صين القرن العشرين- حصيلة نقدية للماوية في الثورة: مساهمة و حدود

تقديم

سُتصدر دار نشر Merlin Press في بريطانيا كتاب Au Loong-Yu حول الصين المعاصرة من سنوات 1980 إلى اليوم China’s Rise : Strength and Fragility . و قد ُطلب من برونو ُجتان Bruno Jetin كتابة فصل عن مكانة الرأسمالية الصينية الجديدة في الساحة الاقتصادية الدولية، و ُطلب مني كتابة فصل عن مساهمة الماوية في الثورة و حدودها.

كان المقصود على نحو ما تحقيق هدفين دفعة واحدة، أي العودة إلى الخلفية التاريخية التي يصعب بدونها فهم التطورات الحديثة، و محاولة تقدير دور الماوية الصينية، من بداياتها حتى الثورة الثقافية.

أحيانا، يثير استعمال لفظ « الماوية » التباسا. المقصود هنا هو الحزب الشيوعي الصيني طيلة الحقبة المديدة التي كان فيها بقيادة فريق مشكل حول ماو تسي تونغ، بيد أنه مكون من أطر ذات مسارات سياسية متباينة، أي حزب بعيد عن اختزاله في تكتل « ماوي ».

على صعيد دولي، لا يدل لفظ « الماوية »، مثل باقي الألفاظ ذات « ية » ، بخصوص الحركات التي تنسب إليه سوى على أمر وحيد، ألا وهو مركزية الثورة الصينية كمرجعية. إنه يشير إلى أحزاب (« ماو ستالينية »، « ماو عفوية »، الخ) قد لا تشترك أي شيء آخر. تلك أيضا حال لفط  » التروتسكية » الذي يشير إلى أهمية المعارضة اليسارية المناهضة للستالينية كمرجعية تاريخية، لا أكثر. إن مناهضة الستالينية لدى بعض المنظمات المنتسبة للتروتسكية لا تمنعها من الاشتغال بطريقة بالغة البيروقراطية أو طفيلية، فيما تخوض أخرى على نحو ملموس المعركة من أجل ديمقراطية مناضلة و شعبية و اشتراكية .

لذا، لا ينطلق التحليل التالي من أيديولوجية (« الماوية »)، بل من تجربة تاريخية بالغة التعقيد. هذه التجربة هي « الحجة » و ليس كتابات ماو. و سنعود إلى تناول هذه المسألة في خاتمة هذا النص.

النص التالي مطابق، في الجوهر، للصيغة التي ستنشرها Merlin Press. فقط أضفت بعض التطوير و الإيضاحات، معتبرا تعليقات آلان كاستان Alain Castan و سامي جوشوا Samy Johsua و أو لونغ-يو Au Loong-Yu التي اشكرهم عليها.

بيار روسيه

يتناول كتاب أو لونغ-يو في الجوهر صين متم القرن العشرين و مطلع القرن الواحد و العشرين، أي نظاما مغايرا جدا لما كان في سنوات 1950-1960، فالقطيعة عميقة. تصعب معرفة إلى أي حد ستحرك ذاكرة الماضي الماوي غدا المقاومات الشعبية لمتطلبات الرأسمالية الصينية، وتكون مرجعية لتيارات يسارية جديدة. أدى العنف بين تكتلات الثورة الثقافية (1965-1968) إلى صدمة حقيقية. و سبب ما أعقبها، من سيطرة عصابة الأربعة على نحو فائق البيروقراطية، إفقاد الاعتبار لخطاب « ثوري » كاذب.

يصح هذا على صعيد دولي أيضا. فماو تسي تونغ الذي كان أمس موضوع تزلف بات اليوم مرذولا. أوجدت الماوية كاريكاتورها الخاص بأوجه هاذية من عبادة الشخصية و الفضائل الكونية المنسوبة [بتأخر] لـ »فكر ماو تسي تونغ ». وثمة،على نحو أعم، ميل إلى جهل الأجيال المناضلة الجديدة لمجمل تجربة ثورات القرن العشرين، كأن فصلا تاريخيا، مفعما بالاحباطات، قد ُطوي نهائيا.

مع ذلك، يتعذر فهم القرن الراهن بنسيان ما كان في القرن الماضي للحروب العالمية و الثورات و الثورات المضادة من مفعول تغييري عميق. هذا الماضي لا يمكن التغاضي عنه ذهنيا. إنه يظل غنيا بدروس عديدة، سلبية و ايجابية على حد سواء.

تمثل الثورة الصينية إحدى الأحداث الكبرى التي أسست العالم المعاصر، وثورة جسدتها بأنظار العالم القيادة الماوية، وتظل ، مهما يكن من أمر، نقطة مرجعية لدى عدد من الحركات الجذرية المعاصرة. نسعى في هذا الفصل إلى العودة إلى الماوية في الثورة الصينية، و علاقاتها و حدودها، بقصد إثراء تفكير نقدي حول دروس صفحة التاريخ هذه- بالسعي توخيا لذلك إلى تجاوز الأفكار المبتذلة.

الطارئ سياقا

شهد القرن العشرون تعاقب أحداث غير متوقعة، من حروب بين الامبرياليات (1914…)، و ثورات ظافرة بالأطراف الشرقية لأوربا (روسيا)، ثم بالعالم الثالث( الصين…)، لا في المراكز الصناعية الغربية كما كان منتظرا، و النازية و الستالينية، و جيوسياسة الكتل المتحدرة من الحرب العالمية الثانية، و تعقيدات سنوات 1965-1975، و انفجار الاتحاد السوفييتي و العولمة النيوليبرالية، و بزوغ الأزمة البيئية الشاملة…

كل مرة، كان الثوريون يواجهون ضرورة إعمال الفكر في الجديد. إنه تمرين صعب- ذو نتائج احتمالية و خلاصات قابلة للنقاش- لكنه ُمخصب. من هذه الزاوية ( مساءلة الجديد…) يُـنظر هنا على نحو مرتد إلى الماضي إلى الماوية في الثورة الصينية.

دخول الماركسية العالم

يصعب اليوم إدراك إلى أي حد كان إمكان ثورة ذات طابع اشتراكي في الصين أمرا متعارضا مع التقاليد. طبعا، كانت ثمة سابقة ثورة أكتوبر 1917- التي كانت قد قلبت معايير الأممية الثانية. كانت تمد بمفاتيح للتفكير في دياليكتيك النضالات الوطنية و الاجتماعية في بلد من العالم الثالث، أي تحليل التطور المتفاوت والمركب، ونظرية الثورة الدائمة … لكن روسيا كانت قوة أوربية ( آفلة). تحت وقع الحرب العالمية الأولى الصادم، كانت راهنية الثورة شاملة أوربا فعلا – كانت ألمانيا إحدى الرهانات الكبرى لسنوات 1917-1923.

كان بها طبعا نقاش حول الماركسية في علاقاتها مع « الشرق » و مع « الغرب »، لكن الشرق كان في تلك الحالة هو روسيا القيصرية! إن التأثيرات  » الأسيوية » على أوربا الشرقية و الإمبراطورية الروسية هو ما كان موضوع خلاف أكثر من آسيا ذاتها في علاقتها بالثورة. التأخر مقابل الحداثة. في الجوهر، كان الأفق الجيواستراتيجي للحركة الاشتراكية ما يزال محدودا جدا. و اتسع فجأة بفعل نتائج الحرب العالمية الثانية و أثر الثورة أكتوبر 1917، و بداية موجة جديدة من النضالات المعادية للاستعمار بالعالم الثالث – و هزيمة الثورة الألمانية، الناجزة في العام 1923، و التي قادت موسكو و الأممية الثالثة إلى التوجه نحو الشرق خارج أوربا لتفادي عزلة الاتحاد السوفييتي.

في الإطار الجيوسياسي لسنوات 1920، أصبحت المسألة الصينية مركزية. وعلى الحدود السيبيرية للاتحاد السوفييتي، كانت الإمبراطورية الصينية في أزمة مفتوحة. كانت الثورة الصينية الأولى قد هزمت سلالة أباطرة كينغ Qing (1911) . وكانت حركة 4 مايو 1919 إعلانا عن تجدد تقدمي واعد، و اندفاعة للمقاومات ضد الامبريالية. لكن الثورة « الجمهورية » للعام 1911 كانت أثارت من الأسئلة حول « الممكنات » الجديدة أكثر مما أتت من أجوبة. لم يكن الأمر يتعلق سوى بطلقة إنذار، لم يتح طابعها المبكر جدا و المحدود إيضاح الدور الكامن لمختلف الطبقات المتصارعة. وكانت طبيعة حزب جديد مثل الكيومنتانغ، الذي كان في عهد صن يات سين يجسد الوعي القومي- غير محددة بدرجة كبيرة. إلى أي مدى كانت دروس الثورة الروسية صالحة لصين سنوات 1920؟ لم يكن بد من التجربة المأساوية للثورة الثانية (1925-1927) كي تتضح الرهانات الإستراتيجية، مكلفة ً ثورة مضادة دامية.

