اشتداد العنف الطبقي بمواقع الانتاج وبمحيطها


ظهر العنف الطبقي مع ظهور الملكية الخاصة وانقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة. وكانت الحروب وسيلة لأسر المنهزمين وتحويلهم إلى عبيد لاستخدامهم مع أطفالهم في الرعي أي إنتاج الثروة التي يستحوذ عليها مالك العبيد. باقي المجتمعات الطبقية المتعاقبة، لم تحد في جوهرها عن قاعدة اعتماد العنف من طرف الطبقات السائدة، لإخضاع المجتمع والسيطرة على وسائل الانتاج والاستحواذ على الثروة المنتجة وضمان تأبيد النظام القائم. والدولة باعتبارها « نتاج لاستعصاء التناقضات الطبقية » و »نوع خاص من تنظيم القوة، هي تنظيم للعنف بقصد قمع طبقة من الطبقات »، ومع ذلك فهي تحاول تلطيف الصراع وتغليف العنف الطبقي بالقوانين والمساطر، حتى يصبح مبررا ومقبولا من طرف الذين يمارس عليهم. لكن مهما ظل العنف الطبقي مستترا، خصوصا في ظروف الرخاء، فإنه سرعان ما ينفجر حين تشتد التناقضات، فتلجأ الطبقات السائدة ودولتها إلى القمع المباشر في مواجهة الجماهير الغاضبة أو المنتفضة، فتنزل القوات المسلحة إلى الشارع ويسقط الشهداء والمعطوبون وتملأ السجون وتعج المنافي بالمضطهدين.
في النظام الرأسمالي الحالي تتسع دائرة العنف الطبقي باستمرار لتشمل ضحايا جددا، أفرادا وجماعات، بسبب الحروب المكشوفة والخفية المشتعلة. حروب تشعلها الامبريالية بهدف السيطرة على أراضي الشعوب وثرواتها، ويسقط من جرائها ملايين القتلى والمعطوبين والأيتام واللاجئين فضلا عن الضحايا غير المباشرين الذين يدفعون ثمن الحرب من قوتهم وعلى حساب شروط حياتهم.
حرب أخرى لا تقل عنفا، تشنها الرأسمالية على الطبقة العاملة وعموم الشعوب، تتجلى في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، المفروضة من طرف المؤسسات الامبريالية: البنك العالمي، صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الأوروبي، منظمة التجارة العالمية، الاتحاد الأوروبي …، والتي ما عاد ضحاياها يقتصرون على شعوب ما كان يسمى بالعالم الثالث، بل إن انتفاضات شعبية تعم الآن اسبانيا واليونان والبرتغال والبرازيل … لمقاومة هذه الاختيارات الامبريالية ولحماية المكتسبات الشعبية المحققة في مجالات الشغل والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية …
وكلما تركزت الثروة في يد حفنة من البرجوازيين تلجأ هذه الأخيرة إلى مزيد من العنف لمواجهة أغلبية المجتمع، التي تغرق في الفقر والبؤس.
إذا كان العنف الطبقي الممارس في المجتمعات القديمة، ضد العبيد في مجتمع الرق وضد الاتباع في المجتمع الاقطاعي، ترتفع شدته كلما حلت بالبلاد كوارث طبيعية مثل الجفاف والطوفان والحرائق التي تضر بالإنتاج، فإن المجتمع الرأسمالي الحديث في مرحلة تطوره الامبريالية، يتميز بانعكاس الأزمة العالمية مباشرة على الطبقة العاملة، في البلدان التابعة التي تعاني من استغلال مضاعف (محلي وخارجي) يولد عنفا مضاعفا.
