوله هو إلى قائد فذ، ومفكر كبير. لقد ماتت روح الماركسية، قبل أن تموت روح الحزب…
ما هي الأقلية؟.
إنها ببساطة كل مجموعة تبنت فكرة لم تحظ بموافقة أكثرية أعضاء التنظيم. لكن هذه البساطة في التحديد تثير إشكالية معينة حول طبيعة الفكرة التي تتبناها هذه المجموعة، هل من الضروري أن تمثل تصوراً استراتيجياً؟ وهل الخلافات حول التكتيك يمكن أن تقود إلى تبلور أقلية؟ أي بشكل أدق، هل هناك اشتراطات معينة، على الصعيدين الفكري والسياسي، يمكن من خلالها تحديد الأقلية؟ وهل تحتاج إلى فترات تاريخية لكي تتبلور؟ وهل هي ثابتة مستمرة أم تتعلق برؤية محددة وموقف معين؟
لاشك أن تحديد الأقلية لا يرتبط بمستوى محدد من الأفكار والمواقف، ولا يرتبط بمدى زمني محدد، فالأقلية هي أولاً المجموعة التي تعارض موقفاً محدداً أو قراراً معيناً، وهي ثانياً المجموعة التي تطرح تصوراً سياسياً أو تنظيمياً أو عملياً أو ثقافياً… ولا يحظى بأغلبية الأصوات، وهي ثالثاً المجموعة التي تتبلور من خلال الحوار لتمثل موقفاً موحداً لا يحظى بالأكثرية. ولذلك فإن وجود أقلية يفترض وجود فكرة محددة متبلورة يطرحها بعض الأعضاء، وقد تكون الفكرة موقفاً تنظيمياً أو تصوراً نظرياً، أو قضية سياسية، وقد تكون عميقة إلى حد المساس بالبنية الأساسية للتنظيم، أو بسيطة تتعلق بتكتيك محدد، أو موقف سياسي معين(112).
إن وجود أقلية لا يشترط الخلاف النظري فقط، لا بل إن الخلاف النظري يؤدي إلى الانشقاق. إن الخلاف في القضايا الأساسية يفرض الانشقاق وإن تأجل لفترة محدودة، أو جرت محاولات الاتفاق. إن الرؤية الاستراتيجية هي أساس العمل الثوري، وحين يكون الخلاف حول الرؤية الاستراتيجية لا يكون ممكناً العمل المشترك في تنظيم واحد، ويكون الانشقاق هو الخيار المنطقي والضروري، بينما تكون الوحدة عملاً ضاراً. أما الخلاف في القضايا التكتيكية فيسمح بتكوين أقلية مؤقتة، لكن لا يؤدي بالضرورة إلى حدوث انشقاق.
وإذا درسنا تجربة الحزب الشيوعي السوفياتي نجد تنوعاً في تبلور «الأقليات» (جمع أقلية)، فقد تبلورت الأقلية في المرة الأولى في المؤتمر الثاني للحزب، وتركز الخلاف الجوهري حول العضوية في الحزب، و«كانت المسألة تدور حول أي نوع من أنواع التنظيم ينبغي أن يكون الحزب: أحزب انتهازي أم حزب مجاهد، أحزب ليبرالي لا شكل له، أم بروليتاري ثابت؟»(113). ولأن قضية الخلاف جوهرية، ولا تتعلق بموقف من قضية تكتيكية فقط كان الانشقاق أمراً حتمياً، رغم أشكال الوحدة والاختلاف التي طبعت العلاقة بين الأغلبية والأقلية حتى عام 1912 حين تكرس الانشقاق نهائياً. ولقد ظهر أن هناك نقاط خلاف أخرى كثيرة، مثلت اختلافاً جذرياً في رؤية الثورة والأهداف التي يسعى لتحقيقها كل من التكتلين. فقد عارض المناشفة دور البروليتاريا القيادي في الثورة الديمقراطية على اعتبار أن البرجوازية هي القائد الطبيعي لها، وأن دور الحزب الشيوعي يتقوم في دعمها(114). كما سلك المناشفة طريقاً تصفوياً حين دعوا إلى تصفية حزب البروليتاريا الثوري السري»(115)، والتمسك بالنضال العلني فقط.
لقد كان الخلاف جوهرياً بين اتجاه إصلاحي واتجاه ثوري، مما جعل الانشقاق قضية حتمية، وإن تعايش التياران لسنوات داخل الحزب، رغم أن الحزب عاش مرحلة شهدت وجود مركزين قياديين، وتنظيمين على الصعيد الواقعي، لكل هيئاته ونشراته واجتماعاته.
