أطروحات في الفن: الماركسية وعلم الجمال

Karl Marx Pop No. 5 | 7houghts.wordpress.com
الكاتب/ة: مهدي موسى العامل
المصدر:

هذه أطروحات تتناول مختلف الاشكاليات، وكتبتها لدحض اطروحات بعض النقّاد المثاليين الذين يدّعون بأن الفن والجمال ليس له علاقة بالماركسية، اننا هنا نعرض طرحاً جدلياً بين الاختزالية للفنون في السياسة الثورية وبين محاولات خلع الفنون من العالم الذي يحكمه الاقتصاد السياسي.

• ان اهتمام الماركسيين بالفن هو ليس بالأمر الغريب، فالمانيفستو الشيوعي كُتب على يد فريدرك انجلز، كما ورد في الرسائل المتبادلة بينه وبين ماركس. ولم يضع الأخير إلا اللمسات الادبية في المانيفستو، كانت الصور الفنيّة الشبحيّة هي من التراث الرومانسي في تلك الحقبة، التي لها أثر كبير في الانتاج الراديكالي الفني. وعندما نرجع الى كتاب أمبيرتو إيكو « عن الأدب »، سنجد بأنه لا يعتبر المانيفستو الشيوعي نصاً سياسياً خالصاً، بل هو فناً جمالياً يستدعي الدراسة والتأمّل، « اشباح تغزو اوروبا » كما ورد في مطلع المانيفستو.. هذا التعبير مُخيف ومرعب وليس مجرد طرح أسطوري. كما يحاول ان يتخيّله أحد منا اليوم، فالخيالات ازدهرت في الحقبة الرومانسية وكانت عبارة عن ثورة للمتمردين على النمط الكلاسيكي في القرن التاسع عشر – الذي تملأوه الثورات على الحقبة الإقطاعية وسيطرة النبلاء والملكيّة المُطلقة. ويطالب ايكو بأن يتم تدريس المانيفستو الشيوعي في المدارس مع الروايات والمسرحيات الكلاسيكية لما فيه من جماليّات أدبية تحرّض على الخيال والنقد والفهم للإشكاليات المختلفة في المجتمعات الحديثة. ولا يمكن اختزال الصور الفنية المليئة بالطرح الجمالي لدى ماركس في المانيفستو وحسب، بل في اطروحات نقد هيغل، هنالك العديد من الصور الأدبية الرائعة، على سبيل المثال في نقد الدين عندما قال: « إنه زفرة الانسان المضطهد .. وروح في عالم بلا روح.. عالم منزوع الرحمة.. إنه افيون الشعوب »، وطوّر الماركسي جلبير الاشقر تلك الصور، عبر تحليل سياسي دقيق للدين بوصفه: « كوكايين » و »أفيون » بنفس الوقت– وهذا الجدل بينهما يمكن اكتشافه أكثر عبر قراءة مقال جلبير الاشقر حول الماركسية ونقد السلفية، عندما حلّل جلبير الدين على انه وسيلة لحشد الطاقات، وفي نفس الوقت، وسيلة لتخديرها.

• كان الوصف الفني دائماً حاضراً لدى الماركسيين، فلقد سخر ماركس من أحدهم عندما وصفه بـ دون كخيوته، تلك الرواية الفرنسية المعروفة، التي تصوّر اغتراب الفارس الذي يعيش في حقبة ما بعد الفروسية، فأصبحت كل التقاليد الكلاسيكية للفرسان بلا معنى في الزمن الحديث. وأيضاً نجده يستلهم النقد المادي من بعض الصور الفنية الإغريقية في الأدب، عندما وصف المال « بالعاهرة / القوّاد »، أو في اقتباسه لشيكسبير من مقاطع من تاجر البندقية في نقد استغلال الأطفال في المصانع – عندما تحدّث عن العقد التجاري الذي ينتصر على المتطلبات الانسانية. وتحدّث في الفلسفة، عن الانطلاق من الأرض إلى السماء، بدل الفلسفة المقلوبة لدى المثاليين، في التحليل بدءا من السماء هبوطاً إلى الارض. وهذا بحد ذاته، وصفاً فنياُ، وطرحاً واقعيا للفلسفة، من منظومة التفسير لمنظومة التغيير. وعندما كتب برودون كتابه الشهير: « فلسفة البؤس »، رد عليه ماركس بكتاب بعنوان: « بؤس الفلسفة »، ولم تنته تلك المعارك هنا، بل لقد ضاق ذرعاً بالفلسفة الهزيلة لدى بعض الثوريين فرد عليهم رداً لا يخلو من المزج بين الفلسفة والتصوير الساخر بفن مُتقن، عندما قال: « ذات مرة، قفزت إلى ذهن أحد المغامرين رؤية مفادها: إن الناس يغرقون في الماء فقط لأن فكرة الجاذبية تتملكهم كلياً، لكن اذا استطاع احد ما أن يطرد هذه الفكرة من رأسه بأن يقول مثلاً: انها فكرة سطحية او وهم ديني فسيصبح حتماً محصناً ضد مخاطر الغرق. وبهذا يقضي المغامر حياته كلها مناضلاً ضد وهم الجاذبية الضار والذي من الناحية الاخرى تثبت كل النتائج العلمية والتجريبية صحته .. مع الأسف، أن الفلاسفة الالمان هم من طينة هذا المغامر »، إذن هنا نجد ماركس يثور على العالم الفكري المحض عبر الدلالة العلمية والفنية بطرح الأمثلة والسخرية اللاذعة من المثالية البائسة التي تختزل تحليل الأشياء في عالم الأفكار، فهم كما وصفهم ماركس: يضعون العربة أمام الحصان، وليس العكس – يبحثون في الأفكار ويتناسون عالم الانسان، ولا يُحللون العالم المادي ولا يُعيرون له اهتماماً، بل يعتقدون انه مجرد أزمة وعي. ومن هنا نجد أن الفن والجمال لدى ماركس، يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالعالم المادي وليس بشكل منفصل عنه – ولو أن العلاقة أكثر تعقيداً ويأتي شرحها في الأطروحات القادمة.

