اليسار الجذري بإسبانيا : مقاربة ماركسية ثورية لمشاريعه السياسية

 

  إستعادة دروس الثورات الكبرى للقرن العشرين 

لقد كانت مسألة البناء الواضح « للأفق الثوري » ، ولازالت ، تشكل أم المهمات الأساسية ،التي لا يجب فقط استحضارها و إستعادتها ، بل أيضا تحيينها على ضوء المعطيات الدولية الجديدة  وعلى ضوء  دروس الثورات الكبرى للقرن العشرين ،كالروسية 1917 و الإسبانية 1936 .

كلتا السيرورتين تبرزان الدور المعادي للثورة ،الذي لعبته الستالينية ، جنبا إلى جنب مع حلفاؤها الجمهوريين و الإشتراكيين في الحالة الإسبانية  أما في روسيا  فقد إنتهى الأمر بالسطو على ثورة أكتوبر العمالية و تشويهها إلى درجة تحويلها إلى ديكتاتورية شمولية توتاليتارية ,  إنطلاقا منها تم التحكم في  سيرورات ثورية أخرى والعمل على  إجهاضها و هو ما وقع للثورة الإسبانية. أما بالنسبة لباقي الدول العمالية الأخرى فقد ولدت في الأصل مشوهة بيروقراطيا.

زبالنسبة للدرس الثاني من دروس الثورتين هو دور الفوضويين في الثورة .في إحدى المناسبات كتب  أندريو  نين Andreu Nin المفكر و المناضل الثوري الكاطلاني و أهم وجوه الماركسية الثورية في إسبانيا ، قبل إختطافه ، تعذيبه و إغتياله في مكان يجهل لحدود الساعة من طرف فيالق الموت الستالينية سنة ١٩٣٧ ، كان قد كتب ، ردا على تروتسكي حول موقف هذا الأخير من الفوضوية و الفوضويين :« الثورة في إسبانيا إما أن تكون مع الفوضويين أو لا تكون ».

فبالرغم من أن لا أحد بإمكانه أن يجادل في  مدى  إخلاص الفوضويين و قتاليتهم في الدفاع عن مصالح العمال، ودورهم الريادي في سيرورة الثورة  ، إلا أن التجربة أبانت عن الدور المدمر  الذي لعبته الفوضوية في التفكيك السياسي لأسلحة العمال انسجاما مع فهمهم الخاطئ لمسألة الدولة و رفضهم لكل أشكاله . تطور الفوضوية أخذ  إتجاهين مختلفين :

                                                                                                                                                                                         1-            إما التحالف مع تيارات برجوازية مختلفة في إطار ما يعرف ب « الجبهة الشعبية »

                      2-            القطع مع إيديولوجية الفوضويين و التقرب أكثر من البرنامج الماركسي الثوري كما وقع مع من كانوا يعرفون بإسم أصدقاء دوروتي »Los Amigos de Durruti« 

أما بالنسبة لتجربة الحزب العمالي للتوحيد الماركسيPOUM – الذي كان تجمعا ماركسيا ثوريا وطرف أساسي من أطراف المعارضة اليسارية التي تشكلت حول تروتسكي-فقد وجد  نفسه غير قادر على منح بديل ثوري للطلائع العمالية التي أبانت على أنها أكثر تقدما من قياداتها.

   ظل الستالينية الطويل و دورها في نظام ٧٨

    لقد ادى فشل الحرب الأهلية إلى إدخال إسبانيا في نفق مظلم دام 40 سنة من الديكتاتورية الفرانكية (نسبة إلى فرانكو ) الذي خلق تدمرا شعبيا        

و اسعا و أدى إلى  إستمرار شعلة النضال العمالي و الشعبي .إلى  حدود بداية الستينات و السبعينات حيث عادت شرارة النضال بقوة إلى مسرح الصراع الطبقي ،الشيء الذي فتح باب أزمة النظام الفرانكي على مصراعيه،وهي كذلك نفس المرحلة التي سيتم فيها إختبار إستراتيجيات اليسار المختلفة ،تماما كما وقع سابقا إبان مرحلة الحرب الأهلية.