كانت الصين، في الآن ذاته، تشكيلة اجتماعية مغايرة، و خط حضارة آخر، وانتماء إلى مجموعة جيوسياسية أخرى، وتاريخا آخر. في العصر ذاته كانت الكومنترن (الأممية الشيوعية) تواجه « المسألة الإسلامية » التي كانت، بوجود جمهوريات آسيا الوسطى في المجموعة السوفييتية، في صلب نقاشات مؤتمر باكو (1929)، المسمى مؤتمر « شعوب الشرق ».

كان ميلاد أحزاب شيوعية، وعلى نحو أوسع، تطور نضالات معادية للامبريالية بالشرق – من آسيا الوسطى إلى الصين- قد فتح على نحو ما للفكر الماركسي بابا على العالم. من قبل، كان للماركسيين الغربيين الذين تكونوا في إطار الأممية الثانية نظرة عن العالم يمكن نعثها، بوجه عام،بأنها « مطلة من فوق ».

بات واجبا على شيوعيين التفكير في أمر مجتمعاتهم و في العالم من زاوية نظر غير أوربية. لم يكن الأمر بديهيا لأن ملاحظات ماركس حول تعدد خطوط التطور التاريخي – الموجودة بوجه خاص في الغرندريسة Grundrisse و الأعمال التحضيرية لكتاب رأس المال، و من خلال مراسلاته…- كانت مجهولة من الجميع تقريبا بفعل طمسها من قبل من كانوا على علم بوجودها.

فتح « دخول العالم » هذا فصلا بالغ الأهمية في تاريخ الماركسية، فصلا لم يغلق بعد.

الماوية ماركسية  » ُمصيـّنة »؟

بفعل ولادتها في أوربا، وارثة ً تاريخا خاصا، لم تكن الماركسية قابلة للتصدير كما هي تحت طائلة أن تظل حكرا تحت سماوات أخرى لنخبة مثقفة مغربة. طبعا لم يُقل أن بوسعها الانغراس في كل المجتمعات، لكن وجب عليها أينما أمكنها ذلك الانغراس أن تجد جذورا محلية، وتدمج فرادة البنيات الاجتماعية، و تتحدث لغة يفهمها الشعب، و بالتالي الارتباط بموروث ثقافي آخر، و إيجاد « مصادر » أخرى غير الفلسفة الألمانية و الاقتصاد الانجليزي و التأْريخ الفرنسي و تقاليد الحركة العمالية الأوربية…

غالبا ما تُـقدم ماوية ماو بما هي « الماركسية المُـصيّنة ». طبعا بوسعه ادعاء قيامه بتصيين للماركسية. وهذه موضوعة جاء بها ليو تشاوتشي Liu Shaoqi في سنوات 1930، ومذاك تجري العودة إليه في الكتابة الرسمية لتاريخ الحزب الشيوعي الصيني. كان ماو ذاته يعتمد في الغالب كمرجعية تاريخ الصين و تقاليدها الثقافية وحروبها و فكرها العسكري و انتفاضاتها الفلاحية…أكثر من استناده إلى المنظرين الأوربيين او الاتحاد السوفييتي. و يتبوأ مكانة الفيلسوف في مجتمع كونفوشيوسي أكثر مما في مجتمع غربي. لكن، يجب الاحتراس من مماثلة إضفاء الطابع الصيني (تصيين) مع إضفاء طابع ماوي.

تمثل الماوية إحدى أوجه الماركسية  » المُـصيـّنة » لكنها لا تحتكرها. ليس ثمة ماركسية صينية »واحدة »، مثلما لا توجد ماركسية غربية « واحدة » مجسدة في تيار سياسي بعينه. كان « تصيين » الماركسية عملا جماعيا (واعيا الى هذا الحد أو ذاك) خصوصا و أن اليسار الثوري الصيني كان في الأصل تعدديا. لقد كانت اللاسلطوية (الأناركية) في القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين، وبأوجه بالغة التنوع، ذات تأثير في آسيا الشرقية. وكانت علاقة التقليد بالحداثة موضوع نقاش متقد في حركة 4 مايو، ذلك الوسط الثقافي الملائم. و كان الحزب الشيوعي ذاته، الذي أسسته شخصيات قوية، بعيدا عن أي مونوليتية [] و قد كان لي دا شاو Li Dazao و تشن تو كسيو Chen Duxiu، و آخرون، كل بطريقته، قادوا حركة مزدوجة من الانفتاح على الفكر الغربي و إعادة نسخ الماركسية في الصين، وذلك قبل تشكل الماوية.

وبالنظر إلى دور مبعوثي موسكو في تحديد التوجهات السياسية للحزب الشيوعي الفتي، كانت ضرورة التحرر من الوصاية السوفييتية مستشعرة بقوة – بعد هزيمة 1927- من قبل الأطر الشيوعية المتبقية. و تبنى بعضهم، مثل تشن تو كسيو، أطروحات المعارضة اليسارية العالمية المناهضة للستالينية داخل الأممية الشيوعية. و تساءل آخرون،مثل ماو، عن كيفية الحفاظ على القوى العسكرية الثورية المجمعة، بعد الاندحار، في بعض القواعد الترابية الحمراء.

كيف البدء من جديد؟ بالسعي إلى الإجابة على هذا السؤال تشكلت الماوية بين متم سنوات 20 و منتصف سنوات 30. و قد قامت بذلك فيما كانت الأرثوذكسية الستالينية الجديدة تخنق بمثاقيل رهيبة النقاش النظري في الأممية الشيوعية. وفُرضت لتكون عقيدة جامدة لا تقبل مساسا الأطروحة ُ التي مؤداها أن ليس للبشرية برمتها سوى خط تطور تاريخي وحيد، أي تعاقبا وحيدا لأنماط إنتاج. و في الواقع، حتى في الغرب لم يتم الرجوع إلى إعمال الفكر في تعددية التاريخ سوى في سنوات 50 و لا سيما 60 مع نشر أعمال ماركس التي كانت مجهولة على نطاق واسع حتى تلك اللحظة. كان مستحيلا في تلك الشروط فتح نقاش حقيقي حول فرادة المجتمع الصيني قياسا بأوربا.

كانت عملية « تصيين » الماركسية من قبل الحزب الشيوعي الصيني خاضعة بشكل مزدوج لموروث حديث – تراث الأممية الثانية- و لانتصار الستالينية في الاتحاد السوفييتي. و لم توضح نظريا خصوصية التشكيلات الاجتماعية في الصين. و تم ببساطة ترجمة المفاهيم الأوربية – مثل الإقطاعية- بتعابير قائمة من قبل تحيل على الصين الإمبراطورية. ولم يفسر الفرق بين تلك المفاهيم. وكانت عواقب ذلك وخيمة وما زالت مؤثرة، فبدلا من تحليل فرادة مجتمعاتها، اكتفت معظم التيارات الماوية بتوصيفها على نمط واحد بـعبارة « شبه المستعمرة، و شبه الإقطاعية ». و هذه « الشبه » لا تفعل غير إثارة السؤال دون الإجابة عليه- و تبخس قدر نتائج السيطرة الرأسمالية.

جرى تطبيق السياسة الرسمية الرامية إلى « تصيين » الماركسية داخل الحزب الشيوعي الصيني فيما كانت تعددية اليسار الصيني قد قُلصت بفعل ضربات القمع المضاد للثورة الذي مارسه الكيومنتانغ ثم قوات الاحتلال اليابانية، و بفعل إضفاء الستالينية على الأممية الشيوعية. كما امتزجت بالصياغة الأولية لعبادة شخصية ماو. كانت وظيفة الطباع الكوني المجرد للعقيدة الستالينية الجامدة في الاتحاد السوفييتي هي تقوية عبادة ستالين و سلطة المركز الموسكوفي على صعيد عالمي. وكان تصيين الماركسية يضفي شرعية على عبادة مضادة و يتيح للقيادة الماوية تهميشا أسهل للتكتلات المنافسة داخل الحزب الشيوعي الصيني، ومنها تكتل وانغ مينغ Wang Ming المنتسب إلى ستالين.

ثلاثون سنة بعد ذلك، و لحظة الصراع الصيني السوفييتي، اتخذت عبادة ماو، هي أيضا، بعدا دوليا. أصبحت الماوية الرسمية بدورها عقيدة جامدة و ومنتجا أيديولوجيا للتصدير، مفرغة ً موضوعة تصيين الماركسية من مضمونها. لكن المسألة الجوهرية لم تفقد مع ذلك مدلولها. فبتدويلها تتخذ الماركسية، كلما انغرست فعلا في تنويع من المجتمعات، أشكالا إقليمية و وطنية.

فكر استراتيجي خلاق

كانت الثورة الصينية الثانية (1925-1927) محمولة من حركات اجتماعية عريضة، منها إضرابات عمالية، دخول الشعب المديني الكادح حلبة النضال، وانتفاضات فلاحية، و بنيات دفاع ذاتي (ميليشيات…) لكنها تميزت كذلك بمواجهة بين جيوش مشكلة: الكيومنتانغ، و أسياد الحرب… بعد انقلاب كيومنتانغ تشنغ كاي تشيك على حلفائه الشيوعيين و على الحركة الشعبية، تمردت قوات مسلحة وانضمت إلى القواعد الحمراء، التي كانت آخر قلاع ترابية للحزب الشيوعي الصيني.

