القوى الظلامية تفضح نفسها

خرجت في مسيرة الرباط يوم الأحد 18 غشت 2013 أعداد غفيرة من المشاركين قدرت بعشرات الآلاف حسب المنظمين (مدير المكتب الإعلامي لجماعة العدل والإحسان، حسن بناجح)، تضامنا مع « الإخوان المسلمون » بمصر. ومعلوم أن الجهة المنظمة للمسيرة هي بالدرجة الأولى جماعة العدل والإحسان وباقي أطياف القوى الظلامية والداعمة لها تحت لبوسات مختلفة (نقابية، حقوقية، دعوية…)، سواء بشكل صريح كالهيأة المغربية لنصرة قضايا الأمة والمبادرة المغربية للدعم والنصرة ومنتدى الكرامة لحقوق الإنسان والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب وحركة التوحيد والإصلاح والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والمركز المغربي لحقوق الإنسان والفدرالية المغربية لحقوق الإنسان أو بشكل متستر كحالة حزب العدالة والتنمية (غاب وزراء الحزب عن المسيرة وشارك بعض أفراد عائلاتهم كزوجة بنكيران وابنته وابنة رباح…).
ليست المرة الأولى التي تخرج هذه الأعداد وأكثر منها في مسيرات بالرباط أو الدار البيضاء، والجهة المنظمة هي دائما القوى الظلامية بشعوبها وقبائلها. فما وحد/يوحد هذه القوى أكبر مما يفرقها. وقد برهنت على اعتمادها الجرعة الكافية من « البرغماتية » السياسية المقيتة لتحقيق مشاريعها والوصول الى أهدافها. ولها في الدين (توظيف الدين سياسيا) ما يجعلها تجمع ما لا يجمع وتبرر الشيء ونقيضه. إنه عصا الظلامية بامتياز، تهش به على غنمها ولها فيه مآرب أخرى..
والمثير للاستغراب، ليس الخروج أو عدم الخروج، أو أسباب الخروج (التضامن مع « الإخوان المسلمون » أو حتى مع الشيطان)، أو أعداد الخروج. إن المثير حقا هو لماذا عدم الخروج أصلا أو الخروج المحتشم عندما يتعلق الأمر بالقضايا الصميمية للجماهير الشعبية المضطهدة؟ لماذا عدم الخروج، وبهذه الأعداد الغفيرة، عند الزيادات المهولة والصاروخية في المواد الاستهلاكية الأساسية، آخرها الزيادة في سعر الحليب؟ لماذا عدم الخروج إبان الزيادة في أسعار المحروقات؟ لماذا عدم الخروج لفضح خلفيات ودلالات عفو الملك على المجرم دانييل كالفان؟ لماذا عدم الخروج لفضح ملفات الفساد المكشوفة المتعلقة بنهب وتبديد المال العام؟ لماذا عدم الخروج لحماية المدرسة العمومية وتوفير الشغل والسكن وضمان العلاج…؟ لماذا عدم الخروج لاستنكار الاستغلال والاضطهاد المسلط على أبناء شعبنا من عمال وفلاحين فقراء وطلبة ومعطلين والقمع الأسود الذي يلاحقهم بالشوارع والسجون وداخل الأقبية السرية والعلنية؟ لماذا عدم الخروج للتضامن مع ضحايا القمع الشرس الذي استهدف الوقفات والمسيرات الاحتجاجية بالرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس والحسيمة وباقي المدن المغربية؟ لماذا عدم الخروج لفرض عدم الإفلات من العقاب في الوقت الذي يتحمل فيه المسؤولية وأعلى درجات المسؤولية عتاة المتورطين في الجرائم السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية؟
إن من يملك القدرة على تعبئة هذه الأعداد الهائلة للخروج الى الشارع يتحمل مسؤولية كبيرة تجاه ما تعرفه بلادنا من تردي فظيع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ومسؤوليته لا تقل عن مسؤولية من يحكم، سواء بالفعل أو بالوكالة/النيابة. والشعارات التي رفعت إبان المسيرة فضحت بدورها القوى الظلامية، لقد تفادت الشعارات المرفوعة إحراج حكومة العدالة والتنمية وحلفائها، وخاصة في ظل الأزمة الخانقة الحالية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا…
إن من يملك القدرة على تعبئة هذه الأعداد الهائلة للخروج الى الشارع يضع نفسه محط محاسبة. وعدم الخروج والحال هذه يعني التواطؤ والخيانة وطرح العديد من الأسئلة التشكيكية. فكثيرا ما خرجت الجماهير الشعبية لتواجه الرصاص الحي بصدور عارية، وفي غياب القوى الظلامية اليوم والأمس. والانتفاضات الشعبية التي تزين سجل شعبنا شاهدة على ذلك، وأذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر انتفاضة 23 مارس 1965 وانتفاضة 20 يونيو 1981 وانتفاضة يناير 1984 وانتفاضة دجنبر 1990، وللحديث بقية مع انتفاضات صفرو وإفني وتازة والحسيمة وبني بوعياش… ومع الأعداد الكبيرة للشهداء الذين لا تربطهم أي صلة بالقوى الظلامية، ومنذ الخمسينات من القرن
لماضي الى اليوم.
