أزمة المشروع، أم أزمة القائمين عليه؟ الانفصامات المتعددة لليسار العربيّ

1/6/2013

بقلم هشام البستاني

الحديث عن المشروع العلمانيّ/ الديمقراطيّ/ اليساريّ في العالم العربيّ حديث عن أزمة. وتتجلّى هذه الأزمة من خلال أمرين:
ـ الأول هو التساؤل عن وجود هذا المشروع من الأساس بشكل متكامل، لا كمجرّد مجموعةٍ من المقولات المفكّكة، والمتناقضة بعضها مع بعض ومع الأساس الذي تدّعي الانبثاقَ عنه. ونستدلّ على هذا الأمر من خلال التيّارات والأحزاب والأفراد الذين يحسبون أنفسَهم على هذا المشروع لكنهم يتعاملون معه بنفعيّةٍ وشعبويّةٍ وانتقائيّة، مبتعدين عن جوهره وجدليّته، ومستنكفين عن خوض الصراعات الكبرى من أجل إنتاجه، ومنفصمين عن القيم التي يدعون إليها.
ـ الثاني هو ضعف نفاذ هذا المشروع ومقولاته إلى عمق البنى الاجتماعيّة ذات المصلحة في إنجازه، وانعدام وجود حامل اجتماعيّ يتبنّى قيمَه. فأغلب مَن يحسبون أنفسهم جزءًا من هذا التيّار هم من الطبقة الوسطى، وينجذبون إلى “الانفتاح” والتحرّر الاجتماعيّ الجزئيّ، من دون أن ينجم هذا الارتباطُ عن أزمة وجوديّة/معرفيّة (انسلاخ طبقيّ كامل) أو عن وعيٍ ناتجٍ من تهميش وقمع اقتصاديين/اجتماعيين حقيقيين (وعي طبقيّ). لهذا السبب، يأخذ خطابُ اليسار هنا شكلاً ليبراليًّا اجتماعيًّا لا أكثر؛ في حين تميل الفئاتُ المسحوقةُ حقًّا إلى المحافظة الاجتماعيّة والدينيّة، وتشكّل الجمهورَ العريضَ للتيّارات الدينيّة.
يضمّ المشروعُ العلمانيّ/ الديمقراطيّ/ اليساريّ طيفًا واسعًا من الأطروحات المتقاربة. لذلك سأحصر هذا المقال بالتيّار “اليساريّ،” وهو بدوره يضمّ طيفًا واسعًا من الشيوعيين والقوميين والتقدّميين بشكل عامّ. وقد كشفت الانتفاضاتُ الشعبيّة العربيّة عن الأزمات الكبرى والبنيويّة التي تعصف بهذا التيّار، وعن تناقضاته وادّعاءاته، وخوفِه من حركة التاريخ، وتبعيّتِه للنظام العربيّ أو ارتكازه في تحقيق “مشروعه” إلى تدخّل القوى الدوليّة التي يُفترض فيه أن يناهضها. ومن واقع هذه الانتفاضات (التي لم يكن للأحزاب اليساريّة أو غيرها، عامّةً، دور ٌكبيرٌ في إشعالها أو في صيروراتها اللاحقة)، نحدّد مجموعة معطياتٍ قد تشكّل مدخلاً لفهم الأزمة وتجاوزها.

