الثورة ليست تلك الاسطورة الساحرة

Abdel Fattah al-Sissi et Morsi

بيير ـ ايف سالنغ

11/7/2013 ترجمته عن الفرنسية : عايشة حرة

« الانقلاب عبر الارادة الشعبية  » ، مصطلح سياسي جديد تم اعتماده من قبل العديد من الثوريين ، ربما يكون السبب وراء هذه التسمية هو الدفاع عن الثورة المصرية ، هؤلاء بالتأكيد يقرون ان الجيش هو الذي ازاح مرسي ، لكنهم يؤكدون ان حجم التعبئة الجماهيرية الواسعة هي التي دفعت الجيش الى هذا الخيار .
هل ان هذا التحليل خاطئ ؟
يصبح خاطئا اذا رافق هذا الأمرغياب اية إدانه للقمع الذي تعرض له الاخوان المسلمين غداه هزيمتهم السياسية.
والخطأ يكمن ايضا في الاعتقاد بان المجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يكون له الا دور واحد الا وهو: الاطاحة بمرسي بالقوة. مع انه كان واضحا بأن المجلس العسكري لم يقم فقط بطرد جماعة الإخوان المسلمين ويجردهم من مسؤولياتهم . بل انه قد قام بفرض الظروف اللازمة لاعتماد دستور وخطة وسلسلة من الانتخابات التي من شأنها حرمان الشعب المصري من السيادة الكاملة لمقدراته.

المجلس العسكري لم يبد اي تصريح الى الشعب المصري مثل : انكم لم تعد لديكم الرغبة ببقاء مرسي رئيسا ، واننا سوف نساعدكم على التخلص منه ، تاركين لكم الفرصة في تطوير الحلول الخاصة بكم. بل ما صرح به هو غير ذلك : اي بما انكم لستم موافقون على مرسي؟ حسنا، فليكن « البرادعي » أو اي شخص اخر، أيا كان ، لذلك ما عليكم الا التصويت لدستور سوف نضعه نحن لكم وهو مصادق عليه سلفا ، لكن ليس من قبل ما يسمى الشعب .
اذاً مرسي لم يعد الرئيس، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الإرادة الشعبية قد انتصرت؟
خلع مرسي قد بين ان التغييرات في بنية السلطة البرجوازية لا يمكن أن يتم دائما في « سلام وكرامة » كما تتغنى بذلك الدول الرأسمالية حيث ان التمثيل السياسي هناك حكر على اطراف تتبادل الادوار فيما بينها ، فتارة تكون هي الاغلبية وتارة تكون هي المعارضة.
وهنا كذلك قد يحصل في بعض الاحيان ان يلجأ الطرف المخلوع للدفاع عن نفسه الى استخدام نفس الوسائل التي استخدمت من قبل الطرف الخضم .
لذا ليس صحيحا أن كل التغيير العنيف في بنية السلطة البرجوازية يشير بالضرورة الى تحقق الإرادة الثورية . فإنه من الممكن أن يكون وسيلة تستخدمها البرجوازية للخروج من الأزمة السياسية التي تهدد مصالحها الأساسية.
قرارالمجلس العسكري باجبار مبارك على التنحي عن الحكم في فبراير / شباط 2011 لا يختلف عن قرارهم في انهاء ولاية مرسي ، فهذا لا يحمل اية اشارة تبين استعداده لتلبية مطاالب اغلبية الشعب المصري .
لذلك غدا سوف يكون هذا الجيش العائق الرئيسي امام النضال التحرري ، الذي من اجله « اي الجيش » توافق رأسمال المصري في التنازل عن جزء من أرباحه لصالح المؤسسة العسكرية والامنية ، اي تلك الارباح الناتجة عن استغلال العمال ونهب الثروات التي يحرم منها الشعب المقهور .
لماذا هذا السقوط الكبير لمرسي ؟
السقوط السريع لمرسي يثير عدة تساؤلات.
لا توجد اية حجة تسلطية يمكنها ان تتجاهل كل الاستفهامات في معرض رفض دور الجيش ، هذا الرفض لا ينبع من منطلق « الشرعية الديمقراطية » التي حصل عليها الاخوان المسلمون عبر انتخابات بورجوازية « الشرعية » ، بل ينبع من منطلق ان الانتفاضة الشعبية التي هي في مواجهة مع السلطة القائمة قد اوصلت الاوضاع الى المدى الذي يضعها « اي تلك السلطة » على حافة الخطر وبالتالي هذا ما دفع باتجاه الادانة من قبل حماة النظام.

