تركيا: بين نيوليبرالية إسلامية والكمالية القومية

نشر في‫:‬الأثنين, تموز 22, 2013 – 16:50
@Occupy Gezi
الكاتب/ة: روني مارغوليز
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو
المصدر‫:‬ International Socialism journal

في وقت كان الآلاف من الأتراك يحتلون ساحة تقسيم، الذين يتشكلون بأغلبيتهم من الفئة الشابة، كانت البلاد والحكومة والعالم كذلك، بالإضافة إلى المحتجين أنفسهم، يراقبون ما يحصل باندهاش.

وعند كتابة هذه الأسطر، أي في اليوم الحادي عشر لبدء احتلال حديقة جيزي، المتاخمة للساحة، الأصغر من بقية الساحات والميادين، ولكن الكبيرة، تبدو فيه الحديقة مساحة مفتوحة لمهرجان شبابي، مع خيامهم، وأكشاكهم، والمنصة الصغيرة لإلقاء الخطابات، والمستوصف، والمطبخ وحتى المكتبة. وزينت المنطقة باللافتات المصنوعة يدويا، والأعلام، والشعارات السياسية المتعددة الاتجاهات، بالإضافة إلى الشعارات الساخرة في كل مساحة من هذه الحديقة.

يمكن تلمس الجو التضامني والرفاقي، حيث انخرط الجميع في تنظيف الحديقة وإعداد وتوزيع الوجبات الغذائية التي يجلبها المواطنون كل يوم. التبادل يتم دون استعمال النقود، فكل شيء مجاني. ولم تسجل أي حادثة غير سارة من أي نوع كانت.

ومنذ ما يقارب الستة أشهر قبل انفجار الغضب الجماهيري والذي أدى إلى احتلال الميدان، كانت الساحة والحديقة مسرحا لورشة عمل تقوم بها الحكومة لإعادة « تنظيم » كل المنطقة. الخطة كانت تجري قدما دون مشورة الشعب وتلقى في الوقت عينه دعما قويا من رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، بحيث يعاد بناء السور العثماني المهدوم منذ الأربعينيات، وبناء مجمع تجاري و/أو فندق/مساكن في محيط الحديقة. ولم تتوقف المحاولات لبناء مقاومة لهذه الخطة منذ أن أعلن عنها.

ثم، فجأة، شنت الشرطة هجوما بربريا على عشرات من المعتصمين في الحديقة لحماية الأشجار التي المهددة بالقطع. وعندما انتشر خبر الاعتداء، تحول المتظاهرون من الدفاع عن الأشجار إلى حركة جماهيرية ضد عنف الشرطة. وسارع المئات من ثم الآلاف للانضمام إلى المعتصمين في الحديقة للمقاومة بوجه عنف الشرطة. فانتشرت المظاهرات في كل أنحاء اسطنبول وتنامت. وهاجمت الشرطة كل المظاهرات الكبيرة منها والصغيرة، حيث شجب المتظاهرون استهدافهم المستمر بواسطة غاز الفلفل.

سرعان ما اندلعت مظاهرات عفوية في كل مكان وتجمع الناس في شوارعهم، يطرقون على الأواني المنزلية والمقالي، يصفرون ويطالبون باستقالة رئيس الحكومة. وتدخل السكان المحليون وأصحاب المحال التجارية لمساعدة المعتدى عليهم عبر تأمين الطعام والمأوى لهم بالإضافة إلى عصير الليمون لوقايتهم من غاز الفلفل. وانتشرت المظاهرات في مدن أخرى، حيث خرج الآلاف إلى الشوارع تضامنا مع الذين يقاومون في ساحة تقسيم ويخوضون مواجهات ضارية مع الشرطة. ويعتقد أن المظاهرات خرجت في أكثر من ٧٧ مدينة، حيث شارك فيها أكثر من مليون شخص، وقتل أربعة أشخاص، من ضمنهم شرطي وقع في حفرة.