ظهر التكتل الآخر في سنوات الردة الرجعية، وأسمي «ببناء الله». وهو تيار وعظ لبناء دين جديد اشتراكي. ولقد حاول التوفيق بين الماركسية والدين(116)، كان من بين أعضائه لونا تشارسكي الذي أصبح أول وزير للثقافة في الاتحاد السوفياتي. اتخذ الحزب قراراً سنة 1909 باعتبار أن البلشفية لا يجمعها أي جامع بهذا التشويه للاشتراكية العلمية، كما أصدر لينين كتاباً ضد هذا الاتجاه(117). ومن الواضح أن الخلاف كان جذرياً ويتعلق بجوهر الماركسية. ثم ظهر سنة 1918 «الشيوعيون اليساريون» الذين عارضوا الصلح مع ألمانيا، ودعوا إلى استمرار الحرب الثورية، وكان من بينهم تروتسكي، رادك، وبوخارين. وكما يبدو واضحاً فإن الخلاف الأساسي كان سياسياً، وحول تكتيك محدد. ولقد انتهى التكتل بعد فترة وجيزة بعد أن «اعترف أبرز ممثلي ـ الشيوعيى اليسارية ـ الرفيقين رادك وبوخارين، اعترافاً علنياً بخطئهم»(118). ثم ظهرت «المعارضة العمالية»، الداعية إلى النقابية صراحة(119). وظهر بعد ذلك «المركزيون الديمقراطيون» الذين أصروا على حرية تكوين التكتلات والمجموعات داخل الحزب، وكانوا ينكرون ضرورة قيادة الحزب للسوفيتات ويطالبون بإدخال القيادة الجماعية في الصناعة(120).
وبعد وفاة لينين تبلور تكتل تروتسكي، زينونيف، كاينيف. لكن الأمور كانت قد تغيرت، فجرى تصفيته، بطرد تروتسكي من الحزب، وإخضاع العضوين الآخرين، اللذين صفِّيا، فيما بعد.
توضح هذه الصورة، أكثر من قضية هامة، فأولاً كان الصراع الفكري أساسياً في حياة الحزب، وكان صراعاً داخلياً، وعلنياً على صفحات الصحف، ومن خلال الكراسات والكتب. وثانياً كان الصراع يتخذ أشكالاً مختلفة من مرحلة إلى أخرى، فقد كان الخلاف مع المناشفة جوهرياً أدى إلى انقسام الحزب وقيام حزبين، أحدهما إصلاحي والآخر ثوري، وكان الخلاف في الحالات الأخرى ثانوياً، عدا حالة «بناء الله».
وثالثاً، كانت التكتلات تتأسس ثم تنتهي بعد فترة وجيزة، حيث كانت تقوم على أساس الاتفاق على نقطة محددة، نظرية أو سياسية أو تنظيمية.
إن الصراع يفرز الأغلبية والأقلية، وقد يكون الصراع شاملاً، أو محدوداً في قضايا محددة. فبينما كان الصراع مع المناشفة شاملاً، خصوصاً أن الحزب كان في مرحلة تأسيسية، كان مع الكتل الأخرى محصوراً في قضايا محددة، فلسفية، أو سياسية، أو تنظيمية. المهم أنه لا يتخذ قالباً محدداً، ولا يحصر في صورة معينة، فقد يكون صراعاً طويلاً يؤدي إلى تبلور اتجاهين مختلفين، وقد يؤدي إلى تبلور تكتلات مؤقتة، سرعان ما تنتهي. إن ثبات التكتلات يؤدي إلى الانشقاق، وإن اختلافها المحدود يجعل الصراع الديمقراطي أساس العلاقة بين الأقلية والأغلبية.
كيف تتحدد الأقلية والأغلبية؟
إن الصراع هو الذي يحددها، وتظهر واضحة في مجالات مختلفة، خلال النشاط التنظيمي في مستوياته المختلفة، الفكرية السياسية، التنظيمية، ونشاط التنظيم في المجتمع، أي نضاله السياسي والاقتصادي. وتتبلور الأقلية والأكثرية، في مجالات عدة، يمكن إجمالها بمايلي:
أولاً: الحوار الفكري والسياسي الذي يمارسه الأعضاء، داخلياً وخارجياً. هذا الحوار الذي يمارس في النشرات الداخلية والمجلات العلنية، أو الذي ينشر في كتب وكراسات تصدر بأسماء مختلفة.
وإذا كانت بعض الأحزاب تفرض قيوداً في هذا المجال، فإن عدم خوض الصراع في هذا المستوى يؤدي إلى انشقاقات مبكرة، وإلى تحول الصراع من مستوى الصراع النظري السياسي إلى مستوى متدن يتخذ شكلاً ذاتياً.
إن الحوار الفكري والسياسي يفرض تبلور وجهتي نظر واضحتين، أو تبلور وجهة نظر مخالفة لموقف التنظيم وخطه. لقد عاش حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي مرحلة شهدت نضالاً نظرياً مهماً، أسهم في تبلور وجهات النظر المختلفة انطلاقاً من موقف لينين القائل أنه لكي نتحد يجب أن نحدد التخوم التي تفصل بينننا(121). لهذا كان الحوار علنياً طيلة السنوات منذ تأسيس الحزب إلى عام 1918، فقد كانت المجلة مجال حوار هام بين الكتل المختلفة. كما نشرت عشرات الكتب والكراسات التي تطرح وجهات النظر المختلفة. ولم يتغير هذا الوضع إلا بعد ثورة أكتوبر، حيث رأى لينين أن الظروف العالمية المحيطة تفرض وضع قيود معينة، منها أن الحوار يبقى حراً إلى أن يتخذ الحزب قراراً بالموضوع المناقش(122)، ولقد كان الحوار الذي دار في الحزب أساس تبلوره وقوته، بينما أدت القيود إلى وضع قيود دائمة أشد وطأة منها، أدت إلى ضعف حيوية الحزب، وانتشار الأساليب البيروقراطية فيه.