• وعندما نبحث في نصوص الماركسيين السياسية، وأدبيّاتهم الحزبية، دائما سنجد تلك الأوصاف الفنية الحادة، التي لا تخلو من الجمال الفني، فعلى سبيل المثال: عندما وصف تروتسكي الحزب الثوري بمقولة رائعة مشبّهاً الحراك الثوري مثل محرّك البخار، فالجماهير هي مثل البخار والحزب مثل المكبس، فالبخار من دون مكبس سيكون غير قابل للعمل بشكل سليم، والمكبس من دون بخار سيكون غير فعّال ولا فائدة منه »، ولو عدنا إلى نصوص الماركسي توني كليف، لوجدنا كماً هائلاً من الأمثلة على ذلك، حيث وصف أحد الببغاوات الذين يكررون العبارات باستمرار، وفجأة كررها وأصاب، فرد عليه كليف قائلاً: « حتى الساعة المعطوبة تُصيب مرتين في اليوم »، او عندما نقَد الاصلاحيين الذين لا يؤمنون بالثورة بل بإصلاح المنظومة السياسية من الداخل، فرد عليهم كليف: « مثل المظلّة من الورق، هي مفيدة، على شرط ان لا تُمطر السماء » – وسماء الرأسمالية دائما ممطرة بالكوارث. وهناك أيضاً نصوص جميلة في الوصف لدى الماركسي جون مولينيو عندما سأله أحد الثوّار عن رأيه في المؤسسات الخيرية، فأجاب قائلاً: « حاول أن تواجه نارا تجتاح المُدن بأكملها بنصف كأس من الماء – فبالطبع سيجيبون عليك: (كل محاولة ولو هي بسيطة فهي مفيدة وكافية)، لكن الكوارث والنيران التي تجتاح المدن تحتاج إلى حلول جذرية، لا لكؤوس منازلكم التي توشك على الاحتراق ». وأحد الماركسيين المحلّيين وصف علاقة الماركسية بالستالينية قائلاً: « مثل علاقة جدّتي برقصة الباليه »، تلك العلاقة المستحيلة والصياغة الفنيّة الساخرة للدفاع عن الماركسية ضد محاولات التشويه التي تشنها البرجوازية. وفي وصف أليكس كالينيكوس للديالكتيك (الجدل والتناقض)، قال: « مثل غليان الماء، ففي تناقض مكوناته عبر الغليان مع التصاعد الحراري يتحوّل من الكم الى النوع – من الماء إلى البخار، وهذا التحوّل والتغيير يحدث مع تصاعد البرودة ايضاً ». وكتب الناقد الماركسي الألماني والتر بنجامين في شتاء 39/1940 نصًا متميزًا تحت عنوان “أطروحات حول فلسفة التاريخ”، هاجم فيه الاعتقاد الشائع وسط اليسار حول حتمية تحقق الاشتراكية نتيجة للتطور التاريخي. وقال “لم يُفسد الطبقة العاملة الألمانية شيئًا بقدر ما أفسدتها فكرة أنها تتحرك في اتجاه التيار ». الثورة ليست نتيجة معينة لتقدم البشرية عبر زمن فارغ متجانس. بل هي “وثبة نمر إلى الماضي” تحشد ذكريات معاناة الماضي وقهره ضد الطبقة الحاكمة. واختتم بنجامين فكرته بالإشارة إلى التراث اليهودي المسيحي، الذي جاء فيه أن “كل ثانية من الزمن بمثابة بوابة ضيقة قد يمر منها المسيح”. (وبعبارة أخرى، الثورات ليست نتيجة متوقعة لحركة التاريخ الأمامية، بل أنها انفجار مفاجئ غير متوقع، في تاريخ يمثل “كارثة واحدة، يتراكم داخلها الحطام فوق بعضه البعض”. يا للوصف المذهل، « وثبة نمر » – تحليل دقيق لحركة التاريخ بإبداع فني ومنهجية علمية في آن واحد. أما الماركسي مارتن سميث، فعندما يُلقي محاضرة عن تاريخ العنصرية العرقيّة، لا يُلقيها في قاعة عاديّة، بل على مسرح وخلفه فرقة موسيقية من العازفين لموسيقى الجاز.. يحملون الساكسفون والكمان والطبل والغيتار، ويتحدّث عن « المخفيّين » في صورة فنية تمثّل تهميش الفقراء الذين ينتجون فناُ ثوريا ومخفيا، وأيضا للتعبير عن الطبقة الكادحة التي لا تجد تمثيلاً في وسائل الاعلام وفي الانتاج الفني، وبعد المحاضرة تعزف الفرقة موسيقى جون كولترين (الباما) التي هي ايقاع لمجاراة خطبة مارتن لوثر كينغ التي ألقاها عندما كان يُعزّي أماً قتلت السلطات أطفالها، فكان التعبير فنياً وسياسياً صاخباً يعكس روح التضامن مع ضحايا العنصرية. أما المناضل الراحل كريس هارمان، فلم يعنون كتابه الاخير بـالرأسمالية والازمات الدورية، بل كان العنوان: zombie capitalism، ماذا يعني ذلك؟ انه تطوير للصورة الكلاسيكية التي طرحها كارل ماركس: بأن رأس المال مثل مصّاص الدماء، والدم هو الربح، ولا يستطيع الرأسماليون الاستمرار في العيش من دون ان يمتصوّا دماء البشر (الكادحين). هنا طوّر هارمان تلك الصورة، من الكائن الغريب (VAMPIRE) إلى Zombie، وهو شرح للاقتصاد العالمي الجديد وعلاقته بالطبقة الكادحة، ليس كائناً غريباً، بل إنها الانسانية المُصابة بفايروس رأس المال، ذلك الفايروس الذي يحوّل جزءا من البشرية الى مصّاصي دماء. في عام 2011، ألقى سلافوي جيجيك خطاباً امام الثوّار في الحركة الاحتجاجية امام وول ستريت قائلاً: “كلنا خاسرون، ولكن الخاسرين الحقيقيين هم هناك في وول ستريت. لقد أُطلق سراحهم بكفالةٍ من مليارات من جيوبنا. وُصِفنا بالاشتراكيين، ولكن هنا دائماً اشتراكية للأغنياء. يقولون اننا لا نحترم الملكية الخاصة، ولكن مع الانهيار المالي لعام 2008، دُمِّرَت الملكية الخاصة المُكتسَبة بشكل أعنف مما لو قمنا جميعًا بتدميرها ليل نهارٍ لأسابيع. سيخبرونكم أننا حالمون. الحالمون الحقيقيون هم هؤلاء من يظن أن الأمور يمكنها أن تستمر الى أجلٍ غير مسمّى على ذات المنوال. لسنا بحالمين. نحن المستيقظون من حلمٍ يتحوّل إلى كابوس. إننا لا ندمّر شيئًا. نحن فقط نشهد كيف يدمّر النظام نفسه. كلنا يعرف المشهد التقليدي من الرسوم المتحركة. تصل القطة إلى شفير الهاوية ولكنها تستمر في السير، متجاهلةً حقيقة أنه لا يوجد شيء تحت سطح الأرض. فقط عندما تنظر إلى الأسفل وتلاحظ الأمر تسقطُ. هذا ما يحصل هنا. إننا نخبر الشباب هناك في وول ستريت “أنتم، أنظروا إلى الأسفل!” – انها خطبة رائعة، تعجّ باللغة الفنية والصور الجماليّة المعبّرة. ومن أهم الثوّار الماركسيين العرب، هو مهدي عامل، الذي قال ذات مرة: « إن لم يكن الفكرُ نقدياً، فهو مخصياً » – دلالة عميقة على ضرورة النقد، بوصف فني حاد وخارق، ويضيف: « فلتتوضّح كلّ المواقف ولْتتحدّد كلّ المواقع ولْتكن المجابهة في الضّوء! إن من لاينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية في أي بلد من عالمنا العربي وعلى إمتداد أرض الإنسان. من لا ينتصر للثورة في كل آن، فهو مثقف مزيف وثقافته مخادعة مرائية! ». ولم يكتف الماركسيون بذلك وحسب، بل الأمثلة لا نهاية لها، فعندما تأمّلت النقد الليبرالي للماركسية في أنها تختزل الاشكاليات في الطبقيّة، فأجبتهم ساخراً: بالطبع، لا تُختزل الزلازل في الإشكالية العلمية لطبقات الأرض، بل الموضوع أكبر من ذلك بكثير، إن السبب الرئيس هو دار « عُهر » في الطابق العشرين، وعقوق الوالدين، والدراما التركيّة! – ولا ينتهي التفاعل عند هذا الحد، فلقد اقتبست بعض المشاهد النزارية (نزار قباني) في الوصف لإسقاطها على حثالة الكتّاب البليدين وأبواق السلاطين، عندما وصفتهم بالـ « أرانب الخشبية والنملة العرجاء التي لم تستطع أن تقطع سنتيمتراً واحداً بأتجاه النقد المنهجي، وإن كان للكلاب خاصية الوفاء، فإن للنقاد الرسميين في الصحف المحلية خاصيّة الانسياق كالخرفان خلف الحمير، إلى أين؟؟ الى الهاوية بالتأكيد! ».

