التضامن بين المبدأ والموضة والتوظيف..

 

 

حالة الصحافي أنوزلا (المغرب)

 

التضامن قيمة ذات أبعاد إنسانية عظيمة وممارسة نضالية متميزة لدعم القضايا العادلة ومؤازرة أصحابها. وقد يتخذ التضامن أشكالا وأخرى حسب القضية المعنية بالتضامن ونقيضها وحسب طبيعة الجهة المتضامنة وكذلك حسب الشروط الذاتية والموضوعية لحظة أو إبان فعل التضامن (موازين القوى السياسية).

 

وكيفما كان شكل هذا التضامن يبقى، الى هذا الحد أو ذاك وخاصة في المجال السياسي، ممارسة مؤثرة ومناصرة للقضية المتضامن معها ولأصحابها. لقد عرفت بلادنا أعدادا كبيرة من أشكال ومحطات التضامن، ستؤرخ لا محالة لعدد الجرائم السياسية التي ارتكبت في حق أبناء وبنات شعبنا وتفضح شعارات « العهد الجديد » المكشوفة، ومنها شعارات الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية.. وكثيرا ما صنعت هذه المحطات النصر للقضايا الطبقية (قضايا العمال والفلاحين الفقراء والطلبة والمعطلين والمعتقلين السياسيين…) وانتزعت الحقوق وفرضت الحلول المقبولة والمنصفة.. كما تعرضت بدورها للقمع والاستفزاز والمضايقةّ، سواء كانت بخلفية مبدئية أو بغرض التوظيف والموضة والتباهي!! ورغم ذلك، لم يرق فعل التضامن ببلادنا الى مستوى انتزاع المكتسبات التي تليق وتعكس واقع التضحيات المقدمة…

 

إن النظام المغربي لا يقبل أي شكل من أشكال التضامن، وخاصة الأشكال المحكومة بخلفيات مبدئية ونضالية.. ويعمل كل ما في وسعه لقتل مبدأ التضامن وإجهاض مبادرات التضامن، وخاصة منها التي تحمل معنى الاتحاد (مثال: يا عمال العالم اتحدوا). أما السماح بتنفيذ بعض الأشكال التضامنية وقمع أشكال أخرى، فرهين بقراءة النظام القائم للظرفية السياسية ومعرفته بالجهة المتضامنة ولخلفيات الشكل التضامني وقوته أو ضعفه ولتبعات ذلك في علاقته بالأوضاع المحلية والإقليمية/الجهوية والدولية، رغم أنه قد يبدو أن الأمر (قرار القمع أو قرار « غض الطرف ») محكوم بالمزاجية وباجتهاد الأجهزة القمعية أو بعض مسؤوليها..

 

والخطير في التضامن هو أن يكون شوفينيا (انصر أخاك/رفيقك « ظالما أو مظلوما »…) أو محكوما بخلفية التوظيف السياسي أو الموضة والتباهي (استعراض العضلات ونفض الغبار عن الذات المتهالكة وتصفيات الحسابات…). وكثيرا ما حصل ذلك بالمغرب، عندما تشكلت لجن التضامن كالفطر هنا وهناك لفائدة هذا الاسم/الوجه البارز والجميل أو ذاك.. وتم تناسي/تجاهل المعتقلين السياسيين ومعاركهم والعمال ومعاركهم والفلاحين ومعاركهم والطلبة ومعاركهم والمعطلين ومعاركهم.. والعديد من القضايا ذات الأولوية في التضامن.. وكمثال الآن عن التضامن المغشوش (التوظيف والموضة والتباهي)، حالة الصحافي علي أنوزلا.. ألا يهم جهابذة التضامن صحة وحياة المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام الآن؟!! ألا يهمهم واقع السجون المغربية الآن؟!! ألا تهمهم دموع الأمهات وعذاباتها وآهاتها ليل نهار؟!! ألا يهمهم سقوط شهيد، نعم سقوط شهيد الآن بأسا؟!! يا للمكر!! إن التاريخ يشهد على بؤس المتضامنين غير المبدئيين وعلى فظاعة المتضامنين غير المبدئيين…

 

والخطير أيضا أن يتم باسم التضامن« الإغراق » وتصفية الحسابات، بل الانتقام المحكوم بالحقد والضغينة..

 

إن هذه الأنواع الخسيسة من التضامن (التضامن المغشوش والمتهافت…)، وبشكل عام، تشوش على القضية موضوع التضامن وتمس بمصداقيتها وبأصحابها وتبقى في آخر المطاف، وصمة عار على كل المتواطئين والمشاركين والمزكين لها.. إنها ممارسات غير نضالية وغير أخلاقية.. كما أنها تتوخى الوصول الى أهداف معينة، ليست بأي معنى إطلاق سراح الصحافي أنوزلا أو إسقاط المتابعة في حق المحامي المسعودي مثلا أو إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين… فما معنى أن يستفيق فلان فجأة من سبات عميق أو من موت سياسي إكلينيكي ليتحمل المسؤولية في هذه اللجنة التضامنية أو تلك (الإدلاء بالتصريحات وأخذ الصور والتهافت على الصفوف الأمامية إبان الوقفات وأمام الكاميرات « الشاعلة » وخطب ود بعض الجهات الأجنبية والأسماء النافذة والممولة للعديد من أقلامنا « الجريئة »…)؟! فما معنى أن نتناسى أو أن نتجاهل العديد من المعتقلين السياسيين والمضربين عن الطعام وعائلاتهم، والعديد من العمال والعاملات المعتصمين/ات، وأن نرفع رأسنا بدون خجل وأن ندعو للتضامن وأن نسجل أسماءنا في سكرتاريات لجن التضامن؟! أي تضامن هذا؟! وأية لجن هذه؟! إننا وأبناء وبنات شعبنا، أكبر من أن نخدع سواء لمرة واحدة أو لأكثر من مرة أو أن نصدق الأوهام أو أن نثق في تجار التضامن، كما تجار حقوق الإنسان..