ثانياً: الحوار في المؤتمرات العامة، لاشك أن الحوار في المؤتمرات العامة هو استمرار للحوار الفكري والسياسي في المنابر المختلفة كما في الهيئات واللجان المختلفة، لكن أهمية المؤتمرات تكمن في أن أسلوب التصويت الذي يمارس فيها يؤدي إلى توضيح المواقف وتحديد الأقلية والأغلبية. وقد تتبلور أكثر من أقلية وأغلبية، وفق القضايا المطروحة، حيث يكون الخلاف حوال القضايا السياسية مجال تبلور أقلية وأغلبية، بينما يكون الخلاف حول القضايا التنظيمية مجال تبلور أقلية وأغلبية أخرى. لكن عموماً تتبلور أقلية واحدة، حيث يؤدي الخلاف السياسي إلى خلاف تنظيمي، والإثنين إلى خلاف فكري، وهكذا، وخصوصاً في المراحل الأولى من تكون التنظيم، حيث يكون الحوار النظري السياسي التنظيمي ذو أهمية كبيرة بسبب افتقار التنظيم للتراث النظري، وبالتالي بسبب الحاجة إلى بلورة تصور نظري جديد.
إن أهمية المؤتمر أنه يحدد طبيعة وحجم الأقلية، كما يحدد أعضاءها، وعادة ما تكون المؤتمرات مجال هذا التبلور، ومجال حدوث الانشقاقات، بسبب الخلافات المستفحلة، وبسبب حسم الصراع لمصلحة كتلة ضد أخرى، خصوصاً إذا كان الخلاف جوهرياً وشاملاً.
ثالثاً: في اللجان المختلفة، وتظهر الأقلية في اجتماعات اللجان المختلفة، اللجنة المركزية على صعيد الخلافات العامة، واللجان الأخرى، على صعيد الخلافات العامة، والخلافات حول الأوضاع المحددة، والظروف المعنية، التي تهتم بها هذه اللجان. وهنا تكون حاجة إلى تحديد طبيعة الأقلية، فإذا كانت في الحالات الأولى تعتبر أقلية في التنظيم عموماً، فإنها في هذه الحالة تكون أقلية في اللجنة المركزية، حيث يحدث الخلاف في اللجنة المركزية، وأقلية في اللجان الأخرى التي يحدث فيها الخلاف.
إن القفز عن كل ذلك، والسعي لقوننة الصراع، ووضع أسس مبادىء، وقوانين و… إلخ لقضايا مثل الحوار والنقاش والانتقاد، وللصراع الديمقراطي، يجعل أسساً مثل الالتزام والانضباط، أسس ضبط داخلي، وإطاراً نظرياً يبرر سيادة منطق التسلط والتفرد والقمع في القيادة. ويجعل القيادة سلطة مطلقة، تلعب دور المقرر والمحدد لكل نشاط التنظيم الأساسي والثانوي، مما يجعلها سلطة شمولية، تلغي الآخرين، سواء الهيئات أو الأفراد. لقد أصر لينين على أهمية الضبط الحزبي، وكان يتكلم أحياناً عن الضبط الحزبي الصارم. كما كان يطالب بأن يكون للهيئة القيادية «سلطة» و«هيبة»، لكنه كان يصر دائماً على الديمقراطة(*)، وعلى الصراع الفكري والسياسي، وعلى حق كل هيئة، وحق كل عضو في الانتقاد، وفي إبداء وجهة نظره، لأنه في خضم كل هذا الصراع تبرز الحاجة للضبط الحزبي، وفيها وحدها تطالب الهيئات الأدنى بالالتزام بقرارات الهيئات الأعلى، ويطالب الأعضاء بالالتزام والانضباط.

الحاجة للضبط الحزبي
لهذا فإن الحديث عن الحوار والنقاش والانتقاد، وعن الصراع الفكري على وجه العموم، لا يلغي الحاجة للضبط الحزبي، والضبط الحزبي الصارم، بل يجعله حاجة موضوعية، لكنه يضعه ضمن الإطار الذي لا يحوله إلى قمع وتسلط وسيطرة، بل يجعله يسهم في تأسيس بنية تنظيمية صلبة ومتماسكة.
إن الضبط الحزبي ضرورة، وبدونه يستحيل الانتصار، «إن المركزية المطلقة، ونظام الطاعة البروليتاري الصارم للغاية هما أحد الشروط الأساسية للانتصار على البرجوازية»(123). وهذه قضية لا يجوز تجاوزها.