• عندما سئل المفكر غارودي عن حياة الأديب فرانز كافكا، قال: « كان ممزقا بين مهنته في النهار التي تحوّله إلى أداة في جهاز ميت، وبين ميله في الليل إلى عمل واع يؤرّقه ويدوخه ويبدع فيه بالمادة التي حصل عليها من كوابيس الحياة ». كافكا – هو أديب تشيكي، صاحب الرواية المشهورة: « المحاكمة »، والتي هي أطروحة بارعة، استعرض فيها الكاتب الأدب الوجودي من جهة، ونقد مباشر للبيروقراطية الستالينية من جهة أخرى. ومع ذلك .. لا يمكن احتكار انتاج كافكا في موضوع معيّن، لأنه ايضا امتداد لحياة كافكا بكل إشكالياتها ولا يمكن أن نتناسى معاناته على يد السلطات الاوروبية. والأعمال الفنية عند كافكا ليست مفصولة عن الانتاج الاجتماعي للفن، بل هي إعادة إحياء للإشكاليات والمصاعب اليومية بصور جماليّة تستدعي التأمل والدراسة، فكما عبّر عن ذلك قائلا: « الأحداث اليوميّة في ذاتها أشياء خارقة ومهمتي تقتصر على توصيلها »، وهذه مسألة حرجة للقراء والكتاب الذين يعشقون الهروب من الواقع بحجة الفن من أجل الفن، يرد كافكا عليهم قائلاً: « إن الادب هو المسعى الذي يسلك طريقا فوق طاقة البشر. وكل الأدب عبارة عن هجوم على الحدود والحواجز » وقال أيضا: « إن الفن هو أن تبهر الحقيقة انظارنا، فليس هناك ضوء حقيقي إلا الضوء الساقط على الوجه القبيح المتراجع، الفن يحوم حول الحقيقة وهو عاقد العزم على أن يحترق بها ». إلى ذلك، ولأن نصوص كافكا لم تكن يوماً مباشرة، من كان ليعتقد بأن رواية « المحاكمة » أتت في سياق نقد التجربة الستالينية؟ لقد ملأت نصوصه نزعة وجودية تتوغل في العلاقة المتأزّمة بين الفنان والسلطة، بحيث يصبح منتجاً فنياً غير مباشر، يعبّر عن الاشكاليات المختلفة بطريقة جمالية متمايزة. وكتب في اليوميّات، « الرأسمالية نظام لعلاقات التبعيّة التي تتحرّك من الداخل الى الخارج ومن الخارج الى الداخل، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى. فكل شيء هنا يخضع لتدرّج هرمي صارم ويقيد في أغلال حديديّة. إن الرأسمالية وضع مادي ومعنوي أيضا ». وهذا شرح لعلاقة الفرد بالمجتمع المادي مع ما ينتج عنها على المستويين المعنوي والنفسي.