بالمغرب، وبفعل إفلاس أو تفالس العديد من الشركات، خصوصا العاملة في مجال النسيج والصناعة الغذائية، فقد تحولت مجموعة من الأحياء الصناعية إلى أماكن مهجورة كأنما أُصيبت بحرب مدمرة، وأُفرغت من آلاف العاملات والعمال الذين التحقوا بجيوش المعطلين. بينما هُربت الرساميل إلى قطاعات أخرى أكثر ربحية (العقار، الفلاحة العصرية، المضاربات المالية، …).
النظام المغربي مصاب بتشوه خلقي جعله يتمسك بعقلية وأساليب الإقطاع في تدبير الرأسمالية التبعية السائدة. لذا فإن الطبقة العاملة تعاني، فضلا عن الاستغلال الرأسمالي، من الاستبداد الإقطاعي الذي يذكرنا بمعاناة الفلاحين الفقراء بأوروبا في القرون الوسطى. فأية محاولة، مهما كانت سلمية، من طرف العاملات والعمال لإثارة الانتباه إلى أوضاعهم ولشروط العمل المزرية في معمل ما، تعتبر « وقاحة » في رأي أصحاب المعمل، و »مسا بهيبة السلطة » وتهديدا للاستقرار الرأسمالي، وبالتالي وجب سحقها في الحال بقوة الحديد والنار، حتى لا تنتقل العدوى إلى باقي المعامل المجاورة. ولا يهم أن تكون المطالب العمالية قانونية وأن يكون صاحب المعمل أو الضيعة أو المنجم خارج قانون الشغل. فإن أية حركة احتجاجية عمالية تستنفر السلطة التي تعبئ المخبرين والأعوان لرفع التقارير عن هذا « الخطر العمالي »، وتحضر في الحين مختلف قوات القمع من شرطة أو درك أوقوات مساعدة، وينتشر عملاء الأجهزة السرية بالأحياء العمالية لملاحقة المناضلات والمناضلين النقابيين. وكثيرا ما ينتهي الأمر بإصابات خطيرة واعتقالات ومحاكمات بمقتضى الفصل 288 من القانون الجنائي الذي يجرم حق الإضراب.
مهما كانت قدرة الطبقة العاملة على « تحمل » ظروف الاستغلال، فإن المقاومة الكامنة في صفوفها تنتهي بالانفجار إما عفويا أو بشكل واعي ومنظم. ونظرا للطبيعة القمعية للدولة، فإن استعمال العنف البوليسي ضد الحركة العمالية وارد باستمرار. وهو مرشح للتصعيد، خصوصا في ظل تعمق ازمة الرأسمالية وتقليص كلفة العمل وضيق هامش المناورة لدى النظام السائد.
إن البطالة الواسعة تدفع طالبي العمل إلى القبول بالاشتغال بشروط المشغل، فيصبح مجرد الحصول على عمل امتيازاً. لذا فإن شروط العمل في تدهور مستمر، بسبب اختلال موازين القوى لصالح الباطرونا من جهة، ومن جهة أخرى من جراء محاولة تحقيق تنافسية المقاولات المغربية عن طريق تخفيض كلفة العمل. وقد سبق أن صرح وزير التشغيل المغربي بأن نسبة المقاولات التي تطبق قانون الشغل لا تتعدى 15 بالمائة. حصل ذلك قبل انفجار الأزمة الرأسمالية العالمية الحالية. أما الآن فإن هذه النسبة تقل بكثير عن ما صرح به الوزير. أي أن الذين يشتغلون « محظوظون » وسط جيوش المعطلين، ومن يتقاضون منهم الحد الأدنى للأجور « أكثر حظا »، أما التصريح ببعضهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فيعتبر « ترفا »، وتوفير شروط الصحة والسلامة « رفاهية » …
في مواقع الانتاج، من معامل وضيعات ومناجم وأوراش البناء والأشغال العمومية والخدمات …، وبمحيط هذه المواقع، من أحياء صناعية وتجمعات سكنية عمالية ومدن منجمية ودواوير عمال الزراعة وفي الموانئ والأسواق…، فإن العنف الطبقي يعبر أيضا عن نفسه في شروط العمل وفي ظروف عيش العمال وعائلاتهم وباقي فئات الجماهير بهذه المناطق (حرفيون، تجار صغار وباعة متجولون، …) الذين تتأثر حياتهم بطبيعة الانتاج المحلي وبظروف العمل واستقراره أو هشاشته أو توقفه.