الشرعية الثورية لاي انتفاضة شعبية تكمن فقط في حقيقة أن معركتها هي تدمير النظام القمعي المفروض على الأغلبية من قبل الأقلية التي تملك القوة الاقتصادية والقوة السياسية وتحتكر سلطة الدولة.
خلع مرسي لا يمكن وصفه كنتيجة لمثل هذه النوع من التمرد الشعبي ، فرحيله لم تتم ترجمته عبر سيطرة الشعب الثائر على السلطة ، بل تم بتبديل الفريق الذي قد يتم تنويعه ، اذ يقوم الجيش بتثبيت الطبيعة الطبقية للسلطة بشكل واضح ، عبر استعادة استقرار النظام من خطر الفوضى ووضع حد لعملية تهديد مصالح الطبقة المسيطرة المصرية ومصالح الرأسمالية بشكل عام في هذه المنطقة الحيوية للإمبريالية ..
هذا التغيير اذا هو تغيير لرأس الدولة، وهو تغيير عنيف لا يحترم النماذج المستخدمة في الديمقراطيات البرجوازية،علما بان هناك لا توجد ايه مشكلة في تبرير الاستثناءات بما يتناسب مع الاهواء والمصالح.
اسطورة ان الشعب المصري قد توحد لإسقاط مرسي قد عاشت بضع ساعات، في ظل صمت كبرىات وسائل الإعلام عن كشف احتجاجات هؤلاء الذين ليس لديهم سبب لقبول طردهم من مكان ظنوا انهم سيحتفظون به فترة اطول.
عشرات القتلى، مئات الجرحى، مئات من الاعتقالات، وإغلاق المواقع الإخبارية وقنوات التلفزيون، بغض النظر  » عمن بدأ ؟  » سوف يتم تقديم ذلك على انه مجرد تدابير لحماية الشعب المصري وثورته « .
اليوم يمارس القمع ضد الإخوان المسلمين، اما غدا، ومع نفس التبريرات، فإنه سيمارس ضد الثورييون ، ضد العمال المضربون ، الالتراس ، المدونون المنتقدون الخ
استنكار عودة الجيش لتصدر المشهد السياسي ، وإدانة القمع ضد الاخوان المسلمين لهو نقطة اساسية لتقديم أي دعم لنضال الشعب المصري.
حول هذه الموضوع نشير ودون اي استغراب أن العديد من المعلقين الذين قد نددوا وبحق الانتهاكات التي تتعلق بقتل المتظاهرين الاقباط او تعريض المتظاهرات واجبارهن على اجراء « فحص العذرية »، هؤلاء اليوم نادرا ما يتجاوزا تعبير »الاستخدام غير المتناسب للقوة » خاصة انهم لم يبرروا بشكل مقنع مقتل 50 متظاهرا ببساطة من مؤيدو الاخوان المسلمون كنتيجة لاعتداء مفترض على الجيش من قبل مجموعة مسلحة (واحد اواثنين من الجنود فقط قد قتلوا بهذه الحادثة) .

الاكثر إثارة للدهشة هو الموقف الخجول لبعض الثوريين من ادانة هذا القمع ، والاكثر ازعاجا بصراحة هو موقف اولئك الذبن حاولوا تجميل هذا الفعل .
وهكذا، في بيان صدر في 4 تموز من قبل الجبهة الشعبية التونسية ترحب فيه « بانتصار الشعب المصري على نظام الإخوان » (من حقهم) ، لكنة لا يوجد وبالضرورة اي كلمة تتعلق بدور الجيش المصري.
مع العلم بأنه في يوم 7 يوليو كان قد اعلن المنسق العام للجبهة الشعبية حمة الهمامي « إن استنساخ السيناريو المصري في تونس هو امر وارد ، والتساؤل هنا هو : الى اين سنصل تحت شعار  » وحدة الجميع ضد الإسلاميين » والى اين سينجر الثوريين التونسيين الذين لهم كل التحيات في تحالف لا يمكن اصلاح اضراره مع ورثة بن علي الذين تجمعوا في حزب النداء.
الدور الذي يلعبه الجيش في الثورة هو علامة ضعف، وليس علامة على قوة الحركة الثورية.
تقريبا توافقت تحليلات بعض الثوريين على أن الجيش اجبر الى التصرف بسبب تعاظم الحركة الشعبية الرافضة لمرسي. اذ يتوجب ايقاف صيرورة هذا التعاظم قبل فوات الاوان ، هذا التحليل يقود الى القول ان الجيش هو ضد الثورة ، وانه مجبر على مواكبة الحركة وبناءا على طلبها ذلك من اجل تفادي التفاعلات التي قد تؤدي الى تجذير ثوري متتابع لحركة المعارضة للاخوان المسلمين .
وهناك نسخة متطرفة من هذا التحليل، تلك التي تقول ب « انقلاب بامر من الشعب »! هذا ما يقوله محمود بدر الناطق باسم حملة تمرد قبيل الاعلان العسكري المتعلق بخلع مرسي ، اذ قال: هو الشعب المصري الذي اعطى الاوامر الى العسكر.

مع هذا التفسير، الانقلاب هو جزء من الثورة، والبعض لا يتردد في الكتابة « انقلاب في الثورة ».
في الواقع وللأسف يبدو لي ان الوضع اقل اثارة ، فتدخل الجيش مرده الى التعبئة الغير اعتيادية في الشارع وهذا امر مؤكد ، لكن ليس بإذن من الغالبية العظمى « الثورية » ، بل بدعم من القوى الرجعية من النظام القديم ومن القوى البرجوازية الليبرالية.

فالنخبة البرجوازية الليبرالية، التي تجر في اذيالها فلول نظام مبارك السابق استخدمت الزخم الشعبي لانتزاع السلطة السياسية التي كانت قد فشلت في الحصول عليها عبر الانتخابات ضد الاخوان المسلمين ، حيث كانوا مضطرين الى قبول وصول النخبة البرجوازية للاخوان المسلمين بعد فوزهم في انتخابات عام 2012، والجيش هنا في هذه المرة استطاع ان يحصل على الفرصة التي يكون بها وسيطا لكن في الاتجاه المعاكس.

