الجيش المصري والإخوان المسلمين: قصة حب طويلة انتهت بالطلاق

الاحد 28 تموز (يوليو2013)

أزنزار

« الجيش خان الأمانة ».. عبارة تناقلتها ألسن الإخوان المسلمين بمرارة في مصر بعد عزل وزير الدفاع « عبد الفتاح السيسي » لمحمد مرسي لدرء تحول 30 يونيو إلى « ثورة مستمرة » حتى إسقاط كل دعائم الاستبداد، والجيش ركيزة الاستبداد الأساسية. « إن ما قام به بعض أعضاء المجلس العسكري إنما هو انقلاب عسكري كامل تم تدبيره بليل انقضاضًا على الشرعية، ونكوثًا عن القسم الذي أقسموه باحترام الدستور والقانون وحماية الوطن، وطاعة القائد الأعلى للقوات المسلحة ». (بيان من الإخوان المسلمين يحدد موقفهم من الأحداث الجارية، 08- 07 –

2013).

منذ سقوط مبارك في 11 فبراير 2011، تملق الإخوان المسلمون الجيش المصري ممثلا في المجلس العسكري، واصفين إياه بـ »المؤسسة الوطنية » التي تسهر على حماية الوطن (غاضين الطرف هكذا عن اتفاقية كامب ديفيد ودور معونة الولايات المتحدة في إعادة تشكيل دور الجيش المصري)، ناشرين أسطورة « الجيش والشعب يد واحدة ».

سنتناول في هذا المقال قصة العلاقة الطويلة بين الإخوان والجيش

 

المصري، وكيف أن تلك العلاقة كانت من ضمن جذور تملق الإخوان للجيش المصري طيلة المرحلة الانتقالية وحكم مرسي.

لا شماتة… غرض المقال هو استنتاج الدروس من تجربة الإخوان القصيرة وفي نفس الوقت وضعهم في مكانهم المناسب واستجلاء مسؤوليتهم فيما آلت إليه أوضاع مصر.. لا تصالح مع أجهزة الدولة البرجوازية، لا حلول وسط مع خدام النظام القديم.. هذه هي عبر الدرس المصري. لا شماتة.. فهي ليست من شيم الماركسيين الثوريين، رفاقنا الاشتراكيين الثوريين بمصر كان موقفهم واضحا من جرائم العسكر ضد الشعب الثائر وضد الإخوان الآن كما يتبين من بياناتهم: إسقاط الإخوان لتعميق الثورة لا لتدعيم النظام.. لن نفوّض »، (25 يوليو 2013).. « ضد التفويض والمجزرة وصعود الفاشية العسكرية »، (28 يوليو 2013).

الإخوان والجيش: محاولات السيطرة المتبادلة ترجع علاقة الإخوان المسلمين بضباط الجيش إلى بداية الحرب العالمية الثانية (1938) حيث كان «عزيز المصري» – الفريق في الجيش آنذاك- شخصية محورية التف حولها جماعات من الجيش والإخوان والبوليس ووجدت كل منها في الأخرى سنداً في النضال ضد الإنجليز وساهم في إقامة علاقة بين الإخوان ومجموعة من صغار الضباط الساخطين على الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

كان الإخوان ينشرون صحيفة « النذير » التي ركزت على القضايا الأخلاقية داخل الجيش كعدم « إقامة الأذان في أوقات الصلاة، بل وعدم تخصيص وقت لصلاة الجنود »، وأرسلوا عريضة إلى القصر في ديسمبر عام 1941م تطالب بمنع ما يتعارض مع الإسلام، وإلغاء معاهدة 1936م، ومنح الجندي الحق في الامتناع عن أي عمل يناقض الشرع، ووزعت منشورات في داخل وحدات الجيش بمضمون هذه العريضة التي وقعت باسم « الجنود الأحرار ».

كان الإخوان على صلة بالضباط داخل الجيش المصري، ولم يكن عندهم مانع من التعامل معهم حتى لو كانوا غير أعضاء في الجماعة وهو ما وضح في علاقة السادات بحسن البنا والأخير مهد لأن يلتقي الأول بعزيز المصري، واتفقوا علي أن خلاص البلاد لن يأتي إلا بانقلاب عسكري، وكان ذلك عام 1940.