لكن نتساءل، كما تساءل لينين بعد تجربة عقدين من الزمان، خاض فيها نضالاً لا هوادة فيه، نتساءل «بم يدعم نظام الطاعة في حزب البرولتياريا؟ وبأي شيء يجري تجريبه؟ وبم يعزز؟ أولاً: بوعي الطليعة البروليتارية ووفائها للثورة، وبثباتها، وبطولتها وروح التضحية عندها. وثانياً: باستطاعتها الترابط، والتقارب، وإذا شئتم الاندماج إلى حد ما، مع أوسع جماهير الكادحين، وفي الدور الأول مع جماهير البروليتاريا، وكذلك مع الجماهير الكادحة غير البروليتارية. ثالثاً: بصحة القيادة السياسية التي تقوم بها هذه الطليعة، وبصحة إستراتيجيتها وتكتيكها السياسيين، شرط أن تقتنع أوسع الجماهير الكادحة بهذه الصحة بتجربتها الخاصة. وبدون هذه الشروط لا يمكن تحقيق نظام الطاعة في حزب ثوري كفء حقاً ليكون حزب الطبقة المتقدمة، المدعوة إلى إسقاط البرجوازية وتحويل المجتمع كله. وبدون هذه الشروط تتحول محاولات إيجاد نظام الطاعة ولا مناص إلى هراء، وطنطنة وهذر». ثم يضيف أنه «لا يمكن أن تنبثق هذه الشروط فجأة، فهي لا تحصل إلا بعد كدح طويل وتجارب شاقة، ومما يسهل إيجادها، هو النظرية الثورية الصحيحة، التي هي بدورها ليست عقيدة جامدة، بل إنها تكتسب شكلها النهائي فقط بالترابط الوثيق مع نشاط حركة جماهيرية حقاً وثورية حقاً»(124).

تنوع أشكال العمل الثوري

لاشك أن تنوع الظروف يفرض تنوع الأساليب، خصوصاً أن التجزئة قد أوجدت خصوصيات مختلفة، مما يفرض التأكيد على ضرورة اتباع كل أشكال العمل الثوري، من الأشكال البسيطة إلى أكثرها تعقيداً.
وهنا تبرز الحاجة لكل وسائل التحريض والدعاية، مثل المنشورات، والبيانات، النشرات، والكراريس، لأن الهدف الأولي الذي يساعد على نمو العمل الثوري يتمثل في الدعاية للأفكار الثورية، وتحريض الجماهير من أجل النضال لتحقيق حقوقها. وهذا يتطلب توفر التقنيات اللازمة، والخلايا المتخصصة. فالحزب «مطبعة ورفيق»(رغم أن التطور التقني الهائل يؤسس لنشوء أشكال أكثر أهمية تساعد في ذلك، مثل الانترنيت). وإذا كانت الأحزاب في الوطن العربي قد أغفلت أهمية الدعاية والتحريض في السنوات الماضية، فإنا معنيون بإعطائها كل الأهمية اللازمة، وإلا فشلنا في استقطاب الحركة الجماهيرية، وبث الوعي فيها وتهيئتها للعمل الثوري المنظم.
ثم أن تطوير النشاط الثوري يفرض التأكيد على أهمية تنمية كل وسائل الاحتجاج التي تظهر لدى الجماهير، التي تكون سلبية مكبوتة في البدء، والحرص على أن تصبح أكثر إيجابية من خلال تطوير النشاط الإضرابي، والسعي للقيام بالمظاهرات. لأن المقدرة على ذلك تجعلنا ندفع بفئات واسعة من الجماهير إلى معمعان النضال الثوري. وهذه خطوة هامة على طريق تحقيق انتصارات ثورية، بسيطة وكبيرة.
إن تطور النضال الثوري، بعد اتساع عمليات الدعاية والتحريض، وتصاعد وسائل الاحتجاج المختلفة، وصولاً إلى بدء نشاط إضرابي، ومظاهرات واسعة، يجب أن يقود إلى حدوث انتفاضة عارمة كبيرة. ولعل تفاقم حالة الفقر التي تعيشها الجماهير يؤدي، وكما أوضحت التجربة الماضية، إلى حدوث انتفاضات كبيرة تهز أركان الأنظمة وتفتح آفاق الإطاحة بها. إن الوصول إلى هذه الحالة يعني أن الثورة قد حانت، وأن الهجوم ضروري. وإذا كانت الأنظمة الحاكمة تمتلك الأسلحة المتطورة، وقوى القمع كبيرة العدد، فإن نجاح الثورة يتوقف على تحولها من حركة احتجاجات وإضرابات إلى إضراب عام، ومن تحركات محدودة إلى انتفاضة، ومن «انتفاضة سلمية» إلى انتفاضة مسلحة، إلى أن تمتلك الجماهير السلاح. وهنا يبرز دور الحزب، دوره الحاسم، حيث يتوقف على مدى استعداده لتحقيق هذه النقلة الهامة مصير الثورة كلها.
إن أهمية السلاح قضية لاشك فيها، في مجتمع يعاني من الاحتلال، ومن امتلاك الأنظمة لأطنان الأسلحة المتطورة، كما يعاني من تعمق الحدود السياسية بين دوله. إن الحرب مع الكيان الصهيوني قضية لا خيار فيها، فالأرض لا تحرر إلا بالحرب الثورية، مما يفرض الحاجة لتأسيس القوى المقاتلة، القوى التي تسعى لتطوير الحرب المسلحة ضد الكيان الصهيوني، وضد الوجود العسكري الأميركي، الذي أخذ يتموضع في مناطق مختلفة من الوطن العربي، وبات يحتل العراق، وهدفه مواجهة حالة النهوض القومي العربي، أي مواجهة نشاط الجماهير الشعبية العربية، في حالة تحولها إلى قوة مؤثرة، قادرة على تغيير موازين القوى في الوطن العربي، وإسقاط أنظمة فيه.