« نحن قد بدأنا ! وعليكم ان تكملوا » كان هذا هو الخطاب الموجه من قبل شباب تمرد إلى مجموعات الجنود المتمركزة في شوارع القاهرة. وبهذه الطريقة نجح الجيش باداء لا يمكن تصديقه في ان يكون مرة أخرى موضع ترحيب « داخل الحركة »، في حين انه يعارض منذ البداية تطلعات الانتفاضة الشعبية ، حين استخدم التعذيب لقمعها دون تردد ، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية على النساء ومواجهة المحتجين بالقمع، مما كان ولد شعورا قويا لرفضه ، خصوصا بين الشباب، كان ذلك في بضعة ألاشهر التي حكم فيها هذا المجلس العسكري.
في هذه المرة، ستكون دون أخذ المسؤولية المباشرة عن فشل محتمل للذين سيصعدون الى الحكم بعد هذا الانقلاب.
كيف يكون هذا مفهوما بعد تجربة إدارة المجلس العسكري للفترة ما بين فبراير 2011 إلى يوليو 2012 ، وحيث ان الشعار الاكثر شعبية في التجمعات المطالبة بسقوط مرسي هو نفسه الشعار الذي تم رفعه من اليوم الاول في التحرير عام 2011  » الشعب والجيش يد واحدة »؟

كيف يمكن تحليل حالة الحماس التي أعربت عنها الجماهير لسرب طائرات الجيش المحلقة فوق ميدان التحرير؟
في ميدان التحرير ليلة الاحتفال بسقوط مرسي، تسبب رجل في تعطيل الحفل، أمسك الميكروفون وصرخ « كيف يمكنكم نسيان ماسبيرو، محمد محمود، العباسية »، بعبارة اخرى قال: كيف يمكنكم نسيان مجازر وقمع المجلس العسكري عندما ادار البلد بين فبراير 2011 ويونيو حزيران عام 2012؟

هل كان هذا مجرد سهو ، ام انه لا يوجد امام المتظاهرين افق اخر؟

لأن هذه الأحداث ما زالت قريبة الى ذاكرة الناشطين الذين يناضلون من اجل منع المثول امام المحاكم العسكرية أو اولئك الذين يطالبون بتحقيق العدالة للشهداء منذ عامين.

اذا انه ليس بنسيان، بل هو وضع مبني على حقائق وهي : ان الحركة الثورية والمعارضة الليبرالية البرجوازية لا يملكان لوحدهما القوة الكافية لهزيمة مرسي في يونيو 2013 ، تماما كما كان هو الامر مع الحركة الثورية والاخوان المسلمين في مواجهة نظام مبارك في عام 2011.

هذا هو السبب في طلب التدخل من قبل الجيش، خاصة من المعارضة المجتمعة في جبهة الانقاذ ، بما فيها حمدين صباحي المرشح الناصري الاشتراكي ، وكذلك من قبل الغالبية العظمى من قادة تمرد ، بينما بقي عدد صغير من القوى التي ترفض حتى النهاية تدخل الجيش ، هذه بدورها لم يكن لديها الامكانية لاقتراح البديل ، فالدعوة الى الاضراب العام من قبل عدد من النقابات المستقلة وعدد من المجموعات السياسية الصغيرة ، بقيت رهينة شرط تحقق الفرصة الغير متاحة في الوضع الحالي وهي قوة العمال القادرة على تحضير وتنظيم هذا الاضراب.

اذا لا مجال لخيار الإضراب العام ، بل لخيار ذلك الحشو الفارغ المتجدد « الجيش في خدمة الشعب » ، وهنا يسمح الشعب بعبور العسكر في لحظات صراع المصالح داخل قيادة البورجوازية ، اذ يتدخل لفرض افضلياته.
لتجاوز هذا الضعف ، ينبغي طرح السؤال عن عواقب ذلك على اوضاع الحركة الثورية.
في عام 2011، كما هو الامر في عام 2013 ، تدخل الجيش قد اعفى الحركة من الزامها على حسىم المواجهة مع اجهزة الدولة .
هذا « النصر » الممنوح من قبل الجيش قبل حسم المواجهة هو في الواقع هدية مسمومة.
اذ ان هذا التدخل يهدف الى الحد من مراكمة خبرة الكفاح، كما يؤدي إلى إبطاء رفع مستوى الوعي السياسي الذي لا يمكن أن يحدث إلا من خلال التجربة، بما في ذلك الفشل.
ماذا نستعد لمواجهة عنف الدولة البورجوازية ما دام الجيش موجود من اجل حمايتنا؟
كيف يمكن فهم طبيعة الثورة المضادة لاجهزة الدولة ، خاصة اجهزتها القمعية اذا اعتقدنا باننا قادرون على اسقاط الدكتاتور بفضل الاستعانة بجهازه العسكري؟
في مساء 5 يوليو وهو اليوم الذي نظم فيه الاخوان المسلمون احتجاجات ادت الى مواجهات عنيفة خصوصا في القاهرة والإسكندرية، كان اول اعلان لجبهة الانقاذ هو دعوة الجيش الى اعلان حالة الطوارئ ومن ثم طلبوا من المتظاهرين حماية ميادين الثورة.
وأي ثمن سيدفع نتيجة لأوهام نصر يتحصل بكل سلمية…
فقريبا سيكون الثمن باهظا ، عندما يتجذر النضال للدرجة التي سوف يستدعي بها الجيش الى اختيار بديل لا غيره وهو سحق الثورة.
بدون شك بان الجيش يسعى لحماية نفسه من كل الاتهامات المتعلقة بمصادرة السلطة السياسية والثورة.
إذا كان هذا هو مسعاه ، فان نجاحه هنا كامل.
الذي يلفت الانتباه هنا ، هو ثلاثين شهرا بعد سقوط مبارك، ويستطيع الجيش بعدها ان يستمر في تكرار نفس السيناريو ، فقط باختلاف بسيط هو في قلب ادوار بعض اللاعبين الرئيسين.