الضعف النظريّ العامّ وضعف الإنتاج المعرفيّ
نشأ اليسار في العالم العربيّ في سياقات التحرّر من الاستعمار، وتَشكّل خطابُه أثناء مرحلة “التحرّر الوطنيّ” بعد الحرب العالميّة الثانية وصعود الاتحاد السوفيتيّ قوةً عالميّةً ثانيةً في مواجهة الولايات المتحدة. لكنّ هذا الخطاب لم يتطوّر لعدة أسباب، منها: أ) عدمُ إنجاز التحرر الوطنيّ حتى الآن، وذلك لاستحالته موضوعيًّا في حدودِ أقطارٍ صمّمها الاستعمارُ لتكون، سلفًا، تابعةً، ومشوَّهةً اجتماعيًّا، ومفرغةً من إمكاناتها التحرريّة. ب) عدم بروز مفكّرين، باستثناء مهدي عامل وسمير أمين، يغوصون في البنى والتشكيلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة ويحدّدون الفئات ذات المصلحة في التغيير. ج) البنية القمعيّة الستالينيّة للأحزاب اليساريّة العربيّة التي ابتعدتْ عن تمكين التفكير النقديّ والنقاش النظريّ، واقتصر التثقيفُ الحزبيّ في أحسن الحالات على ترديد توجّهات المكتب السياسيّ والأمين العامّ بصفتها قراراتٍ ينبغي التعاملُ معها كما يتعامل أتباعُ التيّارات الدينية مع تفسيرات مشايخهم للنصوص الدينيّة.


الأصل أن ينجم الخطابُ السياسيّ عن أرضيّات معرفيّة، وإلّا أصبحت الممارسةُ السياسيّة عشوائيّة، مزاجيّة، غيرَ منتجِة على المدى الطويل. ونستطيع أن نرى تأثير ذلك في الانتفاضات العربيّة: ففي غياب أرضيّات معرفيّة للتحرّك الجماهيريّ، وفي غياب تنظيمٍ قادرٍ على تحقيق هذه الأرضيّات، تصل الانتفاضاتُ إلى التأزم، ولا تستطيع “إسقاطَ النظام” لعدم وجود نظام جديد أو بديل! كما نستطيع أن نرى كيف تسلّل احتقارُ “التنظير” إلى الأجيال الجديدة من النشطاء، وصاروا يريدون أن “يتحرّكوا في الشارع” فقط من دون “إضاعة الوقت في التنظير،” متناسين أنّ التنظير هو الذي يحدّد هدفَ أيّ تحرّك، وإلاّ غدا عشوائيًّا وقابلاً للتوظيف من قِبل الخصوم.

النزوع نحو التفسّخ والانفصال
ربما عانت تنظيماتُ اليسار العربيّ أكبر عدد من التفسّخات والانفصالات. فالحزب الشيوعيّ السوريّ صار حزبين، سوريًّا ولبنانيًّا، عام 1964؛(1) والحزب الشيوعيّ الأردنيّ انفصل لاحقًا إلى حزبين، أردنيّ وفلسطينيّ؛(2) وحركة القوميين العرب انقسمتْ إلى ثلاث جبهات فلسطينيّة على الأقلّ؛ وحزب البعث صار حزبين حاكمين متقاتلين في سورية والعراق، بل اصطفّ الأوّلُ مع “العدوّ القوميّ” (إيران) في حربه على “الشقيق القوميّ” (العراق) في حرب الخليج الأولى، ثم حاربه تحت قيادة “العدوّ الإمبرياليّ الأميركيّ” في حرب الخليج الثانية.
إضافةً إلى ذلك فإنّ العمل اليساريّ موبوء دائمًا بـ “الخصوصيّات القُطريّة،” يشرعن بها التقسيماتِ الاستعماريّةَ باعتبارها ذاتَ طبيعة متمايزة. هكذا اعترفت الأحزابُ اليساريّة التي نشأتْ على فكرة “مناهضة الاستعمار” بمخْرجات الاستعمار المباشرة (الدولة القطْريّة)، وصارت تتقبّل المواقفَ المناقضة لفكرة وجودها باعتبارها خصوصيّات. فمثلاً تقبّلتْ معظمُ الأحزاب الشيوعيّة العربيّة وجودَ الحزب الشيوعيّ العراقيّ في “مجلس الحكم” الذي أنشأه الاحتلالُ الأميركيّ في العراق، ولم تقم بنقد هذا الموقف؛(3) وما زال الحزبُ شريكًا منذ ذلك الحين في “العمليّة السياسيّة” التي نشأتْ وتستمرّ برعاية الاحتلال! مثال صارخ آخر هو الموقف من النظام السوريّ؛ فالعديد من اليساريين (والقوميين) لم يتوانوْا في دعم هذا النظام، الذي ينطبق عليه ما ينطبق على بقيّة الأنظمة العربيّة من رذائل (كالفساد والقمع والتوجّه نحو لبرلة الاقتصاد والاعتراف بشرعيّة وجود إسرائيل)، بحجّة أنه حالةٌ خاصةٌ من “الممانعة.”