وتزايد حجم ونطاق الاحتجاجات، ليلة بعد ليلة، ورفضت الحشود التراجع في مواجهة السيارات المدرعة والتعرض لهم بغاز الفلفل وخراطيم المياه التي استعملتها الحكومة التي تفاجأت بردة الفعل الشعبية. بعد ثلاثة أيام، سحبت الشرطة من الساحة والحديقة. فأعلنها المحتجون ساحة محررة من الشرطة، حيث انسحبت السلطة منها لأسبوعين. كل هذا لا يمكن إلا أن يسمى بـ »قوة الشعب »، حيث استقر فيها كل ليلة ألفين إلى ثلاثة آلاف معتصم وينضم إليهم عشرات الآلاف بعد انتهائهم من دوام العمل.

وتشكلت في الحديقة لجنة تنسيق طرحت أربعة مطالب أساسية: على الحكومة التراجع عن قرارها القاضي ببناء مركز تجاري (حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن ٧٥ بالمئة من سكان اسطنبول و٦٤ بالمئة من مجمل الأتراك يعارضون خطط إعادة « تنظيم » الحديقة)، وإقالة محافظ وقائد شرطة اسطنبول، وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وأن تبقى الساحة مكانا يستطيع الناس التظاهر فيه، وحظر استخدام غاز الفلفل.

وفي وقت تكلم فيه رئيس الحكومة كمقاتل حقيقي، حيث اتهم الجميع بأنهم « عملاء لقوى أجنبية » و »مجموعات سياسية هامشية » بالإضافة إلى اتهام غامض « يخدمون مصالح اللوبي العقاري »، فأظهرت الحكومة بذلك اتباكها. وأرسلت الشرطة لطرد المعتصمين من الحديقة صبيحة أحد الأيام، مسببة المزيد من المواجهات، وفي وقت التقى أردوغان ممثلين عن الاعتصام وأعلن عن تنظيم استفتاء لتقرير مصير الحديقة. يبقى أن نرى إذا كان ذلك سيرضي المحتجين، ولكن من غير المحتمل أن يوافقوا على ذلك.

استعمال القوة، وتزايد رقعة التمرد، في بلد تديره حكومة فازت في الانتخابات النيابية لثلاث مرات متتالية وبحسب ما أظهرته استطلاعات الرأي لا تزال هذه الحكومة تتمتع بدعم نحو ٥٠ في المئة من السكان، وهذا الأمر يحتاج إلى بعض التفسير.

تشققات في « أمة لا تتجزأ »
من الواضح، أن معركة المتظاهرين مع الشرطة بمواجهة غاز الفلفل الذي يحرق العيون والرئتين ويضر كثيرا، لم تكن فقط من أجل الدفاع عن بعض الأشجار أو حتى فقط ضد إقامة مركز تجاري. فالتجمع المدافع عن ساحة تقسيم، بدأ بتنظيم حملة معارضة للمشروع ووزعت منشوراتها في محطات المترو في الساحة نفسها لأشهر مضت، ولم يكترث أحد لها. ولكن محاولة قطع الأشجار، والمركز التجاري، والأهم من كل شيء، عنف الشرطة كانوا مجرد شرارة أشعلت برميل البارود الموجود من قبل.

انتشر على نطاق واسع، وبهدوء شعور من الاستياء تمدد بين الناس ليس فقط ضد خطط الحكومة الرامية إلى « تنظيم » ساحة تقسيم، التي فرضت من فوق، وبطريقة خرقاء دون استشارة السكان وأصحاب المحال التجارية، ولكن جاء أيضا عقب سياسة متعمدة « للتحويل المدني » الذي هجّر السكان وهدم العديد من الأحياء إفساحا في المجال أمام بناء المراكز التجارية الفخمة، ضمن خطة تمليها سياسة الحكومة النيوليرالية، حيث نشرت دون رادع العديد من مراكز التسوق، وقمعت الشرطة مرارا احتجاجات سلمية، كما حظرت على المتظاهرين استعمال ساحة تقسيم لإحياء عيد العمال العالمي لهذه السنة.

إلى هذه اللائحة يمكن إضافة سلسلة من القرارات الحكومية المزعجة، على سبيل المثال، إقرار تشريعات تحظر بيع الكحول بعد العاشرة مساء (مزعجة بدلا من رهيبة، نظرا لأن هذه القرارات تماشت مع سياق لقرارات اتخذت في عدد الدول الأوروبية، وخلال الصيف الماضي أعلن أردوغان عن سعيه إلى تعديل قانون الإجهاض الليبرالي بحيث يرغب بجعله أكثر تقييدا، فضلا عن نصائحه المتكررة لفضائل الأسرة الكبيرة.