لماذا قرر الجيش اسقاط مرسي؟
ليس لدي أي شك في أن قيادة الاخوان المسلمين هي جزء من معسكر الثورة المضادة.
وجودهم المتأخر في حراك يناير كانون الثاني وفبراير شباط 2011 ، لا يجعلهم اكثر ثورية من الفلول والبورجوازية الليبرالية التي تواجدت في مظاهرات 30 يونيو حزيران 2013.
ولكن ما يصعب فهمه ان كثيرا من المتعاطفين يصرحون بان مرسي والاخوان المسلمون كانوا خيارا افتراضيا للثورة المضادة .
توليهم السلطة كان لهدف اغراق الديناميكية الثورية ، وكذلك كان مخرجا من الازمة السياسية بطريقة تؤدي الى الحفاظ على نوع من الاستقرار السياسي الضروري لاستمرارية عمل النظام الرأسمالي لم يكن بامكان الجيش القيام بذلك خاصة بعد فشله الذريع في ممارسة السلطة المباشرة ما بين فبراير/ شباط 2011 و يونيو حزيران 2012 ، كما ان فشل شفيق في الانتخابات الرئاسية في 2012 لم يعطي المجال في شرعنة استخدام غاشم للقوة ضد الثورة.

الكل قد اكد التزام الاخوان بالليبرالية الجديدة ، والتزامهم باحترام المعاهدات الدولية منها عدم ازعاج الامن الاسرائيلي ، وموافقتهم على احترام المكانه المخصصة للمجلس العسكري ، سواءا فيما يتعلق بمصالح كبار الضباط الاقتصادية والمالية او فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية ، وكان هذا كافيا لان يجربوا فرصتهم ، اذ لا يوجد بديل افضل.

