الشرعية الثورية

عذري مازغ

2013 / 7 / 10

أمس حملتنا مصر على الرقص المرح على إيقاع الجماهير المليونية، والحقيقة كان العرس النضالي مدرسة قيمة في حد ذاتها، مدرسة من النقد والنقد المضاد لمفهوم الشرعية، من جهة حدد مفهوم صنمي للديموقراطية تجلى في مفهوم الشرعية الإنتخابية، ومفهوم آخر حاول الفكر اللبرالي تحنيطه أكثر حتى لا يظهر على حقيقته المعلومة حدده خبراء التحنيط العربي في مفهوم « الشرعية الواقعية » وهي في الحقيقة شرعية لبوسية حمالة لعدة أوجه تبريرية ، وغاب في وسائل الإعلام الصنمية أيضا مفهوم « الشرعية الثورية »بتبريرات شتى اولها ماتناولته أو تتبناه وسائل الإعلام الوهابية استنادا إلى الحس السقيم في تقييم التظاهر في مصر بوجود مليونيتين متناقضتين: المؤيدون والمعراضون. لأول مرة في التاريخ نشاهد شيئا مدهشا للتعبئة الجماهيرية، في ثورة 25 يناير كان أزلام نظام حسني مبارك يستندون إلى نظرية الشعب الصامت المحب للرئيس، والتي بموجبها كان الرئيس يتمسك بعرشه، بينما ثورة الثلاثين يونيو عرفت قفزة استداركية لتعبئة الشعب الصامت بخروج ازلام النظام الخوانجي ندا لشعب المعراضة، لأول مرة وفي أول إبداع تستدرك جماعة الإخوان ضرورة تبني موقف اكثر فعالية من موقف الشعب الصامت، أن يكون الشارع المصري مثيرا للقلاقل، ومن ثمة تبني الخطاب الإيديولوجي حول صنمية الديموقراطية من حيث هي الركن الثابت للشرعية والتي تختزل الموقف بشكل عام في ديموقراطية التداول التي تأسست في حراك 25 يناير، هذا الموقف الصنمي الذي يرنو إلى الحد من ديناميكية الحراك السياسي الذي أخذ مشروعيته هو الآخر انطلاقا من صنع الحدث : إسقاط حسني مبارك، إسقاط مرسي، لكن هذه الدينميكية لم تكن في الحقيقة تروم فقط إلى إسقاط الرئيس، بل كانت تروم إلى تغيير حقيقي في الآلية السياسية لأجل تحقيق المطالب الإجتماعية، وكان غياب برنامج سياسي يؤطر حركة شباب 25 يناير بالإضافة إلى غياب وبلورة قيادة لها تكون معنية بالتفاوض (اعرف جيدا أن حركات الشباب بشكل عام تنبذ هذا العرف من حيث أنها تتبنى آلية مختلفة في صنع القرار ك »ديموقراطية الحلقات” واعتماد تمثيل لجن ليست لها الصيغة التقريرية عوض قيادة)، غياب وجود ممثلين لها الذي هو من وجهة نظر خاصة يعتبر ضروري، وفي غياب برنامج سياسي مع وجود قوى سياسية مهيكلة ومنظمة أدى إلى تهميش مطالب الشعب المنتفظ وبالتالي إلى محاولات خطف الثورة عبر ديموقراطية التداول، دعونا نتحلى بالموضوعية، حتى في ظروف مخالفة، بافتراضنا نجاح حزب آخر غير حزب الإسلاميين، وحصل نفس الفشل في الأداء السياسي وحصلت انتفاضة التصحيح كانتفاضة 30 يونيو، فإننا نتوقع نفس الخطاب المتباكي حول الشرعية التداولية: المسألة إذن ليست خاصية إخوانية
يجب الإقرار بوجود الشرعية الثورية التي على ما يبدو ستغطي مرحلة كاملة من الإحتقان السياسي، (ربما دعوة الرئيس الجديد للشباب بالبقاء يقظا هي تنحو هذا المنحى، لكن يبدو أيضا أنها دعوة منتفخة بنخوة الحدث) ويجب دائما استحضار هذا الهاجس الإحتقاني مادامت الحكومات التي ستأتي لم تحقق أهداف الثورة، هذه الشرعية ستبقى حية مادامت التجربة والتجارب القادمة لا تحقق الإنعطاف التاريخي الذي يريده الشعب المصري: التحكم في موارده الإقتصادية وتسخيرها لصالحه، بناء دستور المواطنة الحقة، دستور يؤسس للإنتماء للوطن وليس للعشيرة أو للجماعة الإثنية أو الدين أو ما إلى ذلك من آليات التنوع مع ضمان وجود هذا التنوع، ضمان العيش الكريم لأبناء الوطن، المساوات بين الجنسين….


