العدل والإحسان والثورة المصرية الثالثة: قل لي عمن تدافع.. أقول لك من أنت؟

الاربعاء 17 تموز (يوليو) 2013
أزنزار

أثارت الموجة الثورية المصرية الثالثة وما تلاها من قطع للطريق عليها من طرف العسكر، موجة ردود فعل من طرف الإسلاميين بمصر والمنطقة… جوهر ردود الفعل هذه غض الطرف عن الطابع الشعبي الجماهيري لأحداث 30 يونيو وما قبلها (شهرين من حملة « تمرد ») والتركيز على رد فعل العسكر.

العدل والإحسان المغربية كان لها نصيب من هذه الحملة، وآخذة بمنطق « أنصر آخاك ظالما ومظلوما » نشرت على موقعها بالانترنيت جملة من المقالات والتحاليل القصيرة إضافة إلى حوار مصور مع الناطق الرسمي باسم الجماعة « فتح الله أرسلان »، تدافع فيه عن تجربة الإخوان ومنددة بالانقلاب على الشرعية محاولة تقديم تصورات لما يجب أن تكون عليه المرحلة الانتقالية لكي لا يقع ما وقع.

مقدمة لا بد منها

فرضت السيرورة الثورية التي تشهدها المنطقة منذ نهاية ديسمبر 2010 على الإسلاميين ملائمة خطابهم ومفاهيمهم السياسية مع واقع المطالبات الجماهيرية بالديمقراطية والحرية والدولة المدنية، فاختفت مفاهيمهم التقليدية حول الشورى والحاكمية لله.

 » كنا أمام رئيس منتخب وأمام دستور صادق عليه الثلثين من الشعب »، صرح فتح الله أرسلان في الحوار المدرج على موقع الجماعة على النت.

وهذا ليس بجديد إنما دفعته الثورة الحالية نحو حدوده القصوى، فقد سجل منذ زمن « تراجع خطاب الجماعة باتجاه أكثر انفتاحا على مقولات سياسية حديثة. بدا واضحا أن المفاهيم الكلاسيكية للشيخ عبد السلام لم تعد تطغى على الخطاب السياسي للعدل والإحسان التي بدأت تجد طريقها بعناء للاندماج في المعجم السياسي المتداول ». (الحالة الدينية بالمغرب 2010- 2011، محاولة للفهم، إدريس هاني، حالة المغرب 2010- 2011، منشورات وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، ص 116).

فصل المقال بين الثورة والانقلاب

كثرت التأويلات والنقاشات الفارغة حول جوهر ما وقع؛ هل ثورة شعبية أم انقلاب عسكري. بالنسبة للعدل والإحسان الأمر محسوم؛ « ما حدث في مصر انقلاب بلبوس مدني.. لذلك لا يمكن تسمية ما وقع بأنه ثورة ثانية  » (فتح الله أرسلان).

بانت الوظيفة السياسية للتصور الأحادي للأحداث السياسية أثناء هذه الموجة الثالثة للثورة المصرية، فالإسلاميون لا يرون فيما وقع إلا انقلابا للعسكر على الشرعية الدستورية والرئيس المنتخب، بينما الليبراليون الذين أفزعتهم الملايين التي ملأت شوارع وميادين مصر فلا يرون من الثورة الجماهيرية إلا تدخل العسكر واعتبار الانقلاب استجابة من العسكر لمطالب الجماهير..

أما بالنسبة لمن لا مصالح له مستقلة عن مصالح الجماهير المنتفضة، فقد كان ذلك ثورة شعبية ضد حكم الإخوان (الذين كرروا استبداد مبارك)، ثورة جماهيرية قطع عليها انقلاب عسكري الطريق حتى لا تتجاوز الهدف الآني المرسوم (إسقاط الإخوان) نحو إسقاط مجمل نظام الاضطهاد الاقتصادي والاجتماعي.

كان من الأحسن ترك الجماهير تصفي حسابها مع حكم الإخوان من خلال صمود اعتصاماتها في الميادين وتحفيز نضالات قطاعات اجتماعية أخرى والدفع بعصيانات مدنية وإضرابات عامة.. لكن ذلك كان سيقوي الثقة بالنفس لدى الجماهير، وتدفع ثورتها إلى الأمام.. وهذا ما لم يرده الإخوان برفضهم الاستجابة لمطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة ومقترح الاستفتاء الشعبي، وهذا ما لم يرده الليبراليون بدعمهم لانقلاب العسكر.

لماذا ثارت الجماهير؟

« لا أعتقد أن الأخطاء المرتكبة من طرف الرئاسة هي التي أدت إلى هذه النتيجة » (فتح الله أرسلان).

لم يستطع فتح الله أرسلان وكافة الإسلاميين تنظيف معطف الإخوان دون تعريضه للبلل مع جعل تلك الأخطاء لا تبرر الثورة على الإخوان: « حتى إن كانت الرئاسة المصرية قد ارتكبت أخطاء في فترة حكمها التي لم تتجاوز السنة الواحدة، فهي لا تعدو أن تكون أخطاء تدبيرية لا تسلم منها أية ممارسة سياسية، ولا تبرر ما وقع ويقع وما سيقع » (مقال بعنوان « من يصل إلى الحكم على ظهور الدبابات لا يستحق أن يحكم شعبا »، لأمان جرعود، مسؤولة القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، 11 يوليوز 2013، موقع الجماعة).