الاخوان المسلمون لم يخونوا اياً من تعهداتهم ، لكنهم لم ينجحوا بتحقيقها، فخلال عام واحد ، لم يستطيعوا فرض الهدوء بعد انسحاب المجلس العسكري الى الكواليس ، الاحتجاجات بقيت مستمرة ولم تتوقف على الاطلاق مثل الاضرابات العمالية ، حركات العصيان المدني ، اعمال الشغب في المدن ، الاحتجاجات الشعبية على تدهور الخدمات العامة وعلى ارتفاع الاسعار وارتفاع عدد العاطلين عن العمل ، وكذلك على التصرفات المتعجرفة من قبل القادمون الجدد على السلطة
تحليلا لحالة تفاقم الازمة السياسية التي تهدد المصالح البورجوازية المصرية الغير مرتبطة بنخبة الاخوان المسلمين ، بالتحديد مصالحها الاقتصادية والمالية ، فان المجلس العسكري اصبح بحاجة الى حل يجنبه الظهور مرة اخرى في مقدمة المشهد ، اذ بعد ثلاثين شهرا من رحيل مبارك ، لم تستطع المعارضة الليبرالية ان تكون قادرة على تحمل المسؤولية. ويا للخسارة ، فقط وفي ظل ظرف التعبئة الواسعة المعادية لمرسي والتي انشأتها حركة تمرد ، كانت الفرصة مؤاتية لتلك البورجوازية لتفرط عقدها مع الحليف المؤقت ، الغير فعال والذي اصبح متعبا.
العبارات الجذرية نسبيا لعريضة تمرد لم نحمل في طياتها اي مشكلة ، اذ انها لم تدعو الى التوقيع على ضرورة التنظيم ، وانحسرت في ديناميكية تعبوية لا تؤدي الى اشتراط تلبية المطالب الملحة، ففي مؤتمرها الذي عقد قبل شهر من مظاهرات 30 حزيران يونيو، اوضح مؤسسو تمرد ان هدفهم الرئيس هو رحيل مرسي والتأسيس لانتخابات رئاسية جديدة ، وهذا بدوره قد دفع العديد من الشخصيات والاحزاب الى تلقف هذه الدعوة ، علما بأنها بعيدة كل البعد عن مطالب تعرضت لها العريضة مثل « التوقف عن تسول الديون من الخارج » و « التوقف عن السير في خطى الولايات المتحدة الاميريكية »، وبالمقابل وضع هؤلاء تحت تصرف تمرد مقرات احزابهم وكل واللوازم والتسهيلات المطلوبة للتحرك.
وهذه التعبئة بالذات قد تمت تغطيتها بشكل واسع من قبل العديد من وسائل الاعلام المعادية لمرسي مما اعطاها الحضور الكبير بين الناس.
اذا كانت هذه هي الثورة ، فانها لن تضم في صفوفها القوى المنظمة المعادية للثورة.
بالتأكيد لا يوجد هناك « ثورة طاهرة » والثورة تحتاج الى الوقت.
اريد ان اكرر مرة تلو الاخرى وبعد كل حدث ان الثورة مستمرة ، على الرغم من انه يبدو لي اننا هنا على جانب الايمان والتمني اكثر من ان نكون على جانب التنبؤ المبني على اساس التحليل العقلاني.
لكن ما هو اكيد لدي ، ليس هذا الايمان اوهذا التنبؤ ، انما هي العودة بالنظر الى دروس تاريخ النضال الانساني من اجل التحرر ، وهي ان الثورات لا يمكن ان تكون على الاطلاق مع ومن اجل القوى المنظمة للثورة المضادة .
بالتأكيد ان هناك لحظات مد ولحظات جزر تحدث خلال كل السيرورات الثورية ، فميزان القوى ربما لا يسمح بالتطور والتقدم بشكل دائم ، وهنا يكون التكتيك امرا ضروريا.
ما من شك في ان الثورة تضم في صفوفها عناصر اكثر اوقل تصميما ، وربما من اجل ان تتسع عليها ان تكسب المترددين ، اوان نكسب الافراد المحايدين وبعض القوى المعزولة المرتبطة باحكام النظام القديم ، لكن لا ينبغي لها ان تسلم مصيرها ولو لفترة قصيرة الى خصومها المرتبطين بشكل عضوى مع النظام المراد اسقاطة ، ناهيك عن مؤسساته الرئيسية مثل الجيش.
النجاح الاستثنائي لعريضة تمرد هو بلا شك دلالة على الغضب المخزون لدى المصريين الذين اسقطوا مبارك ومن ثم خابت امالهم بعد ان توقعوا التغيير باستلام الاخوان المسلمون السلطة.
ربما هناك فرق بين الغضب والتصميم على اسقاط القيادات التي حكم عليها بالفشل وبين المشاركة الواعية والفاعلة لمشروع يهدف الى احداث تحولات ثورية في المجتمع.
هذا الفرق يظهر في اليوم العظيم ل 30 يونيو / حزيران واليوم الذي يليه ، حيث تدافعت الحشود بالملايين مصرة على شعار واحد وهو « ارحل يا مرسي ».
ضألة حجم المطالب سمحت للعديد من الاطراف للتواجد بما في ذلك انصار النظام السابق الذين لم يحلموا بفرصة افضل من ذلك للعودة.
ولكن هدف (طرد الرئيس وحزبة من السلطة) هو هدف كببر!
كيف يمكن الحصول على ذلك ؟ الكل يعلم بان الاعتصام لا يكفي .
الكل وبشكل كامل قد انشغل بكيفية تحقيق الهدف ، الحشود لا يمكنها الا قبول عرض المساعدة المقترحة من قبل الجيش في وقت سابق اي قبل بضعة ايام.
ما كان موجودا في الاذهان بعيد عن السيناريو المتخيل لبعض الناشطين مثل المدون « فرعون الكبير »، الذي اعتقد انه بامكان المتظاهرين يوم 30 يونيو / حزيران ان يحولوا حركتهم وبشكل عفوي الى موجة من الاحتلالات « لكل اماكن السلطة وبالتالي سيتنازل النظام عن عرشه » ، في هذا السيناريو سيتدخل ودون شك الجيش ، لكن بعد ان يظهر الطرف الاكثر قوة ولذلك للحؤول دون اندلاع الحرب الاهلية التي لا يمكن السيطرة عليها.
تزاوج نجاح العريضة واستفحال الازمة السياسية اديا الى تحويل مظاهرات 30 يونيو /حزيران الى مهلة نهائية ، اذ لم يستخدم فيها الا سلاح واحد وهو سلاح الاعتصام الذي كان مبعثا للاستهزاء كمقابل لمواجهة مرسي الرافض للتنحي.