تجسد « الكفاح المسلح » في الصين بأشكال مغايرة لما توحي به تلك الصيغة عامة. لا يتعلق الأمر بتطور تدريجي لوحدات حرب غوار صغيرة. كان الجنود في الصين يعدون بالملايين، وكان الجيش الأحمر، المشكل ردا على ثورة 1927 المضادة، يضم في البدء زهاء 300 ألف جندي، بقيادة مفوضين سياسيين، و كذا من قبل ضباط تكونوا بالمدارس العسكرية.

كيف البدء من جديد بعد هزائم 1927-1935 المتتالية؟ كان الجواب يتضمن حتما بعدا عسكريا متمثلا في إنقاذ قوات الثورة المحاصرة و المهددة بالإفناء من قبل جيوش أقوى منها عشر مرات،عددا وعدة. خلق هذا الوضع، منتصف سنوات 30، نقاشا عسكريا معقدا داخل قيادة الحزب الشيوعي الصيني و شكل بوتقة للماوية. فماو لم يكتف بالبحث عن جواب ظرفي للوضع، بل استخلص دروس تجربة الثورة الثانية للتفكير في إستراتجية جديدة.

فكر سياسي في الشأن العسكري

لم تخترع القيادة الماوية حرب الغوار. بل استفادت من النقاشات الماركسية السابقة حول الموضوع، ومن التجربة الروسية. و استفادت بوجه خاص من تاريخ وطني عريق من الحروب الفلاحية و من فكر عسكري صيني غني. لكنها قامت بتحيينه ودمجه في منظور إجمالي مع ربط وثيق بين الأسس الشعبية للكفاح المسلح والمحركات الاجتماعية ( تطلعات الفلاحين،…) و الرهانات السياسية (مثل المسألة القومية لحظة الغزو الياباني).

كاد الجيش الأحمر يتعرض للإبادة، لكن ماو تمكن من أن يشكل، أثناء المسيرة الطويلة، فريق قيادة مع أطر قيادية من المقام الأول، قادمة من مختلف تكتلات الحزب الشيوعي الصيني. و بلور هذا الفريق شيئا فشيئا تصورا مجددا للحرب الثورية طويلة الأمد، عندما تسبق الحرب الأهلية (مركبة مع حرب دفاع وطني أو بدونها) لكنها تفضي إلى الظفر بالسلطة. و لا يختزل ذلك التصور في أنماط عمليات عسكرية (حركية ومرونة، تركيز القوى و تشتيتها، تقنيات حرب الغوار…) أيا كانت مع ذلك أهمية هذه الدراية العسكرية. فكي تنتشر مع الوقت يجب أن تكون فعلا متصورة بما هي »حرب شعب ». في سياق تلك الحقبة، كان مفهوم حرب الشعب يطرح مباشرة المسألة الفلاحية.

المسألة الفلاحية

لا تكمن فرادة الماوية في الاعتراف بأهمية المسألة الزراعية و طبقة الفلاحين،، فتلك كانت حالة روسيا. إنها تكمن في القدرة على تنظيمها مباشرة، و الانغراس في العالم القروي، وعدم التحالف مع حركات فلاحية بل قيادتها. لم تكن تلك آخر مرة يضطلع بذلك حزب شيوعي بنجاح، لكنها كانت الأولى، و أية أولى !

يتمثل احد أهم أوجه التجربة الصينية في كونها خيضت من الشمال إلى الجنوب، في مناطق حيث المسألة الزراعية متغيرة جدا وحيث وضع « الفلاح الغني »، مثلا، يحيل إلى أوضاع بالغة التنوع. و تبرز كيف أن تقاليد تضامن جماعي في القرية – التي قد تكون في الصين كبيرة الحجم جدا- ضد الأعداء الخارجيين (عسكريين و جباة ضرائب، و لصوص…) قد تكبح تفتح صراع الطبقات داخل الجماعة القروية، و ُتذكي الحذر من « الأجنبي » و إن كان مناضلا بالحزب الشيوعي. و تلك التجربة تبرز الأهمية القصوى لوضع برنامج زراعي و تطبيقه، مع انه ليس أمرا بسيطا. وعلى الأرجح، لا يقل هذا اليوم صحة مما كان أمس.

كما أتاحت الثورة الماوية التفكير في دور الفلاحين على المدى الطويل و ليس كحليف مؤقت جدا معبأ ضد النظام القديم وحسب. لقد تغير العالم كثيرا مذاك، وتراجع كثيرا وزن الفلاحين. لكن في زمن الأزمة الغذائية و البيئية تتضح الأهمية السياسية الكبرى للفلاحين في كل مشروع تغيير اجتماعي. فزراعة الفلاحين تفرض نفسها بديلا للزارعة الصناعية الرأسمالية التي تفرض سيطرتها على المستهلكين كما على المنتجين، و التي تنزع ملكية مجموعات سكانية كاملة و تدمر الأنسجة الاجتماعية و البيئة. على هذا النحو، تندرج المعركة الجارية اليوم من أجل السيادة الغذائية في دفاع شامل عن الحقوق الأساسية – الديمقراطية و الاجتماعية و البيئية.

الحرب الثورية طويلة الأمد

ببلورة مفهوم الحرب الثورية طويلة الأمد، فتحت القيادة الماوية فصلا جديدا في الفكر الاستراتيجي الماركسي. و ليس هذا أصغر فضائلها. لكن، في البدء كانت خصائص الصين تبدو لها ذات خصوصية لدرجة تعذر استعارة أقطار أخرى لها. فقد اعتمدت على ضخامة البلد التي تتيح لقواها مجال مناورة شاسعا، و على حجم سكانها الذي يتيح تركيزعدد كبير من المقاتلين في كل مكان، و على وجود قواعد حمراء تشكل شكلا فريدا و دائما من ازدواجية سلطة ترابية، وعلى تنافس الامبرياليات في بلد لم يكن مستعمرا بعدُ من قبل قوة ، وعلى تجزؤ الدولة بعد سقوط سلالة كينغ، ما كان يجنبها مواجهة قوة عدوة متماسكة…

لكن، بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت الحرب الشعبية طويلة الأمد أشكال تطبيق عديدة في آسيا و أمريكا اللاتينية، و في العالم العربي و أفريقيا السوداء. و غذت فكرا استراتيجيا شهد تطويرات جديدة ( لا سيما مع التجربة الفيتنامية). و حتى اليوم يظل الكفاح المسلح في بلدان مثل الهند و نيبال و الفلبين و كولومبيا واقعا حاضرا، يثير نقاشات عديدة داخل الحركة الثورية. إن الفكر السياسي العسكري المطور انطلاقا التجربة الماوية (ومن بعدها) لا ينتمي إلى ماض انقضى.

المسألة القومية و التحالفات و الجبهة المتحدة

كانت المسألة القومية في صلب الأزمة الصينية. كانت القوى الامبريالية تعزز سيطرتها على البلد، الذي كان على وشك تقسيمه إلى مناطق نفوذ يابانية –غربية. أما الغزو الياباني (1937…) فقد كان يروم جعل الصين مستعمرته الحصرية. ما هي القوى التي كان بوسعها، في تلك الشروط، أن ـؤمن استقلال الأمة ووحدتها؟ البرجوازية التجارية و الصناعية؟ لقد كانت موجودة بالصين، أكثر من معظم بلدان العالم الثالث آنذاك. على هذا النحو أصبحت الثورة الصينية مختبرا تاريخيا كبيرا حول العلاقات بين المعركة ضد الامبريالية و الديناميات الاجتماعية.

منذ 1926-1927 تأكدت أسبقيات البرجوازية الصينية. بنظرها، كانت الهبة المعادية للامبريالية تفتح،على نحو خطير، الطريق لحركات شعبية لا يمكنها التحكم بها. فأضحت الثورة المضادة أسبقيتها، حتى وإن كانت تعني التخلي لحظيا عن النضال من اجل إعادة التوحيد الوطنية و الاكتفاء مؤقتا بسيادة اسياد الحرب.

بعد عقد من الزمن، وبوجه الغزو الياباني، انقسمت البرجوازية الصينية بين مقاومة و متعاونة. ومع دنو الحرب العالمية الثانية، راهن كيومنتانغ تشانغ كاي تشيك على هزيمة طوكيو يوجه الولايات المتحدة الأمريكية. و سعى، معتمدا على ضخامة مساحة التراب الصيني، إلى إبطاء تقدم الجيوش اليابانية، لكن بالتخلي عن مناطق ترابية لربح الوقت، في انتظرا انتصار واشنطن على مسرح عمليات المحيط الهادي. كان على هذا النحو يحافظ على قواه للتمكن من تحويلها ضد الحزب الشيوعي لحظة يحين ذلك.

كان بوسع سياسة تشانغ كاي تشيك أن تنجح لو لم يكن الخصم هو القيادة الماوية. طبقت هذه مبادئ الحرب الشعبية، حتى بإرسال وحدات من الجيش الأحمر للعمل في المناطق المحتلة، خلف خطوط العدو. و بدلا من التخلي عن أراض، وسع الحزب الشيوعي الصيني مجال عمله. و دل هذا التوجه على فعالية ثلاثية: عسكريا ، واجتماعيا ( انغرس في مناطق جديدة) و سياسيا – ظهر كأفضل مدافع عن الأمة في وقت الاستعجال.