والسلاح ضروري لتحقيق الوحدة القومية، لأن تحقيق الوحدة سوف يواجه بعقبة الوجود العسكري الأميركي، والدور الصهيوني من جهة، وهذا يفرض تطوير الحرب المسلحة ضدهما كما أوضحنا سابقاً، لكنه سوف يواجه أيضاً برفض الأنظمة الكومبرادورية العربية وسعيها للتصدي لحركة الوحدة القومية. مما يفرض العمل من أجل هزيمة هذه الأنظمة. وإذا كان تطوير النشاط الجماهيري المحلي أساساً في ذلك، فإن امتلاك هذه الأنظمة للأسلحة المتطورة، وموقفها المعادي عداء مطلقاً للوحدة، وكذلك تعاونها مع الإمبريالية الأميركية، سوف يفرض اللجوء إلى السلاح.
إن تنوع الظروف، والخصوصيات التي نتجت عن التطور غير المتكافىء قبل تأسيس «الدول» الراهنة أو بسببها، أو نتجت عن اختلاف ظروف النضال بسبب اختلاف طبيعة دور القوى الامبريالية والصهيونية والكومبرادورية العربية، يفرض تنوع أشكال النضال، والهدف منها كلها هو تحقيق التغيير الجذري في بنية المجتمع العربي، لمصلحة وحدة الوطن وتحرره، كما لمصلحة تحقيق الجماهير الشعبية مطامحها في التقدم، والرفاه.
ولا يجب أن يلغي شكل الأشكال الأخرى، أو بعضها، بل يجب أن يخضع العمل بهذه الأشكال للظروف المحددة ذاتها. فالماركسية «تعترف بكافة الأشكال المتنوعة للنضال، ولا تبتدعها، أو تلفقها، وإنما كل ما في الأمر، أنها تعمم وتنظم تلك الأشكال من النضال الثوري، التي تنبثق من تلقاء نفسها في مجرى تلك الحركة، وتجسدها تجسيداً واعياً»(125).
ونحن لا نستطيع أن نبتدع الانتفاضة إذا كانت الظروف غير مهيأة لذلك، لأن الدعوة لها والظروف لم تتهيأ بعد يعني نوعاً من العبث، كما أننا لا نستطيع تحويل «الانتفاضة السلمية» إلى انتفاضة مسلحة إذا لم تكن الأزمة في المجتمع وفي الفئة الحاكمة قد وصلت إلى مرحلة حاسمة، وإذا لم تكن القوى الثورية مهيأة لهذه النقلة النوعية في النضال، فحيث ليس هناك احتجاج واضح، وبل يسود الاحتجاج السلبي، يجب أن يلعب الحزب درواً في الانتقال من الاحتجاج السلبي إلى الاحتجاج العلني الواضح، المعبر عنه بالكلمة أو تقديم العرائض، أو الإضراب، ومن ثم المظاهرة. وحيث تسود المظاهرات من الضروري العمل من أجل انتفاضة عارمة. وفي كل الأحوال من الضروري العمل من أجل تطوير العمل المسلح ضد الكيان الصهيوني، وضد الوجود العسكري الأميركي. أما الانتفاضة المسلحة، فمن الضروري حساب الظروف الموضوعية بدقة، واختيار اللحظة المناسبة تماماً لذلك، لأن الدقة ضرورية، والحذر مطلوب، في قضية لا تحتمل اللعب، ولا تقبل الاتجاهات اليسارية المغامرة، والطفولية. وفي وضع يمكن ألا تكون هناك حاجة إليها إذا ما استطاعت قوة الجماهير تحقيق التغيير.

بنية الحزب

كيف يمكن أن تكون بنية التنظيم في وضع كهذا، حيث يمتزج الاختلاط الطبقي، التجزئة السياسية، بظروف العمل السري، وتنوع أشكال النضال؟
وكيف يمكن أن تكون بنية الحزب في وضع يحاول تجاوز نمط «التنظيم الستاليني»، إلى بنية ديمقراطية حقيقية، لا يلغي فيه الحزب الفرد، ولا يتحول العضو إلى كم عددي فقط؟
ونحن لن نجيب كما أجابت القوى السياسية الأخرى، وتحديداً الأحزاب الشيوعية، والقوى الماركسية الأخرى، وإلى حد معين القوى التقدمية، حيث لجأت إلى نقل تجربة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي باعتبار أن الخبرة الحزبية لديه تفرض أن ننقل عنها انطلاقاً من النتائج التي وصل إليها، وهي أساساً الصيغة الستالينية للتنظيم، لأن النقل لا يحل الإشكالية التنظيمية عندنا مهما كانت خبرة الحزب السوفياتي كبيرة، حيث تطور الشكل التنظيمي هناك على ضوء التجربة، تجربة النضال ضد القيصرية، ثم تجربة بناء الاشتراكية. وبالتالي مهما كانت أهميته فهو نتاج هذه التجربة، خصوصاً أن الصيغة الستالينية للتنظيم تبلورت في ظروف وجود الحزب في السلطة وليس في ظروف العمل السري.
