المثالية و اللاهوت في المجتمع الطبقي

رفيق ناصر

يعتقد الغالب الأعظم في المجتمع الطبقي أن الموضوعات الفلسفية لا أهمية لها في الواقع اليومي. سبب ذلك هو حركية المجتمع الرأسمالي وخصائصه التي تحكمها الرغبة اللامتناهية في التملك، لذا تبقى الفلسفة أمام تسارع وثيرة التسويق و التسليع بضاعة مفاهيم نظرية مجردة لا تمس التحولات اليومية للمجتمع في شيء. فهي بصيغة مختصرة مجرد آراء ونظرات متناقضة إلى العالم المجرد؟ بينما تبق العلوم البحثة و التكنولوجيا غاية في الأهمية مادام أنها تستخدم في إرضاء العالم الذي لا يكف عن التطور.

والحال أن الفلسفة ليست مجرد آراء و تصورات، بل هي منظومة من وجهات النظر المطبقة على الواقع المحيط تطبيقا واعيا وهي أيضا تعبير عن المبادئ الأيديولوجية للطبقات الاجتماعية والظروف المحيطة بها و المحددة حسب المصالح. وإذا كان على مسعى العلم أن يحمي الإنسان من ما تفرضه قوة التملك ويحسن بقاءه ويقيه من الزوال المحتوم فعليه أن يؤطر بخلاصات العلوم الإنسانية، وإلا فسيتحول إلى أداة لتغذية الهمجية ووسيلة لإدامة السيطرة الطبقية ومشرعا لكل مظاهر الشر التي تعكسها الحروب اللصوصية والكوارث البيية و تهديد الأمن الغذائي وكل أشكال الاستعمار و الإضطهاد القومي و الطبقي.

إن ما يميز الفلسفة هي باعتبارها تلك النظرة الشاملة و الواسعة للمجتمع و الإنسان و الطبيعة و العالم بشكل أعم. وعلى ذلك فقد كانت منذ نشأتها تحيط بمختلف المواضيع –خاصة في مراحلها الأولى- تلك المواضيع التي أصبحت فيما بعد تأخذ مسارها نحو التخصص كعلوم مستقلة الذات. مع ذلك فقد ظلت دائما تتناول كل المسائل المتعلقة بالنظرة إلى العالم: ما طبيعته، وكيف كان وجوده و طريقة نشوءه وسؤال الأزلية، وما علاقة الإنسان بكل الأشياء المحيطة به، وكيف يتكون وعيه وعلاقته بالمحيط.

اتجاها الفلسفة الرئيسيين : المادية و المثالية

ظلت نظرة الفلسفة إلى العالم دائما محكومة بالسؤال الأساسي حول علاقة الوعي بالوجود، لمن تعود الاولوية؟ ومن له الوقع في تحديد الآخر؟ هل الوعي : الفكر(الروح)، هو من يحدد الوجود( المادة، الطبيعة) أم العكس..كل الظواهر و الأشياء الملموسة و غير الملموسة الموجودة حولنا تنطبق عليها أوصاف هذين المفهومين المتناقضين وعلى أساسهما تقوم حتى اليوم نظرة الفلسفة إلى العالم، فهي إما ذات طبيعة روحية فكرية، أو مادية تحدث خارج وعينا. و أي نظرة إلى العالم لا يمكن ن تنطلق خارج ما هو محصور بين هدين المفهومين، أي إن أي جواب حول مسائل العالم المحيطة متسق وصائب إلى هذا الحد أو ذاك، ينبغي أن يؤسس على أسبقية أحدهما عن الآخر. ولفهم الأحداث التي تدور حولنا ونحدد بدقة موقعنا منها لابد من الإسترشاد بنسق متكامل عن الحياة و العالم. و الفلسفة هي بالتحديد من تعطينا هذه التصورات، طبعا ليس بمعزل عن العلوم الأخرى، بل باستناد عليها و على اكتشافاتها الحديثة. إن الفلسفة هي وحدها من بإمكانه غزل صوف العلوم كلها. فإذا كانت الفيزياء و العلوم الطبيعة مثلا تدرس جزءا من ظاهرات العالم فإن « الفلسفة بالمقابل تدرس أعم القوانين، أي تلك التي تحكم ارتقاء العالم في مجمله. الفلسفة هي علم أعم قوانين ارتقاء الطبيعة و المجتمع و الفكر الإنساني »(1)