لكن الدرس الصيني لا يقتصر على هذا الأمر. ففي ما بين بدايات الثورة الثانية وانتصار الثورة الثالثة، كانت ثمة تطورات تاريخية عديدة استدعت إعادات توجه هامة. و مثال ذلك، مسألة الجبهة السياسية الموحدة بين الحزب الشيوعي والكيومنتانغ. تطور الحزب الشيوعي الفتي بسرعة فيما كان دخل حزب صن يات سين ( سياسة سميت « الجبهة الموحدة من داخل »)، لكنه لم يسترجع، بفعل ضغط موسكو، استقلاله التنظيمي لما كان تشانغ كاي تشيك يستعد، بعد وفات سين، لسحق الحركة العمالية، بينما كانت الحرب الوطنية تخلي المكان للحرب الأهلية وحدها. تحول الكيومنتانغ من حليف إلى عدو رئيسي. و ظل كذلك طيلة عقد.

أعاد الغزو الياباني طرح مسألة جبهة موحدة بين الحزب الشيوعي الصيني و الكيومنتانغ، هذا بقدر ما كان التطلع إلى الوحدة في الدفاع عن الأمة قويا بين السكان. لكن الفاعلين الرئيسيين كانا يدركان أن الحرب الأهلية كامنة تحت الوحدة الوطنية، مفضية أحيانا إلى معارك دامية بين جيوش تشانغ كاي تشيك و الحمر. لذا، كانت هزيمة طوكيو في العام 1945 فتحا لباب استئناف الحرب الأهلية، التي ظفر فيها الحزب الشيوعي في ثلاث سنوات.

ما لم يتمسك المرء بتحليل تطورات الثورة الصينية و السياسات المطبقة فعلا، قد يبدو الإرث الماوي في مجال التحالفات ملتبسا جدا. فغالبا ما صاغت قيادة الحزب الشيوعي الصيني توجهاتها على نحو « تكتيكي » و حتى كاذب أحيانا. هكذا، باسم الجبهة الموحدة ضد اليابان، امتدحت تلك القيادة تشانغ كاي تشيك، جلاد العمال، دون أن يعبر ذلك فعلا عما تفكر. و أعلنت دمج قواتها العسكرية في جيش الكيومنتانغ، دون أن تفعل شيئا من ذلك طبعا.

يمكن لمنظمات ماوية أن تستفيد من هكذا تصريحات لتبرير سياسات تحالف انتهازية، بمماثلة الجبهة الموحدة مع « كتلة الطبقات الأربع » حيث توجد في موقع تابع للقوى المفترض أنها تمثل « البرجوازية الوطنية ». لكن في الجوهر، كان تصور القيادة الماوية للجبهة المتحدة في الآن ذاته أعظم أهمية و أشد عصبوية.

كان باهمية أعظم لأنه كان يقيم تمفصلا في المدة بين الكتلة الاجتماعية القادرة على خوض المعركة الثورية (الطبقات الشعبية) و توسيع هذه الكتلة لتشمل قوى وسيطة –طلاب، مثقفون، برجوازية صغيرة مفقرة…) و تكتيك يرمي إلى تقسيم صفوف العدو ( هذه فرادته قياسا بتقاليد سياسية أخرى).

و كان اشد عصبوية لأن في مركز سياسة التحالف هذه، كان يوجد الحزب الشيوعي وحده دون سواه. في تصور للجبهة الوحيدة على شكل دوائر مشتركة المركز، ليس للترسيمة غير نواة وحيدة. و لا يتيح تعاونا بين منظمات سياسية ثورية و تقدمية عديدة. و الحال أن التعددية، حتى داخل الحركة الثورية- أصبحت من جديد ما كانته قبل الستالينية، أي القاعدة و ليس الاستثناء.

في الواقع، كان معظم الحركات الماوية التي انخرطت في الكفاح المسلح عصبوية أكثر مما كانت انتهازية . بعد قول هذا، ُيلزمنا الصدق بتسجيل أن الماويين المذكورين لم يكونوا الوحيدين الذي لقوا صعوبة في قبول الأمر: يوجد تعدد في التيارات الثورية، وهذا عادي بالنظر إلى تعقد التجربة التاريخية. و ُتطرح مسألة العلاقات بينها ووحدتها.

النموذج وخيانته

المفارقة أنه بعد التأكيد على الخصوصيات القومية للطريق الصيني، رفعت القيادة الماوية  » حرب الشعب » الخاصة بها إلى مقام أرثوذكسية. و الحال أن كل تجربة كبيرة جديدة هي بالضرورة فريدة (من ثمة هرطقة) وكل سعي إلى تشكيل أرثوذكسية على أساس هكذا تجربة يفضي إلى حرف حقيقتها التاريخية وطمس دروسها الحقيقية.

طبعا، تمكنت حركات ماوية من أن « تكيف »، تحت أرثوذكسية معلنة، التوجه من أجل إجابة أفضل على شروط بلدها أو المرحلة. لكن التوجه المذكور بات بصفته إستراتيجية طوقا حديديا حقيقيا. إذ بات وجبا تطبيق الحرب الشعبية طويلة الأمد في كل البلدان « شبه الإقطاعية و شبه المستعمرة » (إجمالا العالم الثالث). ولم يكن مفترضا أن ُتطرح مسألة الأزمة الثورية، بما هي « لحظة مناسبة » (تعبير فيتنامي) في تلك البلدان التي كانت على نحو ما تعيش بشكل دائم هكذا وضع. كان الكفاح المسلح ُيعتبر في كل وقت شكل النضال الرئيسي الذي يجب أن تخضع له باقي مجالات التعبئة (اجتماعية، ديمقراطية…). و بما أن القرية هي المكان المفضل لمراكمة القوى العسكرية، يجب أن تحاصر المدن. و يجب أن تمر المعركة بثلاثة مراحل: مرحلة دفاعية، ومرحلة توازن القوى، ثم هجوم استراتيجي مضاد.

يستحيل بمنظار قراءة من هذا القبيل، مطبوع بتدرجية عسكرية، فهم تاريخ الثورة الصينية و الجيش الأحمر، التي ولدت « كتلة واحدة » بمناسبة أزمة ثورية شاملة وردا على ثورة مضادة. كما يستحيل إدراك مستتبعات تغير مفاجئ في الوضع يقلب الإطار الاستراتيجي – كما حدث في العام 1937 مع الغزو الياباني –و تطبيقه مثلا مع إعادة تفعيل سياسة جبهة موحدة إزاء الكيومنتانغ. و يستحيل إدراك أهمية « لحظة مناسبة » تتطلب تسارعا قويا لايقاعات المعركة، كما كان في العام 1945 لما بدأ، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، سباق بين الحزب الشيوعي الصيني والكيومنتانغ للاستفادة من هزيمة المحتل الياباني. و أخيرا، يتعذر استيعاب دروس تجارب ثورية كبرى أخرى (فيتنام، كوبا، الجزائر، نيكاراغوا…) المطبوعة كلها بخاتم الفرادة.

إن الثورة الصينية و صياغات القيادة الماوية قدمت الكثير لتطور فكر استراتيجي ماركسي. لكن التقنين اللاحق لـ »مبادئ » حرب الشعب من طرف الحزب الشيوعي الصيني جعل من الصعب نقل دروس تجربته الخاصة.

الحزب الشيوعي الصيني

أي حزب ظفر بسلطة الدولة في العام 1949؟ لقد أذكى تحليل الحزب الشيوعي الصيني نقاشات عدة داخل الحركة التروتسكية العالمية بوجه خاص. وغالبا ما كان ذلك النقاش ملتبسا، بالأقل لأن المشاركين فيه لم يكونوا ُيحملون نعث « ستاليني » نفس المضمون، فالبعض يرى فيه خضوعا فعليا لمتطلبات البيروقراطية السوفييتية، لكنه عند آخرين ذو دلالة أيديولوجية في المقام الأول.

بوجه أعم، أبرزت التجربة الصينية درجة تعقد مسألة تحليل طبيعة الأحزاب، لا سيما في المراحل الانتقالية و في أثناء الثورات. فمسار الحزب الشيوعي دحض الكثير من التوقعات أو كذب كثيرا من الاستنتاجات القاطعة.

كان مفترضا أن يصبح الحزب الشيوعي الصيني أداة طيعة بيد موسكو بعد الاجتثاث الاجتماعي الناتج عن كارثة العام 1927، لكن القيادة الماوية تمكنت، مقابل صراعات تكتلية داخلية ضارية، من الحفاظ على قدرتها على القرار المستقل، دون القطع مع ذلك مع ستالين. في الواقع، اصطدمت سيرورة ستـْلـنة (إضفاء طابع ستاليني) الأممية الشيوعية – و إخضاع فروعها الوطنية- بمقاومات قوية ببعض البلدان: في الصين، وفي يوغوسلافيا و فيتنام… بفعل انهزامه في المراكز المدينية، و غوصه امدا طويلا في العالم القروي الشاسع، لم يكن بد من أن يصير الحزب الشيوعي الصيني حزبا فلاحيا. و الحال أنه منذ انتصار العام 1949، عاد وتمركز في المدن. وعلى المنوال ذاته، أدى كون المقاومة المسلحة إطار وجوده إلى وقوعه في تبعية للعسكر. لكن، حتى النهاية وجهت السياسة البندقية حسب تعبير ماو، و وجه المكتب السياسي القيادة العسكرية ، أيا كان وزن قادة الجيش الأحمر داخله.