« كان أنور السادات، أحد أعضاء المجموعة الثورية، هو الضابط الذي اجتمع به البنا في اللقاء الأول. ولم يكن معروفا على وجه اليقين في ذلك الوقت من هم هؤلاء الذين يمثلهم السادات، إلا أنه كان ضابطًا عاملا بالجيش وكان يشير إلى مجموعات تخطط للثورة ». (ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون، ترجمة عبد السلام رضوان، مدبولي، 1977، ص 59، نقلا عن وكيبيديا الإخوان المسلمين).

برز دور جمال عبد الناصر والذي تقرب من الضابط « محمود لبيب »، هذا الذي كان « نواة التكوينات الإخوانية في الجيش كما أنه كان المشرف علي تنظيم التدريبات العسكرية للمدنيين من الإخوان سواء من كان منهم في « النظام الخاص » وغيره » (وكيبيديا الإخوان..)، وحصل منه علي قائمة بأسماء الضباط المنتمين لجماعة الإخوان داخل الجيش.. عمل جمال عبد الناصر الذي خاف من

ازدواجية الولاء داخل التنظيم، على موازنة دور جماعة الإخوان داخل « الضباط » بفرض شخصيته المستقلة داخل نواة الضباط.

توفرت لجمال فرصة التخلص من تأثير الإخوان بعد اغتيال النقراشي باشا علي يد الإخوان واعتقال كافة أفراد الجماعة عدا «حسن البنا» والذي اغتيل في 1949 وهي أحداث أثرت علي قوة الضباط الإخوان داخل الجيش وهو أيضاً ما أتاح لعبد الناصر فرصة تكوين الهيئة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار من ستة ضباط علي أن تبقي الحركة بعيدة عن تنظيم الإخوان المسلمين؛  » لكن ما لبث حماس الضباط للإخوان أن فتر سنة 1946 فقرروا البعد بحركتهم عن أية صلة بالإخوان وأن تقتصر على الجيش وتولدت لديهم الرغبة في التحرر من ارتباطهم بالإخوان وبدأ عبد الناصر في تحويل ولاء الضباط له دون علم الصاغ محمود لبيب » (جمال عبد الناصر وعلاقته بالإخوان المسلمين.. البدايات والتحول، وكيبيديا الإخوان…).

« لم تشهد أي علاقة تاريخية بهذا الكم من الالتباسات والأحداث كما شهدت علاقة الرئيس السابق جمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين فمن عضو مبايع لها إلى أشد من هاجمها وعذب واعتقل بل وأعدم قادتها ». (وكيبيديا الإخوان..).. رغم العلاقة الملتبسة هذه رحب الإخوان بانقلاب جمال عبد الناصر و »كان الإخوان المسلمون حريصين منذ اليوم الأول لقيام الثورة على تحريض مجلس

قيادة الثورة ضد الأحزاب وتكوين قناعة بضرورة حلها ».(لماذا يكره الإخوان المسلمون جمال عبد الناصر؟، بقلم : أحمد الحبيشي)

. « كانت جماعة الإخوان المسلمين، الهيئة المدنية الوحيدة التي كانت تعلم بموعد قيام الثورة، والقوة الشعبية التي كان يعتمدعليهاضباطالجيش في تأمين الدولة ومواجهة الإنجليز حتى أعلن هؤلاء الضباط في (17/1/1953م) حلّ كل الأحزاب السياسية باستثناء حركة الإخوان المسلمين. » (« الجيش المصري والإخوان علاقـة ملتبسة » موقع السفير العربي، 26 تموز 2013).

حاول الإخوان فرض أنفسهم كموجهين أيديولوجيين للثورة المصرية فـ »بعد أربعة أشهر على قيام الثورة، وبالتحديد في صبيحة يوم صدور قانون حل الأحزاب في يناير سنة 1953م حضر إلى مكتب جمال عبد الناصر وفد من الإخوان المسلمين مكون من الصاغ الإخواني صلاح شادي والمحامي منير الدولة وقالا له: « الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا جماعة الإخوان ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا في وضع يليق بدورهم وبحاجة الثورة لهم ». (لماذا يكره الإخوان المسلمون جمال.. نفسه)