ويمكن تصنيف المظالم الواردة أعلاه إلى قسمين، القسم الأول، ترافق وحشية النيوليبرالية مع قمع الشرطة، وهذا الأمر يمكن لأي شخص تلمسه في أي مكان في أوروبا، خاصة في القسم الجنوبي من القارة. والقسم الثاني، القرارات المتعلقة بالكحول والإجهاض والأسرة، التي تبدو للوهلة الأولى قرارات ذات صبغة إسلامية. القسمان المشار إليهما يشيران إلى تشققات في الحركة، وبشكل عام، في المجتمع التركي ككل.

في وقت بدت فيه الحديقة مسرحا لمهرجان في الهواء الطلق، هناك عنصر يمكن لمراقب غربي أن يتبين منه غرابته: انتشار أعلام تركيا، وصور كمال أتاتورك الميت منذ ٨٠ عاما، ووضع عصابات على رؤوس بعض المعتصمين كتب عليها « نحن جنودك يا أتاتورك »، في كل الأحوال، انتشر في الساحة عينها شعار آخر « لن نموت، لن نقتل، لن نكون جنود أحد ».

قام بعضهم بكتابة شعارات من كلمات أتاتورك « كم هو سعيد الذي يقول أنا تركي »، على لافتات، في حين سمى البعض الآخر ممرا داخل الحديقة باسم « شارع هرانت دينك »، الصحافي الأرمني الذي اغتيل منذ سنوات قليلة. وقد حصلت بعض الحوادث، وكان بإمكانها أن تفجر الاعتصام ولكن الجو العام كان حسن النية، خاصة حين اشتكى حملة العلم التركي من انتشار صورة عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في السجون التركية، والتي رفعتها المجموعات الكردية في الحديقة.

بعيدا عن الحديقة، كان رفع العلم التركي وصور أتاتورك أكثر وضوحا في المظاهرات التي خرجت من أحياء الطبقة الوسطى من اسطنبول وأنقرة وإزمير. هذه الرموز تمثل بوضوح القومية التركية، ويعني أكثر من السنوات التي مرت. فهي ترمز إلى مقاومة رمزية للمناطق المدنية، ذات التوجه الغربي، والمتعلمة، والعلمانية، والمنتمية إلى الطبقة الوسطى لما يعتبرونه تهديدا اسلاميا، جسده أردوغان وحكومته منذ عام ٢٠٠٢.

واعتادوا لوقت طويل الاعتقاد أنهم سادة البلاد، وشعر هذا القسم من السكان بأن أسلوب حياتهم الأوروبي بات مهددا، وأنهم سيجرون إلى الخلف من « الحداثة المستنيرة » إلى « ظلامية العصور الإسلامية »، بحيث سيجبرون على العيش في بلد خال من الكحول، وعلى ارتداء الحجاب، وإجبار الأولاد على دخول المدارس الدينية. ويرون في السعودية وإيران وإفغانستان تحت حكم طالبان نموذجا تجرهم حكومة أردوغان إليه، في حين أن الأخيرة تفسر إجراءاتها بأنها تصب في خانة التقية، وهي ممارسة إسلامية ترى فيها الحكومة وسيلة لتحقيق الصالح العام.

ليس الأمر مجرد أسلوب حياة. وقد سمى أحد المعلقين الأمر بأنه « ذعر الحداثيين »، ومن خلال تكرار عبارات طبقية تعبر عن كراهية للطبقات الفقيرة التي تعيش في مدن الصفيح التي تشكل القاعدة الشعبية لأردوغان. وقد جرى التعبير عن ذلك بصراحة، حين صرحت عارضة أزياء علنا: « كيف يمكن لراعي أغنام أن يتساوى معي في الحق بالتصويت »، كما اشتكى أحد الصحافيين من أن « طريق البحر ينتشر عليها رجال نصف عراة وأجسادهم يملأها الشعر إلى جانبهم زوجاتهم المرتديات الشادور حيث يشوون اللحمة، ويمسدون بطونهم ويتجشأون » في إشارة منه إلى فقراء اسطنبول الذين يتمتعون بنزهتهم إلى شاطئ البحر.

