الوعي الجماهيري

صورة أرشيفية – تصوير حسام الحملاوي

يتكون وعي الإنسان بالأساس من الاحتكاك بالواقع المادي، فالوعي هو منظور الإنسان للعالم الذي يبني عليه طريقة تعامله مع العالم، ونتيجة هذا التعامل هو تغيرات جديدة في الواقع وبالتالي مؤثرات جديدة على الوعي وهكذا. يشبه الأمر تفاعلاً كيميائياً مستمراً، يؤدي تفاعل المركبات الموجودة فيه إلى تكوين مركبات جديدة، والتي تدخل بدورها في تفاعل مع باقي المركبات الداخلة في التفاعل بشكل دائم. هذا التفاعل بين الواقع المادي والأفكار هو المحرك الرئيسي لتاريخ البشرية طوال بقائها على هذا الكوكب.

منذ بداية ظهور المجتمعات الطبقية كانت الطبقة الحاكمة تتحكم في الأفكار السائدة في المجتمع لإعطاء صبغة الشرعية على الاستغلال والطبيعة غير العادلة للمجتمع الطبقي، وتبرير دورها ووجودها في السلطة. في مجتمعنا الرأسمالي الحديث، تستخدم الطبقة الحاكمة وسائل الإنتاج الفكري من مناهج تعليم ووسائل إعلام وغيرها في إقناع المليارات من البشر بأن هذا المجتمع القائم على الاستغلال ومراكمة الثروات لدى حفنة ضئيلة من الأشخاص هو طبيعة الكون التي لا يمكن تغييرها، وتوهمهم بأنه اﻷفضل لمصلحة الجميع، وتستخدم منظومات فكرية كالأفكار الليبرالية والإسلامية والقومية وغيرها في إضفاء الأسباب للتمسك بهذا الشكل للمجتمع، ولكن هذه الهيمنة الفكرية ليست قدراً محتوماً.

يؤدي احتكاك الجماهير بالواقع الذي يعيشون فيه إلى بدء إدراكهم للتناقضات بين الخطاب البراق الذي تصدره الدولة الرأسمالية وبين واقع الرأسمالية المؤلم، وتؤدي الأزمات الاقتصادية المتكررة إلى وضوح هذه التناقضات بشكل أكبر لقطاعات أوسع من الجماهير، ومن هنا تنتج حركات الاحتجاج الجماهيرية. لنأخذ مثالاً في حملة « تمرد »: لقد أدى التناقض بين وعود نظام مرسي بالإصلاح و »النهضة » وبين استمرار الاستغلال وتدهور الأحوال الاقتصادية وقمع الشرطة للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وغيرها من مساوئ النظام الجديد المستمر على خطى النظام القديم، إلى سخط قطاعات ضخمة من الجماهير وتوجهها نحو سحب الثقة من محمد مرسي والرغبة في إسقاطه. يمكن ملاحظة أيضاً تفاوت وعي الجماهير في تعاملها مع الحملة؛ فبينما يطالب البعض ببديل ثوري يحقق مطالب العدالة الاجتماعية والحرية، نجد قطاعات مازالت تطالب بانقلاب عسكري أو عودة رموز النظام السابق للسلطة، بينما يضع البعض آمالاً في بعض رموز المعارضة الإصلاحية، وتظل بعض القطاعات متمسكة بالسلطة الحالية خوفاً من التغيير. ينتج هذا التفاوت في درجات الوعي نتيجة لاختلاف المعارك التي تمر بها القطاعات المختلفة مع الاستغلال والقمع وبالتالي تفاوت درجات إدراكها للتناقضات الموجودة في النظام، ويؤثر أيضاً اختلاف الخلفيات الفكرية ومدى تأثر الأفراد بأفكار الطبقة الحاكمة على هذا التفاوت.

الوسيلة الوحيدة لتخطي هذا التفاوت والبدء في تنظيم حركة الجماهير هو وجود حزب ثوري جماهيري قوي يضم الطليعة المتقدمة من الجماهير يقوم بطرح بديل ثوري حقيقي، مما يسهّل عملية تثوير قطاعات أوسع من الجماهير وتقليص الفجوات بين وعيها ووعي الطليعة المتقدمة، بهذه الطريقة يصبح التحرك المنظم نحو تغيير جذري لطبيعة النظام الاستغلالي ممكناً.

الرابط الدائم:

http://revsoc.me/_18756

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s