خطأ ارتباط اليسار بالقوميّة العربيّة
كثيرةٌ هي الدراسات التي تناولتْ أثرَ نماذج الدولة القوميّة الأوروبيّة، التي هي تعبير عن مصالح الرأسماليّة ضمن نطاق جغرافيّ محدّد، في نشوء الحركة القوميّة العربيّة منذ أواسط القرن التاسع عشر. التيّار القوميّ العربيّ لم ينشأ استجابة لبرجوازيّة رأسماليّة وطنيّة تطمح إلى مدّ سيطرتها على جغرافيا محدّدة تشكّل سوقها القوميّة. ولذلك ـــ وخارج مشاعر الضيق من عسف الدولة العثمانيّة والرغبة في الاستقلال عنها، وخارج محدّدات التاريخ المشترك واللغة المشتركة و”الشعور” القوميّ ـــ لم ينبثق التيّار القوميّ العربيّ عن ضرورات ماديّة تاريخيّة، ولم يُنتجْ فكرًا بعيدًا عن الرومانسيّات والمشاعر النبيلة والمحدّدات الذاتيّة والطموحات المستقبليّة إلى بناء “دولة موحّدة قويّة” تضع العربَ مرةً أخرى في مكانهم الصحيح على خارطة العالم السياسيّة والاقتصاديّة (على اعتبار وجود دولة عربيّة قويّة في الماضي هي الدولة الأمويّة على الأغلب).
هي أحلام القوة والإمبراطوريّة إذن، لا أحلام العدالة والمساواة بين البشر وإلغاء العسف والاضطهاد من العالم. وحتى الآن، لا يستطيع القوميّ العربيّ أن يجيب على تساؤل: من هو العربي؟ وكيف “يتميّز” عن غيره من الناس؟ وما هو الموقف من غير العرب الذين يشكلون جزءًا أصيلاً وطبيعيًّا من المنطقة؟ إن أيّ إجابة منطقيّة على هذه الأسئلة ستؤدّي إلى إلغاء القوميّة من أساسها بحيث تنتقل الإجابة إلى المربّع الإنسانيّ، أو إلى إعتماد المفهوم العرقيّ أو الثقافيّ لتعريف القوميّة العربيّة. وكلاهما مفهومان إقصائيّان يقودان إلى الهيمنة والفاشيّة.
الحقيقة أنّ الخطاب القوميّ العربيّ يستبطن عنصريّة واستصغارًا لغير العرب، فالقوميّة دعوة إلى تأكيد هويّة الأمّة وشخصيّتها الخاصّة المميّزة أمام الغير؛ وهي فكرة وحركة نضاليّة تهدفان إلى بناء دولة خاصّة بالعرب.(4) وبالإمكان التقاط هذا الأمر بوضوح عندما يأتي الحديث عن الإيرانيين (الذين تتمّ شيطنتُهم بمصطلحات “الصفويين” و”الفرس” و”البويهيين”) أو الأتراك (يشيطنون بمصطلحيْ “الطورانيين” و”السلاجقة”) أو الأكراد (الذين يصوّرون على أنهم عملاء خالصون لـ”إسرائيل”)، أو الأمازيغ (الذين تُخصّص دراساتٌ كاملةٌ لإثبات أصلهم العربيّ وكأنّ الإنتماء إلى العِرق العربيّ سيزيدهم شرفًا وسيقْنعهم بالتخلّي عن ثقافتهم لصالح مقولات القوميّة العربيّة). كما يعادي الخطابُ القوميُّ، في أغلبه، اليهودَ واليهوديّة، لا الصهاينةَ والصهيونيّة، ويعتبر (شأنَ التيّارات الدينيّة) أنّ الصراع في فلسطين هو مع اليهوديّة كدين لا مع الصهيونيّة كحركة استعمارية استيطانية.(5)
وفي حين يخرج يساريو العالم في تظاهرات وفعّاليّات مؤيّدة للحقوق العربيّة (فلسطين، العراق، انتفاضات الربيع العربي)، يندر أن تخرج مظاهرات عربيّة مؤيّدة لقضايا شعوب أخرى في العالم. كما يندر أن يتبنّى اليسار العربيّ قضايا مثل حقوق العمال الوافدين، أو عاملات المنازل الوافدات.