الحجاب لا يثير أي شكوى عندما ترتديه الخادمات وعاملات النظافة أو نساء الأحياء الفقيرة من المدن الكبيرة أو في الأرياف. وهو أمر متوقع، حيث تغطي ٦٠ إلى ٧٠ بالمئة من النساء شعورهن بطريقة أو بأخرى. ولكن الكراهية تظهر أكثر في الأماكن العامة في مناطق الأغنياء الذين يعتبرونها ملكا لهم. فأصبح العلم التركي وصور أتاتورك رمزين للكراهية. وهم يعبرون عن اسلاموفوبيا قائمة على أساس طبقي، مختلفة عن النسخة الغربية العنصرية، ولكن تتشارك معها وجهة النظر القائلة بأن الدين الإسلامي متخلف بطبيعته ومعاد للديمقراطية.

التلويح بالعلم، يعني معارضة الحكومة، ليس لأنها قامت أو لم تقم بأمر ما، ولكن لأنها تعبر عن تقاليد إسلامية. ولا فرق بين العلم الملوح به عقب فوز حزب العدالة والتنمية وعلى رأسه أردوغان حين وصل إلى السلطة مع أغلبية برلمانية مريحة منذ ١١ عاما، ولم يمرر أي تشريع قد يفسر أنه « إسلامي ».

العلم التركي وصورة أتاتورك يمثلان القومية، وهو أمر متوقع. وفي السياق التركي، تعني القومية، بشكل خاص، مقاربة متعجرفة إلى القضية الكردية. لأكثر من ٨٠ عاما تنكرت الدولة التركية لوجود الأكراد كشعب، فمنعت اللغة الكردية، وقمعت بعنف حركات التمرد، ومنذ ظهور حزب العمال الكردستاني كحركة تحرير وطني ناجحة على نحو متزايد، خاضت السلطة صراعا مسلحا ضد مواطنيها الأكراد مسببة مقتل ما يقارب ٥٠ ألف شخص معظمهم من الأكراد. ولسنوات قليلة خلت سعت حكومة أردوغان ببطء نحو حل النزاع. وقد فعلت ذلك بسبب نجاح الحركة الكردية، التي تحولت من اعتمادها على تكتكيك حرب العصابات إلى اعتماد سياسة جماهيرية أثبتت أنه لم يعد من الممكن أن يكون الحل عسكريا.

وكان لعملية السلام نجاحاتها وإخفاقاتها، فالصراع استمر، وفي بعض الأحيان أكثر شراسة من أي وقت مضى، كما أن أردوغان لم يتخلَ عن اللغة التركية القومية بمواجهة الأكراد. على الرغم من ذلك، لا سيما منذ بداية هذه السنة، فإن العملية بدأت بالنضوج. فقد بدأت الحكومة بمفاوضة أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني وقد تم التوصل إلى اتفاق واضح حول مجموعة واسعة من القضايا، ولم يقتل أي متمرد أو جندي منذ آذار الماضي. وقد سحب حزب العمال الكردستاني جنوده إلى قواعده في شمال العراق. في المقابل، يبدو أن مطالب الأكراد الأساسية هي: الاعتراف بهويتهم الوطنية، والمواطنة المتساوية والتعليم بلغتهم الأم، وتعزيز سلطات الحكومات المحلية، وإلغاء التشديد على الهوية التركية من الدستور وهي أمور سيتم الالتزام بها.

لا تشكل هذه المطالب تهديدا لسلامة أو لرفاه الدولة التركية، ما عدا أنها تشكل ضربة للأيديولوجيا الكمالية التركية. وإن احتمال رضاهم عليها، فإنه سيغضب أولياء أمورهم من العسكر وبيروقراطية الدولة الكمالية وكل القوميين. وهم على حق في قلقهم. فالاعتراف بالأكراد هو مساهمة في هدم الأسطورة الكمالية القائلة بأن الأمة التركية هي واحدة لا تتجزأ، وأن هذا البلد « هو للأتراك ». فالدستور الحالي، الذي وضع عقب الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠، يشير إلى ما يلي: « كل مواطن في الجمهورية التركية هو تركي ». في حين أن خمس السكان هم من الأكراد، دون ذكر الأرمن واليهود واليونانيين والعديد من الأقليات العرقية و/أو الدينية الأخرى.