إستمرت هيمنة الحزب الشيوعي الإسبانيPCE على حركة الصراع بحكم وجود الإتحاد السوفياتي الذي كان قد أنهى عملية بسط نفوذه السياسي    على كل مناطق تأثيره في أوربا ،آسيا و أمريكا اللاتنية،  لعب  هذا  الحزب  خلال فترة ما يعرف « بالإنتقال TRANSICIÓN » في إسبانيا ، دورا معاديا للثورة مستعيدا نفس الدور الذي قام به خلال سنوات الثلاثينات وهو ما سيظهر بوضوح مع بداية الخمسينات عندما رفع هذا الحزب راية التصالح الوطني عاليا ، الشيء الذي ستقوده إلى إقامة جملة من التوافقات مع الأجنحة » الديموقراطية » للنظام . بعد موت فرانكو وخصوصا مع حكومة ألفونسو سواريزAlfonso Suarez ،ستنطلق عملية التفاوض التي إنتهت بقبول الحزب الشيوعي الفتات الذي منحته إياه البرجوازية مقابل لعب دور « رجل الإطفاء » ضد فتيل التوتر  والتجذر على مستوى وعي  و تنظيم الشغيلة و الشبيبة ،  مرة أخرى لم يتردد  الحزب الشيوعي في التوقيع على ما يعرف « إتفاقيات مونكلوة Pactos de la moncloa   »  ،التي كانت أول مخطط لتفكيك ديناميكية العمال و تدفيعهم ثمن أزمة  73. قبل ذلك كان قد قبل بالملكية و الوحدة الوطنية الإسبانية , و سيكون طرفا جوهريا في المصادقة على قانون العفو الذي كان بمثابة غطاء لكل الجرائم و البربريات التي إرتكبتها الديكتاتورية، و أخيرا مصادقته على دستور 78 الذي يعتبر بموجبه النظام الحالي الوريث لفرانكو .

سيكون إذن الحزب الشيوعي الإسباني أداة أساسية في صياغة هذا التحريف الديموقراطي الذي عطل مفعول تحول المرحلة إلى وضع ثوري مع العمل على محاصرة كل أشكال التنظيم الذاتي العمالية بدءا بالجموعات العامة وصولا إلى اللجان العمالية نفسها التي تحولت إلى نقابة بيروقراطية تحمل إسم    Confederacion sindal de comisiones obreras  CCOOبالإضافة إلى عملها الدائم ضد قيام أية وحدة عمالية و منع نمو أشكال تنظيم ذاتي داخل المصانع و المركبات الصناعية و منع تأثيرها على قطاعات شعبية أخرى كالشباب التواق إلى الحرية . وهكذا تمكن الحزب الشيوعي من عزل منطقة التوتر داخل حدود الديموقراطية البرجوازية.

على قاعدة هذه السلبية في العمل و التوجه تمكنت الحكومات الأولى للديموقراطية أن تطبق المشاريع النيوليبرالية ، التي كانت الديكتاتورية سابقا جد حذرة من تمريرها مخافة هزات إجتماعية .

مرحلة الإنتقال   الديموقراطي في إسبانيا هي إذن عملية مصنوعة  وقائيا من أجل تفكيك عناصر وضع كانت قد بدأت ترتسم فيه ملامح قوة وعي وتنظيم كانت قد تطورت سابقا خلال مرحلة الصراع ضد نظام فرانكو .بهذا المعنى كان الإنتقال بمثابة ثورة ديموقراطية مضادة ذات طابع وقائي.

 

اليسار السبعيني الجديد: البديل الذي لم يكن كذلك.

على يسار الحزب الشيوعي الإسباني   PCE ظهرت و تطورت تنظيمات ذات إستراتيجية بديلة أغلبها قادم من الماوية و الستالينية ،اللتين  تميزتا بفهمهما المرحلي للثورة ضد الديكتاتورية ،الشيء الذي دفع هذه المجموعات في نهاية المطاف إلى التأقلم مع توجه الحزب الشيوعي ،بالرغم من كونهم كانوا  من أنصار الإبقاء على حركة الشارع ، وهو ما جعل عملية القطع الحقيقي و لو بمفهومه الديموقراطي ، الذي كان بإمكانه الإطاحة بورثة فرانكو ، يبقى غائبا سواء في الممارسة أو على مستوى الإستراتيجية. فحزب العمل الإسباني PTE أكبر هذه المجموعات ذو النزعة الماوية ،إنتهى مصوتا   بنعم على الإستفتاء الدستوري