الخطاب القوميّ انعزاليّ في جوهره. فعلى الرغم من أنّ عصمت سيف الدولة، مثلاً، يبدأ تعريفه للقوميّة بأنها “لا تعني … الانعزالَ عن القضايا التي تمسّ المجموعة الإنسانيّة ككلّ أو أيّة مجموعة إنسانيّة منها،” فإنّه يؤكّد هذا الانعزال حين يحدّد الشراكة في القضايا الإنسانيّة “بقدر ما تؤثّر في الوجود القوميّ وحركته” ــــ أي إنّ الاعتبار الإنسانيّ يتحدد بمعايير المصالح القوميّة لا العكس. وهو يؤكّد أنّ “الوجود القوميّ مجرّد وجود خاصّ. فهو إضافة إلى، وليس انتقاصًا من، وجود الجماعات الإنسانيّة الأخرى. وهكذا تكون ‘القوميّة’ علاقة قبول واحترام للوجود الخاصّ لكل مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة”(6) – وهو بهذا يعرّف الإنسانيّة على أنها مجموعة من دوائر “الوجود الخاصّ” لكل مجموعة قوميّة، وهو مفهوم انغلاقيّ ينطبق على أيّ دائرة من دوائر الوجود الانغلاقيّة، مثل الطائفة أو العشيرة. ونستطيع أن نستبدل كلمة “القوميّة” الواردة بالاستشهاد أعلاه بـ “الطائفيّة” أو “العشائريّة” من دون أن تنهار المقولة لأنهما كلتيهما تمثّلان شكلاً آخر من الوجود الإنسانيّ الخاصّ المتشكّل عصبويًّا على مفهوم الدين أو القرابة المباشرة، ولاحقًا على العرق أو الثقافة، أو حتى التجميع الاعتباطيّ.
والقوميّة في مقولاتها حول “الأمة” (التي لم تتشكّل بعد داخل الدولة القوميّة) لا تحمل بعدًا طبقيًّا واضحًا (تمييزًا بين المضطهَد والمضطهِد)، وتواجه فراغاتٍ معرفيّةً كثيرةً بدليل استعارتها النظامَ الاقتصاديّ الاشتراكيّ والعلمانيّة أول الأمر، ومن ثم تحوّلها إلى الليبراليّة واقتصاد السوق (في بعض نماذجها) والحملات الإيمانيّة والمؤتمرات “القوميّة الإسلاميّة” في نماذج أخرى.
لهذا، عمل الخطابُ القوميّ (الذي لا بدّ له من أن ينبني على قاعدة الوجود الخاصّ ليؤكّد “قوميّته” الخاصّة “المتميّزة” عن القوميّات الأخرى) على توليد الفاشيّة الإثنيّة (في مواجهة الفرس والأتراك والأكراد حاليًّا) والقُطْريّة (في الأردن مثلاً انتقل بعضُ “القوميين” و”اليساريين” إلى الدفاع عن الدولة القطْريّة وهويّتها وإلى تعزيز الانقسام المفبرك بين الأردنيين من أصول شرق أردنيّة والأردنيين من أصول فلسطينيّة، خصوصًا بعد الانتفاضة السوريّة).(7) وأدّى ذلك إلى تعزيز الانقسامات الإثنيّة والطائفيّة والمناطقيّة والعشائريّة، وسهّل استغلالها من قبل الأنظمة العربيّة أو القوى العالميّة.
هكذا فشل اليسار (بتأثير الطروحات القوميّة) في التأسيس لمشروع تحرّريّ يضمن العدالة لجميع شعوب المنطقة العربيّة، بما فيها من يُطلق عليهم اسم “الأقليّات العرقيّة” كالأكراد والأمازيغ، الذين هم مكوّن أصيل من مكوّنات المنطقة وجزءٌ أساسٌ من مشروع تحررها، والذين يجب عدم التعامل معهم كغرباء (ضمن مفهوم دائرة الوجود الخاصة بهم) أو كمجموعات عليها أن تتبنّى الهويّة العربيّة لتكتسب مشروعيّتها (الانضمام إلى دائرة الوجود الخاصة بالعرب).