وإذا كان من شأن الفلسفة أن تمد البشر بآليات تحليل العالم و بالمعارف الجديدة التي ستجنبه الهمجية والزوال، فإنها لا تقدم دائما نفس التفسير عن الكون و الوجود البشري. هناك دائما في تاريخ الفلسفة تصورات مختلفة عن العالم والقوانين المتحكمة في حركته. واختلاف التصورات الفلسفية ليس إلا تعبيرا عن الصراع الدائم بين التحليل العلمي التقدمي للواقع والآخر المنافي للعلم(رجعي) .ذاك قائم على الإنطلاق من إحدى البدايتين المشار إليهما، أي من أولوية الوعي عن الوجود أو العكس. ثمة في عالمنا أشياء لها وجودها المستقل عن الفكر وهي إجمالا كل ما نتمكن من معرفته بفعل التأثير الذي تمارسه على حواسنا، كما فيه أشياء أخرى لا توجد إلا في وعينا، لا تراها الحواس و لا تحس بها. يتحتم على الفلسفة أن تجيب عن طبيعة العلاقة بين هذين النوعين من الظواهر، هاهنا تنقسم الإجابة وتحدد معسكري الفلسفة الرئيسيين و الدائمي التناقض: مادي، مثالي. الأول ينطلق في تفسير العالم من ذاته دون اللجوء إلى قوى لا مادية، فالعالم يوجد خارج وعينا وله وجوده المستقل عن الوعي و الإنسان، وقد تمكن العلم من البرهان على وجوده قبل الإنسان ووعيه، كحقيقة علمية. ذلك ما كانت تقوم عليه نظريات الفيلسوفان اليونانيان ديموقريط و أبيقور وفلاسفة القرن 18 الفرنسيين لاميتري » غولباخ وديدرو والمادي الألماني فيورباخ، أما المثالية فهي تستند إلى الوعي و الإدراك كأولوية سابقة للوجود، ما يعني أن الظواهر المادية تتولد عن الوعي وهو مايخالف معطيات العلم الواقعية، ومن رموزها الإغريقي أفلاطون والانكليزي بيركلي و هيغل. وتنقسم المثالية إلى من يرى أن الفكرة موجودة موضوعيا باستقلال عن الذات وهي من خلقت العالم، يسمون بالمثاليين الموضوعيين. ومن يرى أن الإنسان ووعيه هما من يتمتعان بخاصية الوجود الفعلي، أما الأشياء المحيطة فلا وجود لها إلا بإدراكها حسيا، إن الذات تولد العالم الذي لا وجود له إلا في وعيها. هذا ما يعبر عنه المثاليون الذاتيون. وفي كل محاولات الإنسان عبر التاريخ لتفسير العالم، كانت أفكاره تعكس الظروف السائدة في عصره، ونوعية الصراع الواقع في المجتمع وطرائق الإهتداء لحل مسائله المعقدة، لذلك لم تبطؤ الفلسفة عن التطور تبعا لما يجري من أحداث وأن تقف إلى جانب أحد أطراف الصراع في المجتمع. وعلى الدوام انتصبت المادية إلى جانب قوى التقدم الصاعدة بينما ذادت المثالية عن مصالح القوى الرجعية البائدة فهي لم تبحث قط عن أصل الكوارث الإجتماعية في ظروف حياة الناس المادية ولا في بناياتهم الإجتماعية ولا في نمطهم الإنتاجي، وإنما في الحياة الروحية و العيوب الفكرية و الأخلاقية. هو إذن صراع « أزلي » في ذات الفلسفة بين مذهبيها، وهذا التحارب لا يعكس سوى ميولات الطبقات الاجتماعية المتصارعة.