• عندما نبحث في الادب، سنجد نماذج كثيرة لماركسيين عبّروا عن البؤس الاجتماعي بأروع الفنون، ومنهم الشاعر المناضل سيزار فييخو، حيث يقول: “طوبى للبشر البائسين”. وهذا البيت هو بداية لأحد مقاطع قصيدة عنوانها “تائه بين نجمين” يبدأها ببيت من الشعر يستأنفها بالقول: “ثمة بشر بائسون إلى درجة أنه لا جسد لهم”. يبدأ الشاعر بالعديد من مقاطع قصيدته بأبيات هي أقرب إلى اللازمة منها: “طوبى للإنسان الذي يوجد قمل في فراشه… الإنسان الذي ينتعل جزمة مثقوبة تحت المطر.. الإنسان الذي لا عيد ميلاد له.. الإنسان الذي فقد ظله وسط النار” أو “طوبى للإنسان الذي يعمل كل يوم، كل ليلة، كل ساعة، الإنسان الذي يتعرق من الألم أو العار”. كتبت القصيدة في عشرينات القرن المنصرم، وهي قصيدة تسخر من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع الرأسمالي، مصاغة بأسلوب سوريالي، وبروح من السخرية الحادة العبقرية. وهناك أمثلة عديدة لماركسيين أبدعوا في الانتاج الفني بعرض مختلف الأعمال الفنية التي لا تخلو من الجمال، مثل الحائز على جائزة نوبل – الأديب بابلو نيرودا، الذي كان مؤمناً بالثورة البلشفية طيلة حياته، وكان لا يكتب الا بالقلم الاخضر .. تعبيراً عن الامل الذي لا ينضب في روحه الثائرة. \بالإضافة إلى الموسيقار اللاتيني فيكتور جارا، وقصائده التي تنتقد البؤس والشقاء البشري في ظل الرأسمالية والتي تعبّر عن ذلك بجمال لا يفنى في انتاجه الفني المذهل، وتأتي، في نفس السياق، قصيدتا مايكوفسكي: « أمر لجيش الفن » وقصيدة: « غيمة في سروال »، كلها من روائع الفن العالمي.

• لا يخلو الفن العربي من الانتاج الفني الثوري، بل هناك صور جماليّة رائعة، فعلى سبيل المثال، وصف تميم البرغوثي للطفل الفلسطيني وهو يواجه المدرّعات بالحجارة: « ودار مقلاع الطفل بيده .. دورة صوفي مسّه ولعُ »، أو في الشعر الشعبي المصري للماركسي مصطفى ابراهيم، حيث ينتقد في ديوانه « المانيفستو » سيطرة العسكر على الموارد وقيادتهم للثورة المضادة عبر إسقاط رمزي وجمالي رائع – في تصوير روح الحسين بأنه باق على قيد الحياة رغم أنوف العساكر. أما موسيقياً، فهناك تم الرفض أيضاً، وبشكل فردي، لسياسات القمع والاعتقال التعسفي، وذلك عندما غنّت مكادي نحاس: « يا ظلام السجن » – للكاتب نجيب الريّس الذي كتبها وهو في سجون الاستعمار الفرنسي، حيث وجدت القصيدة نفسها عندما غنتها نحّاس بصوتها الشجي والتحوّل الفني من القصيدة إلى الأغنية، في هذا الوقت بالذات هو تعبير صارخ عن أزمة الاعتقالات التعسفية تحت رعاية الأنظمة الراهنة. ومن أجمل الأغاني التي تحتوي على تعبير سياسي مباشر أغنية زياد الرحباني: « شو هالإيام »، عندما قال: « كأنّو المصاري قشطت لحالها .. عـهيدا نتفه وهيدا كتير »، وفيها يصف الاستبداد الطبقي في المجتمعات الرأسمالية بطريقة فنية مذهلة. اما المصوّر الماركسي ياسر علوان، فلقد صوّر الفرد الكادح وأبرز طابع التفرّد بصور واقعية وفنية جميلة لطفل مستغلّ في منطقة المحلّة في مصر، بعكس التصوير الاعتيادي لبعض الثوريين الذين يلغون جماليات التفرّد عبر اختزال التصوير في التقاط وإبراز الحراك الجماهيري – ولو أن الأولى لا تلغي أهمية الثانية، والعكس صحيح. فحسام الحملاوي التقط أجمل مشاهد الحراك الجمعي الذي بحمل دلالات القوة النابضة الرافضة للعنف الممنهج ضده من التفاعل الجماهيري ضد العنف الممنهج ضدها، فهو لا يُلغي الفردية، إنما يُبرز ضرورة الوحدة في الحركة، ويلتقط مشاهد ملغيّة ومشفّرة ويُبرزها كحقائق ويؤرّخ الفعل الناتج عن خبرة الجماهير في النضال وحركتها وطموحاتها نحو التغيير.