كيف يمكن لتحليل حزب من قبيل الحزب الشيوعي الصيني أن يكون بسيطا؟ كان أحد المواليد الأوائل في « العالم الثالث »، و اكتسى سماته في الأممية الثالثة قبل ستالين، و غاص فورا في الزوبعة الثورية لمنتصف سنوات 1920، و عانى في جسده مستتبعات صعود الستالينية بالاتحاد السوفييتي، و تعرض لنار الثورة المضادة في الصين، و غير على نحو جذري انغراسه الجغرافي و الاجتماعي، و انتقل من حرب إلى أخرى ( أهلية، حرب دفاع وطني، حرب عالمية، ثم حرب أهلية من جديد)، و أشرف على مناطق محررة يقطنها زهاء مائة مليون نسمة قبل أن يظفر بالسلطة في أكبر بلد في العالم (بعدد السكان). كان به زهاء خمسون عضوا عند التأسيس و 4,5 مليون عند احتفاله بالنصر بعد ثلاثة عقود!

لا يمكن لأي توصيف مختزل أن يعبر عن تعقد هكذا حزب. « ستاليني »، أو « مناهض للستالينية »، « عمالي » أو « فلاحي »، « متسلط » أو « محرر »… و ماذا لو كان الاثنان صحيحين؟ المهم الاعتراف بدور الحزب الشيوعي الصيني في معركة ثورية بالغة الصعوبة، لكن أيضا وضع الأصبع على تناقضاته الداخلية وتطوراتها الممكنة.

لا يمكن لأي تعريف أن يحل مكان تحليل تاريخي ملموس و دينامي. فلنقل إن الحزب الشيوعي الصيني كان في العام 1949 في الآن ذاته حزب ثورة وطنية واجتماعية كبيرة ظافرة – ومن ثمة عمق صلاته مع السكان- و الحزب-الدولة الذي ستتشكل داخله النخب القائدة في فئة بيروقراطية و تستقل. و سيصبح حزب الثورة المضادة البيروقراطية، بكلفة أزمات تشنجية، قبل أن يصير حزب الإشراف على إعادة تشكيل رأسمالية صينية.

طريق ماوي إلى الاشتراكية؟

بعد إعلان قيام الجمهورية الشعبية، كان النظام الجديد يستفيد من هيبة سياسية عظيمة. وكان للحظة أن تكون لحظة إعادة بناء، لكن اندلاع حرب كوريا (1950-1953) لم يتح له أي مهلة. لم يرغب النظام الصيني في تلك الحرب، لكنه أرسل قواته المسلحة بكثافة إلى شبه الجزيرة ليواجه القوات الأمريكية ثم يردها إلى خط العرض38 . كان ذلك، مرة أخرى، انتصارا، لكن بثمن باهض . إذ كانت الخسائر الصينية ارتفعت إلى 800 ألف قتيل او جريح.

في الصين نفسها، اشتد قمع « المضادين للثورة ». و جرى تحطيم سيطرة الملاكين العقارين و الأعيان على الفلاحين، وكذا سيطرة البرجوازية على العالم المديني. وتفككت دولة الكيومنتانغ و انسحبت جيوشه المهزومة إلى تايوان. طبعا، بقي برجوازيون و أعيان، عقد بعضهم مساومات مؤقتة إلى هذا الحد أو ذاك مع الحزب الشيوعي، وعددا من التسويات المحلية. لكن الطبقات التي كانت تسود في الصين زالت بما هي قوة اجتماعية متماسكة.

لم يكتف النظام بالانتساب إلى الشعب. منذ العام 1950، أسهم قانون الإصلاح الزراعي في تغيير علاقات السلطة في القرية. و حول قانون الزواج مكانة المرأة القانونية تحويلا جذريا. ومع تطور صناعة تابعة للدولة، ظهرت طبقة عاملة جديدة، كانت تعيش بشح لكنها تستفيد من حماية اجتماعية هامة، من عمل مدى الحياة، وسكن وظيفي، و خدمات صحة، و إمكان تشغيل الأبناء… و أصبح العمل لدى مقاولة عمومية وضعا مطلوبا. و فتحت أبواب الجامعة للطبقات الشعبية. وتعرضت الأيديولوجيا الكونفوشيوسية ، البطريريكية و المحافظة لهجوم عنيف. ..

وتهيكل النظام على صعيد وطني حول ثلاثة دعائم : الجيش ( الذي يتدخل في الإنتاج)، و الإدارة و الحزب – دون نسيان مصالح الأمن. وفي صلب الدولة كان الحزب الشيوعي الصيني يستفيد من احتكار للسلطة السياسية. و في هذا البلد العملاق، يظل المجموع معقدا، وقد يتغير تطبيق التوجهات على نحو دال حسب موازين القوى الإقليمية و المحلية، وحتى بين تكتلات شيوعية.

لم يكن لدى القيادة الماوية تصور يخصها للمرحلة الانتقالية. كانت ترجع إلى النموذج الستاليني – أولوية الصناعة الثقيلة…- مع رفض تكرار كارثة سياسة ستالين الزراعية. و بوجه الامبريالية، كانت ترى نفسها جزءا مكملا من « المعسكر الاشتراكي »، لكنها لم تنس الاملاءات، و حالات التخلي و العهود المنكوثة من قبل موسكو. و كانت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي و الصين مطبوعة بحذر متبادل، وكانت بذور الصراع الصيني السوفييتي لسنوات 60 قائمة.

ماذا كان ممكنا أن يكونه « طريق صيني » إلى الاشتراكية؟ انطرح السؤال على قيادة الحزب الشيوعي الصيني في منتصف سنوات 50. كان ستالين قد مات (1953). وكانت أزمات عنيفة تفجرت في أوربا الشرقية ( ألمانيا الشرقية، المجر، بولندة…) وكان « التقرير السري » لخروتشيف في مؤتمر الحزب الشيوعي السوفييتي العشرين -حيث يفضح جرائم ستالين- يسبب مضاعفات مزعجة. وفي الصين ذاتها ظهرت حدود التدابير الأولى المطبقة و برزت توترات اجتماعية جديدة.

كان ماو مفكرا في التناقض: إن كان ثمة أمر أبدي و كوني و شامل فهو وجود تناقضات. كان تصوره للتاريخ ورؤيته للمرحلة الانتقالية مغايرتين فعلا للأيديولوجيا الستالينية أو لرؤى لقيادة الصينية الراهنة التي تمدح « المجتمع المتناغم ». بنظر ماو، كان البناء الاشتراكي، وسيظل، سيرورة صراع طبقي. وكان يرى أن التناقضات الداخلية للجمهورية الشعبية تشكل الرافعة الرئيسة للتغيير الاجتماعي.

لم تكن وجهة النظر هذه تحث بالضرورة على سياسة « يساروية ». في الواقع، ارتأى ماو ،في منتصف سنوات 50، أنه قد حل أوان الخروج من مرحلة « تصفية الحسابات » مع الثورة المضادة التالية للظفر بالسلطة. وكان يميز « التناقضات في صفوف الشعب »، معتبرة « غير تناحرية »، عن التناقضات التناحرية مع المضادين للثورة. وكان، سعيا إلى التحرر من النموذج الستاليني، يبحث عن تحديد سياسة تنمية متوازنة لا تخضع السكان لضغوط قوية أكثر من اللازم. كانت بعض نصوصه الأهم تعبر عن هذه الانشغالات، مثل خطاب 25 ابريل 1956، في اجتماع موسع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، بعنوان « حول التقارير العشر الكبرى »، ومثل نص « المعالجة الصحيحة للتناقضات في صفوف الشعب » (فبراير 1957). كان يعول على تعبئات اجتماعية –متحكم بها طبعا، لكن خارج الحزب- كي يجبر نزعة الجهاز المحافظة على التراجع و يوازن أوجه تصلب النظام (مع تقوية تأثيره الخاص به في القيادة).

عندما حاولت القيادة الصينية تطبيق هذا التوجه، ما من شيء جرى وفق المرتقب. فتحت اللبرلة السياسية الثقافية « مائة زهرة » (1957) الطريق لسيل من الانتقادات لأعضاء الحزب و امتيازات الأطر. و أنهى قمع شرس الانفلاتات. و في هذا السياق أطلق الحزب الشيوعي الصيني سياسة « الوثبة الكبرى إلى أمام » بقصد تأمين تطور صناعة و بنيات تحتية بالعالم القروي، وكذا زيادة الإنتاج و إقامة خدمات اجتماعية داخل تعاونيات كبيرة الحجم. لكن الأهداف المرسوم للوثبة الكبرى باتت مرتفعة على نحو غير عقلاني لدرجة أنها أفضت في 1959-1961 إلى أزمة اقتصادية كبيرة (رفعت مصاعب مناخية حدتها)، مع انقطاع الاتصالات بين الأقاليم، و حالات عوز و مجاعة أسقطت ملايين الضحايا.