في 2 يوليو / تموز تنادي بعض النشطاء من تمرد وذلك عبر الانترنت الى القيام باقتحام المباني الرئاسية ، وبدا هذا اكثر معقولية بدلا من انتظار فترة نهاية مهلة الجيش ، خاصة بعد ان تموقعت بعض القوات في الاماكن الاستراتيجية قبيل ساعات من انتهاء المهلة ، وهذا بحد ذاته اشارة واضحة الى النتيجة التي قررها المجلس العسكري.
الاتفاق بين الاغلبية كان واضحا: وهو من اجل الحفاظ على الحشود الهائلة يجب ان لا نقصي الفلول « بقايا نظام مبارك » ، وباسم الفعالية ، علينا ان لا نهاجم الجيش.
الثوريون المنخرطون في التعبئة بقيادة تمرد قد فهموا واصبحوا اكثر جاهزية للتعامل مع الحل المقترح من المجلس العسكري
بعد عدة نقاشات وانسحابات فردية لم تؤدي الى تطوير اي بديل ، قد وافقوا على الاندماج بلعبة الجيش التي وضعت للتنفيذ.
مستوى الوعي الذي تم التوصل اليه بعد 30 شهرا من « الديناميكية الثورية » ليس هو مسؤولية قادة تمرد ، ولا اي من المجموعات الثورية الصغيرة العاملة في سيرورة عملاقة.
لكن القيادات في تمرد ومنظمات اخرى من اليسار المصري مسؤولة عن التواطؤ مع طلب المساعدة وقبول عرض المجلس العسكري.
لا شئ يجبر الثوريون على الانخراط في المشروع الذي اقره المجلس العسكري ، لان هذا القرار قد اتخذ قبل عدة ايام.
في اليوم التالي من اعلان نهاية المهلة لمرسي ، قد ارتفعت اصوات قليلة تندد بتدخل الجيش في السيرورة الثورية ، بالتحديد شباب 6 ابريل والاشتراكيون الثوريون
وبهذا هم يعارضون وجها لوجه مشاعر الغالبية العظمى في الشارع .
لم تكن هذه هي حال الجميع ، هناك شخصيات معروفة مثل حمدين صباحي (المرشح « الناصري الاشتراكي » في الانتخابات الرئاسية الذي حصل على 20% ) وكذلك كمال ابوعيطة (رئيس اتحاد النقابات المستقلة ) ، هؤلاء قد رحبوا بتدخل الجيش.
وهكذا ، في حين ان اقلية ثورية حاولت السباحة عكس تيار من الاوهام ، وللاسف كان هناك من يقوم بتغذيتها ، محمود بدر الناطق باسم حركة تمرد قد اعلن « انه بالتاكيد قد كنا ضد عديد من ممارسات المجلس العسكري السياسية ، لكن لدينا ثقة بالجيش الذي هو جيشنا ».
الديناميكية ثورية، ولكن الحشود ليست كذلك.
ليكن مفهوما ، ولدي انا شخصيا اعجاب كبير لملايين النساء والرجال الذين ثاروا ضد الظروف الغير انسانية التي يعيشونها منذ عقود اذ تجرأوا ونزلوا الى الشوارع للتخلص من القادة الذين وعدوهم بعقود اخرى من القمع ، الا انني لا اتفق مع هذا التفاؤل الغير حذر الذي يعتبر ان  » ما يقوم به الجيش هو مجرد مرافقة للتحرك الثوري الشعبي الذي من شأنه في حال من الاحوال الاطاحة بمرسي ».
في بيانهم الصادر في 5 يوليو / تموز يؤكد الاشتراكيون الثوريون :
فان لم يكن السيسي قد تدخل لازاحة مرسي ، لم تكن الثورة ستتوقف عند الاطاحة بمرسي والاخوان بل كانت مؤهلة ـ وما زالت ـ للتحول الى ثورة اجتماعية شاملة تطيح بالدولة الرأسمالية كلها بما فيها قيادات المؤسسة العسكرية.
في نفس البيان تم توضيح حدود حراك 30 يونيو منها:
تأثير النخبة البورجوازية الليبرالية الراغبة في الانتفاع من حركة الاطاحة بمرسي والاخوان كان من اجل الوصول الى سلطة الدولة خدمة لمصالحها الطبقية اذ كتبوا : « هناك قطاعات من الجماهير قد وقعت تحت تأثير مؤقت للشعارات والوعود المقطوعة من تلك النخبة » .
بالاضافة الى ما هو متعلق بهيبة الجيش اذ اضافوا  » صحيح ان هناك اهمية هائلة لوسائل الاعلام والدعاية التي استخدمت من قبل الطبقة السائدة المعارضة للاخوان ، خاصة في معرض الحديث عن ان الجيش والشرطة ووقوفهما بجانب الشعب ، والاشادة بحيادهم ووطنيتهم وطبيعتهم الثورية ».
الاوهام تستمر، من اجل استثمارها في الانتخابات المقبلة ، من اجل المحافظة على الطابع الثوري لبعض الشخصيات السياسية البورجوازية امثال « البرادعي » ، ومن اجل ان تحجب الدور الحقيقي لمؤسسات مثل الجيش والشرطة والعدل والتي هي جميعها امتداد لعهد مبارك.
ولكن كيف وفي هذه الظروف يدعون الى : » ثورة اجتماعية شاملة من شأنها الاطاحة كليا بالدولة الرأسمالية » ، هل يمكنها ان تخرج من هذه الحشود المنشغلة كليا بهدف واحد هو الاطاحة بمرسي حتى بثمن يكون هو التدخل العسكري.
اذا كانت القوى المصرية ضعيفة كذاك لان السيرورة الثورية ما تزال في مراحلها البدائية .
هذا ما اوضحه تامر وجيه الناشط المصري بعد 30 بونبو / حزيران
« هذه الانتفاضة غذيت من قوتين متناقضتين : تنامي الغضب الطبقي وتنامي مشاركة النخبة في مواجهة الاخوان المسلمين ، ولفهم مبررات اجتياح 10 مليون شخص الى الشوارع وفي يوم واحد ، ينبغي الاخذ بعين الاعتبار مدى تفاقم الفقر الناتج عن سياسات الليبرالية الجديدة سيئة التخطيط من قبل مرسي ، ولكن كيف يمكن ان نفهم السبب في ان معظم هؤلاء الناس ليس لديهم مشكلة مع عودة الطغمة العسكرية، اذا اخذنا بعين الاعتبار السبب الذي هو غياب تلك المعارضة ذات المصداقية لحكم مرسي ، في الواقع تخوض الجماهير الصراع الطبقي ، لكنها لا تمتلك الاداة التنظيمية المستقلة سياسيا عن المعارضة البورجوازية ، الجماهير تعود الى الوراء ، رغم ان الماضي غير مشرف ، لانه لا يوجد تمثيل سياسي للمستقبل .