الخجل من المشروع الاجتماعيّ لليسار، والحريّات الاجتماعيّة، وحريّة الرأي والتعبير
الأصل في اليسار أنه مدافعٌ شرسٌ عن الحريّات الاجتماعيّة وحريّة الرأي والتعبير. لكنْ، ولعدّة اعتبارات،(8) يخجل اليسارُ من برنامجه الاجتماعيّ، هذا إنْ كان مقتنعًا به أساسًا (أستثني هنا اليسارَ في المغرب العربيّ). وهو يخجل من الدفاع عن حريّة الرأي والتعبير، خصوصًا في ما يتعلّق بالأديان الإبراهيميّة ونقدها. حريّةُ الرأي والتعبير تأخذ عنده معنى سياسيًّا فقط. لا حديث عن إعادة إنتاج علاقات القوة في الوحدات الاجتماعيّة مثل الأسرة، ولا عن نقد الدين بشكل واضح وتاريخيّ ومفصّل.
وفوق كلّ ذلك، يعاني اليسار العربيّ رهابَ المثليين، ويصادر حقّهم في خياراتهم الجنسيّة، إنْ لم يعتبرهم (مثلهم مثل التيّارات الدينيّة تمامًا) مؤامرة إمبرياليّة/يهوديّة.(9) هذا على الرغم من أنّ أغلب تنظيمات المثليين في العالم تؤيّد قضايانا وتشارك بفعّاليّة في الأنشطة المؤيّدة لفلسطين والعراق (قبل الاحتلال وأثناءه) وما إلى ذلك.