• إن محاولات الماركسيين لإبراز الفن السياسي المباشر، لا تكمن في اختزال الفن في السياسة – بل في كونه مهمشاً، وكونه أداة مهمة للإلهام والتأثير. فمن المقبول أن تستغل البرجوازية الفن وتهيمن عليه وتسيطر على الانتاج الفني بكل اشكاله، اما عندما يتشكّل الاعتراض الثوري في مادة فنية – فهذا يُعتبر أمرا غير مقبول وخروجا عن النسق وتسييسا للفن – وكأنما الفن يُنتج في عالم ميتافيزيقي خارج الواقع الراهن.إن هذا المنطق السائد يستوجب النقد الجذري، فحتى جون مولينيو الذي كان مدركاً لأن الفن يستجيب لكل المتطلبات الانسانية ولا يمكن اختزاله في التعبير السياسي المباشر، كان يرعى معرضاً سنوياً تحت شعار: « الرؤية اليسارية »، وكان مؤمناً وداعماً للفن الثوري – فهو اول الداعمين للفنانين وأهمهم ياسر علوان، عبر نشر كتاب يحمل صورة والتكفّل بطباعته في بريطانيا. مفهوم التحرر لدى الماركسيين لا يُختزل في المأكل والمسكن، بل حرية الاختيار الحقيقية والتي تتناقض مع المعايير البرجوازية المفبركة، هي أيضا حرية للفنان وللمفكر وللكاتب، حرية مفقودة في الأسواق الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، هنالك العديد من الموسيقيين الذين اذا خرجوا من الموسيقى الشعبية ووصلوا الى شركات الانتاج الفني، يتم تغيير طبيعة انتاجهم، ويتم تسييس الموسيقى التي ينتجوها، كما حدث مع فرقة الروك (Against me )، التي تخلّت تماماً عن الانتاج الراديكالي الاناركي، وأصبحت كلمات موسيقاها مشوّهة وضعيفة في انتاجهم الحديث، مقارنة بماضيها قبل توقيع العقود مع الشركات – من حيث ضعف الطرح وضعف الأداء الفني. إذا، في المجتمع الرأسمالي، لك مطلق الحرية، في أن تموت جوعاً وأنت تعزف في الشارع، أو أن تكون فناناً بالمقاييس المطلوبة من قبل السلطة، أما أن تستجيب للقيود أو تعود إلى الشارع لتموت جوعاً. بينما التحرر الطبقي، هو أيضاً تحرر فني وثٌقافي بالضرورة.

• إن الانتاج الفني العربي يخضع ايضاً لهذه الأشكال من السيطرة، حيث يتم عرض العديد من الأعمال الفنيّة الضعيفة، بحكم انها مثيرة ومفيدة لتشويه الوعي العام. فعلى سبيل مثال: الأعمال الفنية التاريخية في مسلسلات شهر رمضان، كلها تدعو الى العودة للماضي، وتقديس رموز تاريخية وتأليهها، ومحاولات طمس الحاضر المختلف كلياً عن تلك الحقبة. فالإنسان العربي اليوم، عندما ينظر إلى الخلف، يتوقع بأنه سيكون أمبراطوراُ بعد مشاهدة هذه الأعمال، ولا يعلم بأن تلك المجتمعات تعجّ بالعبيد والفقراء والمهمشين. فيتم تسليط الضوء على القصور، وعلى الفتوحات، وعلى أخلاق السلاطين – و لا يتأمل الفرد الحقيقة خلف تلك الدوافع وحقيقة البنية الاجتماعية ونتاج تلك الحقبة من الدمار والإفقار والقمع السياسي والفكري. وعندما ننظر الى الانتاج الفني المعاصر للفيلم والمسلسل الخليجي، ننظر إلى تسليط الضوء على الإشكاليات الاجتماعية وكما لو أنها اشكاليات تخرج من العدم، وليست نتيجة حتمية لمجتمعات تحكمها ظروف تجذّر هذه الاشكاليات عبر الاستبداد السياسي والاستحواذ الاقتصادي والتمييز ضد المرأة وكل مستويات الهيمنة، فالجريمة لها دوافع، يُخفيها الفن السائد عبر التشفير المزدوج لحقيقة العلاقات الاجتماعية المتباينة في هذه المجتمعات. اذا، هل نُلغي القديم؟ لا ليس بالضرورة، ابداً .. لا ندعو لذلك. فلقد كتبت سيناريو صاخب قبل عدة سنوات، وهو عبارة عن تجديد للرواية الإغريقية التي تتحدّث عن القرصان والاكسندر المقدوني – تشرح الفارق الكبير بين نتاج النهب لدى القراصنة، والنهب المنظّم لدى الأمبراطور – فارق كمّي ونوعي، ولكن الاوّل شرعي والثاني جريمة ضد القانون. كتبت السيناريو وأسقطت المشهد على زمن الخلافة، ولو تأمّلنا ذلك السيناريو لوجدنا العديد من الإسقاطات التي لا علاقة لها بالخلافة، بل هي تعني اليوم .. تعني الآن .. تعنيننا نحن!

• يتأوّه اديب مغترب في مجتمعه، قائلاً: « أين الشعر؟؟ أين المسرح؟؟؟ أين الفن ؟؟ أين الموسيقى »، الشعراء يعتاشون من التكسّب عبر المؤسسات الموجودة تحت إدارة الطبقة الحاكمة – أو احيانا التكسّب المباشر في البلاط، حيث لا يوجد مهنة للشاعر، ولا يوجد مهنة للفنان، ولا يمكن أن نتوقع من الفنان أن يكون فناناً اذا لم يحصل على المتطلبات الأساسية للعيش، فمنظومة الإفقار المادي، هي أيضاً إفقاراً فنياً للطبقة العاملة التي تُشكّل أغلبية المجتمع اليوم، ومنظومة الإفقار الاقتصادي هي أيضاً منظومة إفقار معرفي. إذن أين نجد الفنّانين؟؟ انهم مخلوعون تماماُ عن الانتاج الحقيقي والفعلي، وهذا يعود الى الى ما شرحه ماركس بإسهاب في كتابه « رأس المال » حين حلل علاقات « تقسيم العمل ». فالعمل هنا مفكك ومُقسّم، كي يتم انتاجه بأسرع وقت – من دون أن يعرف العامل أي شيء عن نُظم اتخاذ القرارات والإدارة للإنتاج. ومع كل هذه العوائق، نجد أن الرأسمالي أو الإدارة التنفيذية تغيب في شركة أو مؤسسة أو حتى جامعة، بينما العمل لا ينقطع ولا يتوقف، إلا أن هؤلاء المنتجين لا يملكون أدنى فرصة لإنتاج أي شيء أو تقرير أي شيء خارج عن مهامهم التي أوجدها ربّ العمل، إنه لقمع منظّم للقوى الإنسانية المنتجة والمبدعة وإجهاض كل أنماط الإبداع الفردي عبر الاستغلال الجمعي وتحويل الإنسان إلى آلة.