إجماع النقابات المغربية على مطالبة الباطرونا بتطبيق الحد الأدنى للأجور (السميك)، معناه أن أغلبية الطبقة العاملة في القطاع الخاص تتقاضى أجورا تقل عن الحد القانوني. وإذا علمنا ان السميك المغربي لا يتجاوز 2337 درهما (200 أورو) وأن معدل عدد أفراد الأسرة المغربية يبلغ خمسة، فإننا ندرك بسهولة بأن الطبقة العاملة قد حكم عليها بالفقر والبؤس مدى الحياة. وما بالك بمن يتقاضى أقل من السميك. هذا الواقع يدفع العاملات والعمال إلى الإشتغال في أوقات « الراحة » لتوفير دخل تكميلي. وهل هناك عنف أقوى من أن يضطر العامل للاستعانة بعمل أطفاله لمواجهة تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار؟
نموذج آخر للعنف الذي تمارسه الباطرونا داخل مواقع الإنتاج يتمثل في تقليص شروط الصحة والسلامة في العمل والاستهتار بسلامة وحياة العاملات والعمال، مما أدى في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع عدد حوادث الشغل وسقوط قتلى داخل المعامل والمناجم والمقالع وأوراش البناء والصناعة التقليدية … ولعل ظروف الحريق الذي شب بمعمل روزامور بالدار بالبيضاء في أبريل 2008، مثال آخر على اشتداد العنف الطبقي في مواقع الانتاج. معمل روزامور ينتج الأفرشة والأثاث، اًي سلع سهلة الاشتعال،ومع ذلك يتكدس فيه 400 من العاملات والعمال موزعين على أربع طوابق دون أبواب للسلامة أو مخارج الدخان أو وسائل مضادة للحريق. كما أن الأبواب الخارجية للمعمل ونوافذه تكون مغلقة بالحديد طيلة أوقات العمل، مانعة اًية إمكانية لنجاة العاملات والعمال في حالة الحريق أو الاختناق. وقد سقط من جراء هذا الحريق 56 قتيلا (29 عاملا و27 عاملة) وعشرات الجرحى. وتبين فيما بعد أن السلطة المحلية ومفتشية الشغل كانتا على علم بشروط العمل بمعمل روزامور دون أن تحركا ساكنا، مما يجعلهما شريكتين في الجريمة. وهذه ليست حالة معزولة، بل إن حوادث مميتة في ظروف مشابهة تقع باستمرار. وفي قطاع الفلاحة، يسقط الكثير من العاملات والعمال الزراعيين أو يصابون بعاهات مستديمة بسبب حوادث السير الخطيرة الناجمة عن الحالة الرديئة للشاحنات التي يحشرون فيها لنقلهم للعمل في المزارع، أو يصابون بأمراض نتيجة لاستعمال مبيدات خطيرة داخل البيوت البلاستيكية دون أدنى وقاية أو مراقبة.
إن مواقع الإنتاج هي منطقة التّماس بين الرأسمال والعمل ونقطة انطلاق التوزيع غير العادل للثروة عبر سلب فائض القيمة من الطبقة العاملة، كأساس للاستغلال الرأسمالي. مما يفسر العنف الدائم الذي يسود هذه المواقع. ومن هنا أيضا يجب فهم موقف الباطرونا والسلطة من الحريات النقابية. فكلما اقترب العمل النقابي من مواقع الإنتاج، كانت الحرب ضده شرسة، وكلما ابتعد عن هذه المواقع وعن الهموم الحقيقية للطبقة العاملة وتحول خطبا في الصالونات، كان مقبولا ومطلوبا لتلميع صورة النظام والتغطية على واقع الاستغلال والقهر.