لكن أين كانت جماعة العدل والإحسان طيلة سنة من حكم الإخوان، لماذا لم ترفع صوتها لانتقاد أخطاء الجماعة في الحكم، أم أن هول الكارثة السياسية التي لحقت بالإخوان وفقدانهم للمصداقية هو الذي جعل الاعتراف بالخطأ تكتيكا مفضلا لإعادة المفتقد منها.

أين هو موقف العدل والإحسان حاليا مما تقوم حاليا حكومة النهضة بتونس من رهن لثروات البلاد للرأسمال العالمي والاستمرار في نفس السياسات الاقتصادية لبنعلي التي تفرز المزيد من الفقر والإقصاء الاجتماعي.. أم أن العدل والإحسان ستنتظر حتى تكنس ثورة شعبية أخرى حكومة النهضة وتتحدث عن بعض « الأخطاء التدبيرية التي لا يسلم منها أحد » لكنها « لا تبرر ما وقع ».

لا مقارنة مع وجود الفارق

« هل يجب إسقاط أوباما إذا اخطأ؟ ».. كان هذا هو الحجاج المفضل لدى الإسلاميين ولم يتورع فتح الله أرسلان عن استعماله.. وهذا يبين أن الإخوان تحولوا من « معارضين شرسين » إلى فقهاء دستوريين برجوازيين، ويبين أيضا بجلاء عدم فهمهم لسيكولوجية الجماهير.

إن تناقضات المجتمع الرأسمالي المستعصية عن الحل وضعت الثورة على جدول الأعمال منذ زمن بعيد. لكن الجماهير لا تثور بفعل تحريض المحرضين، ونتحدث هنا عن استعداد الجماهير لاقتحام الساحة واحتلال الشوارع بالملايين (كما حدث يوم 30 يونيو) وليس مناوشات جماعات معزولة مع جهاز الدولة.

إن نفسية الجماهير واستعداداتهم في « الزمن الثوري » ليست هي نفسها في زمن الجزر والسلبية الخانعة، ففي زمن الثورة تقيس الجماهير جدارة الحكم بما ينفذه من مطالبها وليس ما يفيض عنه من وعود. وهذا ما عابه مقال نشر بموقع الجماعة على الذين خرجوا يوم 30 يونيو « هذا البسيط المسكين الذي أرهقته المشاكل اليومية والأزمات المتتالية يطمح إلى زوالها ويتمنى لو يغلق عينيه ويفتحهما فيجد الدنيا قد صارت جنة حوله ».. بينما يكون ذلك « العيب » الشرط الجوهري لثورة الجماهير وخروجها من السلبية وبلادة انتظار ما يجود به الحكام من فتات.

إن العدل والإحسان التي نشأت في سياق سياسي تميز بركود النضال الجماهيري، لا ترى في الجماهير إلا « مفعولا بها » ومتأثرة بتحريض المحرضين، مرة يقودها يساري ومرة يخدعها ليبرالي وأخرى على الإسلامي أن يكون على رأسها، كأن الجماهير لا عقل لها تمحص به الإحداث ولا مصالح لها تجعلها معيارا لتقييم الأحداث السياسية ولا تجربة سياسية لاختبار الأحزاب والتنظيمات..

الجماهير بالنسبة للإسلاميين كتلة مغفلة يمنح لها « الإحسان » في المنظمات الخيرية وتنتظر قدوم المصلح الذي يأتي مرة كل 100 سنة ليملأ الأرض « عدلا » بعد أن ملأت جورا.

إن اللحظات التي تكون فيها الجماهير مستعدة للثورة نادرة وإلا لماذا هي الثورات قليلة هكذا في التاريخ، لكن العدل والإحسان ليست معنية بتلك اللحظات الاستثنائية حيث تحشر الطبقة الحاكمة في الزاوية ويدفع ضعفها الجماهير للتململ؛ « فلو كان هدف الجماعة الضغط على السلطة لاستغلت مناسبات عدة مرت منها البلاد وكانت السلطة خلالها في أزمة خانقة ويكفي أن أذكرك فقط ببعضها: انفجارات الدار البيضاء في مارس وأبريل 2007، وتقلبات ملف الصحراء بعد مفاوضات مانهاست، ومناسبة الانتخابات، وغلاء المعيشة، فالمغرب مليء بـ »الفرص » التي يمكن توظيفها للضغط على السلطة، ولكن هذا ليس أسلوب العدل والإحسان لأنها لا تحب الركوب على الأزمات ولا لي الذراع ». (ذ. عمر احرشان، « هدف الوثيقة فتح نقاش وطني بسقف عال »، 14 يناير 2008، موقع الجماعة نت).

ما الذي لا يبرر الثورة على مرسي؟

« هذه الحكومة لم تمنع الصحفيين لم تقمع التظاهرات أطلقت الحريات » (فتح الله ألاسلان).

« قد نتفق أن الرئيس قام بأخطاء، كما الناس يخطئون ويصيبون، لكنه لم تتلطخ يديه بالدماء، ولم ينتهك الأعراض، حتى نقف حجر عثرة ضده ( مقال « بحثا عن الشرعية.. بين الثورة والانقلاب » بقلم: محمد الحسين صديق، 8 يوليوز 2013ن موقع الجماعة).