• اذا، ما دام أن الوضع هكذا، أين الديالكتيك؟! اين التناقضات التي تحدّث عنها الماركسيون؟ بالرغم من هذا، يبقى أن الانسان ليس آلة صمّاء بمعنى الكلمة، ولا هو يعيش خارج التأثيرات الاجتماعية والطبقية. بل هنالك تناقض، وهنالك حراك، وهنالك جدل بين نُظم السيطرة وأطيافها المختلفة وبين المضطهدين والمنفيين عن ملكية الانتاج المادي والفني. وكلمّا احتد الصراع الطبقي، احتدّ أيضاُ الانتاج الثوري، لذلك نرى غانم السليطي الذي أبدع في مسرحية أمجاد العرب، عندما وصف الحالة العربية من قبل الأعداد الكبيرة من البشر التي تتابع قناة الجزيرة، بينما لا يوجد حرية حقيقية في ذلك البلد الذي يدّعي الديمقراطية – فوصف حالة شخص تونسي سمع بأن قطر لديها قناة الجزيرة فهي إذن موطن للحرية، فقال في مطار قطر: « أريد أن أؤسس حزبا سياسيا »، فكانت ردة فعل السلطات عنيفة في المسرحية، بعدها توغّل الفنان في تاريخ الخليج والتحوّل الاجتماعي ما بين الحقبتين– ما قبل النفط وما بعده، وكيف أن منظومة الإفقار لم تنته، مع زيادة الثروات الهائلة التي بإمكانها أن تصنع من الفقر مهزلة علنيّة إلا أن الفقر مستمر ونفوذ العوائل المهيمنة مستمر أيضاً عبر الهيمنة على الانتاج والاحتكار. هناك أعمال كثيرة، تم منعها، عبر الرقابة، التي لا تسمح إلا بأعمال قليلة للعرض، إلا أنه كلما اشتد الصراع، اهتزّت نُظم الرقابة، ولذلك وجدنا أن الفوارق الكبيرة بين الانتاج العربي والخليجي ليس مجرد فوارق في الذهنية المجردة للفنان– بل في مكتسبات الحركة الجماهيرية في فرض إرادتها على السلطة، عبر تاريخ من الاحتجاج والنضال ضد الطبقة الحاكمة. ولذلك لا يحلم الخليجي بمسرحية كمسرحية الزعيم، بينما تاريخ مصر حافل بالنضال والحراك الميداني والانتاج الفني. إن هذا الجدل لا يعني بالضرورة جدلاً مباشراً، بل هنالك نماذج كثيرة لنتائج غير مباشرة، مثل انهيار منظومة العبودية، ليس بفضل حدّة الصراع الطبقي محلياً، بل بالتأثير العالمي وانتصارات لنضال خارج الأقاليم المحلية، فالتأثيرات تصل بصور وطرق مختلفة، مثل تأثير الربيع العربي على الخليج، ونتاجها هنا ليس مجرد إلهام للحراك الثوري، بل أيضاُ نتاجاُ فنياُ وذعراُ طبقياُ من قبل البرجوازية والطبقة الحاكمة للتنازل بأية وسيلة كي لا تفقد شرعيتها ولا يصلها السيل الجارف.

• إن زيادة الثروات الهائلة للبرجوازية السعودية، وزيادة الفقر في نفس الموطن، والجدل بين الأولى والتالية، أدى ايضاً لإنتاج فني من المقاطع المختلفة عبر اليوتيوب، عبر فن السخرية، والأفلام القصيرة، والرسومات على الحيطان (الغرافيتي)، وغيرها من أنماط الانتاج الفني وإن اختلفت مستويات الجمال ودرجة الاتقان، لكن من الأمثلة الجديرة بالاهتمام: الفلم القصير مونوبولي، أو في لوحات الفنان التشكيلي لـزمان الجاسم – حيث يُبرز فيها الفن التشكيلي بصور مختلفة تختلط فيها الأبجدية بالرمز وكأنها موسيقى وليست مجرد لوحات.. والمضمون هنا هو التعبير الصارخ عن وجود شيء آخر، طائفة أخرى، هوية أخرى، بحاجة للخلاص من النظام الطائفي المستبد. لا يرسم الفنان القطيفي زمان الجاسم وحسب، بل أيضاً يستخدم اللحام ويعمل على مختلف المواد، ليشكّل فنا فريدا ومختلفا يصل فيه إلى أعلى مراحل الجمال، ويُبرز فيه الهوية والاغتراب والألم الذي يشعره الفرد في هذا العالم. أما الشاعر المعتقل عادل اللباد، فلقد أبدع في قصيدته: « قل للطغاة »، بطرح جريء، يُخلّد فيه الحراك ويساهم بتأجيجه بأسلوب مباشر، ولا يخلو من الصور الجماليّة الرائعة، فلقد نشر أيضاً ديواناً مليء بالصور الساحرة و الاوصاف المعبّرة – بعنوان: « غضب البحر »، تمتزج فيها العاطفة والطبيعة بالثورة على الطغيان والاستبداد. هنالك نماذج كثيرة، للفن المغمور، والفنانين المقموعين من قبل النظام، ومن بينهم المصوّر الرائع: حبيب المعاتيق، الذي مزج بين الشعر والصورة – واعتقل من قبل السلطات المحليّة.