المثالية منتوج واحد بتسميات مختلفة

ليست الفلسفات جميعا قادرة على مد البشر بآليات التحليل العلمي التي بها يسترشد لفهم العالم و تحولاته، وما يحتاجه بناء الحياة الجديدة. وبما أنها نظرة عامة إلى العالم تمدنا بقواعد السلوك، فقد عبرت دائما عن دلالات مختلفة تبعا لاختلاف وجهات النظر إلى العالم. ومجملها ليس يمثل الا تعبيرا عن القطبين الرئيسيين في الفلسفة ;قطبي المادية و المثالية. مهما حاول البعض إظهار الفلسفة على أنها قد تحتمل وجود أقطاب أخرى، تدمج بين هذين القطبين. فحسب كتاب »أسس الإشتراكية العلمية، المادية الديالليكتيكية » قد ظهر في التاريخ فلاسفة اعترفوا بهما معا(المادية و المثالية) دون تحديد أسبقية إحدى البدايتين اللتين يرتكز عليهما هذين الاتجاهين، وهم من يسمون بالفلاسفة الثنائيين. غير أن الثنائية لا تستطيع إقامة علاقة بينهما، فإما أن تقف إلى جانب المادية أو إلى جانب المثالية، مما يسقطها في تناقضات لا يمكن لمنظومتها الإهتداء لحلها لاستحالة الانسجام المطلق بينهما. فوق ذلك، ليست الثنائية بالنسبة للمادية و المثالية معا، حلا جديدا لقضية الفلسفة الرئيسية، إنما هي تعبير عن عدم الإنسجام الفلسفي. لذا فإن جميع محاولات الدمج الإنتقائي بين المثالية و المادية ليس في حد ذاته إلا ضربا من المثالية، مثالية مموهة يعبر عنها باصطلاحات جديدة.(2)

إن ذلك في الواقع وخاصة في العصر الراهن، عصر احتداد التناقض الطبقي، محاولات متحايلة لإيجاد حل ثالث لا هو مادي ولا مثالي. هناك من الفلاسفة من ينفون الموضوع الرئيسي للفلسفة ويعلنون أنهم لا ماديين ولا مثاليين. الوضعية مثلا، ليست إلا إحدى تعبيرات هذا التحايل. فقد جرى في القرن 18 عندما كانت البورجوازية طبقة ثورية تناضل ضد الإقطاع وتسعى لاستبدال سلطته بسلطتها، أن كان الفلاسفة البورجوازيون يسعون إلى تغيير المجتمع وكانوا يعلمون الناس أن العالم يمكن معرفته وبالتالي تغييره لأجل خير الإنسان. ولكن نظرتهم هذه لم تبق بحالها على طول الخط « ما كاد القرن ينقضي حتى أخذ الفلاسفة البورجوازيون يعملون على عكس من ذلك، إنه لا يمكن معرفة العالم، لا يمكن إدراك « حقيقة الأشياء » ولن ندركها قط.ومن هنا كان من العبث تحويل العالم… »(3) في القرن 19 شرع الفلاسفة في التعبير عن مصالح البورجوازية المتخلية عن الثورة وأصبحت طبقة محافظة، لا تطيق أي بديل عن سلطتها. هكذا اعتقد الوضعيون أن سلطة البورجوازية دائمة، فشغلوا الناس عن محاولات تغيير المجتمع كما تجاهلت فلسفة « أوجست كومت » الإجتماعية تأثير قوى الإنتاج وعلاقاته. إن أساس الحقيقة عند الوضعيين تسوقها « المعرفة الوضعية الإيجابية »، ذلك بإهمال مسألة العلاقة بين الوعي و الوجود. فهي بلا معنى ولا يتعين على الفلسفة دراستها،هي ليست بامتياز مسألة فلسلفية. »راسل » أحد أعلام الفلسفة الوضعية المنطقية يحصر مهمة الفلسفة في البحث عن تحاليل منطقية للمعرفة العلمية لا أن تعطي معرفة جديدة عن العالم، أي التعلق بما هو موجود وطرح مسائل العالم المعقدة جانبا. ولا يبتعد « كارناب » كممثل آخر عن الوضعية الحديثة عن هذا المنطق. في نظره لا تستطيع الفلسفة الإجابة عن مسائل العالم. المعرفة عنده بعدية والعناصر القبلية لها ملغاة، فهو يتمسك بما يصطلح عليه في علم اللغويات »فلسفة اللغة »، يعني هذا أن جوهر الحقيقة الفلسفية يكمن في تحليل معاني اللغة والإقرار بإمكانية صناعة لغة العلم الخالية من الاحتمالات باعتبارها لغة فيزيائية وصفية تقريرية تصاغ بها الحقائق العلمية التجريبية، استنادا إلى التفريق بين القضايا العلمية التجريبية الملموسة الخاضعة للتحقيق والاختبار، وبين القضايا الميتافيزيقية التي لا يمكن قياس صحتها والبعيدة عن المعطيات الحسية. هنا تلغى الفلسفة باعتبارها علما كليا و تستبعد مسألة النظرة إلى العالم، المسألة الرئيسية في الفلسفة. غير بعيد عن الوضعية تسوق اتجاهات فلسفية بورجوازية أخرى مبررات اضطهاد العمال والمجازر المرتكبة في حقهم باسم الحق و الخير و الجمال و العدالة، كما فعل « التلفيقيون » الفرنسيون على حد تعبير بوليتزر. إن الفكر السائد في عصر ما يعبر بالضرورة عن الظروف السائدة فيه. وهذا يفسر وقوف الفلسفة البورجوازية المعاصرة في صف المثالية في حين كانت قبل قرنين عكس ذلك. إنها عموما شهدت انعطافتين متتاليتين ارتبطتا بالوضع الطبقي للبورجوازية، فبعدما كانت ثورية في عصر الإقطاع، أضحت مناهضة للثورة في القرن 19.