تمد نصوص ماو لتلك الحقبة بتوضيحات هامة حول نواياه. كما تظهر حدود براغماتيته و إرادويته. ليس لديه شيء كثير يقوله عن الطبقة العاملة (كان ذلك مجال اختصاص ليو تشاوتشي Liu Shaoqi ضمن فريق القيادة الماوية)، و لا نظرة لديه عن الاقتصاد( مجال تشين يون Chen Yun) – واقتصاد مجتمع انتقالي بوجه خاص- سوى نظرة سياسية أساسا. ولم يستوعب النقاشات الماركسية الجوهرية التي أثارتها على الصعيد الدولي التجربة السوفييتية، و بالأخص في الاتحاد السوفييتي قبل إضفاء الستالينية – النقاشات التي خاضها بوخارين و بريوبراجنسكي و لينين وتروتسكي و آخرون.

تماثل الحزب الشيوعي الصيني مع أفق اشتراكي عالمي، جسدته خلال فترة الأممية الشيوعية. و تبنى العلاقة الجدلية بين التحرر الوطني و الثورة الاجتماعية. لكن الأممية الشيوعية كفت، بفعل ستلنتها، عن كونها إطار تجميع أممي. وفيما كان عدد من القادة الصينيين في الأصل منفتحين على العالم (في فرنسا و في روسيا…) انطوت الحركة الماوية في ترابها الخاص. و أصبحت بانغراسها العميق في المجتمع الصيني ما يمكن تسميته، (بغياب تعبير أفضل؟)، « شيوعية وطنية »، على غرار الحزب الفيتنامي أو اليوغسلافي. وهذا ما شخصه على نحو ما ماو. إذ لم يكن يتكلم أي لغة أجنبية (مع أنه التهم في شبابه ترجمات كتب ومقالات أجنبية). ولم يسافر قط خارج الصين، ما عدا مرة واحدة، بعد إعلان قيام الجمهورية الشعبية، للقاء ستالين في موسكو. و كان شوان لاي Zhou Enlai هو من يمسك زمام المجال الدبلوماسي ، جاعلا من الحكومة الصينية إحدى المحركات الرئيسة لحركة عدم الانحياز (المشكلة في مؤتمر باندونغ في العام 1955).

في سنوات 60، احتدت التوترات بين الصين و الاتحاد السوفييتي بعد أن أبرمت موسكو مع لندن معاهدة حول التجارب النووية أُقصيت منها الصين. و تفاقمت من جديد التوترات الاجتماعية في الصين، ما قسم بعمق الفريق الماوي التاريخي. و في 1965-1966 كفت صراعات التكتلات عن البقاء في حدود جهاز الحزب. دعا ماو إلى تعبئة الحرس الأحمر و دعا أيضا خصومه إلى الخروج إلى الشارع. و أثناء ما ُسمي بشكل سيء « الثورة الثقافية »، برزت تطلعات اجتماعية و ديمقراطية ومساواتية عميقة. و استفادت أقسام كاملة من الشباب من حرية عمل خارقة للمألوف، و جابت البلد كله. لكن الفوضى غلبت. وكانت حركات « ثورية » تتحارب. وكانت منظمات حراس حمر ترتكب أعمال عنف مروعة. وكان الحزب و الإدارة يتفككان و استلزمت إعادة بنائهما سنوات. وحده الجيش صان وحدته. وإليه توجه ماو ليفرض عودة النظام، قامعا الشباب و العمال الراديكاليين الذين تماهوا مع ندائه إلى « إطلاق النار على القيادة العامة » (قيادة الحزب الشيوعي الصيني).

وتوقف فجأة إرساء « طريق صيني » إلى الاشتراكية. وتاهت الماوية التاريخية في اضطرابات صراع التكتلات. و غائصة في البلبلة، لم تجد الحركات الاجتماعية والسياسية ذات الطاقة التحررية مخارج. و في هذه الشروط، أخلت الثورة الثقافية المكان لديكتاتورية بيروقراطية شديدة جدا تحت سيطرة عصابة الأربعة، بمقدمتها جيانغ كينغ Jiang Qing، زوجة ماو. و على الصعيد الدولي، أدى تطبيع العلاقات الصينية الأمريكية في الآن ذاته إلى زيارة الرئيس الأمريكي نكسون لبيكين (1972). ما يدل على أن وصول « مجموعة شانغهاي » إلى السلطة لم يكن يمثل انعطافا  » الى اليسار ».

حول الثورة

لا تمدنا ماوية مرحلة الشيخوخة سوى بـ »دروس سلبية »، فالصراع الطبقي جرت مماثلته مع القمع البيروقراطي، و تم دفع منطق أحادي الجانب حول « العدو الرئيسي » (الاتحاد السوفييتي في هذه الحالة) حتى نهايتها الانتهازية، أي التحالف مع الامبريالية الأمريكية. بيد أنه يجب ألا تحجب هذه النهاية المثيرة للرثاء غنى التجربة الثورية الصينية. فعلاوة على الموضوعات التي تناولناها آنفا، نعود إلى المسائل التالية.

المكونات الاجتماعية للسيرورة الثورية

فيما يخص الثورة الصينية الثانية، غالبا ما انصب الاهتمام على التركزات العمالية الكبرى، أما بشأن الثورة الثالثة فانصب على الفلاحين (راجع أعلاه)، طبعا كانت مكونات الثورة اكثر تركيبا، شاملة الطلاب و المثقفين، و سواد الشعب (حمالون،باعة متجولون، مشردون…) وجنود…وعلى نحو ملحوظ، انعكس هذا الطابع المركب حتى في الأصل الاجتماعي لأعضاء القيادة الماوية المركزية. بعضهم، مولودون في النخب، كانوا « خونة طبقتهم »الأصلية، حسب تعبير شوان لاي (هو ذاته من المثقفين)، فيما تحدر آخرون من شرائح شعبية بالغة التنوع.

كان تشن يي Chen Yi ابن قاض، اشتغل في فرنسا حمالا بالميناء ، و غاسل أواني ثم عاملا بشركة ميشلان. وكان تشن يون Chen Yun من أسرة عمالية، ودينغ كسياوبينغ Deng Xiaoping من أسرة ملاكين عقاريين. وكان والد ليو تشاوتشي مدرسا ، و والد ليو بوشينغ Liu Bocheng (المسمى التنين الأعور) عازفا متجولا. و يتحدر لين بياو Lin Biao من البرجوازية الصغيرة القروية ، و بينغ دوهواي Peng Dehuai من وسط فلاحين فقراء ،قطع الصلة بهم وعمره 11 سنة، وعاش متشردا، « مقتلعا »، يتدبر عيشه من أعمال صغيرة. و ولد ما تسي تونغ في أسرة فلاحين ميسورين، و شوان لاي في عائلة أعيان من الوسط « المثقف ». أما تشوده Zhu De ، فيتحدر من أسرة فلاحية منهارة.

كان لـ »سواد الشعب » دور هام طوال الثورة الصينية، حتى بعد العام 1949، مع نضالات العمال بلا وضع قار أثناء الثورة الثقافية… و اليوم أيضا مع « مهاجري الداخل »، هؤلاء العمال بلا أوراق ثبوتية الذين التحقوا بشكل غير قانوني بالمراكز الحضرية الصناعية.

نضالات النساء

أطر الحزب الشيوعي الصيني النسائية هي أيضا من أصل مركب. كانت تشن شاومين Chen Shaomin ، المتحدرة من أسرة فقيرة، عاملة تخريم. وكانت دينغ يينشاو . Deng Yinchao ابنة قاض، وكانت دينغ لينغ Ding Ling من أسرة ملاكين أغنياء ، و كانغ كيكينغ Kang Keqing من أسرة صيادين فقيرة تخلوا عنها و تبنتها أسرة فلاحين فقيرة أيضا، وعملت فتية جدا في الحقول. و بالمقابل كانت كسيانغ جينغيو Xiang Jingyu بنت أسرة بالغة الثراء و عصرية. وتحدرت Yang Zhihua من أسرة تجار حرير و ملاكي أراض.

كانت القيادة الصينية (لاسيما ماو) مشبعة جدا بتأثير حركة التمرد ضد الأيديولوجيا الكونفوشيوسية، تلك الحركة الداعية إلى تحرر النساء، و التي كانت قوية في الأوساط التقدمية سنوات 1920 بالمناطق الساحلية. بعد المسيرة الطويلة وجد الحزب الشيوعي نفسه بالمقابل في مناطق فلاحية داخلية، ذات نزعة محافظة أكثر، و تأثرت أيديولوجيته بذلك. و في أثناء النضال الثوري تنظمت نساء القرى بصفتهن نساء بمواقع عديدة، من أجل الجهد الحربي، كما ضد الأزواج العنيفين.

ومن الملحوظ بوجه خاص أن القانونين الرمزيين الكبيرين الأولين، الذين صادقت عليهما الجمهورية الشعبية، كانا لصالح النساء. تلك طبعا حالة قانون الزواج، الذي يؤمن المساواة في الحقوق العامة، و أيضا قانون الإصلاح الزراعي، الذي يتيح للنساء تملك الأرض. ولما أعيد إطلاق « روح كومونة باريس » في بداية الوثبة الكبرى إلى الأمام، كان تطور الخدمات الجماعية في الكومونات القروية يرمي (ضمن أهداف أخرى) إلى تحسين وضع النساء… وكانت فيدرالية النساء الديمقراطية تضم 20 مليون عضو في العام 1949 و 76 مليون في العام 1956.