وكان شرط الإخوان لدعم الانقلاب: « عرض كافة القوانين والقرارات التي سيتخذها مجلس قيادة الثورة قبل صدورها على مكتب الإرشاد لمراجعتها من ناحية مدى تطابقها مع شرع الله والموافقة عليها.. وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إذا أردتم التأييد ». (نفس المقال)

وقد رفض جمال عبد الناصر بكل حزم هذين الشرطين لأن الإخوان أرادوا من خلالهما وغيرهما من الشروط الأخرى الحكم من خلف الستار وعدم تحمل تبعات الحكم الداخلية والخارجية.. وكانت تلك بداية قطع العلاقة بين الإخوان والحكم العسكري ونهاية القصة كانت مؤلمة ومكلفة.

بعد وفاة جمال عبد الناصر أطلق السادات سراح الإخوان من السجون وسمح للمنفيين منهم (من دول الخليج بالخصوص) للعودة وذلك قصد استعمالهم ضد اليسار وبقايا الناصريين الذين كانوا يعارضون « نزع الناصرية » والمسار الليبرالي الذي اتخذه.ز وانتهى هذا الفصل من القصة باغتيال أنور السادات وتوترا لعلاقة مع خليفته « حسني مبارك » في إطار توازن التعامل معهم بين تضييق وحرية مضبوطة سلوكهم ومؤقتة وخاضعة للمراقبة، مع حبسهم في كل مرة ترى أنهم تجاوزا حدود تسامحها.

الجيش جهاز قمع يجب تدميره

الجيش جزء من جهاز قمع ضخم توجهه الطبقة السائدة لقمع الطبقة المسودة، هذا ما لا يوجد في أيديولوجية الإخوان المسلمين، فمنذ إنشائهم لأنوية « ضباط » تابعة لهم، كانوا يتغافلون عن بنية الجيش الطبقية، وكل ما أرادوه هو ولاء الجيش الأيديولوجي لجماعتهم، دون تدمير ما يشده من أواصر مع مجتمع الظلم الطبقي.

إن نجاح أي ثورة وجدريتها تقاس بالمدى الذي تحطم به جهاز الدولة القديم، وتنشئ أجهزة سلطة الكادحين، أجهزة جديدة مغايرة ليس فقط في شكلها لجهاز الدولة القديم، بل في جوهرها الطبقي.. ويعتبر ذلك شرطا رئيسا لدرء انتصار الثورة المضادة ومنع عودة النظام القديم الذي لن يستسلم بسهولة أمام نزع سلطته السياسية والاقتصادية.

وفي صبيحة أول يوم شهد المصريون شمسه بدون مبارك (السبت 12/2/2011م) قال الإخوان المسلمون في بيان رسمي: « إنهم حريصون على الجيش المصري البطل ودعمه وتقويته وسلامته من أي مغامرات غير محسوبة؛ حتى يظل درع الأمة وحصنها الحصين ضد أي عدوان خارجي ».

هذا التملق الذي عاكس الإجراء الأول الذي يجب أن تتخذه أي ثورة ظافرة وهو تحريض الجنود والضباط الصغار لخلع الانضباط القديم ودمقرطة الجيش ومنح الجنود حق انتخاب ضباطهم ومحاسبتهم وعزلهم… لكن الإخوان فضلوا « الحفاظ على الجيش ودعمه وتقويته.. حتى يظل درع الأمة ضد أي عدوان خارجي ». وكأن « المؤسسة العسكرية هي كتلة اجتماعية وسياسية واحدة. وهذا أمر غير موجود في الواقع، فهناك الجنرالات الذين يتحكمون وربما يحصلون على الملايين وهناك الجنود وصغار الضباط الذين لا يستفيدون تقريباً من الأوضاع الاقتصادية للجيش ». (« النخبة والجيش »، عاطف شحات، موقع جدلية، 30/01/2012).