إن الدفاع عن الحليف لا يستوجب شهادة الزور لصالحه، فلندع الأرقام تتحدث عن حصيلة عام من حكم الإخوان وغزواتهم المشهود لها ضد الحريات:

1. قمع الصحافة

تناول مقال نشر بموقع جريدة السفير بتاريخ 13 يوليو 2013 تحت عنوان « مئـة يـوم علـى حكـم مـرسـي.. الصحـافـة فـي مـصـر صــارت جـريمــة »، علاقة الإخوان بحرية الصحافة حتى قبل وصولهم إلى الرئاسة.

فبعد أن وصف المرشد العام لجماعة الإخوان الدكتور محمد بديع، « وسائل الإعلام والإعلاميين بـ »سحرة فرعون » الذين جمعهم فرعون لسِحر الناس وبث الرعب والرهبة في قلوبهم من دعوة موسى عليه السلام »، راح « الإخوان » يرفعون قضايا ضدّ صحافيين ووسائل إعلام. وتمَّ توثيق ذلك في تقرير أصدرته مؤسسة « حرية الفكر والتعبير ».

وذكر تقرير « الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان » أمثلة عديدة للمنع والمصادرة منها مصادرة عدد جريدة « الشعب الجديد » بالكامل يوم 21 غشت، بسبب مقال رئيس التحرير مجدي حسين الذي جاء بعنوان: « نطالب مدير المخابرات بإعادة النظر في سياسات الجهاز السابقة التي أفسدت الحياة السياسية »، ومصادرة جزئية للعدد رقم 1781 لجريدة « الدستور » الصادر يوم السبت 11 غشت، بعد ساعات قليلة من طباعته بمطابع جريدة « الجمهورية ». كما تمّ منع برنامج « الضمير » على القناة الثانية في التلفزيون المصري المحلي الذي كانت تقدمه المذيعة هالة فهمي، وذلك على خلفية حلقة تم بثها عبر برنامجها، وتناولت الحلقة « فضح الفساد المالي والإداري المتفشي في جهاز الإعلام الحكومي ».

وقال تقرير هيومن رايتس ووتش في تقرير حول الـ 200 يوم من حكم مرسي أنه أثناء السنة التي قضاها مرسي رئيسا تمت ملاحقة العديد من الصحفيين والنشطاء السياسيين وغيرهم أمام القضاء بناء على اتهامات بـ »إهانة » مسؤولين ومؤسسات و »نشر أخبار كاذبة » باستخدام أحكام قانون العقوبات القمعية التي تعود إلى عهد الرئيس السابق حسنى مبارك، وتجرم المعارضة والشقاق السياسي.

2. التعذيب والقتل

ذكر تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان 23 يناير 2013 أن المنظمة رصدت خلال العام المنصرم نحو 165 حالة تعذيب داخل أقسام الشرطة من بينها 17 حالة وفاة توافرت « شكوك قوية » أنهم قتلوا جراء « التعذيب وسوء المعاملة ».

وأشار تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أنه فى عهد مرسى لم يحدث إصلاح في قطاع الأمن، ولم تتقدم الرئاسة في عهد مرسي بأية خطط للتصدي للتعذيب الممنهج رهن الاحتجاز.

رصد « مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب »، أن نصف العام الأول من حكم السيد مرسي (30 يونيو 2012 – 31 ديسمبر 2012) قد شهد 77 حالة تعذيب و56 حالة قتل من جانب الأمن، بينما شهد أقل من نصف عام من 2013 (1 يناير 2013– 31 مايو 2013) أربعة أضعاف الذين تعرضوا للتعذيب (282) وثلاثة أضعاف القتلى (161)، أي أن أهم إنجازات السيد الإخواني الرئيس في 11 شهراً فقط هي (359 حالة تعذيب) و(217 حالة قتل).

أحداث ذكرى محمد محمود الأولى سقط نحو 3 شهداء كان في مقدمتهم الشهيد جابر صلاح جابر الشهير بـ”جيكا” وهو أول شهيد يسقط فى عهد الرئيس مرسى.

أحداث الاتحادية التي نشبت بين مؤيدي الرئيس مرسى ومعارضيه بسبب قرارات الإعلان الدستوري ونتج عنها سقوط نحو 11 شهيدا من بينهم الشهيد الصحفي الحسيني أبو ضيف.

أحداث مجزرة بورسعيد “الثانية” عقب النطق بالحكم في القضية على21 متهما بالإعدام، سقط خلالها نحو 38 شهيدا ثم تأتى أحداث التحرير والاتحادية الأخيرة، لتؤكد استمرار آلة القمع والقتل ولتضيف لقائمة الرئيس شهداء جدد بسقوط 8 شهداء، ولم تتوقف إنجازات الرئيس في حصد الدماء عند ذلك الحد بل بلغت مداها ليسقط نحو 11 شهيدا في السويس والإسماعيلية بينهم 10 بالسويس وواحدة في الإسماعيلية، وكذلك سقوط نحو 3 شهداء في أحداث اشتباكات بعض المحافظات.

إذا كان الاستبداد يستمر طيلة مدة حكمه ويديه ملطخة بالدماء، فإن حكم الإخوان « ولد وهو ينزف دما وقذارة، من جميع مسامه، من الرأس حتى أخمص القدمين ». وطيلة عام من حكمه أعرب الرئيس محمد مرسي، عن شكره لكل رجال الشرطة لجهودهم المخلصة التي يبذلونها لإقرار الأمن بالبلاد، وطالبهم بالاستمرار في بذل تلك الجهود التي تؤمن للبلاد استقرارها وتحفظ وتصون أمن المواطن.