إنه بدل أن تتباهى القوى الظلامية أمام الكاميرات البوليسية والقنوات التلفزية بعرض عضلاتها البلاستيكية وبقدرتها على تعبئة الشارع المغربي وبهذه الأعداد الهائلة، حري بها أن تخجل من خيانتها للشعب المغربي ولتضحيات أبناء الشعب المغربي وتواطؤها مع أعدائه الطبقيين. وبدل تمجيدها أو مشاركتها عرسها الخياني باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، حري بمن يمجدها أو يتعامل معها أو مع رموزها أو يدعو الى ذلك، من انتهازيين ومتملقين ومعتوهين أن يسائلها عن اصطفافها المفضوح الى جانب النظام القائم (أن يتذكر انسحابها من مسيرات حركة 20 فبراير وعلاقتها بأمريكا وموقفها من المرأة…) وعن الجرائم التي ارتكبتها في حق خيرة أبناء شعبنا، ومنهم الشهداء المغاربة عمر بنجلون وأيت الجيد بنعيسى والمعطي بوملي، وأن يعري تجميدها/تنويمها للطاقات الكبيرة من أبناء شعبنا وتغليطها لها، بل وتأليبها ضد المناضلين الحقيقيين الذين يخدمون فعلا قضية الشعب المغربي.
إن القوى الظلامية برهنت وتبرهن بمصر وبالمغرب عن استعداداها الدائم وبأي ثمن لخدمة مشروعها السياسي الذي يتقاطع في شكله ومضمونه مع المشروع الرجعي الامبريالي الصهيوني. وهو ما يفسر سكوتها الشيطاني غير المبرر عن التردي الذي تكتوي بناره يوميا جماهير شعبنا. ونعتقد أن الأمواج البشرية التي شيعت جثمان زعيم جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين قادرة على إسقاط الشيطان وحكومة بنكيران، بل وقادرة على إسقاط نظام. لكن ذلك لا يدخل في أجندتها. وليس من أولوياتها، على الأقل الآن.
ونتذكر مثل هذه العمالة الطبقية عندما خرجت مثل هذه الأعداد الغفيرة في التسعينات من القرن الماضي وبمشاركة جهات عديدة ومنها المحسوبة على اليسار، للتضامن مع الشعب العراقي والشعب الفلسطيني، وتبرم الهيئات السياسية من خوض معركة تحرر وانعتاق شعبنا المغربي خاصة ولحظة ما عرف ب »السكتة القلبية » التي أعلنها الحسن الثاني حينذاك. وبالتالي ضرب كل تلك الدينامية عرض الحائط من خلال المتاجرة بها وانخراط هذه الهيئات في مستنقع « التناوب التوافقي » بقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية الذي فتح الطريق على مصراعيها أمام الوضع المتعفن الحالي الذي يدبره اليوم ببشاعة حزب العدالة والتنمية تحت التعليمات الداخلية (الملكية) والخارجية (الامبريالية).
لقد استغل أبطال مستنقع التناوب التوافقي تلك الدينامية النضالية التي عرفتها بداية التسعينات، كما استغل الآن أبطال الوضع المتعفن الحالي الدينامية التي فجرتها بالمغرب حركة 20 فبراير وإقليميا وجهويا نهوض شعبي تونس ومصر بالخصوص.
وإذ نحمل المسؤولية لمن يستطيع تعبئة الشارع بشكل انتهازي وسياسوي (التوظيف السياسي الفج للدين)، نحمل المسؤولية أيضا لأنفسنا على عجزنا عن القيام بذلك، لما يخدم مصلحة شعبنا ويفضح تجار السياسة والنقابة وحقوق الإنسان، ويشهر عموما بسماسرة القضايا العادلة..
وحتى لا نضع كل البيض في سلة واحدة، وحتى لا نخلط الأوراق، نحمل المسؤولية بالدرجة الأولى للمصابين بعمى الألوان أو الحول السياسي ولمن يراهن على الوهم ويخوض المعارك الخاسرة على طريقة دون كيشوت. وذلك من خلال إقصاء المناضلين المخلصين والمؤهلين لرفع التحدي النظري والميداني/العملي وشن الحرب المجانية عليهم، وبالمقابل إشراك ومعانقة الأيادي المكسورة فعلا والمسؤولة عن العديد من الفظاعات السياسية واللأخلاقية والتي برهنت على عدم جديتها وعدم مسؤوليتها وعلى عدم استعدادها المبدئي والعملي لخوض معركة الكرامة الحقيقية ومعركة التحرر الحقيقية، حيث لا تحرر ولا كرامة في ظل النظام القائم، بالنسبة للمرأة والرجل معا.
إن خروجنا الى الشارع بأعداد محدودة، بل ومحسوبة على رؤوس الأصابع، ورغم الدلالات النضالية والسياسية لذلك ومنها على الخصوص تسجيل الموقف المتميز أمام التاريخ والتعبير الصارخ عن الصمود الخارق أمام الآلة القمعية العمياء، يفضح عجزنا وضعفنا وتشتتنا وعزلتنا عن الواقع ويفتح شهية النظام لقمعنا بدمويته المعهودة والمنسجمة مع طبيعته اللاوطنية اللاديمقراطية اللاشعبية.
إنه درس لنا جميعا أمام التاريخ، بشعوبنا وقبائلنا. لكن، متى نستوعب الدرس؟
إضافة لا بد منها: احيي عاليا المعركة الموحدة للمعتقلين السياسيين بالسجون المغربية بمناسبة الذكرى 24 لاستشهاد الرفيق عبد الحق شباضة.

Source : Mailing list PAD Maroc

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s