هذا التملق عاكس أيضا وضع الجيش المصري منذ توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد، هذا الجيش الذي « عجنته واشنطن وشكّلته » على حد تعبير مقال بجريدة الأخبار اللبنانية، معتمدة على دراسة تحت عنوان «أبو الهول والنسر: القوات المسلحة المصرية والعلاقات العسكرية الأميركية المصرية»، أصدره كينيث بولاك المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) ومدير قسم الخليج في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، مشيرا إلى أن ما يهم الولايات المتحدة حول قدرات الجيش المصري هو أربعة أمور أبرزها، الكيفية التي يكون فيها الجيش المصري جزءاً من إستراتيجية الأمن القومي المصري: ما هي التهديدات التي تواجهها مصر، وكيفية استخدام الحكومة المصرية القوات المسلحة لمواجهة هذه التهديدات والوسائل التي سيتم تبنيها لاستخدام الجيش كأداة لسياستها الخارجية ». (الأخبار اللبنانية، العدد 2064 الحمعة 26 تموز 2013).

« منذ اتفاقية كامب ديفيد، والولايات المتحدة، ممثلة بوزارة دفاعها، تعمل على الإمساك بالجيش المصري، تمويلاً وتسليحاً وتدريباً وعقيدة. نجحت في عجنه وإعادة تشكيله من جديد وفق مصلحتها القومية. حتى إنها أدخلت تغييرات جوهرية على بنيته، وأعادت تحديد عدوه، مسقطة بذلك إسرائيل وما تنفقه من أموال، كما عملت على إعادة تدويره إلى شركات الأسلحة الأميركية ». (الأخبار اللبنانية، نفسه).

عن أي « درع وعن أي حصن حصين للأمة » تتحدث عنه إذن جماعة الإخوان المسلمين.. إن عبارات التملق هذه التي وصفها تروتسكي في كتابه « تاريخ الثورة الروسية ناعتا إياها بـ »لهجة التهاني الرسمية، مقلدة ومتصنعة، ومستعارة من الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، الخطابية، العاطفية، المزيفة »، كان لها دور سياسي بالدرجة الأولى وهو إرسال إشارات سياسية بأن الإخوان لن يتعرضوا للجيش وسيحفظون له مكانته التي كانت في ظل مبارك، وفي نفس الوقت التخلي عن شعارات مواجهة الصهيونية وأمريكا بتعهد الإخوان احترام اتفاقية كامب ديفيد. وقد نجح الجيش في ذلك بمساعدة الإخوان المسلمين.

الجيش يحفظ مصالحه

بدأ المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية فور توليه السلطة عقب إطاحة مبارك، باتخاذ خطوات لحماية امتيازات اقتصاده .المغلق، الذي لا يدفع من خلاله الضرائب ويشتري الأراضي العامة بشروط ملائمة ولا يكشف شيئاً عنه في البرلمان أو إلى العامة

 « وقد سعى جنرالات المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تثبيت ذلك قبل عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية التي انبثق عنها تشكيل حكومة جديدة استهدفت ضمان استمرار رضا الولايات المتحدة. وقد أكدت نصوص الدستور المصري، الذي أشرفت على وضعه حكومة مرسي، على منح الجيش المصري ما وصف بـ«حكم ذاتي» فلا أحد يتدخل في ميزانياته ». (هكذا عجنت واشنطن الجيش المصري وشكّلته، محمد دلبح، الأخبار اللبنانية، العدد العدد 2064 الحمعة 26 تموز 2013).

فقبل ثورة 25 يناير كان دور الجيش السياسي ضامرا بفعل خوف مبارك من ظهور منافس داخل المؤسسة العسكرية وحتى يمهد الطريق لتوريث نجله، فجاء الإخوان ليمنحوا الجيش في دستورهم «المسلوق» وضعاً خاصاً جداً، بعد أن أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على «وثيقة السلمي»، وقالوا إنها ستجعل القوات المسلحة دولة داخل الدولة. واتضح أنهم يريدون أن يبرموا هم هذه الصفقة مع الجيش وليس غيرهم، موفرين مزايا للقوات المسلحة أكبر بكثير مما ورد في الوثيقة المشار إليها.. ولن ينسى أحد ما قاله مرسي أمام القادة في أحد المواقع العسكرية: «هناك من يريد أن يوقع بيني وبينكم، لكن هذا لن يحدث. لن يمس أحد أموالكم وعرَقَكم».. ولا تزال ترن في كل الآذان مقولة مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في معرض حديثه عن المشروعات الاقتصادية للجيش قبيل انطلاق الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية: «هذا عرَقنا وسندافع عنه بدمنا».(الجيش المصـري والإخوان: علاقة ملتبسة، عمار علي حسن، السفير العربي، 26 تموز 2013).