الدفاع عن النظام العربيّ ودولته القطريّة
في العام 2005، وانطلاقًا من استحالة إنجاز مشروع تحرّر يستند على الدولة القطْريّة التي صمّمها الاستعمارُ لإفراغها من إمكانيّاتها التحرّريّة، حاولتُ مع رفاق عرب إطلاقَ شكل تحالفيّ مفتوح مناهض للإمبرياليّة: “نحو تحالف شعبيّ عربيّ مقاوم.” وعلى إثر اجتماع تأسيسيّ عُقد في القاهرة، أُطلقتْ وثيقة تحدِّد أرضيّته الفكريّة/السياسيّة،(10) وقّع عليها عشراتُ الأفراد والتنظيمات اليساريّة والقوميّة. واستمر العمل على هذا المشروع حتى عام 2008، حين انتهى نتيجةً لكسل بعض المجموعات المشاركة، ولمحاولة بعضها تجييرَ العمل لصالحها، ولعدم انسجام أخرى مع الوثيقة التي حضروا للمشاركة بناءً عليها، إضافةً إلى المؤامرات المتعلّقة بالمواقع “القياديّة.” ولم يبقَ من “التحالف” سوى اللائحة الإلكترونيّة التي تحمل اسمه.
المهمّ في هذا الموضوع هو أنّ الفقرة الثانية من الوثيقة نصّت على ما يأتي: “الطبقات الحاكمة والنظم المسيطرة في الأقطار العربيّة… تابعة للإمبرياليّة وتحقّق مصالحها، ولا يمكن أن تكون في المعسكر المناصر لحقوق الشعوب. وما يسمّى ‘إصلاحًا’ تريد تنفيذَه هو كذبة كبرى. وعليه، فإنّ النضال ضدّها هو جزء هامّ من النضال ضدّ الإمبرياليّة.”
هكذا كان الفهم الاستراتيجيّ اليساريّ (والقوميّ) لواقع الأنظمة العربيّة منذ أواسط القرن الماضي. لكنْ، إنْ راجعنا الآن قائمة الموقّعين على الوثيقة، وتابعنا ما يُرسل حاليًّا إلى قائمتها الإلكترونيّة، فسَنعجب من مدى التغيّر في “الفهم الاستراتيجيّ” الذي أصاب بعضَ المشاركين في المشروع حين صار النظامُ السوريّ نظامًا مقاومًا (لا ممانعًا فقط)، وتحوّلت الانتفاضاتُ العربيّة (باستثناء الانتفاضة البحرينيّة) ـــ وبأثر رجعيّ (أيْ بعد الانتفاضة السوريّة) ـــ إلى مؤامرات أمريكيّة إسرائيليّة سعوديّة قطريّة، وتحوّلتْ شعوبٌ بأكملها (كان ينتظرها اليساريون بشغف لتثور) إلى شعوبٍ عميلةٍ تُدار من الخارج!
هكذا تحوّل “يساريون” (و”قوميون”) إلى مدافعين شرسين لا عن النظام السوريّ فحسب، بل أيضًا عن الدولة القطْريّة العربيّة وأنظمتها التي طالما عارضوها بصفتها إفرازاتٍ لمرحلة الاستعمار. وصار سقوطُ النظام السوريّ (وسقوط “الدولة” القطْريّة العربيّة بشكل عامّ) يعني “الفوضى،” وكأنّ النظام الرسميّ العربيّ لم يكن فوضى مضغوطةً بقوة القمع! وصار للنظام العربيّ “دولة،” رغم أنّ “الدولة” العربيّة المعاصرة لا علاقة لها بالدولة المعاصرة: ليس فيها إلّا إرادة الحاكم، بلا قانون، بلا مؤسّسات حكم، بلا عدالة، بلا أيّ شيء؛ بل إنّ رئيس “الجمهوريّة” صار يورّث الجمهوريّة لابنه! أهذه دولٌ أمْ فوضى؟ عمّ يدافع “اليساريون” (و”القوميون”) إذًا؟
ولأنّ المشروع اليساريّ لا يمتلك مشروعًا فكريًّا مؤسّسًا، فقد صار كلُّ مَن يريد أن يقول عن نفسه إنه يساريّ يعامَل كذلك ولو تناقضتْ أطروحتُه مع مبادئ اليسار الأساسيّة. هكذا صرنا نرى يساريين يطالبون بعزل اللاجئين السوريين في الأردن (نعم عزل، المصطلح النازيّ نفسه!)، وبمنعهم من النشاط السياسيّ، وبأن تتدخّل الدولة (أي النظام الأردنيّ) من أجل ضبط ذلك بالقوة(11).