رغم أن كل ذلك لا ينفي حقيقتين، الأولى: أن هناك خطوطاً عامة يمكن الاستفادة منها، مادام العمل الثوري هو تراكم خبرات، يأتي اللاحق فيها أكثر تطوراً من السابق. والثانية: أن دراسة التجربة قضية هامة لمراجعة هذه الخطوط العامة من جهة، ولبلورة أفكار تسهم في إنضاج الأفكار والمفاهيم المطبقة في جوانب محددة. وفي كل الأحوال يكون النقل ضاراً لأنه يؤدي إلى نقل التفاصيل وليس الخطوط العامة ـ كما أثبتت التجربة العملية ـ ولأنه لا يقود إلى دراسة التجربة، وبالتالي إنضاج الأفكار والمفاهيم، مما يجعل العمل الثوري يسير في حلقة دائرية، كل تجربة تكرر التجربة السابقة، وهكذا.
إننا معنيون بتحديد الصيغة التنظيمية التي تتوافق مع الظروف المحددة في الوطن العربي، وإن كنا لا نطالب بصيغة تتولد من العدم. ما هي هذه الصيغة؟
إنها تقوم أولاً، على أساس أن مبدأ الاختيار الحر الذي يمثل قانون الانتظام في الحزب، يفرض أن يكون الحوار، والنقاش والانتقاد، أساس العمل التنظيمي. ولا يجوز أن يخضع لأي نظام يعيقه، مادام يخدم النضال الثوري، ولا يخرج عن الالتزام بمصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية. فالحوار هو «روح» الحزب، وبدونه يتحول إلى «جثة ميتة»، وهو به يشكل بديل كل المؤسسات السائدة (مؤسسات الدول، الأحزاب، المؤسسات القبلية والعشائرية والطائفية…)، وبدونه يتحول إلى مؤسسة موازية لها جميعها. كما أنه به يستطيع أن يكون طليعة القوى المناضلة، وقائد النشاط الثوري، والقادر على أن يتطور باستمرار.
وتقوم ثانياً: على أساس أن دور الهيئة المركزية لا يلغي دور الهيئات واللجان الأخرى. فبقدر ما هنالك حاجة للمركزية هناك حاجة لأن تكون كل لجنة وهيئة وخلية قادرة على أن تلعب دوراً قيادياً في مواقع عملها، مادام الحزب هو طليعة. إن الحاجة إلى هيئة مركزية موحدة يجب أن لا يؤدي إلى أن تصبح الهيئة الوحيدة، لأن هذه الصيغة تلغي صيغة التنظيم الثوري، وتكرس صيغة التنظيم البيروقراطي الواقف على رأسه. فاللجان والهيئات والخلايا حلقات أساسية في بنية التنظيم، لها دورها ودورها الأساسي، التي لن يصبح قادراً على قيادة الجماهير الشعبية، من خلال تطوير وعيها وتنظيمها، إذا لم تلعب هذا الدور.
كما تقوم ثالثاً: على ضرورة التشديد على أهمية الضبط الحزبي، على ضرورة الالتزام بالبرامج والقوانين المحددة للعمل، وعلى احترام هيبة الهيئات القيادية، لأن «الفوضى» لا تجعل العمل الثوري يراكم الخيرات، ولا يؤدي إلى تواصل النشاط، ولا انتظام تبلور البنية، وبخلق التماسك. إن الضبط الحزبي ضروري، لكنه ضروري في وضع يتسم بتوفر الحياة الديمقراطية فقط، وهذا ما لا يجب القفز عنه.
وتقوم رابعاً: على أساس أن تنوع أشكال النضال يفرض تنوع الخلايا بتنوع مهامها. وهنا يجدر بنا إعادة النظر بالهيكل التنظيمي الذي ساد بعد انتصار ثورة أكتوبر، والذي كان ينطلق من استقرار الوضع، والقدرة على العمل العلني، مما كان يسمح بوجود «هيكل تراتبي» موحد، أما في ظروف العمل السري، وتنوع أشكال النضال، فيكون «الهيكل التراتبي» ضرباً من المحال، إنه نتاج العمل العلني، لذلك فهو يفيد في العمل العلني. أما ظروف العمل السري فتفرض تنوع الهيئات واللجان والخلايا(126)، حسب حاجة العمل الثوري لأشكال العمل، رغم الحاجة لهيئات ولجان موحدة ومنسقة تعمل على خلق «التناغم» بين أشكال العمل المختلفة، في إطار عمل اللجان والخلايا المختلفة.
وتقوم خامساً: على أساس أن عقد المؤتمر العام قضية لا يجوز التساهل فيها، لأنه ضروري لاستمرار العمل، ولتطوره. وهو «شكل» الديمقراطية الممكن والضروري. فهو الذي يقر الاستراتيجية العامة، وينتخب الهيئة المركزية، كما أنه المعني بالمحاسبة، وبإقرار السياسات العامة للحزب. لهذا يجب أن يعقد في فترات متقاربة بحيث لا تزيد عن ثلاث سنوات. أما مؤتمرات «الساحات» أو «المناطق» فتخضع للظروف العينية، رغم أهمية العمل من أجل عقدها، في حال توفر الظروف المناسبة.