الجيش مؤسسة اقتصادية ضخمة

يصل عدد أفراد القوات المسلحة المصرية إلى نحو 500 ألف جندي نظامي إلى جانب نحو 450 ألفاً من الاحتياط، وهي مجهزة بنظم تسلح أميركية، تعطي واشنطن نفوذاً كبيراً على الجيش المصري وغيره من المؤسسات المهمة. وتبلغ الحصة العسكرية من المساعدات الأمريكية لمصر نحو 40 مليار دولار، مما جعل مصر ثاني أكبر متلق لمساعدات من هذا القبيل بعد إسرائيل.

تتحكم المؤسسة العسكرية فيما تتراوح نسبته- ولا توجد أية إحصاءات دقيقة لذلك- بين 25 و40 % من الاقتصاد المصري، معظمها يتحكم فيها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي يديرها لواءات الجيش ويعمل بها جنوده، وتجني هذه المشروعات أرباحاً ضخمة، ما يجعل الكثير من الجنرالات مستفيدين استفادة مباشرة منها. تمارس نشاطها الاقتصادي في مجالات كثيرة بدءاً من المقاولات كبيع وشراء الأراضي والشقق، والخدمات كتنظيف المنازل وإدارة الكافتريات، وإدارة محطات البنزين، إلى الزراعة وتربية الدواجن والمواشي، إلى صناعة المكرونات والمشمعات البلاستيك للموائد!

يعد الحديث عن المؤسسة العسكرية والاقتصاد أحد محرمات السياسة المصرية، حيث ظلت القوات المسلحة حريصة على الاحتفاظ به كشأن خفي عن العامة والخاصة على السواء في الثلاثين سنة الأخيرة.. وقد ضمن الإخوان هذا السر بنصوص الدستور.

وقد شهد الجيش نفس التحولات التي شهدها المجتمع مع غزو النموذج النيوليبرالي بنمطه الاستهلاكي؛ فـ »بعد أن كانت قيادات الجيش في عهد عبد الناصر قد اعتادت على الاستهلاك الزاهد للملابس والسيارات، نشهد اليوم خلع المشير طنطاوي مثلاً لعباءة التقشف القديمة تلك إذا ما نظرنا للسيارة الجيب الأمريكية الفارهة التي دخل بها الميدان ذات مرة أثناء الثورة ليدرس بطرف عينه من فيه. تذكر إحدى مقالات جريدة النيويورك تايمز أن أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري يحرص في زيارته السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية كل الحرص لأن يتسوق هو وزوجته في مول تايسونز كورنر بفرجينا، وأن لديه ولعاً بالمنتجات الأمريكية. وفي الواقع هناك حالة ولع عام بين ضباط الجيش الصغار بالاستهلاك على النمط الأمريكي، حتى أن من تسنح له الفرصة لأن يشتري زيه الرسمي وبيادته من الولايات المتحدة يفعل! ». (« الجيش والاقتصاد في بر مصر »، موقع جدلية، 21- 12- 2011).

الشبه الاقتصادي بين الإخوان والجيش

يضم الإخوان في صفوفهم، وحتى مستوى القيادة، ممثلين عن الرأسمال الكبير، وقد نصبت الجماعة نفسها ممثلة لمصالح برجوازية السوق ضد برجوازية الدولة الفاسدة.

إن ّأعضاء البرجوازية التقية » المصرية المنخرطين في الجماعة « ليسوا مختلفين كيفيا عن بقية برجوازية « الانفتاح » المصرية أو العربية، وهي برجوازية تعملبصورة رئيسية في التجارة والبناء والمضاربة. ويضم الإخوان أيضا في صفوفهم أو في محيطهم القريب صناعيين في قطاع سلع الاستهلاك المحلي، وهم يعكسون بذلك التكوين العام لرأسمالية السوق المصرية ».(« الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية، جلبير الأشقر، دار الساقي).