فشل التنظيمات اليساريّة في إشعال الانتفاضات والمساهمة في تحوّلاتها
لم تكن للتنظيمات اليساريّة مساهمة رئيسة في الانتفاضات العربيّة، بل العكس: فعبر سنوات من العمل “الشرعيّ” ساهمتْ في خداع الناس بإمكانيّة “التغيير من الداخل،” وفي إسباغ هالةٍ من الشرعيّة والديمقراطيّة الكاذبة على ممارسات الأنظمة القمعيّة والتفتيتيّة والفاسدة.
جاءت الانتفاضات عفويّة، وتصاعدتْ بشكل تضخميّ، وبادرتْ بها شريحةٌ لم تكن على بال أحد (شباب الطبقة الوسطى) ولطالما اتُّهِمت بأنْ لا أمل يُرجى منها. هكذا أحسّ “اليسار” بالعجز، واكتشف خواءه المعرفيّ والسياسيّ والاستراتيجيّ، واصطدم بضعفه التنظيميّ وانعدام امتداده الجماهيريّ وعدم قدرته على المساهمة في صناعة الواقع الجديد. فما العمل؟ تحوّل إلى اتهام الانتفاضات العربيّة بالعمالة، وحوّلها إلى جزءٍ من مؤامرة كونيّة، وبات يناضل من أجل بقاء النظام الرسميّ العربيّ و”دولته” القطْرية! والجيوش التي كانت توصف بأنها لحماية حدود “إسرائيل” ولحماية الأنظمة العربيّة صارت، وبضربة تحوّليّة يساريّة، الضامن الأول والأهمّ للوطن وتماسكه؛ وصارت دول “سايكس ـــ بيكو” وأنظمتها العميلة دولاً ينبغي الدفاعُ عنها في وجه الفوضى؛ بل وصل الأمر بأحدهم إلى إنكار التاريخ بكليّته في ما يتعلّق بالنظام السوريّ، فأضحى نظامًا ملائكيًّا لم يساعد على ارتكاب مجزرة تل الزعتر، ولم يذهب إلى حفر الباطن لغزو العراق تحت قيادة الولايات المتحدة، ولم يتحالف مع حلفاء “إسرائيل” في لبنان أثناء الحرب الأهليّة، ولم يدخل لبنان بمباركة أمريكيّة/إسرائيليّة، ولم يذهب إلى مؤتمر مدريد “للسلام” مع “إسرائيل”، ولم يكن قاب قوسين أو أدنى من توقيع معاهدة سلام مع “إسرائيل” عام 2008، بل هو يعمل ليلًا نهارًا من أجل تحرير الجولان!
يقابل هذا الوجه من “اليسار” وجهٌ آخر من”اليساريين” الذين تحالفوا مع الولايات المتحدة والقوى الإمبرياليّة، النقيضِ الموضوعيِّ والكامل لليسار، في سياق عملية “التحوّل الديمقراطيّ” قبل الانتفاضات العربيّة وبعدها. وقد كان السبّاق في هذا الأمر الحزب الشيوعيّ العراقيّ، الذي شارك في مجلس بريمر الذي نصّبه الاحتلالُ الأميركيُّ في العراق، واستمرت شراكته في النظام السياسي الطائفي العميل للاحتلال بعدها. ثم لحق بنموذجه آخرون بعد عقدٍ من الزمن، خصوصًا في ليبيا وسورية، دافعين تناقضَهم إلى الاكتمال عبر العمل مع الأنظمة التي طالما شخّصوها بأنها “رجعية” و”عميلة،” ومع المجموعات الدينيّة والتكفيريّة التي تتناقض فكريًّا وسياسيًّا مع اليسار… مع عدم اغفالنا أنّ هذا التحالف يجد جذوره الأوليّة في تحالفات يساريّة سياسيّة سبقتها مع التيّار الإسلاميّ “المعتدل” مثل الإخوان المسلمين.

