ما هو الدياليكتيك؟

سلفيستر جافار

بوجه عام، ينتاب المناضل/ة، أول ما يصادف كلمة «دياليكتيك»، انطباع أن الأمر يتعلق بمفهوم معقد. إذ غالبا ما يستعمله أستاذ جامعي، أو مناضل متقدم في السن، وذلك لتفسير فكرة تبدو متناقضة، ومستعصية عن الفهم. على سبيل المثال «لا يمكن تغيير المجتمع عن طريق الانتخابات، ولكن على الثوريين المشاركة في الانتخابات… إنها مسألة دياليكتيكية!» أو « نناضل من أجل إقامة عالم بدون عنف، لكن يجب استعمال العنف لبلوغ ذلك… إنها مسألة دياليكتيكية!»

من المفهوم أيضا أن بقاء التفسير عند هذا الحد، سيجعل المناضل/ة الشاب يستنتج بسهولة أن الدياليكتيك مفهوم غامض يفيد في تبرير كل شيء وأي شيء…

وفي الواقع،الدياليكتيك طريقة تفكير، ومنهجية لفهم الواقع بقصد التمكن من استيعابه على نحو أقرب مما هو عليه فعلا. وهو، من حيث أسسه، بسيط للغاية، وكل فرد يفكر بشكل دياليكتيكي يوميا مرارا عدة دون تبين ذلك. ومن جهة أخرى غالبا ما يمكن كشف فكر غير دياليكتيكي في استدلالات وظيفتها تبرير نزعة المحافظة والحفاظ على النظام.

مبادئ

كل شيء في حركة. هذا طبعا صحيح عندما يقع حدث فجأة كتشييد بناية، وتأسيس نقابة، وشن إضراب. ولكن الأمر صحيح أيضا بالنسبة للأشياء التي تبدو جامدة. قال الفيلسوف الإغريقي هرقليطس «لا نسبح في نفس النهر مرتين». وفي الواقع يتدفق الماء باستمرار، وتتغير أشكال التيارات المائية الخ. وحتى منزل مضت عليه مائة سنة يشهد تغييرات، تبدلات على واجهته، وقد تتصدع عوارضه تدريجيا، إلى أن يتشقق جداره يوما ما، ثم ينهار. ما هو صحيح بالنسبة لنهر ينطبق بالأحرى على حزب سياسي (الذي يتغير أعضاؤه، وتتبدل أيضا توجهاته، ونشاطه) أو طبقة اجتماعية. وحتى منظمة عتيقة جدا وقائمة على عقائد جامدة مثل الكنيسة الكاثوليكية تتغير باستمرار، وتشهد صراعات خفية أحيانا، وأزمات مفتوحة أحيانا أخرى…

يبدو هذا، وقد قيل على هذا النحو، أمرا جليا. غير أنه غالبا ما ُيزعم في وسائل الإعلام والمدرسة والكتب، أن ثمة «مؤنث أبدي»، و«طبيعة بشرية»، الخ. وقد يكون حدث ما يخص بلدين موضوع تبرير ارتكازا على «الطابع القومي» لهؤلاء وأولئك، وغالبا بالاستشهاد بأمثلة تاريخية عريقة لكن منتقاة بعناية. وبما أن الإيديولوجيين الرجعيين مضطرون مع ذلك للاعتراف بوقوع أحداث، تراهم يرتدون إلى رؤية قوامها «تكرار أبدي» للأحداث: إن سيرورة الصراع الاجتماعي، والإضراب والثورة، يمكن أن تحدث، ولكن لا يمكنها أن تحصل سوى على طريقة واحدة. على سبيل المثال تصبح الستالينية نتيجة حتمية لكل ثورة بسبب «طبيعة الشيوعية»، ومن المستبعد مستقبلا أن تفضي ثورة إلى نتيجة مغايرة…

لا يتغير كل شيء وحسب، بل أيضا يتغير كل شيء تبعا لتفاعل عناصر مختلفة. ها هو النهر يغير مجراه من سنة إلى أخرى: لماذا؟ لأن النهر شهد فيضانا، وأن هذا الفيضان بدوره سبب انهيار حواجز، و هذا الانهيار بدوره غير هندسة المنطقة، ما أدى بالنهر إلى تغيير مساره.

شهدت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ازدهارا في متم القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين. وردا على ذلك اعتمدت الطبقات المهيمنة استراتيجيات مبنية على تسويات واستقطاب قادة هذه الأحزاب. بلغت هذه الاستراتيجيات ذروتها مع إدماج هؤلاء القادة في مختلف «الاتحادات المقدسة» خلال الحرب العالمية الأولى. وغيرت هذه الاستراتيجيات بدورها طبيعة لهذه الأحزاب الداخلية، وطورت البيروقراطية فيها، الخ.