« إن عقيدة الإخوان المسلمين الاقتصادية القائلة باقتصاد الحر غير المقيد بتدخل الدولة لهي أكثر انسجاما مع المذهب النيوليبرالي من واقع الرأسمالية السائدة في ظل مبارك… وتتجلى هذه « الرأسمالية القصوى » في اختيار الخبراء الاقتصاديين المشاركين في الجمعية المكلفة بكتابة الدستور المصري الجديد، وهي جمعية يهيمن عليها إلى حد كبير الإخوان المسلمون والسلفيين ». (نفس المصدر)

. ويعتبر رجل الأعمال خيرت الشاطر، والرجل الثاني في تنظيم الإخوان المسلمين الممول الأساسي للجماعة، نظرا لما يمكله من ثروة هائلة تقدر بما لا يقل عن 20 مليار دولار ادخلته في قائمة المائة لأكثر اثرياء العالم. وكانت التجارة والأعمال هما نقطتا قوة الشاطر، وكان عضو في مجالس إدارة العديد من الشركات في البحرين، ولكسمبرغ، والمملكة المتحدة. كما شغل الشاطر مناصب سابقا ، حيث كان عضوا في مجالس « البنك الدولي للتنمية » والاستثمار، و »المهندس بنك » وهو المالك الرئيسي لشركة « السلسبيل للتجارة والاستثمار ».وشريك مؤسس ومالك لشركة « رواغ » صاحبة الامتياز المصري لتأجير الأثاث التركي إيستيكبال. (« الشاطر الرجل الثاني في الإخوان المسلمين بقائمة المائة لأكثر اثرياء العالم، موقع العرب وصحيفة كل العرب، 30 اكتوبر 2012). هذه هي الأرضية الطبقية الصلبة التي استند إليها تحالف الإخوان المسلمين مع الجيش، فكلاهما يدافع عن نفس المصالح الاقتصادية وكلاهما يسعى للحفاظ على بنية الاقتصاد الرأسمالي المصري، رغم أن المصالح الاقتصادية المشتركة ليست شرطا « لا غنى عنه » لاستمرار التحالفات السياسية.

الإخوان يستغيثون بالجيش

« يتهم الإخوان في مصر منافسيهم بأنهم يستدعون الجيش إلى الساحة السياسية من جديد. وهذا الاتهام لا يقوم على ادعاء، بل له أصل لا تخطئه بصيرة ولا يهمله عقل. لكن كان يجب على الجماعة أن ترى الخشبة في عينها قبل أن ترى القشة في عين خصومها. » (الجيش المصـري والإخوان: علاقة ملتبسة، عمار علي حسن، السفير العربي، 26 تموز 2013).

فالإخوان هم أول من يستدعي الجيش إلى الساحة السياسية، لأنهم يظنون أنه ذراعهم الأمني، لفظ اعتصامات العمال وإضراباته التي ينعتها الإخوان بالفئوية والمدعومة من طرف الفلول.

وسجل التاريخ أن محمد البلتاجي استنجد بوزير الدفاع والداخلية في رسالة مؤرخة بـ 26 يناير 2013، سنورد نصها كاملا: « السيد رئيس الجمهورية

السيد رئيس الوزراء

السادة وزراء (الدفاع والداخلية )

: ماذا تنتظرون أن يحدث أكثر من ذلك حتى تتدخلوا (بكل قوة وحزم )لمنع قتل المواطنين ووقف حرق المنشآت وانهاء قطع الطرق والكباري والأنفاق وتوفير أمن المدن والسكان. واجبكم التدخل الفوري لمواجهة تلك البلطجة بكل الوسائل المشروعة التي كفلها الدستور والقانون بما في ذلك اعلان حالة الطوارئ (الموقوتة بالزمان والمكان والأسباب)اذا اقتضت الظروف. سيحاسبكم الله والتاريخ والشعب اذا وقفتم دون مواجهة (حاسمة) لجرائم القتل والحرق والنهب والقطع. مهمتكم الأولى أمام الله والشعب حفظ ارواح الناس وتحقيق امنهم . أظن أن هذا الواجب هو محل اجماع شعبي ولا علاقة له بالخلاف السياسي او الاختلاف في تقدير الموقف الوطني ولا علاقة له كذلك بحقوق التظاهر والاعتصام والاحتجاج السياسي (السلمي) ».