الحركة التي انطلقت في30 يونيو / حزيران ما زالت ترواح مراحلها الاولى ، لكنها تحمل تشابها اساسيا مع المرحلة السابقة من الثورة ، دخلت الجماهير الى المشهد ككيان غير متبلور ، كمجموعة من الافراد المعزولين ، احتشدت في الشوارع وفي الميادين مثل اكياس من البطاطا ، من دون اي اداة تعبر بها عن استقلاليتها .
وبالتالي بدت التناقضات عارية ، جماهير لا صوت لها مقابل نخبة صاخبة »
الكلمات قد تبدو قاسية ، لكن التحليل السياسي يستحق ان يكون واضحا ، اذا كان هناك حضور كثيف للعمال والموظفين والعاطلين عن العمل ، لقد كانوا هناك مجرد افراد ، وليس كطبقة ، واعية بقدراتها الثورية ، فالطبقة العاملة كانت غائبة ، ومطالبها كانت مهمشة ، لم يكن بالامكان ان تجد لها مكانا بين هذه الحشود المتجمعة تحت الشعار المعادي الاخوان ، وتحت سيطرة سياسية للتحالف البورجوازي الليبرالي من بقايا عهد مبارك والمجلس العسكري.
ليس لدي علم بطول الوقت الذي يفصل بين اللحظة الراهنة وتلك التي سنرى فيها البروليتاريا مع الفلاحين المصريين المعدمين منخرطين في امتحان القوة الحاسمة مع الدولة الرأسمالية.
لكنني اخشى بان نكون بعيدون عما يتصورة بعض المؤيدون المتحمسون للثورة ، الذين رأوا الجماهير المصرية باعدادها الغفيرة هي اكثر من اعداد العمال والشباب الاوروبي المنشغلون لا غير في النضال الدفاعي لصد هجمات البورجوازية.
30 شهرا بعد الانتصار واسقاط مبارك ، اذ لم يتحقق ايا من المطالب الاساسية للحركة ، وكما اشير الى ذلك سابقا ، كما ان مطالب حركة تمرد كانت بالضبط هي نفسها المطروحة في فبراير / شباط 2011.
التحليل فيما يخص الحركة العمالية (وهي في الواقع فاعلة) تظهر نفس النتيجة ، اذ تعكس ما هو ذو اهمية منظورة للنضال الا وهو الحصول على الاساسيات في ظل ظروف معيشية كارثية.
اذاً كيف يمكن ان يكون الامر مختلفا في بلد اغلقت فيه 4,500 منشأة صناعية خلال عامين ، وما قد جر ذلك من بطالة دون تعويضات على الاف من الرجال والنساء؟ أليس النضال من اجل الحصول على الاساسيات هو اهم مطلب لدى هؤلاء؟
وكما هو الامر في مثال اخر وذو مغزى ،يتعلق بمطالب عمال مصانع شركة مصر للغزل في المحلة ، شركة من القطاع العام بنسبة توظيف عالية (25000 عامل) وبخبرة كفاحية متينة ، هذه قد لعبت دورا مهما في النضال ضد النظام منذ 2006 و فبراير/ شباط 2011 ، هذه المطالب تمثلت في : تنفيذ فوري للحد الادنى من الاجور ، زيادة في بدل الوجبات والمواصلات ، عقود دائمة للجميع بعد 20 عاما من العمل وامكانية وصول النساء الى الوظائف التي تتطلب مهارات عالية .
عمال شركة مصر للغزل لم يتوقفوا عند المطالب الاقتصادية ، لقد اخذوا لهم مكانة بعد سقوط مبارك وانخرطوا في النضال ضد حكومة الاخوان المسلمين متهمين اياهم بعدم تلبية مطالبهم مثلهم مثل مبارك ، ودون ان ينتظروا يونيو / حزيران 2013 كانوا قد اعلنوا استقلالهم عن دولة الاخوان المسلمين.
لقد توصلوا الى خلاصة مفادها « ان لا حاجة الى قيادة عاجزة وفاسدة » من اجل تشغيل المصنع ، لكنه ولغاية الان لم يضعوا بعد هذا الاستنتاج قيد التنفيذ.
نتيجة لعددهم ولتراكم تجربتهم ، اصبح هناك مسافة واسعة ما بينهم وبين الغالبية من العمال المصريين ، علما بان نصف الايدي العاملة تتواجد في العمل الغير رسمي ، دون اي امكانية للتعبير عن مطالبها .
ظهور نقابات مستقلة هو بالتأكيد علامة جدا ايجابية تدل على عملية تغيير حثيثة ، ولكن هنا لا ينبغي ان نخطئ في قراءة الواقع.
على عكس ما قرأت هنا او هناك ، فالنقابات المصرية المستقلة ليست نقابات ثورية ، هي ثمرة لارادة العمال الذين لم يحققوا لهم مطالبا عبر النقابات البيروقراطية الرسمية المرتبطة بحزب مبارك ، او احيانا الاخوان المسلمون ، فعليا ومن اجل المقدرة عن الدفاع عن مطالبهم الاقتصادية الاولية. ينبغي ان تكون هناك نقابات ، لكن اي نقابات ! تلك التي تحاول ان تبيع قوة العمل بسعر افضل وتلك التي تحاول ان تحقق مكاسب تتعلق بالحماية الاجتماعية وتحسين شروط المعيشة.
واذا نظرنا الى الرسالة الموجهه من كمال ابوعيطة رئيس اتحاد النقابات المستقلة الى رئيس الجمهورية المؤقت ، نتوقع ان تكون هناك معركة جديدة بانتظار النقابيون ، اذ يرد في نص رسالة ابوعيطة  » أن أبطال الإضرابات والاعتصامات من النقابات والعمال فى النظامين السابقين سيصبحون أبطالا للعمل والإنتاج ، من اجل اخراج البلد من الازمة ، وبالتوافق التام مع خريطة الطريق ».
« تجدر الاشارة هنا الى ان ابوعيطة قد اختير ليكون وزيرا للعمل والهجرة في الحكومة المؤقتة ».
في هذه المعركة سيتقدم الوعي السياسي لكن ليس بيوم واحد وسيكون في البداية عبر الانقسام الذي سيصيب هذا الاتحاد.
ان كنا نعتقد من ان رئيس النقابات المستقلة استخدم هذا الموقف من اجل القفز الى مركز السلطة ، « حيث سيكون هناك لجنة من 50 عضو تقوم بالمصادقة على الدستور الذي سيعرض للاستفتاء » ، تطل علينا حقيقة ان الغالبية في النقابات المستقلة مع تدخل العسكر.