منذ انتخاب حزب العدالة والتنمية، وحتى أكثر من ذلك، منذ أن بدأت الخطوات الرامية إلى حل القضية الكردية، كان المجتمع التركي تحت تأثير استقطاب حاد. لم يكن الاستقطاب بين مؤيد لحزب العدالة والتنمية ومعارض له، ولكنه هو بين مدافع عن الدولة، غير القابلة للتغيير، وبين من يتمنى إصلاح الأمور. هذا الاستقطاب يفسر التشنجات والتشدد الحاصلين في حديقة جيزي وفي الحركة بشكل عام. حملة العلم التركي يرون في المعركة وسيلة لإسقاط الحكومة ويأملون استمرار المعارك لفترة كافية يتدخل بعدها الجيش للقيام بذلك. في حين طالب الآخرين بالحفاظ على الحديقة، ونزع يد الشرطة عنها، وإقالة المحافظ وقائد شرطة المدينة. لم يحملوا الأعلام ولم يسعوا إلى تدخل العسكر. أما الأكراد، من جانبهم، لم يكونوا مع إسقاط الحكومة، ليس حبا بها، ولكن لأنهم يعرفون أن سقوط الحكومة سيؤدي إلى انهيار عملية السلام.

الحكومة بمواجهة الجنرالات
حزب العدالة والتنمية ليس الحزب الإسلامي الوحيد الذي وصل إلى السلطة. فحزب الرفاه برئاسة نجم الدين أربكان استطاع الوصول إلى السلطة عام ١٩٩٦ وأصبح رئيسا للوزراء على رأس حكومة ائتلافية. ولكن الحكومة لم تستمر وقتا طويلا. فبعد مرور سنة على المحاولات السرية لزعزعة الاستقرار، أصدر الجيش بيانا في ٢٨ شباط ١٩٩٧، أرغم الحكومة فيه على الاستقالة. وأعقب ذلك شن حملة عسكرية للقضاء على حزب الرفاه وكل الموظفين الملتزمين دينيا علانية من كل مراكز السلطة.

حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان منشق عن حزب الرفاه. وقال أنه، والعديد من أعضاء حزبه، ونسبة كبيرة من ناخبيه، لا زالوا يحملون ندوب حملة « ٢٨ شباط » عليهم. وعند انتخاب حزب العدالة التنمية عام ٢٠٠٢، بدأ الجيش على الفور بالعمل على زيادة هذه الندوب، ولكن هذه المرة لم يقتصر الأمر على إصدار بيان بسيط.

إنما اعتمدوا بروباغندا هجومية ضد الحكومة، مستعملين وسائل كريهة في سبيل ذلك، لنشر الاعتقاد أن حزب العدالة والتنمية ينوي تحويل تركيا إلى جمهورية إسلامية قمعية.

فاستعملوا مجموعة متنوعة من المنظمات المدنية، أهمها كانت وما زالت جمعية الفكر الأتاتوركي، التي سعت إلى حشد لتعبئة إسلاموفوبية لجزء من الطبقة الوسطى. حيث ينظمون اجتماعات في مقر رؤساء الأركان التي تضمهم إلى جانب عمداء الجامعات والقضاة والصحافيين. كما نظمت المظاهرات « من أجل الجمهورية » خصيصا لحشد وتدعيم الأساس الشعبي لانقلاب عسكري.

ونظم الجنرالات شبكة سرية وواسعة النطاق تضم عسكريين ومدنيين مؤيدين لهم، هذه الشبكة نفذت العديد من عمليات القتل والتفجير. بحيث سعت لإشاعة أن مقتل هرانت دينك والمبشرين البروتستانت جاء على يد « الإسلاميين »، ونشرت جوا عاما من الفوضى يمكن لها استغلاله لإضفاء الشرعية على انقلاب عسكري.