3. منح الضبطية القضائية للعسكر

أكد الدستور الذي دُشن في عهد مرسي على حقوق النظام القضائي العسكري في محاكمة المدنيين. وذكر تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان (23 يناير 2013) استمرار المحاكمات العسكرية للمدنيين وأشار إلى رصد المنظمة لنحو 1300 حالة محاكمة عسكرية لمدنيين في العامين الماضيين.

إن تصريح أرسلان عدم قمع مرسي للحريات ليس مبنيا على وقائع بل على تصريح مرسي بنفسه في خطابه الأربعاء 26 يونيو 2013 « أن لا وجود للمعتقلين السياسيين في مصر اليوم ».. وهو يذكرنا بتصريح عبد الإله بنكيران « أن لا وجود لمعتقلي رأي بالسجون المغربية » في الوقت الذي تذبل فيه أجساد معتقلي حركة 20 فبراير بسبب إضرابات وحشية عن الطعام.

وفي الأخير هل قتل المتظاهرين والتفنن في تعذيبهم « أخطاء لا تبرر ما وقع »؟.

4. لماذا سقط الإخوان؟

سقط حكم الإخوان لأنهم لم يستطيعوا وهم في الحكم أن يتقدموا للشعب ببديل عن حكم مبارك، سواء من الناحية الاقتصادية والاجتماعية أو في الجانب السياسي، فأعادوا إنتاج نظام مبارك كما هو مع الاجتهاد لإضفاء مسوح إسلامية على جراحه التي أبت الاندمال.

« لا يخفى على أحد أثر النهضة الإخوانية المزعومة التي تغنى بها مرسي وجماعته، سواء كان تقليصاً للدعم أو تشريداً للعمال، أو ارتفاعاً للأسعار وزيادة في أعداد المتعطلين عن العمل، وعلى الصعيد الآخر انحيازات واضحة لرجال الأعمال، والتدخل لقمع الإضرابات العمالية، وتقديم المزيد والمزيد من الإعفاءات والتسهيلات لرجال الأعمال تحت مسمى جذب الاستثمار، مصدرين الوهم لجموع الشعب المصري بأنه بخصخصة الشركات وجذب رؤوس الأموال… سوف نضع أقدامنا على بداية طريق النهضة. ما يحدث أننا نسير على طريق النهضة، ولكنها نهضة رجال الأعمال، نهضة تُبنى بدماء وقوة عمل الفقراء، ويستفيد منها فقط الأغنياء ».

« لقد امتطت الآن السياسات الليبرالية الجديدة المستمرة منذ عهد الديكتاتور مبارك طائر نهضة الإخوان، واستغنت حتى عن مساحيق التجميل التي كانت تداري بها وجهها القبيح، ولم تعد تكفيها قوانين العمل والاستثمار التي تطحن العمال، والتي وُضعت في عهد المخلوع، فحررت الشركات ورجال الأعمال من التقيد بها، وفتحت الباب للمزيد من اعتصار العمال لإنقاذ وضعها المأزوم » (مقال منشور بموقع الاشتراكيين الثوريين تحت عنوان « مشروع قانون تنمية إقليم قناة السويس: نهضة الإخوان.. وتقسيم للبلاد على أصحاب رؤوس الأموال »، بتاريخ 14 مايو 2013).

فهل تمتلك جماعة العدل والإحسان على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بديلا عما ينفذه حزب العدالة والتنمية حاليا وما نفذته جميع الحكومات التي تعاقبت على المغرب..؟ قطعا لا. ففي الحلقات المنشورة بموقع الجماعة. نت التي قدم فيها عمر أحرشان « وثيقة جميعا من أجل الخلاص »، صرح أنها لم « تقدم الحلول، كما تراها، بشكل تفصيلي وسبب ذلك يرجع إلى عدم الرغبة في الاستفراد باقتراح حلول لاقتناع تام أن الأمر يتطلب معالجة جماعية تكون حصيلتها حلولا توافقية يتحفز الجميع لتبنيها والعمل على تنفيذ مقتضياتها ».

هل هو انقلاب مدبر؟

إذا لم تكن « هذه الأخطاء لا تبرر ما وقع ».. فبماذا يبرر العدليون سقوط حكم الإخوان في غضون عام واحد؟ « لا أعتقد أن الأخطاء المرتكبة من طرف الرئاسة هي التي أدت إلى هذه النتيجة.. بدليل أن التهييء للانقلاب كان منذ اليوم الأول الذي انتخب فيه مرسي.. بتأزيم الوضع ووضع العراقيل ». (فتح الله أرسلان).

من الذي هيأ بالضبط للانقلاب منذ اليوم الأول الذي انتخب فيه مرسي؟.. إن العقلية المؤامراتية مهما شطح بها الخيال لن تستطيع القفز عن الوقائع.

إن الذين خرجوا ضد حكم مرسي والإخوان هم نفسهم الذين شاركوا في انتخابه لدرء صعود مرشح الفلول أحمد شفيق؛ حركة 06 أبريل، الاشتراكيين الثوريين، حزب حمدين صباحي، وجميع الائتلافات الشبابية الثورية وكل الشرائح الاجتماعية التي وقع ثقل الثورة على كاهلها.. فلماذا دعموه عشية الانتخابات إذا كانوا سيهيئون للانقلاب عليه منذ اليوم الأول لانتخابه؟ ولماذا دعموه ضد الفلول إذا كانوا سيتحالفون معه في اليوم الموالي من الانتخابات؟ إن اللاعقلانية تفوح من هذه الحجة.. ويجعل العملية السياسية كلها عبث في عبث ولا يحكمها أي منطق.