وتقوم أساساً على أساس سيادة مبدأ المركزية الديمقراطية، الذي ينطلق من كل ما جاء سابقاً، لأن المعنى الذي أعطي لها في «التنظيم الستاليني» يجعلها مركزية غير ديمقراطية، حيث يتغلب عنصر السيطرة والتوجيه والتقرير من قبل الهيئة المركزية على أي عنصر آخر. إن تطبيق المركزية الديمقراطية يرتبط بثلاث قضايا جوهرية، أولها وضوح الخط السياسي ـ الفكري وصحته، بتعبيره عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء، والشرائح الديمقراطية الثورية من البرجوازية الصغيرة. وثانيها، توفر الثقة بين الأعضاء عموماً، وبين الهيئات واللجان خصوصاً. من خلال توفر مبادىء الاحترام المتبادل، والتفاهم والتعاون. وثالثها، قدرة الهيئات القيادية في أن تحظى باحترام الهيئات الأدنى من خلال تفوق وعيها وقدرتها النظرية، ودورها العملي، وقدرتها على تفهم ظروف العمل وإشكالاته، وصلابتها.

*فصل من كتاب « مهماتنا، الثورة ومشكلات التنظيم » منشورات الوعي

(76) جورج لوكاش «التاريخ والوعي الطبقي»، دار الأندلس (بيروت)، ط1، تموز 1979، ترجمةد. حنا الشاعر، (ص243).
(77) سلامة كيلة «حول الأيديولوجيا والتنظيم » منشورات الوعي (3).
(78) لينين «من هم «أصدقاء الشعب»، وكيف يحاربون الاشتراكيين ـ الديمقراطيين؟»، دار التقدم ـ موسكو ـ 1970.
(79) اسحق دويتشر «ستالين، سيرة سياسية»، دار الطليعة (بيروت)، ط2، تشرين الثاني 1972، ترجمة فواز طرابلسي (ص272).
(80) نفس المصدر (ص280ـ 281.
(81) ادوارد هاللت كار «ثورة البلاشفة 1917-1923»، الجزء الأول، وزارة الثقافة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر (القاهرة) دون تاريخ، ترجمة عبد الريم أحمد (209
(*) لقد استخدم ستالين الفلاحين الفقراء، من المناطق المتخلفة في روسيا (شعوب الشرق) في حربه ضد الحزب. وساعده على ذلك، أنه كان مفوض القوميات.
(82) بهذا الخصوص يمكن مراجعة جان اللنشتين «تاريخ الظاهرة الستالينية» دار ابن رشد (بيروت) دون تاريخ.
(83) نيكيتا خروشوف «بيان اللجنة المركزية الشيوعية في المؤتمر العشرين» دون ذكر دار النشر أو تاريخه (ص160).
(84) ليون تروتسكي وآخرون «نصوص حول البيروقراطية» دار الطليعة (بيروت) ط1، شباط 1981.
(85) لينين «المبادىء التنظيمية للحزب البروليتاري» دار الثقافة الجديدة (القاهرة) ترجمة سعد رحمى (ص122).
(86) نفس المصدر (ص196).
(87) ادوارد هاللت كار «ثورة البلاشفة» مصدر سبق ذكره (ص194).
(88) نفس المصدر (ص194-195).
(89) لينين «الرسائل والمقالات الأخيرة» دار التقدم ـ موسكو (ص5).
(90) «النظام الداخلي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي» دار التقدم ـ موسكو 1977. (ص24ـ25)، والنظام المعدَّل في المؤتمر 27 للحزب لم يعدَّل هذه الصيغة.
(91) ادوارد هاللت كار «ثورة البلاشفة» مصدر سبق ذكره (ص194).
(92) لينين «المبادىء التنظيمية للحزب البروليتاري» مصدر سبق ذكره (335ـ 337).
(93) نفس المصدر (ص334).
(94) ستالين «أسس اللينينية» دار دمشق (دمشق) دون تاريخ (ص147).
(95) أرنست ماندل «نصوص حول الحزب اللينيني» دار الطليعة (بيروت) ط1 (ص26).
(96) «الحزب الشيوعي السوفياتي من مؤتمر لآخر» دار نشر وكالة «نوفوستي» موسكو 1981، وهو كرَّاس دعائي (ص45).
(97) «قرارات الحزب الشيوعي الروسي» صدر ينة 1941، نقلاً عن ادوارد هاللت كار، مصدر سبق ذكره (ص190ـ 191).
(98) لينين «ما العمل» مصدر سبق ذكره (ص186)
(99) لينين «المبادىء التنظيمية» مصدر سبق ذكره (ص335).
(100) ماجد عبد الرضا «الروح الحزبية»، رسالة العراق مجلة يصدرها الحزب الشيوعي العراقي، العدد 53/54 آب/ أيلول 1985، الصفحة الأخيرة.
(101) اسحق دويتشر، مصدر سبق ذكره (ص283).
(103) من الأمثلة على ذلك حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مصر، التجمع الديمقراطي العراقي، التجمع الاشتراكي التقدمي في تونس. بهذا الخصوص يمكن مراجعة حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي «البرنامج السياسي العام» المقر في المؤتمر العام الأول، 1-11 نيسان 1980، (ص272) مثلاً. وكذلك عبد الصمد جاد المولى «قضايا الجبهة الوطنية التقدمية في مصر» دار القدس (بيروت) ط1، 1979، الصفحات (101 ـ 109). وأيضاً «الغد الديمقراطي» لسان حال التجمع الديمقراطي العراقي، مقال «حول التعددية والتداولية»  الأعداد 29و30، كانون الثاني وشباط 1986.