واستعمل الجيش نفوذه مؤخرا بين القضاة للبدء بقضية « قانونية » تهدف إلى حظر حزب العدالة والتنمية، وفي وقت لاحق، عام ٢٠٠٧، لمنع عبد الله غول، العضو في حزب العدالة والتنمية، من أن يصبح رئيسا للبلاد.

ونحن نعلم من خلال الوثائق التي سربها قائد سلاح البحر السابق وسلسلة من الوثائق الأخرى التي ظهرت إلى النور التي تشير إلى أن القيادة العسكرية ناقشت وحضرت عدة خطط للانقلاب، بدءا من العام ٢٠٠٢. ما منعهم من تنفيذ ذلك، كان فشلهم في الاتفاق فيما بينهم وخوفهم من أن الانقلاب لن يحظى بشرعية أو بتأييد شعبي. ثم بدأوا القيام بكل ما في وسعهم، بطرق شرعية أو غير شرعية، لبناء هذه الشرعية. من بين خططهم اغتيال شخصيات عامة غير مسلمة والتي يمكن اتهام بسهولة « الاسلاميين »، وتفجير قنابل داخل المساجد بهدف نشر الفوضى بين المسلمين. عندئذ يمكن تكرار السيناريو الذي نفذته بنجاح خلال الانقلابات التي نفذتها في الأعوام ١٩٦٠ و١٩٧١ و١٩٨٠، وقد تدخل الجيش حينها بذريعة فرض النظام.

نجت الحكومة من كل هذا، وعندما شعرت بالثقة بدأت بالرد على هذه المحاولات بدءا من العام ٢٠٠٧. فأعطت الضوء الأخضر لبدء سلسلة من الملاحقات القضائية التي وضعت عددا كبيرا من الجنرالات وضباط آخرين وبالإضافة إلى عدد من مؤيديهم من المدنيين في السجن بتهمة التآمر للإطاحة بالحكومة وعدد لا يحصى من العمليات السرية. عام ٢٠١٠ نظمت استفتاء لتعديل المادة ٢٩ من الدستور، حيث نال المشروع موافقة ٥٨ بالمئة من المصوتين على إمكانية خضوع العسكر، ومن ضمنهم جنرالين لا زالا على قيد الحياة منذ عام ١٩٨٠ وكانا من المشاركين في الانقلاب آنذاك، للمحاكمة في محاكم مدنية.

ندوب « ٢٨ شباط » وجهود الجيش لتكرار سيناريو ما بعد عام ٢٠٠٢ أوضحت غرائبية وتناقض تصرفات حكومة حزب العدالة والتنمية. لو لم تكن مصابة بالصدمة لما تعرضت له على يد آلة الدولة الكمالية التي نجحت في تنفيذ انقلاب على الحزب الأم عام ١٩٩٧ بالإضافة إلى محاولات إسقاط حزب العدالة والتنمية نفسه، لم يكن ليكون مختلفا عن تصرف أي حزب محافظ ونيوليبرالي في أوروبا. حاجته للدفاع عن نفسه ضد التدخل المناهض للديمقراطية، اضطر إلى الاشتباك مع أجزاء من جهاز الدولة، وهذا الأمر تطلب تنفيذ سياسات ترمي إلى تعزيز وتوسيع قاعدته الاجتماعية.

إذا كان لأردوغان وحزبه النية لأسلمة البلاد، لكن حاجته لكسب العديد من الحلفاء في صراعه مع أجهزة الدولة وعدم التفريط في أي دائرة انتخابية كل ذلك يعني تخلصه بسرعة من هذه النوايا. على العكس من ذلك الكثير من سياسات حزب العدالة والتنمية كانت ديمقراطية أكثر مما هي محافظة. وبصرف النظر عن إبعاد الجيش عن مسرح العملية السياسية وإحلال السلام مع الأكراد، والعملان الأخيران يعدان مسا بمقدسات الكمالية، كان حزب العدالة والتنمية أكثر تقبلا لحقوق الأقليات غير المسلمة من أي حكومة سابقة.