ما ذا عن الفلول؟

« إن لكل تغيير أعداءه وخاصة المستفيدين من الأوضاع السابقة، ما يعني أن هؤلاء ستكون لهم جولاتهم لكي لا يكون هذا التغيير بمعناه الحقيقي.. ». (مصر الثورة إلى أين؟ بقلم: طارق السايحي، 15 أبريل 2013، موقع الجماعة. نت).

لنؤكد أن أنصار النظام السابق لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهو ما يصدق على أي ثورة في التاريخ، فماذا فعل الإخوان لعزل الفلول ومنع تأثيرهم ومؤامراتهم للعودة؟ لقد سبق وتناولنا في مقال سابق تصالح الإخوان مع الفلول وتغاضيهم عن محاسبتهم عن نهب ثروات مصر..

إن رفض الإخوان الأرعن تنفيذ وعودهم وتحقيق مطالب الثورة هو الذي جعل الفلول يسعون للعودة إلى السلطة باستغلال مطالب الثورة. فلا القصاص من قتلة الثوار تم (تبرئة أغلب الضباط المتورطين في قتل الثوار، تبرئة مبارك من تهمة القتل)، ولا مطلب العدالة الاجتماعية تحقق، فقد سارع نظام الإخوان للتصالح مع رجال أعمال نظام مبارك الذين نهبوا ثروات مصر لسنوات، وارتمى فى أحضان صندوق النقد ليطبق نفس برنامج الخصخصة وبيع البلد، مضيفا خيرت الشاطر بديلا لأحمد عز. ولكن لنؤكد أيضا وبكامل الثقة أن للجماهير أسلوبها الخاص في قياس الأشياء، إن الجماهير لم تتعلم من الفلول الأفكار التي تدفعهم اليوم للتظاهر في الشارع.. فالفلول معادون بطبيعتهم لمطالب الثورة وليس في مصلحتهم الإسقاط الثوري بنظام الإخوان لأن استكمال الثورة يعني تنفيذ ما تقاعس الإخوان عن تطبيقه: اجتثاث رموز مبارك ودولته الاستبدادية عن آخرها.

الثوار دائما ضد الفلول

تتحدث فتح الله أرسلان عن « تحالف الثوار مع الفلول الأمس » ما ساهم في نجاح الانقلاب على مرسي.

« كيف انقلب موقف ثوار ميدان التحرير من كنس كل رموز النظام السابق إلى القبول بالتعايش معهم في نفس الساحة والسماح بحمل لافتات تلتمس العذر من الرئيس السابق مبارك؟ (« أحداث مصر: اختبار للمرجعية العلمانية »، بقلم علي الصديق، 10 يوليوز 2013، موقع الجماعة. نت).

إن القطط كلها رمادية بالنسبة للعدليين، ولم يكلفوا أنفسهم عناء تمحيص المواقف الحقيقية للقوى الثورية على الأرض.. وسنقوم نحن بهذه المهمة نيابة عنهم.

فقد عمل ثوار الميدان دائما لطرد الفلول من الميدان، وأطلقوا حملة تحت عنوان “أمسك فلول” أثناء الانتخابات البرلمانية، وصرح أحمد فضل مؤسس موقع “أمسك فلول”: “اضطررنا إلى القيام بهذه الحملة من أجل توعية الناس وتعريفهم بهؤلاء الفلول وبالتالي نرفض رفضا قاطعا دخولهم البرلمان المقبل، نرفض ذلك رفضا تاما”.

وأطلق رفاقنا « الاشتراكيون الثوريون » نداء « من كل الميادين.. اطردوا الفلول »، وأكدوا في ندائهم هذا « أن كل ثوري مخلص يعلم أن معركة الجماهير الثورية اليوم لابد مركبة، فمعركتنا ضد استبداد مرسي واﻹخوان لا يمكن أن تنفصل عن المعركة ضد الفلول، ومن هنا لا يمكن أن نضع ثقتنا إلا في تنظيم نضال جماهير المضطهَدين والمستغَلين المستقل ضد عصابة المضطهِدين والمستغِلين ».(26 نوفمبر 2012).

أسطورة الدولة العميقة؟

« استطاعت الثورة أن تسقط برأس النظام، لكن أطرافه بقيت موجودة على جميع المستويات، على مستوى الدولة العميقة، على مستوى الإدارة البيرقراطية، على مستوى الأمن، هذه الظروف تغافل عليها الجميع.. ». (فتح الله أرسلان).

إنها قشة التبن التي يتمسك بها الإسلاميون لتبرير سقوطهم المدوي.. إذا كان المقصود بالدولة العميقة بيروقراطية الدولة والجيش والشرطة، أي جهاز الدولة البرجوازي كما هو متعارف عليه في الأدبيات الماركسية، فإن الذي رفض تفكيكها وساهم في إعادة بناء شرعيتها هم الإخوان المسلمين أنفسهم.