العنف الذي تمارسه الرأسمالية ضد الطبقة العاملة في مراكز الإنتاج، يمتد إلى محيطها أي إلى الأحياء العمالية والقرى المنجمية وإلى غيرها من هوامش هذه المواقع والتي غالبا ما تتميز بالفقر والتهميش رغم الثروة الهائلة التي تجنيها البرجوازية هناك. أسباب عديدة تفسر امتداد العنف الرأسمالي إلى المناطق المحيطة بمواقع الإنتاج، لعل أهمها:
-;—;– فضلا عن علاقات القرابة التي قد تجمعهم بالعاملات والعمال الذين يشتغلون في هذه المراكز، فإن سكان المنطقة المجاورة غالبا ما يعتمدون في تحقيق مورد عيشهم على أجور هؤلاء العمال والعاملات. مما يفسر التضامن التلقائي ودعم السكان للمعارك العمالية الذي عليهم عداء الباطرونا والسلطة.
-;—;– الموقف الطبقي العدائي للبرجوازية من الفقراء والذي لم يتغير منذ قرون رغم محاولات بعض اللبراليين « أنسنة » النظام الرأسمالي. هذا الموقف عبر عنه مالتوس في القرن 18 بقوله: « الأرض مزدحمة جدا بالسكان … مما يؤدي إلى الفقر والجوع والشقاء وانحطاط الأخلاق » وبما أن « الرجل الفقير يجلس إلى مائدة الطبيعة، لكنه لا يجد … طعاما معدا له » إذن « فالطبيعة تقضي بأن يرحل هذا الشخص عن الحياة ». لذا فإن مالتوس يوصي بإنقاص أعداد الفقراء، مؤكدا بصراحة « أن الحق في الحياة، هذا الحق الذي كان معترفا به سابقا لكل إنسان في العالم، أصبح شيئا لا معنى له ».
-;—;– البرجوازية التي تستغل ثروات المنطقة (المعادن،الرخام، الرمال، الغابات، السمك، …) وتجني الأرباح الطائلة لمدة عقود، لا تترك وراءها سوى الخراب والفقر ، بعدما تقوم باستنزاف الثروات أو تلويث الشواطئ او تسميم الفرشة المائية أو القضاء على الغابة وحرمان السكان من مناطق الحطب ورعي الأغنام …
وأذكر هنا بالمواجهة التي لا زالت مستمرة بين سكان الجماعة القروية لإيمضر والشركة المنجمية التابعة للهولدينغ الملكي (الشركة الوطنية للاستثمار) التي تستغل، منذ أربعة عقود، أحد أكبر مناجم الفضة في العالم بإنتاج سنوي يبلغ 200 طن من الفضة الخالصة بنسبة 99 %، ومع ذلك يعيش السكان في فقر مدقع يتعمق باستمرار بسبب استنزاف المياه الجوفية من طرف الشركة وتسميمها بالمواد السامة المستعملة في معالجة المعدن، نتج عنه تأثير سلبي على الفلاحة المعيشية للسكان. ولم يبق أمام السكان سوى الاعتصام بقمة جبل ألبان منذ غشت 2011 ومنع تزويد المنجم بالماء انطلاقا من هذه النقطة والمطالبة بإطلاق سراح معتقليهم وتوزيع عادل لثروة المنطقة والاستفادة من تنمية حقيقية تخرجهم من التهميش والإقصاء.