من المؤكد ان دينامية العدد (الملايين) تتجاوز حدود الشعارات والبدائل السياسية التي وضعت في المقدمة ، وهي بلا شك تغذي الامل ، اذا لم ننجح اليوم ، سننجح بشكل افضل غدا ، اذ ان الثورة ليست مسألة اعتقاد او ايمان.
لا يكفى توافر الامكانات الثورية ، ولا يوجد اية ديناميات ثورية سحرية تقود تلقائيا الى القطع مع النظام الرأسمالي.
الثورة عبارة عن النضال من اجل التحرر ، التي لا يمكن ان تكون الا حسب تعبير ماركس « مهمة العمال انفسهم » ، الجماهير التي تناضل بالضرورة من اجل اهداف محددة (رواتب مناسبة ، عمل ثابت ، طرد زعيم الخ) تصبح على وعي تام من القضايا وتطور بشكل يومي ودائم الرؤية السياسية التي تسمح لها بتطوير واختيار الحلول الخاصة بها ، وتصبح في غنى عن البدائل المصطنعة الموجهه من قبل النخبة التي تقودها في هذه الايام او من الذين يطمحون بقيادتها غدا.
ولهذا السبب فانه من الواجب تطوير اداه لديمقراطية اصلية مباشرة ، تعارض كل تعابير خزعبلات الديمقراطية المقترحة عليهم حيث عليهم الاختيار وبشكل دوري ممثلين يضمنون قبل كل شئ الحفاظ على النظام الذي يستغل ويضطهد الغالبية العظمى.
لا يوجد هناك وصفة سحرية ، لكن تاريخ النضال التحرري ، مع نجاحاته الجزئية ، ومع اخفاقاته يعطينا العديد من المؤشرات.
ليس سوى التنظيم الذاتي المتمفصل مع الديمقراطية المباشرة يسمح لتطوير رؤية شاملة لمجتمع قادر على تلبية احتياجات وتطلعات الغالبية دون الاستهتار بتعارض رأي الاقليات.
وبما ان البورجوازية لا تعطي شيئا دون ان يفرض عليها من قبل تشكلات هي تشكلات كفاحية.
الثورة المصرية (ليست اكثر من غيرها) لا تتقدم اذا لم تظهر بها هذه التشكلات الكفاحية التي تجسد السلطة الثورية ، ابتداءا من المجالس في اماكن العمل ، واماكن الاستغلال التي يتجسد بها ويمارس بها وبشكل يومي استبداد رأسمال ، اي هناك حيث تتجذر علاقات اجتماعية يكون تدميرها شرطا ضروريا للتحرر.
تشكلات السلطة الشعبية هي الممكن الوحيد لتجميع الثوريين المصريين ضد محاولات النظام القديم ، الذي هو وراء الاستقطاب ما بين قوى علمانية واخرى اسلامية.
من الواضح انها مهمة ضخمة ، لا يوجد لها دليل عمل ، فقط عدد قليل من العلامات.
اذ لا يوجد هناك اي نموذج ، كما لم تصل اي ثورة حتى الان الى اهدافها.
بعد الفشل المتكرر للحركات الثورية في البلدان الرأسمالية المتطورة وتلك الاخفاقات لحركات التحرر ، الحركة الثورية في مصر توقظ امالا كبيرة.
في مصر وعلى الرغم من وجود حماس وتصميم من قبل اقلية نشطة ،عدديا مهمة ، لن يكون هذا كافيا ، ونفاذ الصبر قد يؤدي الى خيبات الامل .
يتطلب الامر بعض الوقت حتى تتعمق تناقضات النظام ، وحتى تتراكم الخبرات الجماعية، التي من شأنها ان تنمي التعاون ما بين المضطهدين ، والتي تؤدي الى الوعي بضرورة القطيعة مع النظام القائم وبمشاركة الاغلبية الثورية العظمى.
ربما سيثبت لنا المصريون ان التحرر ليس حلما والحاجة الملحة للثورة ربما تكمن لديهم ليكونوا هم انفسهم ذلك العامل التاريخي الذي تحتاجه.
فهذا ليس هو نهاية التاريخ ، ولكن بالتأكيد سيكون لكثيرين بداية لحياة اخرى…

بيير ايف سالينغ 
الحوار المتمدن-العدد: 4159 – 2013 / 7 / 20 – 02:14 
المحور: مواضيع وابحاث سياسية 

 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=369362

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s