بل منح الإخوان أنفسهم « شرف » الدفاع عن جهاز الدولة في وجه الدعوات المنادية لهدمها، حيث أقام عضو بجماعة الإخوان المسلمين دعوى قضائية ضد ثلاثة من الاشتراكيين ومناضل أناركي عضو الحركة الاشتراكية التحررية في مصر بمبرر دعوتهم إلى هدم « الدولة »، وقد أحال النائب العام الدعوى إلى أمن الدولة، وهو جهاز استثنائي في النظام القانوني، يعمل فقط في حالة الطوارئ.

حين كان حزب الحرية والعدالة يهيمن على مجلس الشورى المصري، على مدار شهور ناقش مجلس الشورى قانون للتظاهر يعطي الشرطة سلطة واسعة في استخدام أساليب عنيفة في تفريق المظاهرات. ولما كان الثوار يناضلون ضد العسكر وقف الإخوان دائما مع المجلس العسكري وضد الثوار والعمال المضربين والسكان الذين يقطعون الطرق طلبا لتزويدهم بالخدمات الاجتماعية. وهذه بعض من تصريحات الإخوان الممالئة للعسكر أحد ركائز الدولة العميقة:

« نحن نرفض هتاف يسقط حكم العسكر »، عصام العريان.

« الجيش هو العمود الأخير في الخيمة » صفوت حجازي.

وفي مليونية « الشريعة » هتف الإخوان والسلفيين؛ « يا مشير يا مشير من النهارده أنت الأمير .. ألف تحية للمشير من ميدان التحرير ». وأثناء مجزرة محمد محمود نوفمبر 2012، صرح الكتاتني مبرئا وزارة الداخلية (الركيزة الأساسية الأخرى للدولة العميقة): « أبلغنى وزير الداخلية وأنه لا يوجد خرطوش ».

« هناك من يحاولون الوقيعة بين الجيش و الشعب » قيادات الإخوان رداً على تظاهرات لرفض حكم العسكر.

لقد صعد الإخوان إلى السلطة لحكم الدولة البرجوازية كما هي دون تغيير جوهري في بنيتها، وكان من الطبيعي أن يكونوا جزءا من جهاز القمع الضخم هذا، وإن أولى مهمات الحكومة البرجوازية عندما تنتصر أي ثورة هي إعادة بناء هيبة الدولة ونزع سلاح الثوار المنتصرين، وهو ما حاول الإخوان القيام به ففشلوا.. وهكذا على نفسها جنت براقش.

المفروض عمله

قلنا إن أنصار النظام القديم لن يقفوا مكتوفي الأيدي في وجه الثورة المنتصرة.. ويجب على أي حكومة ثورية العمل على نزع وسائل نضالهم من أيديهم وعزلهم عن سلطة الدولة والمال، وهو ما لم يقم به الإخوان المسلمين، ولن ينجح أسلوب محاربتهم بشكل تدريجي كما اقترح مقال نشر بموقع الجماعة؛ « لمحاربتهم لا بد من تدرج منطقي وعقلاني تقتضيه ظروف الزمان والمكان لكل تغيير ». (« مصر الثورة إلى أين؟ »، بقلم طارق السايحي، 15 أبريل 2013، موقع الجماعة نت).

إن النضال ضد أنصار النظام السابق يستوجب الاعتماد على المبادرة الذاتية للجماهير ونضالهم من أسفل قصد شل أي عمل مقاومة قد يقومون بها، لكن مرسي والإخوان قاموا بالعكس؛ حيث اتخذوا موقفا عدائيا ضد العمال في نضالهم المستمر ضد أصحاب العمل، وبدعم من المجلس العسكري. وأدانت دائما مسيرات العمال واعتصاماتهم، ووصفت العمال المناضلين من أجل حقوقهم بالثورة المضادة و بالمُحَرَّضِين من قبل عملاء نظام مبارك.

نيران صديقة

إشكال الإخوان أنهم لم يتم انتقادهم من طرف « العلمانيين » و »الليبراليين » فقط، بل أحد حلفائهم الرئيسيين ممثلا في حزب النور السلفي، الذي انفض عنهم وانسل من تبعات حكم الإخوان في وقت مبكر. بتاريخ 07 مايو 2013 أجمل المتحدث الرسمي باسم حزب النور نادر بكار انتقادات حزبه لحكم الإخوان فيما لي، مفتتحا انتقاداته بهذه الملاحظة؛ « لن ندفع فاتورة فشل الإخوان »:

– الإخوان لا خبرة لهم بإدارة البلاد.. وسياسة « الإرشاد » وضعت المصريين في كفة والإسلاميين في أخرى

– الوظائف للإخوان فقط.. ومازلنا ننتظر رد « مؤسسة الرئاسة » على ملف الأخونة

– الجماعة تتصارع مع كل مؤسسات الدولة ولم تحاول إصلاح الاقتصاد والأمن

– نختلف مع الإخوان بقدر اختلافنا مع التيارات الأخرى

– حكومة « قنديل » فشلت بالثلث وعلى مرسي تغييرها كلها لا تعديلها وتحدث الحزب عن ملف قدمه للرئاسة يتضمن شكاوى المواطنين أنفسهم في 13 محافظة يكشف عن تمكين أكثر من 13 ألفًا إخوانيًّا في مؤسسات الدولة، إلى ماذا وصلتم في هذا الملف.