في حين كانت التروتسكية قوة أقل حجما ومتحلقة بالخصوص حولالعصبة الشيوعية الثورية (عشث) LCR إنتهت باندماجها مع MC Movimiento  Comunista الماوية في بداية التسعينات في إطار ما عرف آنذاك باسم اليسار البديل ، ولم تتمكن بحكم بنيتها الذاتية من إنتزاع القيادة من الماويين و الستالينيين. كما أن إستراتجية عملها لم تكن عاملا  مساعدا في عملية بناءها كبديل ثوري  في صيف ١٩٧٦  بقرروا مغادرة برنامج الثورة الدائمة لصالح  النضال من أجل » قطيعة ديموقراطية حقيقية”.

يمكن إعتبار « اليسار الجديد » أو « اليسار الراديكالي « بإسبانيا على رأس قائمة التنظيمات  التي تخلت  عن فهمها و رؤيتها الطبقية للصراع ، لصالح تبني تصورات جديدة مثل نظرية  » تعدد الذوات  » أو ما يسمى بالحركات الإجتماعية و النضال من أجل إحتلال بعض الفضاءات داخل الديموقراطية البرجوازية . كانت من نتائجه المباشرة :

اولا: التخلي عن مهمة النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا .

ثانيا: تبني أشكال عمل عصبوية مثل خلق نقابات حمراء خارج النقابات المركزية ، و الدخول في تحالفات كل مرة أكثر وصولية وصولا إلى  إندماجها داخل صفوف اليسار الموحد IU ،جزء من قيادة هذا الأخيرة  خلال العشرية هم من قدماء « عشث »العصبة الشيوعية الثورية LCR.الإسبانية

إن غياب الحزب الثوري  جعل الوضع ، ما قبل ثوري الاكثر اهمية بعد الحرب الأهلية يتحول ،إلى طريق مفروشة الورود من أجل إعادة هيكلة النظام والهجوم النيوليبرالي الذي طبق خلال 35 سنة الأخيرة.بإسبانيا

تقوية إصلاحية اليسار في الدولة الإسبانية

دفعت الستالينية الإسبانية ثمنا  غاليا إزاء خيانتها في ٧٨ ، كان الحزب الشيوعي الإسباني على وشك الإندثار من البرلمان في إنتخابات ١٩٨٢ و فقد الآلاف من مناضليه,في ١٩٨٦ سيتم تأسيس اليسار الموحد ,

 

  كان مسار تطور اليسار الموحد IU   متناغما مع تقاليد مؤسسيه ، فمع مرور السنوات تسارعت وثيرة تطوره نحو « الأروشيوعية » و »الإكو إشتراكية  » إلى درجة تحوله إلى مجرد حزب برجوازي إنتخابوي و إصلاحي .هذا الانعطاف اليميني سيترجم عمليا في تحمل هذا الحزب مسؤولية  تدبير الحكم بتحالف مع  الحزب الوطني الباسكي PNV في منطقة أوشكادي EUSKADI، و تحمل مسؤولية إدارة شؤون البوليس الكطلاني mosos de escuadra  ، الشيء الذي أضعفه تنظيميا و إنتخابيا إبتدا ء من ١٩٩٩ وإلى حدود  ٢٠١١, حيث بدأ يعرف نوعا من التوسع و التقدم نتيجة الأزمة القوية التي يجتازها الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني .PSOE حاليا