هل خدع الجيش مرسي؟

ساعد مرسي وجماعته على إعادة الشرعية والمصداقية التي فقدها الجيش بفعل تدبيره الإجرامي للمرحلة الانتقالية، فحتى اللحظة الأخيرة لمرسي في الحكم وفي خطابه الأخير « حرص الرئيس محمد مرسى على توجيه تحيات للقوات المسلحة بدت مبالغا فيها لكثير من المصريين، وتأكيدات بدت لهم أيضاً غير مفهومة على كونه القائد الأعلى لها، وأن كل ما تقوم به خاضع لإمرته وقراراته. وأكد الرئيس أكثر من مرة أن هناك محاولات فاشلة وأصابع خفية تسعى للإيقاع بين الرئاسة والجيش وضرب العلاقة الحميمة بينهما، وأنه- كالعادة- سوف يقطع هذه الأصابع. وذهب الرئيس إلى أبعد من هذا، حيث هدد باستخدام القانون العسكرى فى محاسبة كل من يتجرأ على سب أو إهانة القوات المسلحة وقادتها بإحالتهم إلى محاكمات عسكرية تعاقبهم على فعلتهم ». (الجيش والرئيس والإخوان، ضياء رشوان، موقع المصري اليوم، 28 يونيو 2013).

وبعد أن بان فشل الإخوان الذريع في ضمان الاستقرار السياسي والقطع نهائيا مع الثورة، بان أن الجيش ليس راضيا على حكمهم وتناسلت المقالات والتحاليل حول ذلك، « وحدهم الإخوان كانوا ينكرون أن شيئا سيحدث، كانوا يتحاشون الحديث عن الجيش ربما كي لا يواجهوا أنفسهم بحقيقة أن مرسي لا يحكم خناقه على المؤسسة الأخطر بما يكفي ». (« كيف أطاحت الدولة العميقة بالدولة الغبية »، أحمد الدريني، موقع المصري اليوم، 07 يوليو 2013).

إن المدى الذي انحطت إليه شعبية الإخوان جعلت الجيش يكتفي بترك مرسي يسقط- كثمرة فاسدة- بمشهد الملايين التي ملأت الميادين يوم 30 يوليو، ثم تولى الجيش مشاهد التكفين وصلاة الجنازة.. وهو مشهد كلاسيكي حيث تتفرج النخب البرجوازية على الشعب يضحي بنفسه على المتاريس وقتال الشوارع وتأتي هي في اللحظة المناسبة لقطف الثمار.

جوابا على السؤال.. نعم لقد كان مرسي مخدوعا، لكنه خدع نفسه بنفسه وصدق كذبة الجيش كدرع وحصن الأمة الحصين. ولا زال الإخوان المسلمون يلوكون أسطورة « الشعب والجيش يد واحد » حتى بعد الانقلاب:  » إننا نثق تمام الثقة في أن جيشنا العظيم الذي يفتدينا ونفتديه ويحبنا ونحبه لا يمكن أن يكون قد أسهم في هذه المؤامرة، وإنما من حاكها ونفذها هم مجموعة من قادة المجلس العسكري الذين أولاهم الرئيس ثقته وللأسف لم يكونوا أهلاً لهذه الثقة، فجيشنا يؤمن بما جاء في المادة (194) من الدستور بأن القوات المسلحة ملك للشعب ومهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، ومعنى هذا أن الجيش والشعب جسد واحد، وأن وظيفة الجيش محددة وليس من بينها الخوض في السياسة ». (« بيان من الإخوان المسلمين يحدد موقفهم من الأحداث الجارية »، 08-07-2013).