وهي انتقادات لم تستطع المقالات المنشورة في موقع الجماعة إغفالها؛ « لم تكن المعارضة السياسية هي التي ملأت ميدان التحرير ولا الفلول وإن حشدوا، كانوا حاضرين، لكن الحاضر بقوة هو المواطن البسيط الذي لم يرى شيئا تحقق منذ ثورة 25 يناير، هذا البسيط المسكين الذي أرهقته المشاكل اليومية والأزمات المتتالية يطمح إلى زوالها.. ». (مقال « ماذا خسرت مصر برحيل مرسي؟ »، بقلم عبد اللطيف بحار، 9 يوليوز2013، موقع الجماعة نت).

تحديات المرحلة الانتقالية

« يعتبر الدفع برجال القوة الصاعدة (الإخوان المسلمون في حالة مصر) إلى معمعان الحكم وهم غير متمرسين بقواعد الحكم وحبائل التسيير والإدارة لطول غيابهم عنها مغامرة غير مأمونة العاقبة. لاسيما والأوضاع كارثية، والفقر محيط، والشعب مخدر، والإعلام موجّه مسعّر يتحيّن أدنى هفوة ». (انقلاب العسكر في مصر: دروس وعبربقلم: محسن اليزيدي، 11 يوليوز 2013، موقع الجماعة نت).

وهو ما دأب الماركسيون الثوريون التأكيد عليه منذ عقود، إن الإسلام السياسي لا يملك بديلا عما هو قائم اقتصاديا واجتماعيا، « في مصر… إن آفاق استيلاء الحركة السلفية على السلطة بشكل مستقل هي آفاق ضيقة جدا، لا سيما وأن نفوذها النسبي أقل أهمية بشكل واضح عما في سوريا… إن حجم مشكلات مصر الاقتصادية بذاته يقلص من مصداقية طموح الحركة السلفية إلى السلطة. إن البورجوازية المصرية تعي ذلك تماما، وهي تظهر كثيرا من التسامح تجاه الحركة السلفية. فهذه تشكل في نظرها طابورا خامسا مثاليا في قلب الجماهير « جسما مضادا » ذات فعالية خاصة ضد اليسار ». (11 أطروحة حول الانبعاث الراهن للسلفية الإسلامية، صلاح جابر، أول فبراير 1981).

وهو ما تأكد بعد صعود الإخوان إلى السلطة؛ « إن الفقر البرنامجي الشديد الذي يكشف عنه الشعار الرئيسي للإخوان المسلمين المصريين- « الإسلام هو الحل »- إنما يؤكده مشروع النهضة، وعنوانه الفرعي « نهضة مصرية بمرجعية إسلامية ».. الجانب الاجتماعي- الاقتصادي من هذا « البرنامج » الذي تؤكد مقدمته أنه نتاج لخمسة عشر عاما من الجهد، يتكون من مجموعة من الشعارات الجوفاء المصحوبة بآيات قرآنية ».(جلبير الأشقر، الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية، دار الساقي، ص 292).

إن هذا الفقر البرنامجي هو الذي جعل الإخوان المسلمين غير قادرين على التخلي عن ركائز الدولة العميقة (بيروقراطية الدولة، رجال الأعمال الموالون لمبارك)، فتسيير دولة لديها مشاكل بحجم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لمصر ليس « كتدبير جمعية خيرية » على حد تعبير الناطق الرسمي لحزب النور.

هذا ما جعل الإخوان يتحدثون عن التوافق والتشارك طيلة « المرحلة الانتقالية »، وهو تشارك مع أعداء الشعب وتوافق مع من قمع الجماهير دوما.

إن جميع الثورات المنتصرة في التاريخ تحمل إلى السلطة أناسا لا تجربة لهم في تسيير دواليب الدولة والاقتصاد، التي كانت حكرا على الملاك السياسي للبرجوازية، لكن الاعتماد على المبادرة الذاتية للجماهير وحفزها بديمقراطية صاعدة من أسفل تصحح أخطاءهم وتقوم اعوجاجاتهم.

إن الجماهير غنية بالكفاءات والطاقات التي تستطيع تسيير اقتصاد يقرر فيه الكادحون المنتجون حاجياتهم بديمقراطية وبشكل تشاركي، لكن الإخوان يعتبرون التوافق والتشارك والتدرج أفكارا غير مقبولة في حالة واحدة فقط، وهي الصراع ضد الجماهير.

العدل والإحسان والمرحلة الانتقالية

ينتقد العدليون إخوانهم المسلمون لأنهم لم يتقنوا جيدا السير بالمرحلة الانتقالية حتى نهايتها المنطقية، ويقدمون نصائح لمن سيجد مستقبلا نفسه في نفس موضع الإخوان. تحدث فتح الله أرسلان في الحوار المدرج على الموقع عن أن « مقتضيات المرحلة هي التوافق؛ على الجميع أن يبذل مجهودا لكي يقترب من الطرف الآخر ».

ويضيف مقال آخر منشور على موقع الجماعة؛ « في الأخير نؤكد على ضرورة التوافق بين جميع مكونات الشعب على تدبير المرحلة والابتعاد عن جميع أشكال التدبير الأحادي، لأنه يستحيل على طرف بعينه أن يصلح ما فسد خلال عقود مع وجود عقبات وعراقيل من قبل المعارضة التي أضحى همها الوحيد بيان العثرات لا البحث عن حلول ». (الديمقراطيون الجدد بمصر، بقلم مبارك الحسناوي، 9 يوليوز/تموز 2013، موقع الجماعة نت).