• قال المسرحي الماركسي بريخت: إن الفنان يحتاج إلى وقت أطول من الوقت الذي يقرر فيه الساسة خوض الحروب، تلك القرارات السريعة بسرعة الضوء. وأنا أقول فعلاً، أن الكتابة الفنية تحتاج إلى وقت أطول بكثير من الوقت الذي يحتاجه خالد بن سلطان لشنّ حملة عسكرية على الحوثيين! والفنان يحتاج إلى وقت أطول بكثير من الوقت الذي يحتاجه درع الجزيرة لعبور جسر البحرين! – وتطوّر الوعي السياسي الثوري في الانتصار على النظام الرأسمالي يحتاج إلى وقت أقصر من الوصول إلى الوعي الفني، فالطبقة المنتصرة لن تتكوّن فنونها بشكل تلقائي كما يعتقد ويزعم بعض الاشتراكيين، بل تحتاج إلى تراكم في الوعي والخبرة الفنية لإنتاج الفن، وهذا رد تروتسكي على المدرسة المستقبلية، بأننا سنحتاج إلى الفن القديم وحتى الفن البرجوازي للاستفادة منه في الحقبة الثورية. بمعنى: علاقة الفن بالثورة ليست علاقة ميكانيكية ولحظية، لأن الانتاج الفني مختلف عن الانتاج العلمي – أو الوعي السياسي – ولا يُقيّم الفن طبقياً وحسب، بل العمل الفني بحاجة إلى تقييم فني، والأدوات الماركسية تؤهّل الناقد لفهم العمل الفني بنظرة شاملة وغير مختزلة، وبنفس الوقت لا يخرج الفن من التحليل الطبقي، إذ هو منتج من منتجات المجتمع الطبقي. هل هذا تناقض؟، أبداً .. بل هذا دراسة التناقضات وفهمها، حيث أن الفنّان أحياناً لا تستهويه السياسة، وبعد تراكم الأكاذيب في كل حملة انتخابية تُخلف ووعودها للجماهير، يُصبح الخيال المحض هو نتيجة لاغتراب الفنان، وتصبح الصورة للسياسي هو الدجل والكذب والاستلاب. لكن الأعمال الفنية البعيدة عن الطرح المباشر في السياسة هي ليست أعمالا منبوذة، بل تحتوي أحياناً على معطيات جماليّة بالغة الاهمية، ومن هنا لو عدنا إلى جون مولينيو، لوجدنا نصوصه التي تتحدّث عن أهمية لوحة الغيتار لبيكاسو، التي لو لم يرسمها لما استطاع أن يرسم لوحة غورنيكا التي هي عبارة عن تعبير ثوري يعبّر عن أوجاع والآلام الإسبان الذين تعرّضوا للقصف الفاشي في الثلاثينات. إذ احتاج بيكاسو إلى أن يتمكّن من الفن التكعيبي قبل أن يرسم لوحة غرونيكا، اذن هناك علاقة تراكمية فنية مهمة في الانتاج، لا يمكن تدميرها عبر أطروحات ستالينية أو التنظير المستقبلي للمدرسة المستقبلية. ولا يمكن تهميش أي فن لا علاقة له بالسياسة الثورية المباشرة، بنفس الوقت ان لا نلغي الفن الثوري المباشر عبر نقد الاختزال. ان هنالك مدارس خرجت كثورة فنية مباشرة في الطرح السياسي، ومن أهمها السوريالية، الذين كانوا مجموعة من الفنّانين الثوريين والمعارضين للحرب والاستغلال – بل أحد رموزها كان ماركسياً.

• لما الخوف من الفن السياسي المباشر؟؟ هل بإمكاننا أن نُشيد ونتأمل لوحة فنيّة للثوري لينين، أم أن هذا تشويه للفن؟! بالطبع ان الموضوع الفني اكثر تعقيداُ من ذلك، حيث لا يجد النقّاد اي اعتراض في تعليق لوحة فنية لنابليون في فندق فرنسي، وبإمكاننا أن نعلّق لوحة ونتأملها ببهجة للبرجوازي هنري فورد في متحف أميركي، وقد يكون الامر مثيرا ومستحسنا لدى النقّاد، أما لينين وتروتسكي فخط أحمر، وهم فعلاً خطاً احمراً جميلاً ولا اعتراض على الموضوع إنما الاعتراض على مقاييس الإبداع في العمل وأهمية استخدام الأدوات الفنية باتقان في الانتاج الفني. لقد رسمت فريدا كهيلو لوحات ببراعة في الفن التشكيلي وأتقنتها وكانت في قمة الجمال في نقد الرأسمالية، إلا انها أيضاً أنتجت فناً مختلفاً وطرحت مُختلف المواضيع المعبّرة التي تُعبّر عن الأمومة والمرض والأمل و الحياة – فلا يمكن أن نقدّس عملاً فنياً لأن الموضوع يثير اهتمامنا، بل يجب أيضاً أن نتأمّل الجمال والإبداع الفني في مُختلف الانماط الفنيّة.