وقد كانوا محظوظين أيضا. فتركيا عانت من أزمة مصرفية كبيرة في منتصف التسعينيات، الأمر الذي أدى إلى إعادة هيكلة وإخضاع النظام لإعادة هيكلة شديدة. وعندما اندلعت الأزمة الرأسمالية العالمية عام ٢٠٠٧، كانت تركيا « بمنأى » عنها. بفعل تدفق رؤوس الأموال القصيرة الأجل، ونما الاقتصاد بسرعة، واستمر الحال على ما هو عليه حتى هذا العام. كانت الحكومة قادرة على تجنب هجوم على مستوى الطبقة العاملة. فالقليل من المؤسسات كانت باقية دون خصخصة، ولكن الحكومة بدأت أيضا برامج ضخمة لتأميت مساكن منخفضة الكلفة، وحفزت بذلك الاقتصاد وزادت أرباح مؤيديها واكتسبت أصواتا جديدة. وقد أشرفت على زيادة عدد المستشفيات الخاصة، ولكن أيضا ساعدت على الوصول إلى خدمات صحية بشكل أسهل.

نجاعة الاقتصاد النسبية، فضلا عن اجتياز عقبة الجيش، وتزايد شعبيتها وسط قطاعات واسعة من السكان، يوضح سبب نجاح الحكومة في زيادة حصتها من الأصوات في الدورات الانتخابية الثلاثة واستمرار شعبيتها حتى اليوم.

كل هذا يجعل معارضة حزب العدالة والتنمية أمرا معقدا. فهو لا يواجه معارضة برلمانية جدية، الممثلة بالحزب الجمهوري أو ما يسمى حزب الشعب الاشتراكي الديمقراطي ينظر إليه على نطاق واسع بأنه المدافع عن الدولة الكمالية. فهو يعارض إجراءات الحكومة ضد الجيش، وعملية السلام، وإزالة التتريك من الدستور، وكل ما من شأنه أن يصب في خانة القومية التركية. فاستقرت نسبة شعبيته بين ٢٠ و٢٥ بالمئة.

كل معارضة تقوم على هذا الأساس مصيرها الفشل، بصرف النظر عن كونها خاطئة. للأسف، قطاعات واسعة من اليسار التقليدي، غير قادر على القطع مع الكمالية، ويتقاطع مع سياسة الحزب الجمهوري إلى هذا الحد أو ذاك. المطلوب اليوم هو حركة غير كمالية، وغير قومية وغير معادية للإسلام تواجه حزب العدالة والتنمية النيوليبرالي والمحافظ، لعدم ذهابه بعيدا في مواجهة الجيش بما خص تدخله في الحياة السياسية ولعدم تسريع عملية السلام مع الأكراد. من شأن هذه المعارضة أن تجذب غالبية المعتصمين في حديقة جيزي وشرائح واسعة من الطبقة العاملة التي تصوت حاليا لصالح حزب العدالة والتنمية.

حاشية
احتلال حديقة جيزي وصل إلى نهايته. ففي ليل ١٥ حزيران شن الآلاف من رجال الشرطة هجوما على ساحة تقسيم وعلى الحديقة، واستعملوا المئات من عبوات غاز الفلفل وخراطيم المياه. وفي هذه العملية المعدة جيدا، بحيث أمنت كل الطرق المؤدية إلى الساحة، وأوقفت كل الحشود التي هرعت لمساعدة المعتصمين في الحديقة أو للوصول إلى مكان قريب منهم. واستمرت المواجهات وسلوك الشرطة الهمجي حول الساحة وفي كل أنحاء المدينة كل تلك الليلة وخلال اليوم التالي.

الهجوم لم يكن خسيسا فحسب، لكنه كان أيضا غير مبرر. فقد ذهب وفد من ممثلي الاعتصام للقاء رئيس الحكومة قبل يوم واحد لمناقشة مطالب المعتصمين. اعترف أردوغان أنه كان ينتظر قرارا للمحكمة لصالح رأي الحكومة في هذه القضية، ووعدهم بتنظيم استفتاء شعبي حول هذه القضية. وفي وقت انعقاد هذا الاجتماع، هاجمت الشرطة المعتصمين في الحديقة.

يبدو أن الحركة تراجعت في الوقت الراهن. مع ذلك لم ينتصر أردوغان. فقد ظهرت حركة جديدة ولها قوتها الخاصة. وستواجهه من جديد.

http://al-manshour.org/node/4292 : المصدر

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s