إن الحرب الطبقية الدائرة بمواقع الإنتاج تصيب شظاياها العديد من النقابيين واليساريين الذين يحاولون الاقتراب من لهيبها. والأمثلة كثيرة ليس أولها حالة الشهيد عبد الله مناصر الكاتب العام لنقابة الصيد الساحلي الذي اختطف واغتيل وألقيت جثته في ميناء أكادير في 31 ماي 1997. ولن يكون حميد مجدي آخر ضحايا هذه الحرب. فقد اعتقل هذا الأخير يوم 16 نونبر الماضي بمراكش بعد الفخ الذي نصب له و »العثور » في سيارته على مخدرات قوية (!)، وهو مناضل نقابي ويساري معروف بدفاعه عن مطالب الطبقة العاملة بمناجم إيمضر وبوازار وباقي المناجم التابعة للهولدينغ الملكي بمنطقة ورزازات. لكن حملة التضامن الداخلي والخارجي وانفضاح المؤامرة جعلت المحكمة تبرئ المناضل مجدي في انتظار تهمة اخرى.
مظهر آخر من مظاهر العنف الطبقي ضد الطبقة العاملة وتعبر عنه بقلقها الدائم حول المستقبل : فحياة العاملات والعمال وأطفالهم قد تنقلب رأسا على عقب، وينقطع مورد عيشهم -على هزالته- بقرار برجوازي يتخذه أصحاب المعمل. فهؤلاء البرجوازيون كثيرا ما يكونون مجهولي الهوية، أو يتواجدون على بعد آلاف الكيلومترات من المعمل، وفي كل الأحوال لا تجمعهم بعمال المعمل سوى علاقة الاستغلال الخالية من اية جرعة إنسانية. وقد يقرر أصحاب المعمل في اية لحظة إغلاقه وتحويل رأس المال إلى نشاط آخر أكثر ربحية، غير مبالين بانعكاسات قرارهم على حياة مئات العاملات والعمال وأسرهم وبخطر التشرد الذي يتهدد أطفالهم. تماما كما أن علاقة الاستغلال تستمر عنيفة طيلة سنوات العمل، فإن لحظة توقفها لا تخلو من عنف. لنتصور وقع الصدمة على نفسية العاملات والعمال الذين يفاجأون في الصباح الباكر بباب المعمل مغلقا والحارس يخبرهم بأن الآلات قد تم تهريبها ليلا وهاتف المدير لا يجيب، حتى لا يصله بكاء الضحايا وأنينهم ولا ضجيج الإغماءات وشعارات الاحتجاج. بعض العاملات والعمال لا يصدقون في البداية أن يتخلى عنهم المشغل وقد اشتغلوا لفائدته مدة قد تصل إلى عشرين سنة أو اكثر، ولا يستوعبون عدم تدخل الدولة (السلطة، مفتشية الشغل، القضاء، …) لإلزام صاحب المعمل بإعادة فتحه وإرجاعهم إلى عملهم وإنقاذ أطفالهم من الضياع …؛ وعلى العكس من ذلك فإن قوات القمع حين تحضر، فهي تحاصر العاملات والعمال وتفرق اعتصامهم بالهراوات، وفي مرات عديدة تعتقل ممثلي العمال وتقدمهم للمحاكمة.
يقول إنجلز عن البرجوازيين الانجليز بأنهم « أزواج طيبون وأرباب عائلات مخلصون … وهم يظهرون في الأوقات العادية، بصفتهم محترمين وذوي لياقة مثل سائر البرجوازيين » … ومع ذلك فإن « البرجوازي الإنجليزي لا يبالي مطلقا لمعرفة ما إذا كان عامله يعاني الجوع أم لا. بل يكفي ذلك البرجوازي أن يكسب المال. وجميع شروط الحياة يجري تقييمها بقيم المال والنقود، وكل عمل لا يحقق أي ربح يعتبر عبثا وسخافة » (إنجلز-الوضع البلوريتاري في إنجلترة- 1845). فمهما اختلفت جنسيات البرجوازيين ومظاهرهم ولغاتهم ودياناتهم … فإنهم لا يختلفون في جوهرهم الاستغلالي وفي عنفهم ضد الطبقة العاملة. الكنيسة الكاثوليكية ،مثلا، تتوفر على استثمارات في كل بلدان العالم، ضمنها « التعليم الكاثوليكي بالمغرب » الذي يشغل 700 مستخدمة ومستخدم ويرأسه الأب مارك بوكرو، وهو شخص وديع وهادئ، هدوء المحيط قبل تسونامي. ابتسامته تخفي رعباً حقيقياً وعداءً شديداً للطبقة العاملة. قبل ثلاث سنوات، التحق العاملون بالتعليم الكاثوليكي بالنقابة للدفاع عن حقوقهم، وخاضوا معركة طويلة (إضرابات، وقفات احتجاجية،…) من أجل الاعتراف بالحق النقابي والتفاوض حول ملفهم المطلبي. إلا أن الأب مارك بوكرو، الذي يسير هذه المؤسسات باسم الكنيسة قام بطرد الكاتب العام النقابي وثمان مدرسات، ضمنهن ست عضوات بالمكتب النقابي ومنع تسعة أطفال من متابعة الدراسة عقابا لهم على تضامن آبائهم مع النقابيين.