هذا الإنعطاف التاريخي الذي يرنو الشعب المصري إلى تحقيقه هو ما يؤسس للشرعية الثورية، وليس الشرعية الدستورية التي هي عمليا يجب أن تكون في خدمة هذا الإنعطاف، أي أن الشرعية الثورية التي تأسست في 25 يناير، لا زال يجب أن تكون هي السائدة ما دام لم تؤسس آلية تحقيق التغيير وتحرير مصر، هذا بالطبع ما يجب التنبيه إليه، فخطاب الشرعية الذي سوقته لنا وسائل الإعلام المشرقية من جهة، والمواقف الغربية المتحفظة بشكل عام (يبقى موقف ترحيب بعض منها هو تحصيل حاصل) وما صاحب ذلك من جدل صاخب حول الشرعية الدستورية، ش.الإنتخابية، الأغلبية التصويتية، أو مايحاول (بضم الياء وفتح الحاء) به إعطاء المصداقية المطلقة لعملية التداول، إن هذا الزخم من الجدل الإيديولوجي، هو ضرورة ملحة للطرف النقيض من المعادلة، الطرف النقيض للثورة والذي في ثورة الثلاثين شارك بقوة ضد نظام الإخوان، لكنه يبقى دائما هو المؤطر الحقيقي للثورة باعتبارها عملية تمهيد خارقة: يجب في البداية أن نتكلم عن ثورة حقيقية استنادا إلى جموع ساحة التحرير، يجب الحديث أيضا عن شيء كان يمارس في حق الدولة المصرية: أخونة الدولة وهو انزياح عن مسار » الثورة »، أسبقية تأسيس الدستور قبل الإنتخاب، والحقيقة أنها أمور لا جديد فيها، لأنها فقط تحدد مسارا للملهات عبر إيديولوجية الحفظ عن ظهر قلب لما تحقق في أوربا الديموقراطية التداولية، تروم إلى تحقيقها مع مراعات انها ستكون مرصعة بالتحنيطات المحلية: الخصوصية المصرية. في هذا الإطار يبدو حقيقة أن المغيب هو ماذا عن شباب التحرير؟ قبل الحديث عن مسار للثورة يجب أن نقف على امر هام أيضا: ماهو مسار الثورة بالتحديد؟ ونعرف أنه اختزل سابقا في تنحية الرئيس حسني، وآنيا في عزل الرئيس الآخر مرسي. وهو يختزل في المطالب الشعبية الملقاة في شعارات الثورة، وهي من منظور المسار الذي يتأسس إيديولوجيا (من منظور الإيديولوجيا السائدة): مطالب لم تتحقق بسبب من غياب الديموقراطية، أي تختزل عمليا فيما يوحي بأنه انعدام وجود الشخص أو الحزب المناسب لتحقيقها،ونظرا لغياب برنامج واضح للثورة وقيادة شبابية (قيادة ثورية)مهمتها تحقيق هذا المسار، في غياب كل ذلك، يبدو الأفق المرسوم وكأن الإشكالية كانت في انعدام وجود منفذين حقيقيين ومتمرسين، ولن نجد سوى بعض الشخصيات الملهمة بثقافة التمدن ممن تمرسوا في الهجرة على تقنيات الدسترة المدنية ومسرحية التداول الإنتخابي، وممن أيضا تشبع بثقافة الإستثمار المبهج، شخصية لها هذه الوجاهة الوسيمة في جلب الإستثمارات لمصر كالبرادعي وغيره، وهذا في نظري هو الشق المبهج لسياسة تدبير الملهات التي تتميز بها ديموقراطية التداول، لكن المشكلة في الأمر وهذا هو المغيب على الجماهير المنتفضة، في غياب برنامج واضح كما أسلفنا، هو أن هذه الديموقراطية التداولية الملهمة ليست في آخر المطاف سوى ديموقراطية الأغنياء والأقوياء تجد آلية تحققها من خلال ما يكسبه الأقوياء من الضعفاء. والشق الثاني لهذه الديموقراطية هو في إعادة إنتاج الواقعية السياسية التي تتميز بها المرحلة البراغماتية الأمريكية: سياسة التعامل مع الإكراهات الدولية والمحلية باعتبار أن للإستثمار شروطا معينة (هي نفسها شروط الأقوياء)، بمعنى أن مسار الثورة، من خلال تحقق الآلية الإنتخابية التداولية، الشرعية الأخرى (المدنية) ليس سوى هذا الحنين النستلجي لتحقيق ديموقراطية ألهمتنا طيلة قرن من الزمن بسبب عجزنا عن تحقيقها، بسبب من أننا تحت تأثير وقع الديموقراطية نفسها المحققة في بلدان المركز القوية، بينما المسار الحقيقي للثورة، من خلال مطالب الشعب التي لها الطابع النفعي (مطالب الفقراء): شغل ،سكن، صحة، تربية…. تفترض مسارا مغايرا قلنا أعلاه أنه تحرير ثروات مصر البشرية والطبيعية واستثمارها لصالح الشعب المصري أي بالتحديد: مسار الثورة هو مسار القطع مع العلاقة التي بموجبها تذهب خيرات مصر لتصنع تلك الديموقراطية الملهمة لنرجسيتنا، والتي تتحقق لدى الآخرين.
تبقى الشرعية الثورية قائمة في انتظار نضج شروطها الموضوعية، التي تؤهلها للتحول الحقيقي: تحديد مسار الثورة بوضوح برنامج سياسي واضح يتجاوز أفق إسقاط الرئيس إلى قيادة مرحلة للتغيير.

Source

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s