لكن، رغم أوجه تقدم عديدة، لم تحطم النساء على نحو دائم « سقف زجاج » السيطرة الذكورية. في العام 1957، رغم تركيبه الفتي إلى حد ما (كان ربع الأعضاء بعمر أقل من 25 سنة)، لم يكن الحزب الشيوعي يضم سوى 10% من النساء. و بقدر صعود تراتب السلط، بقدر ما يقل تمثيل النساء. و جلي أن صعوبة ثقب « سقف الزجاج » هذا لا تقتصر على الصين، و في هذا البلد وغيره تنطرح ضرورة حركة نساء مستقلة.

حدود التصورات الماوية للسلطة الشعبية

في غضون سنوات 1950، أثيرت مسألة استقلال المنظمات الجماهيرية (لاسيما النقابات) في دوائر الحزب العليا. وكان الجواب سلبيا. رفض حركة نساء مستقلة ( كانت الرابطة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني)، و رفض استقلال النقابات. بنظر كتاب عديدين، لم تكن الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لديمقراطية اشتراكية مستوفاة في الصين. لا يمكن للوهلة الأولى استبعاد هذه الحجة. لكن الدرس الصيني هي أن النموذج الماوي لم يشتغل، رغم ان ماو ذاته صرح انه يحارب « ميلاد » – او « انبعاث » – « برجوازية حمراء »، تذكيها  » النزعة البيروقراطية » و النزعة المحافظة لدى الجهاز، و الامتيازات. و على نحو أدق، ما اشتغل وقت الحروب و الثورات لم يشتغل زمن السلم.

يقضي النموذج الماوي بأن يقوم الإطار الحزبي « المنصت للجماهير » بتجميع تظلماتها وإيصالها إلى القيادات. يجب أن يشتغل « حزام إيصال الحركة » في المنظمات الاجتماعية في الاتجاهين، أي تأمين تطبيق قرارات الحزب، لكن أيضا إطلاع هذا الأخير على حالة السكان الذهنية. لم يشتغل « حزام إيصال الحركة » هذا في آخر المطاف سوى في اتجاه واحد، تاركا السلطة عمياء.وقد أبان جموح الوثبة الكبرى إلى الأمام كلفة ذلك، حيث جرى تجاوز نقاط قطيعة اقتصادية و اجتماعية عدة قبل أن يدرك المكتب السياسي أن البلد سائر إلى كارثة و يبدأ تصحيح توجه « أقصوي »جدا.

أكد ماو على شرعية الخلاف (« التناقضات في صفوف الشعب »)، لكن الاعتراف بالحريات ظل دوما مسألة تقدير سياسي، و درجة ملائمة، و بالتالي إمكان تراجع الحزب عنه بين عشية وضحاها – ما جرى فعلا لحظة المائة زهرة. و جرى الإبقاء على حالة الاستثناء الخاصة بزمن الحرب بعد الانتصار أجلا غير معلوم، ولم تصبح الحريات حقا، مهما قال الدستور في الأمر. و استمرت السياسة تحتل كامل مجال الشأن القانوني. يفهم المرء، في هذه الشروط، كيف أصبحت الديمقراطية الاشتراكية و التعددية متطلبات مركزية للحركة الديمقراطية في مطلع سنوات 1980.

ما ُتبرز التجربة الصينية هو أن الديمقراطية « الاشتراكية » أو  » الشعبية » ليست ترفا بل حاجة. إنها ضرورة وظيفية و ليتست مثلا و حسب. كيف يمكن تجسيدها في بلد مثل الصين في سنوات 1950؟ طبعا ليس الجواب بديهيا، لكن بالأقل يجب طرح السؤال، الأمر الذي لا يتيحه الإطار المرجعي الموروث عن الماوية.

من ثورة مضادة إلى أخرى

بخلاف البرجوازية، لا توجد البيروقراطية كطبقة سائدة لحظة الثورة، انها « تنتصب » تدريجيا كشريحة سائدة في إطار الدولة الجديدة. « يتبلور » جهاز بيروقراطي في بيروقراطية. و تقنن هذه البيروقراطية المتشكلة امتيازاتها، وتزيد من التفاوتات، وتعزز موقعها، و تؤكد مصالحها الجماعية. و ينتهي أمرها إلى التصرف مثل طبقة سائدة (رغم أنها لا تندرج في نمط إنتاج خاص بها)، ما يوجب عليها، لبلوغ ذلك، أن تنهي الإرث الثوري.

سيرورة التبقرط ماكرة، لكن في حالات مثل روسيا و الصين، تتخللها أزمات نظام كاشفة. أدى قمع المائة زهرة إلى فصل الحزب الشيوعي الصيني عن قسم من الطلاب و المثقفين التقدميين. و نتج عن فشل الوثبة الكبرى إلى الأمام فقد ثقة بين الحزب و قطاعات كاملة من الفلاحين، مع نيل من مكانة ماو نتج عنه تشقق في القيادة. و أدى القمع الكثيف أثناء الثورة الثقافية إلى قطيعة بين التكتل الماوي واليسار الجذري الطلابي و العمالي الذي شعر، ُمحقا، أنه تعرض للخيانة.

تقصف الفريق الماوي التاريخي نهائيا، فثمانية من أعضاء المكتب السياسي الإحدى عشر هم في السجن أو مراكز إعادة التربية، ومات بعضهم. و جرى استبعاد تسعة أعشار مسؤولي مختلف مصالح اللجنة المركزية. ومن 63 عضوا عاملا باللجنة المركزية، اختفى 43 و تعرض 9 لنقد قاس. و نفس الشيء من أعلى إلى أسفل. كان الحزب الشيوعي الصيني بُعيد الثورة الثقافة منهارا – و عادت أزمة القيادة (تصفية لين بياو). ومع إعادة البناء البطيئة للحزب و الإدارة ، استكملت شروط إتمام الثورة المضادة البيروقراطية.

تجسد النظام البيروقراطي، مدة ً، في عصابة الأربعة، لكن نصرها كان مدمرا لها. بعد وفاة ماو (1976)، انتقمت تكتلات الجهاز الأخرى. وجاء دور جيانغ كينغ Jiang Qing و صحبه ليدخلوا السجن.

ما لم يكن جليا آنذاك، هو أن سيطرة عصابة الأربعة – بعد صدمات الثورة الثقافية- كان قد أحدث مجالا سياسيا ملائما للثورة المضادة البرجوازية، بفعل ما سببت من إفقاد الاعتبار للمواقف « اليساروية » و الخطاب « الثوري ».

و في سياق وطني و دولي مغاير، لم يكمن محتما أن تفضي الإصلاحات التدريجية التي بادر بها دينغ كسياو بينغ في أثناء سنوات 1980 إلى إعادة تشكل رأسمالية صينية. لكن في سياق تلك الحقبة، سهلت تلك الإصلاحات التقاء قطاعات من البيروقراطية و الرأسمال الصيني العابر للأوطان، المقيم في تايوان، و كذا في أمريكا الشمالية و غيرها. لقد شجع الحزب الشيوعي الصيني استثمارات المنفيين، واستقبل في صفوفه رأسماليين كبار، و بالمقابل، بدا هذا الحزب بأنظار الرأسمال الصيني العابر للأوطان، الذي لم تعد له جذور في القارة، الأداة الكفيلة دون غيرها بالحفاظ على النظام الاجتماعي و تأمين وحدة البلد (المهددة دوما بالتقسيم). هذا ما يسر سيرورة تصاعدية تحول خلالها قسم من البيروقراطية إلى بورجوازية، بخصخصة الملك العام بطريقة مخالفة للقانون في البدء، ثم بإضفاء الصبغة القانونية على السرقة بتغيير القانون. اكتست الثورة المضادة البرجوازية شكل انتقال متحكم به إلى رأسمالية نصف دولانية و نصف خاصة.

فتحت سياسة الإصلاح التي أطلقها دينغ كسياو بينغ الطريق لانقلاب اجتماعي عكسي، يضاهي في جذريته ذلك الذي أعقب ثورة 1949. جرى تفكيك جزئي لقطاع الدولة الاقتصادي و خصخصته. و ولدت طبقة مقاولين جديدة. و على نحو ما أحيلت إلى التقاعد الطبقة العاملة القديمة ذات الوضع المحمي، لتخلي المكان لشريحة تقنيين و عمال مؤهلين من جهة، و لبروليتاريا فتية بوضع غير قار متحدرة من الهجرة القروية، ومحرومة في الغالب من الحقوق، من جهة أخرى. بعد استفادة مؤقتة من تفكيك الملكية الجماعية، بات الفلاحون الصينيون مهددين بنفس عمليات نزع الملكية بباقي بلدان  » العالم الثالث ». و تفجرت التفاوتات الاجتماعية. وانتصرت ثقافة حديث النعمة، ومن جديد اصبح الفقراء موضوع تجاهل، والأغنياء موضوع تشريف. و اكتملت الحلقة.