لكن ألا يرى العدليون هنا أن ما يقدمونه ليس إلا شعارات عامة وهي نفس ما أقدم عليه الإخوان المسلمون في مصر؛ التوافق لكن مع رجال أعمال مبارك، التشارك لكن مع العسكر، التنازلات لكن لصالح ما سموه في آخر المطاف « الدولة العميقة ». ويظهر جيدا فراغ نصائح العدل والإحسان لإخوانهم بمصر من عجز فتح الله أرسلان عن الإجابة على سؤال محاوره؛ « هل من آليات عملية لتدبير هذه المرحلة » فكان الجواب شعارات عامة: السلمية، التشاركية، القيادة الجماعية..

وعن مقترحات العدل والإحسان لمرحلة ما بعد مرسي لا يخرج الأمر أبدا عن الشعارات العامة، فبعد تأكيد فتح الله أرسلان أن « الانقلاب لم يحل المشكل.. بل حاول أن ينتصر لطرف دون طرف »، تحدث عن أن « التوجه العام والكتلة العامة للشعب يجب أن تتزن وتتحلى بالحكمة وتحاول ما أمكن أن تجمع لا أن تفرق.. صوت الحكمة الآن هو الذي يجب أن يرفع يجب أن تغلب مصلحة البلاد العليا على كل المصالح الجزئية والمصالح الذاتية والمصالح الشخصية ».

التركيز عن تغليب « مصلحة البلاد العليا على كل المصالح الجزئية والمصالح الذاتية والمصالح الشخصية »، هي التي جعلت الإخوان المسلمين يقفون ضد الاحتجاجات العمالية ناعتين إياها بالاحتجاجات الفئوية. لا حديث هنا عن الاستجابة لمطالب الجماهير في القصاص من قتلة الثوار، ولا حديث عن الاستجابة لمطالب العمال الاقتصادية (الترسيم ورفع الحد الأدنى للأجور..)، لا حديث عن تحسين المستوى المعيشي لقاطني العشوائيات، ولا حديث عن قطع سلاسل التبعية للإمبريالية التي تفانى في ربطها الإخوان والدعوة إلى الامتناع عن سداد الديون الخارجية في أفق إلغائها ومحاسبة من ورطوا مصر في أحابيلها… فليحيا التوافق ولو على حساب مصالح الجماهير.

هل يعود الإخوان إلى السلطة؟

هذا ما يتمناه كل الإسلاميين في المنطقة، لأن من شأن هزيمة الإخوان في مهد الإسلاميين أن يجرف معه كل حركات الإسلام السياسي بالمنطقة. لا استحالة في السياسة، فقد سبق وعادت ملكية « آل بوربون » الفرنسية إلى الحكم لكن الثمن كان هزيمة الثورة ومعها جيوش بونبارت وانحسار الثورة في كل أوروبا وانتصار الرجعية الروسية وسحقها لانتفاضة الشعوب.. الخ

إن عودة الإخوان إلى السلطة بمصر ستكون بتكلفة سياسية وبشرية مكلفة جدا وستكون قاعدتهم السياسية أكثر ضيقا مما كانت عليه من قبل وهذا ما سيفرض عليهم الحكم بأساليب ديكتاتورية أكثر شدة وقسوة.. وهذا سيكون ضد كل نصائح التي قدمها الدكتور أرسلان بتغليب صوت الحكمة والتوافق والسلمية، لأن منطق الصراع الطبقي (الاجتماعي والسياسي) لا يراع نصائح الحالمين. وآنذاك سيكون لكل مقام مقال.

قدرية أم جبرية؟

بين القدر ومؤامرات الخصوم (الفلول والثوار) الذين هيئوا « للانقلاب كان منذ اليوم الأول الذي انتخب فيه مرسي.. بتأزيم الوضع ووضع العراقيل »، تاهت تحاليل العدليين في تفسير ما وقع.

« إذا نظرنا من زاوية أخرى لا نرى فيما يحدث إلا تمحيصا للأمة، فكل ما يجريه الله تعالى في الكون يدفع الأمة لإعادة صياغة نفسها من جديد، يدفعها لتصحيح أخطائها حتى تكون بالفعل خير أمة أخرجت للناس، آنذاك تكون مستحقة لتنزل نصر الله الموعود. (« من يصل إلى الحكم على ظهور الدبابات لا يستحق أن يحكم شعبا » أمان جرعود، 11 يوليوز 2013، موقع الجماعة نت).

« شاء الله سبحانه وتعالى أن يقف قطار الثورة المصرية على الاستبداد والتخلف والبؤس في هذه « المحطة » من تاريخ مصر العزيزة ». (« انقلاب العسكر في مصر: دروس وعبر »، بقلم: محسن اليزيدي، 11 يوليوز 2013، موقع الجماعة نت).

أزنزار

Source

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

2 commentaires pour العدل والإحسان والثورة المصرية الثالثة: قل لي عمن تدافع.. أقول لك من أنت؟

  1. Anonyme dit :

    الله المستعان مع مناضل يساري لا مبدئي مطلقا
    هل هناك مشكل في الاشارة لمصدر المقال؟؟؟
    فقط هدا دليل غضافي على طفولية من يقوم على هده المدونة لا غير
    بالتوفيق

    • badiltawri dit :

      Cher lecteur,
      La source est mentionnée à la fin de l’article, en cliquant sur le mot source on arrive à la page d’Almounadila.
      Nous mentionnons toujours nos sources.
      Cordialement.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s