الدرس الروسي

مباشرة بعد إسقاط القيصر فبراير 1917، وتحت ضغط الجنود ولد « الأمر رقم واحد » المشهور، والذي يعتبر الوثيقة المحترمة الوحيدة في ثورة فبراير وقانون حريات الجيش الثوري ». (ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية). وقد حدد هذا الأمر طريقا جديدا للجيش: خلق لجان منتخبة في كافة القطعات العسكرية، وانتخاب مندوبي الجنود إلى السوفيات، وإخضاع القطعات في الأمور السياسية لسلطة السوفيات ولجانه، ووضع الأسلحة تحت مراقبة السرايا والكتائب، و »عدم تسليم هذه المسؤولية إلى الضباط في أية حال من الأحوال، والحصول خارج أوقات الخدمة على كافة حقوق المواطن المدنية، وإلغاء التحية العسكرية وألقاب الرتب التسلسلية خارج أوقات الخدمة، ومنع الضباط من معاملة الجنود بغلظة أو بذاءة… (نفسه). لم يبادر الثوار الروس (وعلى رأسهم البلاشفة) إلى تملق الجيش القيصري، بل سعوا إلى نقل الصراع الطبقي إلى داخله، فقد كان الجنرالات والضباط يمثلون النظام القديم بكل عفنه واضطهاده وغروره الطبقي وكانوا نواة الثورة المضادة بروسيا، بينما انحاز الجنود منذ البداية إلى الشعب، ووجهوا أسلحتهم إلى صدور قادتهم وضباطهم بدل توجيهيها إلى الشعب الثائر. طبعا لا ينتظر مثل هذا السلوك السياسي من طرف جماعة الإخوان المسلمين، فهي رغم كل خطابها الأخلاقي الذي يدعي خدمة « الفقراء » ورغم هيجانها ضد بعض مساوئ المجتمع، تمثل جناحا من المجتمع البرجوازي، ولن تتجرأ على مس تراتبية مؤسساته وسلطات قممها خصوصا إذا كانت هذه المؤسسة الجيش. « إن طبيعة تكوين وفكر وانحيازات الإخوان، السياسية والاقتصادية والثقافية، تجعلهم رافضين تماماً لأي شكل من أشكال التجذير السياسي الثوري. بل إن هدفهم هو وراثة الدولة القديمة كما هي. لكن الإخوان يريدون مع هذه ”الوراثة“ احتلال موقع القيادة والسيطرة، الذي يرونه ضرورياً من أجل تحقيق مشاريعهم الأيديولوجية ». (ما الذي يحدث في مصر الآن؟ أشرف الشريف، موقع جدلية، 15- 07- 2013). في الوقت الذي كان الجيش يقمع تظاهرات الثوار واعتصامات العمال استمر الإخوان في عزف سيمفونية ّالشعب والجيش يد واحدة » بينما انخرط رفاقنا الاشتراكيين الثوريين في حملة شعبية لاقت صدى جماهيريا تحت شعار « العسكر كاذبون »، وأصدروا بيانا بتاريخ 21 فبراير 2011 تحت عنوان « في مواجهة جنرالات مبارك: الشعب والجنود يد واحدة »، منادين أن يكون شعار الثورة في المرحلة القادمة: « الشعب والجنود يدا واحدة في مواجهة نظام مبارك وجنرالاته ».. وكان رد الإخوان رفع دعوى ضدهم بدعوى محاولتهم هدم الدولة

\.  الدرس الشيلي في الاتجاه المعاكس

 

عاشت تشيلي فترة ثورية مابين 1970-1973، إذ بدأت سيطرة العمال على المصانع، كما استولى الفلاحون على الأرض وتركت حركة المضطهدين العريضة بصمتها في تشكيل المجتمع الجديد.

وفي 1970، انتخبت حكومة الوحدة الشعبية بقيادة الليندي. وتشكلت حكومة الليندي من تحالف يضم الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وجاءت بسياسات التأميم، التي تحدت رجال الأعمال.

واستخدمت الطبقة الحاكمة التشيلية، التي تدعمها الإمبريالية الأمريكية، كل ما لديها من أسلحة لقطع الطريق على إصلاحاته- من الإرهاب إلى اغتيال كبار الجنرالات التابعين لحكومته..

لكن أليندي بدل مواجهة جهاز الدولة هذا سعى إلى الوصول إلى حل وسط مع هذه القوى الرجعية، بينما كان يحاول في الوقت نفسه إحباط الطموحات المتنامية للحركة التي أتت به إلى السلطة. وقد أدى هذا الحل الوسط في النهاية إلى الإطاحة به، وقتله على يد انقلاب بقيادة أوجستو بينوشيه الذي حكم فترة 1973- 1990

تشيلي بقبضة حديدية وصار للبلاد تجربة واسعة في الليبرالية الجديدة.

أزنزار

http://www.almounadil-a.info/article3411.html

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s