اللاهوت وجه آخر للمثالية:

على خلاصات العلم انتصبت المادية وتطورت كنظرة فلسفية إلى العالم، فيما وقف اللاهوت على الدوام داعما للمثالية كسلاح فكري لاستدامة اوضاع الإستغلال. وبينما كان التفسير العلمي للعالم في صلبه ماديا فإنه يدل على أزلية المادة واستمرار حركتها وينفي نشوءها من عدم. وبهذا فالعالم موجود موضوعيا باستقلال عن الوعي، ومعرفته هي انعكاس للواقع الموضوعي المحيط. لا يعني هذا ان المثالية قد انفصلت تماما عن إمكانية معرفة العالم، وإنما ترجعها إلى « الفكرة المطلقة » التي خلقته، وتتنكر للمعرفة كانعكاس للواقع الموضوعي وتأثير الأشياء على مفاهيم وأحاسيس و أفكار الإنسان.هكذا عبر أفلاطون على مصدر المعرفة في « عالم المثل »، وهيجل في الفكرة المطلقة لذاتها، التي تتعرف على ذاتها في شخص الإنسان. بهذا المعنى تبحث المثالية عن خلاص الإنسان الأبدي في عالم المثل أو في الفكرة المطلقة، لا في العالم الواقعي المحسوس. إنه وعد بالخلاص يتيح تأجيل أي فعل للتغيير إلى ما فوق العالم الطبيعي. نظرة كهذه لا تمكن من تحديد سبيل لتغيير ظروف الحياة، فإذا سلمنا بأولوية الروح على الطبيعة فإن مصدر الأزمات الاجتماعية لا يكمن في بنيات المجتمع ولا في نظامه ولا في طرائق تسييره بل في الحياة الروحية فوق الطبيعية. هي إذن نفس وعود الخلاص ومصادر الأزمات التي يدعو اللاهوت الناس للتعلق بها مقابل صرف النظر عن سبل حل مسائل المجتمع الأساسية. وبذلك يوحي لهم بتفاهة الحياة الدنيا، ولا جدوى لمحاولة تغييرها. بالتأكيد هذا لا يعني أن هناك تتطابق تام بين اللاهوت و المثالية، فهو لا يقدم أي تحليل معرفي للواقع وإنما يكتفي بوصفه، وباستبدال التصديق الأعمى بالمعرفة. أما الفلسفة المثالية و إن كانت هي أيضا تعطي تفسيرا مقلوبا للواقع، إلا أنها كانت في بعض نظمها تحوي « بذرة عقلانية لمعرفة العالم »، فقد أنتج هيجل في فلسفته منطلقا للديالكتيك لكن مثاليته جعلته مقلوبا ومنعته من التخلص من الفكرة المطلقة كمظهر ناتج لتصوره الجدلي. ومع ذلك فإن المثالية و اللاهوت يتقاطعان في المسألة الأكثر أهمية « النظرة إلى العالم »، فكلاهما يتصوران وجود قوة غير مادية خارقة كأصل لكل أشياء العالم. صحيح أن الأصل بالنسبة للاهوت، على خلاف المثاليين يسمى ذاة خالقة، إلا أن ذلك لا يغير في جوهر الأمر شيئا.

بقلم: رفيق ناصر

إحالات 1- فاسيلي بودوستينيك، أوفيشتي ياخوت. ألف باء المادية الجدلية.ترجمة جورج طرابشي. دارالطليعة.الطبعة1.بيروت 1979.

2 -من تأليف مجموعة من الأساتذة السوفيات أسس الإشتراكية العلمية المادية الدياليكتيكية. ترجمة ف.مرعي، ب د،السباعي،ع.جاموس. دار الجماهير.دمشق.

3 – أصول الفلسفة الماركسية. جوج بوليتزر و جي بيس موريس كافين.الجزء الأول. . تعريب شعبان بركات.المكتبة العصرية.بيروت

Source : almounadil-a

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s