 

هل الاختلاف مع بعض المعتقلين السياسيين (طلبة أو غير طلبة) يلغي أو يبرر عدم التضامن معهم ومع عائلاتهم؟! هل نسي أم تناسى « مناضلونا الديمقراطيون » (الليبراليون جدا وحتى « اليساريين ») شعار فولتير، أحد رواد فلسفة التنوير عشية الثورة البورجوازية الفرنسية: « قد أختلف معك في الرأي، ولكنني على استعداد أن أموت دفاعًا عن رأيك »؟! فكثيرا ما فضح « عدم التضامن » المتبجحين بشعارات التضامن..وكثيرا ما وظفت عائلات المعتقلين السياسيين لأغراض سياسوية بعيدة عن قضية أبنائها المعتقلين السياسيين… لماذا غاب عتاة المتضامنين والمتضامنات عندما نظم اليوم التضامني مع المعتقلين السياسيين أمام المجلس الوطني لحقوق الإنسان؟ والآن (ما بعيدة غير « … »)، يوجد العديد من ضحايا القمع السياسي أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط في حالة اعتصام مفتوح من أجل حقوق بسيطة وعادلة، أينكم/أينكن أيها/أيتها المتضامنون/المتضامنات الباحثون/الباحثات عن التضامن وعن لذة التضامن!!

 

إن الخطير في التضامن أيضا أن يكون بديلا عن الانخراط الفعلي (شكلا ومضمونا) في القضية موضوع التضامن. فلا معنى أن يكون صاحب قضية متضامنا معها بدل أن يكون خادما لها ومنخرطا فيها.. والمثال الساطع: قضية الاعتقال السياسي باعتبارها قضية طبقية..

 

إننا في كثير من الأحيان نمارس التضامن بدل الانخراط، مثال: حركة 20 فبراير، الحركات الاحتجاجية بخصوص ارتفاع الأسعار أو الحرمان من السكن والشغل والصحة والتعليم… !!!

 

إن التضامنواجب إنساني ونضالي وليس ممارسة وسطية أو انتقائية أو مزاجية محكومة بخلفية « الزبونية/المحسوبية » (صاحبي، رفيقي…). طبعا، لا بد من أخذ بعين الاعتبار إمكانية فعل التضامن، فليس التضامن دائما هو الحضور إبان وقفة تضامنية أو مسيرة أو الانخراط في لجنة تضامن أو أي شكل تضامني آخر.. فقد تكون وردة أو كلمة طيبة أو قصيدة شعرية أو مكالمة هاتفية شكلا تضامنيا جميلا ودافئا ومعبرا، وكذلك التواصل مع عائلة معتقل سياسي أو دعم (مادي أو معنوي) لنقابي أو لعامل مطرود أو موقوف عن العمل أو مضرب عن العمل.. وقد نتحدث عن « أضعف التضامن » قياسا على فكرة « أضعف الإيمان »!!

 

إن التضامن بخلفية مبدئية ونضالية مؤشر على النضج والقوة والمسؤولية.. فلنكن متضامنين بانخراطنا وحضورنا وبكافة الأشكال التي تجسد فهمنا الطبقي الصحيح للتضامن، بمعنى الاتحاد، كمسؤولية نضالية…

 

إشارات لا بد منها:

 

* أتضامن تضامنا مبدئيا وتضامنا غير مشروط مع المحامي محمد المسعودي ومع الصحافي علي أنوزلا، وطبعا مع كافة المعتقلين السياسيين ومع كافة ضحايا القمع والاضطهاد السياسيين..

 

* إن المرحلة الراهنة في حاجة الى صوت وموقف وتضحية المحامي(ة) والصحافي(ة) والكاتب(ة).. وطبعا ومما لا شك فيه، المرحلة الراهنة في أمس الحاجة الى المثقف(ة) الثوري(ة) من خارج السجن ومن داخله..

* إن التحدي اليوم، حقيقة، هو الانخراط المبدئي والعملي في الفعل النضالي ومن مواقع وجبهات نضالية مختلفة، وليس التضامن (أضعف التضامن)، خاصة إذا كان، لشديد الأسف، كموضة أو للتباهي وأخذ الصور التذكارية مع « الرفاق » و »الرفيقات » ومع « الأصدقاء » و »الصديقات »…!!!  

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s