مثال آخر: تَكَّسر أنفي: لماذا؟ لأنني أهنت جاري، و هذا الأخير وجه لي لكمة مباشرة بيده اليمنى ردا على ذلك، والآن أنفي مكسر.

كما يمكن، بصدد كل مثال، تحليل التطور الجاري من وجهة نظر معاكسة: المنطقة التي تغيرت بفعل تفاعلها مع النهر، والطبقات الاجتماعية التي تغيرت بسبب تفاعلها مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وجاري التي تغير مزاجه وأصيب في يده نتيجة مشاجرتنا.

هنا أيضا، يبدو كل ذلك جليا بما فيه الكفاية. ولكن غالبا ما يجري في التحليل تجاهل التفاعل مع العناصر الأخرى، فتاريخ الفن والتاريخ السياسي والاقتصادي لبلد ما يجري تدريسهما كمسألتين منفصلتين تماما، ويجري تحليل الثورة الروسية دون اعتبار السيرورة الثورية بالمجر أو بألمانيا أو عدوان الجيوش الأجنبية الأربعة عشر خلال الحرب الأهلية، وتعرض وسائل الإعلام الحركات الاجتماعية بمصر والكفاح من أجل تحرير فلسطين كعنصرين لا يتبادلان التأثير، الخ.

إن واقع تغير كل شيء باستمرار تبعا لتفاعل عناصر عديدة يعني من جهة أن كل شيء يتشكل بفعل ما يتناقض معه، ومن جهة أن كل شيء يضم في داخله بالذات تناقضات. وهذه التناقضات بالضبط هي التي تجبره على أن يكون في حركة دائمة. هكذا، جلي أن وعي الطبقة العاملة يتشكل بفعل مكانتها في المجتمع، و نتيجة الاستغلال والاضطهاد من قبل الطبقة المهيمنة –هذا التأثير يولد فيها تبنيا لأفكار الطبقة المهيمنة، أو أفكارا تتناقض معها.

بفعل هذا، يولد التعارض بين العمال والبرجوازية تعارضا بين العمال أنفسهم –على سبيل المثال بين المضربين وغير المضربين في أثناء حركة نضالية ما. ويمكن أيضا كشف هذا التناقض بين أجزاء مختلفة من وعي عامل فرد. وقد سمى الثوري الايطالي أنطونيو غرامشي هذه الظاهرة بـ«الوعي المتناقض» ورأى فيها مصدر النزعة الإصلاحية [1].

علم الحركة

يتيح لنا هذا المثال الأخير رؤية مدى فائدة فكر دياليكتيكي بالنسبة للمناضلين الثوريين: إذا كانت الإصلاحية معطى جامدا، وفكرة قد تأتي مباشرة من القادة الإصلاحيين ويقبلها العمال كتلة واحدة، فإن ثمة قليل من الأمل في إقناع معظم العمال الإصلاحيين –وبالتالي قليل من الأمل في اندلاع ثورة يوما ما. ولكن إذا جرى تحليل الإصلاحية بما هي النتيجة غير الثابتة لتأثيرات متناقضة، نفهم بيسر أن من الممكن تماما أن يختل التوازن الهش الخاص بهذه الإصلاحية، تبعا لوضع الصراع الطبقي و أنشطة المناضلين الثوريين. و إنه لنموذجي أن يحدث التغيير على نحو سريع جدا: يمكن لتجربة سلطة العمال الجماعية، وقمع الدولة، والصلة بالأفكار الثورية أن تتضافر وتساعد على التخلي عن الأفكار الإصلاحية التي كانت قائمة لعقود.

وكذا في النضال الثوري ذاته، يجب على التحليل الدقيق لاختلالات جهاز الدولة وتوتراته وللطبقة الحاكمة، أن يتيح في كل لحظة توجيه فعل نضالي يسرع ردود فعل متسلسلة تسير في الاتجاهات المأمولة: إضراب عام، شل جهاز القمع، تنامي ثقة العمال، تصدعات في صفوف الطبقة الحاكمة، وانضمام قسم من الجيش إلى صفوف الثورة، الخ. وكل حدث يطرح مشاكل جديدة، وفي الآن ذاته مخاطر جديدة وأسس تقدم جديد.

للقراءة

ننصح بنصين قصيرين وتعليميين: الأول لإنجلز، الفصل الثاني من كتابه الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية، والثاني من تأليف الفيلسوف الماركسي جورج بوليتزر، مقتبس من كتابه مبادئ أولية في الفلسفة، الفصل الثاني.

إحالات

أنظر سارة بنيشو، «أنطونيو غرامشي، الهيمنة بما هي استراتيجية»، », Que faire ? ancienne formule, n° 9, http://quefaire.lautre.net/que-faire/que-faire-lcr-no09-aout-octobre/article/antonio-gramsci-l-hegemonie-comme

Source :almounadil-a

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s