مثال أخير للعنف الذي يمارسه الرأسمال الأجنبي على الطبقة العاملة المغربية : شركة سينوهيدرو للأشغال العمومية، تابعة للدولة الصينية، تقوم منذ أربع سنوات بإنجاز جزء من الطريق السيار المحيط بالرباط والرابط بين البيضاء وفاس، تشغل أكثر من 400 عامل مغربي و100 مهندس وتقني من الصين. فضلا عن غياب أبسط شروط الصحة والسلامة بالأوراش وسقوط ضحايا حوادث شغل مميتة، فإن العمال يسكنون في « إسطبلات » وينقلون في شاحنات مهترئة مخصصة أصلا لنقل مواد وٱ-;—;–لات البناء. أما اللغة التي تثقنها الأطر الصينية فهي الكراطي، حيث انتهى العديد من العمال المغاربة في قسم المستعجلات. وقد تصاعد العنف ضد العمال بعد انخراطهم في النقابة للدفاع عن كرامتهم. وكمثال على ذلك، أن الشركة، من أجل الانتقام من أعضاء المكتب النقابي ومحاول إذلالهم أمام باقي العمال، صنعت لأحدهم مجرفة ثقيلة من الحديد تزن 14 كيلوغرام ومنعته من استعمال مجرفة أخرى ذات يد خشبية. ولما لاحظت صموده واستمراره في الدفاع عن حقوق العمال قامت بطرده بشكل تعسفي رفقة مجموعة من العمال.
إن العنف الطبقي في مواقع الإنتاج وبمحيطها، مرشح للتصاعد في ظل تعمق أزمة الرأسمالية. ولا سبيل لمواجهته والحد منه، في المدى القريب، إلا بتقوية ودمقرطة العمل النقابي وتوحيد النضالات العمالية وتوطيد التضامن بين الطبقة العاملة في مواقع الإنتاج والجماهير الكادحة في القرى المنجمية والأحياء العمالية ومحيط مواقع الإنتاج عموما. وفي المدى البعيد، فإن القضاء النهائي على العنف الطبقي البرجوازي لن يتأتى إلا بالقضاء على بنيات الاستغلال الرأسمالي اي تدمير الدولة البرجوازية عبر العنف الثوري الجماهيري المنظم. « إن الدولة البروليتارية، اي ديكتاتورية البروليتاريا، لا يمكن ان تحل محل الدولة البرجوازية عن طريق « التلاشي التدريجي ». بل القانون العام هو أن تحل الدولة البروليتارية محل الدولة البرجوازية فقط عن طريق ثورة عنيفة » و »أن ضرورة تثقيف الجماهير بصورة منتظمة بها، وبالتحديد بفكرة الثورة العنيفة هذه، تكمن في جذور تعاليم ماركس وإنجلز » .(لينين- الدولة والثورة- 1917).
عبد الله لفناتسة
الرباط / يونيو 2013

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s