النزعة القومية

يوضح تطور النزعة القومية الصينية، هو أيضا، تحولات الحزب الشيوعي الصيني. لقد شكلت، منذ حروب الأفيون ( 1839-1860) حتى ما بعد انتصار العام 1949، بعدا أساسيا (ثقافيا، و سياسيا ،…) لمقاومات التعديات اليابانية والغربية وللمعركة ضد الامبريالية، و للتطلعات إلى الاستقلال، مع تضمنها تنويعات عديدة وامتزاج نزعة ماضوية و أخرى تحديثية و ثالثة أممية و حتى كره الأجانب …

اعترف برنامج الحزب الشيوعي الصيني، في سنوات 1920-1930، بحق الشعوب المدمجة في أطراف الإمبراطورية ( التيبيت…) في تقرير مصيرها. ولاحقا، تأكدت النزعة الشوفينية الكبرى الهانية ( نسبة الى هان Han) بشدة بقدر ما كانت البيروقراطية الجديدة تتعزز داخل الجمهورية الشعبية، و بقدر انحطاط التوترات بين الصين و الاتحاد السوفييتي إلى صراع كبير بين البيروقراطيات. إن « نزعة قومية خاصة بدولة قوة »(كبيرة أو صغيرة) هي على نحو ما ملازمة للبيروقراطية، لأن إطار وجود هذه هو الدولة الوطنية .

يبدي النظام الصيني الراهن بفظاظة نزعة قومية لقوة عظمى مع مطامحها الإقليمية. كما تتمثل وظيفة أخرى لهذه النزعة القومية في ملء الفراغ الأيديولوجي الناتج عن إفقاد الماوية الاعتبار. وقد تتغذى من نزعة مركزية صينية عميقة، موروثة عن تاريخ عريق حيث كانت السلاسات الحاكمة تعتبر بلدان الأطراف دولا تابعة. يجب أن تستعيد الصين مجدها الغابر.

البرجوازية، من قرن إلى آخر

في القرن الماضي، خنقت ديكتاتورية الكيومنتانغ إقلاع البرجوازية، قبل أن تحطمه الثورة. لكن الرأسمالية الصينية تستفيد اليوم من جذرية الثورة الصينية لعام 1949. فلولا هذه الثورة لوقع البلد في تبعية سياسية و اقتصادية حصرية لليابان، أو على الأرجح، تحت سيطرة الامبريالية الأمريكية. و لولاها لواجه الرأسمال، كما ببلدان أخرى من  » العالم الثالث »، صعوبات في التحرر من عقبات العلاقات الاجتماعية التقليدية بالعالم القروي و عبء النبلاء.

« التعلم، التعلم، و مزيد من التعلم »

لتكن خلاصتنا قول لينين الشهير هذا[1]. لا نتعلم سوى من التجربة التاريخية. منتقلة من مجتمع انتقالي غير مستقر إلى آخر، عاشت صين القرن العشرين من أزمة إلى أخرى و تغيرت بنياتها الاجتماعية أكثر من مرة مع موجات التصنيع الأولى، و »تطور » بالغ التفاوت حسب المناطق، و التوترات الزراعية، و الحروب، و الثورة و الثورات المضادة.

طبعا يستوجب التعلم من التجربة التاريخية عدم الاقتصار على النصوص، مهما كانت درجة « قداستها »، و عدم تحنيط فكر زعماء الحركة الثورية، أيا كانت أهميتهم. لا يمكن، مثلان قراءة نصوص لينين قبل 1914 مع تناسي أنه لم يعمق أو يبلور مواقفه بصدد الدولة و الامبريالية و الديالكتيك…، إلا بعد بدايات الحرب العالمية الأولى.

هل كان ماو منظرا؟ لقد أثار هذا السؤال نقاشات عديدة. عند سعيه إلى الكتابة بصفته ماركسيا، تبدو النتائج ضئيلة الإقناع بفعل انطباعها بالصيغة الستالينية. بيد أنه يبدو لي صعبا اعتباره مفكرا استراتيجيا كبيرا، لكن دون أن فكره عديم العمق. ماو يفكر، و يفكر على المدى الطويل، لكنه لا « يدقق » مفاهيم المادية التاريخية. وفضلا عن ذلك، نادرا ما ينجو النص « النظري » من انشغالات اللحظة التكتيكية.

من زاوية نظر مفاهيمية، تبدو دراسات ماو في سنوات 1920 حول الطبقات الاجتماعية في الصين ابتدائية. لكنه يدرك دينامية الصراعات الكامنة في العالم القروي على نحو أفضل مما لدى منظرين ماركسيين صينيين من المقام الأول، ذوي رؤية لم تزل « مدينية » جدا. طبعا كان هذا « الفهم » للمسألة الفلاحية حاسما للمستقبل. غير أن كتاباته حول الديمقراطية الجديدة تقدم على نحو صوري جدا تسلسل المراحل المتحكمة بإيقاع السيرورة الثورية بعد الظفر بالسلطة. من يريد أن يتعلم من الثورة الصينية، سيستفيد من دراسة المجرى الفعلي للصراعات الطبقية بعد العام 1949، بدلا من الاقتصار على النظرية الرسمية.

تبرز الأزمات واقعا متواريا، و التناقضات الفاعلة في المجتمع. و تمثل الصين الحديثة مختبرا تاريخيا خارقا، ما يزال ثمة كثير يمكن تعلمه منه، أكثر مما ذكر هنا بإيجاز. كيف تتجسد بالملموس دينامية ثورة دائمة؟ مسألة تعقد العلاقات بين الأحزاب و قواعدها الاجتماعية. ما الذي أتاح للحزب الشيوعي الصيني الاشتغال مدة طويلة بفعالية ( دور التجريب، كونفرانسات الأطر، جبلته النضالية …) أو شجع النزعة البيروقراطية، و الامتيازات و عبادة الشخصية …

يجب ألا ينسينا فشل الوثبة الكبرى إلى الأمام أن القيادة الماوية كانت تسعى أصلا للإجابة على مشاكل حقيقية – منها مثلا، كيفية تأمين تطور المناطق الداخلية لتفادي هجرة قروية كثيفة نحو مدن الساحل الكبرى؟ أو كيفية تصور الكومونات الشعبية كإطار يؤمن الخدمات الجماعية و ليس كوحدات إنتاج وحسب؟ كما لا يمكن اختزال الثورة الثقافية، رغم ما غرقت فيه من فوضى مأساوية، في مجرد صراعات أجهزة، وتلاعب بالجماهير. لم تكن « الثورة الثقافية » في « الجمهورية الشعبية » مجرد مشهد مسرحي كاذب. إن بلغت الفوضي تلك الدرجة من الكبر، و أفلتت التعبئات من كل تحكم، فلأن تناقضات اجتماعية قائمة فعلا عبرت عن نفسها بقوة. إن تاريخ « الحركات الثورية » لسنوات 1966-1968 يستحق دوما الدراسة.

كما أن الكيفية التي تمكنت بها السلطة من الالتفاف على المقاومات الاجتماعية للتخلص من كل إرث ثوري بالغة الأهمية. لم يكن متاحا للفلاحين، في عهد ماو، التنقل بحرية، إذ كان السكن بالمدينة يتطلب ترخيصا. حصر ذلك الهجرة القروية، وهو ما كان الهدف الرسمي لتلك السياسة أي تفادي تنقل هائل للسكان نحو المناطق الساحلية و المراكز المدينية. لكن تلك الهجرة ابتدأت لاحقا، بشكل غير قانوني حتى أن كتلة من « مهاجري الداخل »، بلا أوراق ثبوتية، وبالتالي بلا حقوق، قد تشكلت. وبفضل وجودها، استبعد النظام من الإنتاج شغيلة مقاولات الدولة الذين لم يفلح في تحطيم مقاومتهم الخفية للاصلاحات، إذ استعملت لهذا القصد، لا سيما في المناطق الصناعية الجديدة، اليد العاملة  » المهاجرة » الصينية. وقد شهدت أوربا عملية الإستبدال الموجهة هذه، لما استعيض تدريجيا، في القطاع العام، عن أجراء بمنزلة موظفين بأجراء قطاع خاص أو هش. لكن الاستعاضة جرت في الصين على نطاق قسم من طبقة برمتها!

يعود فعلا فضل بزوغ الصين كقوة رأسمالية إلى نجاح الثورة الماوية السابق: تحرير البلد من السيطرة الامبريالية، و التصنيع، و خلق دراية و تكنولوجيا مستقلة، و تعليم كثيف، و تحديث المجتمع… بعد انهزام الماوية حلت مكانها البرجوازية الصينية. و بعد أن لعنت البرجوازية ماو بات بوسعها أن تجزله الشكر.

فقدت ثورات القرن العشرين الكبرى ديناميتها بضغط امبريالي، كما قرضها من داخل السرطان البيروقراطي. ومع ذلك طبعت بخاتمها النظام العالمي. وقد أرخت بوجه خاص الكماشة الامبريالية، و فتحت ثغرات تستفيد منها اليوم بعض البرجوازيات المتحدرة من » العالم الثالث ». لكن المبارة لم تنته. يمكن لذاكرة الثورات الماضية أن تسهم في الهبات المناهضة للرأسمالية مستقبلا – حتى في صلب القوى البازغة.

بيار روسيه

نشر بمجلة الأممية الرابعة ، إنبركور

عدد 588-589

شهر ديسمبر 2012

تعريب المناضل-ة

Source : http://www.almounadil-a.info/article3055.html

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s