• إن نزار قبّاني يُمثّل نموذجاً رائعاً في الابداع الفني، فقصيدة « لا غالب الا الحبّ » – عنوانها الرومانسي لا يُلغي المضمون الثوري في الابيات التي تُحرّض على الحب والمقاومة والفكر والنقد، بلا شك .. ان على كل ماركسي ان يتأمل تلك القصيدة بما فيها من روائع نادرة في المزج بين الحس والعاطفة والنضال والثورة، ولا يقف نزار عند ذلك الحد، بل يذهب ابعد من ذلك، في نقد البرجوازية وعلاقتها مع المرأة في قصيدة « حُبلى » التي تتوغّل في مشاعر امرأة فقيرة ومُعدمة تحمل معها ابنها امام قصر، فأمر الرجل بإعطائها المال، فرفضت ذلك – لأن تلك الابوّة المشوّهة لا تنسجم مع نسويّة نزار. وعندما سئل عن أجمل قصيدة اختار قصيدة حُبلى. ويصف أيضاً أوصاف حادة، مثل وصف تجّار النفط في قصيدة « يا تونس الخضراء »، عندما وصفهم: « ويخزن النفط في خصيتيه وربّك الوهّابُ »، و كل ذلك يعبّر عن زفرة الانسان المضطهد، في تلك الأبيات المليئة بالشاعرية الرومانسية ونبض الثورة الذي لا يمكن تهميشه ولا يمكن اختزاله في روائع الشعر النزاري. إن التغيير الجذري في البنية التحتيّة: (العالم المادي وسُبل العيش) – جعل من الطرح النزاري منهجاً تقدمياً ضد الطبقيّة والقبليّة والأنماط الكلاسيكية في الأدب، فلا نجد مثلاً الصور الكلاسيكية للجمل في التعبير الجنسي مثل التصوير الجاهلي لدى اليشكري، بل نجد فناً مختلفاً كل الاختلاف، وانعكاساً واقعياً لمجتمع مختلف. فالجمل ليس موجوداً في الشعر النزاري، إلا في وصف رجعية الستالينية العربية أو وصف من تركوا اللينينية وعادوا الى عالم الميتافيزيقيا.

• الفن الحقيقي ليس مختزلاً في الفن الثوري، ولكن هنالك العديد من الصور الجماليّة التي تستدعي التأمّل، و من الضروري مواجهة النظام الرأسمالي بشتى الوسائل، فلم نسمع قط بأن ثورة اندلعت بسبب لوحة في الفن التشكيلي أو معزوفة موسيقية ثورية، إلا ان قصائد درويش وأغاني مارسيل خليفة الهمت الملايين في الحراك الثوري على المقاومة والنضال، فالفنّ هنا مكوّن من مكونات عديدة للوعي النقيض على الوعي المهيمن، ولا ينتصر الوعي على الوعي في عالم مجرّد تحكمه الأفكار، بل ان الفن هو من المكونات الفوقية في الفلسفة الماركسية، والقاعدة هي ليست الاقتصاد المحض، بل الحياة المادية – الرأسمالية بكل مكوناتها. ولقد تعلّمنا من كارل ماركس، بأن نواجه الواقع بحس واع ونقيض لأي حالة من حالات السّكر النخبوي، لذلك من الضروري ان ننشر الوعي، ونناضل بشتى الوسائل، ونتأمّل الجمال، وننتج فنّاً يُلهم الكادحين ويتوغّل في أعماقهم وينتقد تلك الظروف البائسة من الاستغلال والاغتراب البشري – الا أن ذلك لن يُغنينا عن ضرورة العمل الميداني والحراك الفعلي عبر الاحتجاج على السلطة ورأس المال – في مراكز العمل وفي الشارع ضد آلة القمع التي تسيطر عليها الطبقة الحاكمة كي تُهيمن على البنية الطبقية للمجتمع.

• كانت نصيحة تروتسكي للأدباء في كوادر الحزب البلشفي: « اكتب كل ما يجول في خاطرك، و كل ما يدور في رأسك »، وانتقد لينين الرقابة على الانتاج الفني، بل كان دائماً داعماً للتعبير الحر في مجتمع حر من قيود الرجعية واغلال رأس المال. فالصورة النمطية التي اختلقتها الرأسمالية عن الشيوعيّة، هي صورة مفبركة، ولا صحة لها، بل تنطبق على الانظمة الستالينية – التي وصفها توني كليف بـ « رأسمالية الدولة »، وقال تروتسكي: « ان ما بين الاشتراكية و الستالينية نهر من الدم » – فهو ليس خللاً تطبيقياً وحسب، بل اختلافاً منهجياً، بين مجتمع يحكمه عصابة دمّرت التنظيم الذاتي للطبقة الكادحة، وانتهت على يدها كل اللجان العماليّة تحت سلطة الحزب القمعي، و كرّست الطبقيّة لتنافس الامبريالية الغربية. لذلك قال توني كليف، « الاتحاد السوفياتي تحت ستالين.. لم يكن اتحاداً و لم يكن سوفيتياً »، في ظل ذلك النظام، ازدهرت اسوأ انماط الفنون، التي تصوّر التزييف الستاليني عبر فنون تحوّل الفقراء المستغلّين الى ابطال نموذجيين.

• لا وجود لفن حر خارج السياق الطبقي، ولا ضير من التعبير المباشر عن ذلك والاعتراض المباشر على الطبقيّة برغم القيود الصارمة التي تتحكّم بالانتاج الفني عالمياً، فتحرر الفن لن يحدث بدون تحرر المجتمع ، والتعبير الفني المباشر هو مسألة ضرورية على شرط: اتقان العمل الفني بمعاييره، واستخدام شتى الوسائل للتحايل على الرقابة الصارمة في العالم العربي. « ان الفن الضعيف ليس فناً، ولا يخدم الجماهير » كما قال تروتسكي، فلن تُدهشنا قصيدة ثورية مكسورة الوزن، او مسرحية ثورية مُفككة ولغتها ضعيفة، بل الجودة الفنية أمراً في غاية الاهمية، والتعبير الصارخ ضد الظلم هو يفيد ويُثري عالم الفن ولا يُلغيه، ولا يُضعف الانتاج الفني الشامل الذي يعكس متطلبّات وآمال والآلام الانسانية بمختلف اشكالها.

Source : al-manshour

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s