عودة ظهور مجموعة من التشكيلات السياسية الإصلاحية ، ليس حصرا على اليسار الموحد ،ذلك أن سياسته التوافقية مع الحزب الإشتراكي دفعت في بروز تنظيمات أخرى تنافسه نفس الفضاء الإنتخابي مثل « إكوو »EQUO، هناك أيضا قوة سياسية أخرى « أميور بيلدوAMAIMUR- BILDU–  » التي تعتبر من أقوى التعبيرات عن هذا « الميل الجديد  » متغدية من عودة القضية الوطنية إلى قلب الإهتمام السياسي(كاطلونيا ،الباييس باسكو). وترتكز هذه القوى على ما يعرف « باليسار الأبرتشاليIZQUIERDA ABERTZALE » في منطقة الباييس باسكو Pais  Vasco ، تتوفر بالإضافة إلى قاعدة حركية عريضةإنتخابية و  على آلاف الحركيين العماليين والشبيبة ولجان الأحياء و حقوق الإنسان.ويندرج ضمن نفس الإطار كذلك ما يعرف ب « ثورة غورديو » .#Revolución Gordillo # فبالنسبة للعديد من المناضلين العماليين و الشبيبة تبدو « النقابة الأندلسية للعمالSAT » بمثابة رمز و مرجعية للنضال ،بحكم الجرأة و الاستماثة في الأشكال النضالية التي طورتها حركة المجتمع  الكادح الأندلسي ، بقيادة سانشيز غورديو Sanchez Gordillo، ردا على الأزمة الحالية.

 

إستراتيجية الإستقلال الوطني و التوافق الطبقي أمام السؤال الوطني

 

واحدة من أكثر تمظهرات أزمة نظام 78 هو عودة القضية الوطنية إلى الواجهة. الجواب سيكون حول السؤال التالي : من هي القوى التي ترأسمل تنامي هذه  الرغبة الجماهيرية  في النضال  أجل  هذه المطالب الديموقراطية العادلة ؟

 

لقد تمكن رئيس لاجينرالتاتla generalitat  ، أرتور ماصArtur Mas ،من الركوب مؤسساتيا على التظاهرة المليونية ليوم « لادياداLa diada « ، لأن الحركة أصلا موجهة من طرف ما يسمى : الجمع العام الوطني الكطلاني asamblea nacional de catalunya ANC،وهو إطار تم تأسيسه إنطلاقا من حركة « جمع التوقيعات من أجل الإستقلال » مكونة من تنظيمات و شخصيات كاطلانية التوجه . و هي عبارة عن جبهة وطنية برجوازية تضم بالإضافة إلى اليمين الكطلاني الممثل في  :    CIU Convergancia i uniónو  اليسار الجمهوري الكطلانيERC  ESQUERRA REPUBLICANA  DE CATALUNYA  ،    تضم  أيضا قطاعات واسعة من اليسار الإستقلالي.

على يسار هذه الجبهة تنمو قطاعات أخرى تدعو إلى دمج مطلب الإستقلال مع مطلب الإشتركية ،و ترفض مسألة التحالف مع أحزاب البرجوازية ،لكن طرحها المتعلق ببناء « جبهة شعبية « بدون وضوح طبقي يترك الباب مفتوحا ، كما وقع في مناسبات أخرى مع أحزاب برجوازية  كاليسار الجمهوري .ERC .

إستراتيجية « اليسار الأبرتشالي » في منطقة  » الباييس باسكو  » PAIS VASCO ، تتناغم و شعور الإستقلال الكطلاني . فبعد وقف العمل المسلح ،أخذ تطورها منحى إندماج مؤسساتي أكبر ،عاملا بذلك على  تقزيم  إمكانيات العمل و التنظيم التي  كانت لدى حركة التحرر الوطني الباسكي MLNV .لكن ما يبدو اليوم على أنه إنعطاف  ليس كما هو إذا نظر إليه من زاوية ماهية استراتيجية الإستقلال الباسكي القائمة أساسا على عامل الضغط ،سواء عبر عمليات إرهابية ،أو تحركات و مسيرات في الشارع بل حتىالدعوة إلى إضرابات عامة  تم إستعمالها  كأداة ضغط من أجل فتح الحوار بين الحكومة الإسبانية و « المجتمع الباسكي » الذي هو عبارة عن جبهة وطنية مع البرجوازية الباسكية الممثلة أساسا في الحزب الوطني الباسكي.PNV

 

 » أميمور /بلدو AMIMUR _BILDU  » هي الأرضية السياسية التي تعكس هذا الميل من ما يمكن أن نسميه ، « الإصلاح المسلح  » إلى « الإصلاح السلمي « .

 

فوزي هليبة

١٩ أكتوبر ٢٠١٣

طراسة ،برشلونة

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s