(104) بهذا الخصوص أنظر، جورج لوكاش «التاريخ والوعي الطبقي» مصدر سبق ذكره خصوصاً فصل «التشيؤ ووعي البروليتاريا» الصفحات (79ـ 181).
(105) لقد طالب لينين المناشفة بتبني مبدأ المركزية الديمقراطية، دون أن يحدد كنهها. أنظر لينين «المبادىء التنظيمية…» مصدر سبق ذكره (195) يقول النص «1 ـ إن مبدأ المركزية الديمقراطية في الحزب مبدأ يقر به الجميع الآن».
(106) ليس هناك نصوص، في المرحلة قبل ثورة أكتوبر، تدعم هذه القضايا، سوى التجربة العملية ذاتها، التي جعلت الصراع الفكري، السياسي، صراع علني. ومراجعة كتب لينين وطريقة طباعتها، تؤكد ذلك، حيث صدرت ضد خصوم، أعضاء في الحزب، ونشرت بشكل علني. الشاهد الوحيد، هو القرار الذي اتخذه المؤتمر العاشر للحزب في آذار 1921، ببعث الديمقراطية في الحزب، والذي أدى إلى الحوارات العلنية عامي 1922= و1923. أنظر ستالين وآخرين «في التنظيم الثوري» دار الطليعة («بيروت») ط4 حزيران 1978 (ص59).
(107) لينين «مرض ـ اليساريةـ الطفولي في الشيوعية» دار التقدم ـ موسكو (ص11).
(108) لينين «خطوة إلى الأمام، خطوتين إلى الوراء» دار التقدم ـ موسكو، والفقرة نقلاً عن ستالين «أسس اللينينية» دار دمشق، دمشق، دون تاريخ (ص140).
(*) المعنى الأساسي للعمل العلني هو الاستفادة من فترات، تلجأ الأنظمة فيها، إلى اتباع صيغة «ديمقراطية» أو «ليبرالية» تبيح النشاط السياسي، لأسباب مختلفة، مما يسمح للحزب أن يلعب دوراً علنياً. أو تحدث تحولات تفرض صيغة سياسية في الحكم، تسمح بنشاط علني. وأشكال العمل العلني هي إصدار الصحف، خوض الانتخابات، الاتصال بالجماهير.
(109) إن كتاب روبرتو ميشال «الأحزاب السياسية، دراسة سوسيولوجية» دار أبعاد (بيروت) ط1، دون تاريخ، ترجمة منير مخلوف، يناقش هذه القضية، رغم أنه يجزم أن القيادة تتحول إلى أوليغارشية حاكمة.
(*) جرت العودة إلى التجربة اللينينية، بسبب من أهمية الموضوع ال1ي نناقشة، والإهمال الذي لحق به من قبل «التنظيم الستاليني».
(110) أرنست ماندل «نصوص حول الحزب اللينيني» دار الطليعة (بيروت) ط1، (ص26).
(111) لينين «المبادىء التنظيمية للحزب البروليتاري» ترجمة سعد رحمى، دار الثفافة الجديدة (القاهرة) ط1، 1984، (ص334- 338).
(112) «حول الحياة الداخلية والمركزية الديمقراطية». مقال نشر في العددين، 114 و115، العدد 115 (ص10).
(113) سيرة حياة فلاديمير إيليتش لينين» مكتبة النهضة (بغداد)، دار الفارابي (بيروت) ط2، نيسان 1975، (ص121)، والكتاب من إعداد معهد الماركسية ـ اللينينية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي.
(114) لينين «خطتا الاشتراكية ـ الديمقراطية في الثورة الديمقراطية» دار التقدم ـ موسكو (ص5-6).
(115) لينين «المبادىء التنظيمية..» مصدر سبق ذكره. (ص225)
(116) «سيرة حياة…» مصدر ذكره (ص188).
(117) لينين «المادية والمذهب النقدي التجريبي» دار التقدم ـ موسكو، ط1، 1981.
(118) لينين «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية» دار التقدم ـ موسكو (ص25).
(119) لينين «المبادىء التنظيمية…» مصدر سبق ذكره (329).
(120) لينين، المصدر ذاته (ص395).
(121) لينين «ما العمل؟» دار التقدم ـ موسكو 1968 (ص28).
(122) إدوارد هاللت كار «ثورة البلاشفة 1917ـ 1923» جـ1، وزارة الثقافة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر (القاهرة) ترجمة عبد الكريم أحمد (ص201). والنص مأخوذ من النظام الداخلي المقر سنة 1919 في المؤتمر الثامن للحزب.
(*) رغم أن لينين كان يطالب بإبدال الديمقراطية الواسعة، بالثقة، إلا أنه كان يحاول تجنب العمل القائم على أساس «ليبرالي»، وخصوصاً في مجال الانتخاب، لكنه تمسك بضرورة الصراع الفكري والسياسي.
(123) لينين «مرض…) مصدر سبق ذكره (ص9).
(124) نفس المصدر (ص10).
(125) لينين «الاستراتيجية والتكتيك» ترجمة سعد رحمى، إصدار دار الثقافة الجديدة (القاهرة) ط1، 1985 (ص10).
(126) لينين «رسالة إلى رفيق، مهماتنا التنظيمية» دار ابن خلدون (بيروت) ط1، 31/3/1981. (ص25ـ 29).

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s