الكذب وانعدام المصداقيّة والتلفيق
في المسألة السوريّة تجلّى كذبُ “اليسار” وتلفيقُه وتدليسُه، واتّضح انعدامُ المشروع لديه، وبانت ميكانيكيّتُه البائسة: إنْ كانت الولاياتُ المتحدة تريد إزاحةَ بشّار الأسد، فعلينا أن نسانده بغضّ النظر عمّا يمثّله. إنها المؤامرة الإمبرياليّة. جميل! لكنْ، هل كان ينبغي علينا مساندةُ حسني مبارك حين خرج أوباما مطالبًا إيّاه بالتنحّي؟! هذا هو المنطق الميكانيكي الردّ-فعليّ (=الرجعيّ) للـ”يسار”! وفي الجانب الآخر، ثمة “يسار” لا يقلّ تدليسًا: فهو، إذ يعجز عن تحقيق مشروعه “التقدميّ العلمانيّ،” لا يرى ضيرًا من “التعاون” مع الأنظمة الرجعيّة العربيّة (كقطر والسعوديّة) أو بممثّليها، أو “التعاون” مع حلف الناتو والقوى الإمبرياليّة الدوليّة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبيّ)، أعداء اليسار الأساسيين.

خاتمة: هل هذا “يسار”؟
ليس هذا يسارًا. هذا خواء معرفيّ لا يستطيع أن ينتج خطابًا سياسيًّا منسجمًا مع نفسه، ومع المنظومة التي يدّعي الانتماء إليها. ما يوجد على الأرض هو تنظيماتٌ “يساريّة” وأفراد “يساريون” يشبهون في تركيبتهم الأنظمة العربيّة: مداهنون ومداورون ويجيدون لعب السبع ورقات والمناورة والتآمر. أمناء عامون مدى الحياة يأتون بأبنائهم أو زوجاتهم ليرثوا الحزب. قامعون للتيّارات النقديّة وللتجديد. يتجنّبون الفكر والمعرفة والفلسفة والقراءة. يتنصّلون من البرنامج الاجتماعيّ. يستعينون بنقائضهم ويشرعنونها: النظام الرسميّ العربيّ و”الدولة” القطْريّة من جهة، والرجعيّة العربيّة والإمبرياليّة من جهة أخرى.
الفشل هو النتيجة المنطقية لـ “مشروع” يقوم على أسس كهذه. هذا ليس يسارًا. هذه مجموعة من الانفصامات والعقد. اليسار عندنا لم يولدْ بعد. وهذا مربطُ الأمل.

عمّان

هشام البستاني* قاصّ وكاتب من الأردن.

***

الهوامش:

1- تاريخ الحزب الشيوعيّ السوريّ،” صحيفة النور (أسبوعيّة يصدرها الحزبُ الشيوعيّ السوريّ الموحّد)، 29/11/2007،http://an-nour.com/index.php?option=com_content&task=view&id=4050

2- مجلة السجلّ (الأردن)، 1 حزيران 2010.

3- وهو ما أدى في أحد تداعياته إلى انشقاق في الحزب الشيوعيّ الأردنيّ عام 2005،http://articles.abolkhaseb.net/maqalat_mukhtara/arabic/0105/3oda2_120105…

4- هاني الهندي، الحركة القوميّة في القرن العشرين (دراسة سياسيّة) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2012(

5- إبراهيم علّوش، “الصهيونيّة هي الابنة الشرعيّة لليهوديّة،”http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/AlSohyoneyehHeyaAlebnaAlshar3eyalelyahoodeyeh.htm؛ وموفّق محادين، “الصهيونيّة خلفنا واليهوديّة أمامنا،” العرب اليوم، 8/7/2007http://www.old.alarabalyawm.net/pages.php?articles_id=1831

6- عصمت سيف الدولة، نظريّة الثورة العربية، ج 3 (بيروت: دار المسيرة(.

7- حول نقد هذا التيّار، أنظر المقالة المهمّة لجوزيف مسعد، “الأردن بين الوطنيّة والشوفينيّة،” الأخبار، 10 أيلول 2012،http://al-akhbar.com/node/166751

8- أهمُّها التحالفُ ما قبل الانتفاضة السوريّة مع التيّار الدينيّ، وعدمُ الرغبة في الاصطدام بـ “المفاهيم العامّة للمجتمع” (نتذكّر هنا الخطابَ الرسميّ عن وجوب عدم خرق الآداب العامّة والنظام العامّ!).

9- موفّق محادين، “المثليّة الجنسيّة،” العرب اليوم، 16/8/2010، http://www.old.alarabalyawm.net/pages.php?articles_id=12884

10- http://www.aohrs.org/modules.php?name=News&file=article&sid=434

11- موفق محادين، “اللاجئون السوريون في الأردن،” العرب اليوم، 19/6/2012،http://www.alarabalyawm.net/Public_Journalists/Journalist_Article.aspx?l…

***

الرابط للمقال: http://adabmag.com/node/488

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s