لنتحرر من المعونات الأمريكية والأوروبية المسمومة

 

 

 


أحمد السيد النجار

 

بمناسبة التنطع الأمريكي بشأن « مساعداتهم » لمصر، وبلادة الحكومة وأصحاب المصالح الذي لا يتخذون القرار الوطني المطلوب بوقف تلقي تلك المعونات المسمومة، أعيد نشر مقالي عن تلك المساعدات وما ينهبه الغرب مقابلها من مصر

 

 

منذ انتفضت مصر مطلقة عشرات الملايين من المحتجين في شوارعها وميادينها في 30 يونيو الماضي، في موجة ثورية هائلة لم يشهد العالم لها نظيرا لإزاحة الديكتاتور الهزلي ولاستكمال مهام ثورة يناير ولاستعادة الاستقلال الوطني المتضعضع منذ أربعة عقود، أضحت قضية المساعدات الخارجية التي تتلقاها مصر شأنا شعبيا، بعد أن بدأت الدول المانحة في مساومة مصر للضغط عليها بالمعونات، وبعد أن شكل بعض الثوريين حركة « إمنع معونة » التي تطالب بتوقف مصر عن تلقي أي معونات من الولايات المتحدة الأمريكية أو من الاتحاد الأوروبي. 
والحقيقة أن مصر الكبيرة والقائدة لوطنها العربي، لا يمكن أن تستمر في تلقي مساعدات أمريكية وأوروبية منتظمة من دول تقف دائما ضد الحقوق العربية، ووقفت بالفعل مع إسرائيل في كل حروبها ضد مصر، وهي مساعدات هزيلة ومسمومة حاولت الولايات المتحدة من خلالها، جعل مصر دولة تابعة لها، واستخدمتها الدول الأوروبية بشكل ابتزازي ودعائي سمج ومهين لقيمة وقامة مصر. 
وإذا كانت المساعدات العسكرية الأمريكية تبلغ 1,3 مليار دولار، والمساعدات المدنية نحو 250 مليون دولار، فإن المجموع يصبح 1,55 مليار دولار أي أقل من 11 مليار جنيه مصري، أي نحو 0,5% من الناتج المحلي الإجمالي المصري المقدر للعام 2013/2014 بنحو 2050 مليار جنيه مصري. وإذا قورنت المعونة الأمريكية بالناتج القومي الإجمالي الحقيقي لمصر المحسوب بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية بين الدولار والجنيه والبالغ 505 مليار دولار عام 2011 وفقا لبيانات البنك الدولي، فإنها لا تزيد عن 0,3% منه، بما يعني أن مصر تستطيع ببساطة أن تستغني عن هذه المعونات دفعة واحدة انتصارا لاستقلالها الوطني، إذ لا توجد دولة مستقلة وقائدة في إقليمها مثل مصر تتلقى معونات سنوية منتظمة من دولة أخرى تقف دائما في صف أعدائها، فضلا عن أن الولايات المتحدة تسترد معونتها المسمومة بتخصيص مبالغ كبيرة منها للتدريب في الولايات المتحدة، أو لتمويل استيراد سلع أمريكية متنوعة بأسعار مرتفعة وبجودة أقل، فضلا عن قصر التنفيذ الأجنبي للمشروعات الممولة من المعونة على الشركات الأمريكية. 
أما المعونات الأوروبية فتبلغ نحو 500 مليون يورو أي نحو 670 مليون دولار، أي نحو 0,2% من الناتج المحلي الإجمالي المصري، أو نحو 0,1% من الناتج القومي الحسوب بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية، أي أنها لا تساوي شئ تقريبا يبرر الابتزاز الأوروبي لمصر بها، وحالة « التجريس » الدولية لمصر كدولة متلقية لمعوناتهم، وهي في الحقيقة لا تتلقى شيئا له قيمة منهم. 
ومقابل المعونة الأمريكية المسمومة، فرضت هيئة المعونة الأمريكية على مصر برنامج الخصخصة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه أمريكا مع حلفائها الأوربيين، وتم من خلال ذلك البرنامج الفاسد، إهدار ما بنته الحكومات والأجيال السابقة بأسعار لا نزيد عن 10% من سعر الأرض، وتشريد أكثر من نصف مليون عامل، وتدمير بعض الصناعات المتقدمة كليا. واشترت الشركات الأمريكية بالرشاوى بعض أهم الشركات المصرية العامة بأسعار هزلية لتنهب أضعاف ما تقدمه الولايات المتحدة من معونة مسمومة لمصر، وعلى سبيل المثال قامت شركة بابكو أند ويلكوكس الأمريكية بتدمير صناعة المراجل البخارية في مصر بعد شراء شركة النصر للغلايات ومخزوناتها بـ 17 مليون دولار في صفقة فساد مروعة، بينما تبلغ قيمتها الحقيقية نحو 25 مثل هذا الثمن وقت البيع عام 1994، وحصلت بالإضافة لذلك على عقد عملية محطة الكريمات بالأمر المباشر، بينما حصل مرتشي واحد (عبد الوهاب الحباك) على 91 مليون دولار كرشوة من الشركة الأمريكية « النزيهة » التي لم يحاسبها أحد!!
مقابل المعونة الأمريكية المسمومة، خضعت مصر لشرط تخفيض قيمة الجنيه المصري الذي كان يساوي 2,55 دولار لكل جنيه حتى منتصف السبعينيات، قبل أن يبدأ في التدهور تحت ضغط الطلبات الأمريكية حتى أصبح يساوي 0,14 دولار فقط، بكل ما أدى إليه ذلك من ارتفاع في الأسعار وإضرار بالفقراء والطبقة الوسطى والرأسمالية المحلية، فضلا عن أنه أقل كثيرا من قيمته الحقيقية. وتشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم (2013) إلى أن الناتج القومي الإجمالي لمصر بلغ 214 مليار دولار إذا قيس بالدولار وفقا لسعر الصرف السائد، في حين تبلغ قيمة هذا الناتج نحو 505 مليار دولار إذا قيس الناتج بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية بين الدولار والجنيه، وهذا دليل قاطع على أن الجنيه المصري مقدر بأقل كثيرا من قيمته الحقيقية مقابل الدولار الأمريكي، وهذا التخفيض ناتج عن ضغوط هيئة المعونة الأمريكية وصندوق النقد. 
ومقابل المعونة الأمريكية المسمومة تم إبرام عقود ظالمة تحصل من خلالها الشركات الأمريكية والغربية على قرابة نصف احتياطي مصر من النفط والغاز كمقابل للتنقيب والاستكشاف والاستخراج بعد أن تم إيقاف تطوير الشركات النفطية المصرية، وتمت خصخصة الخدمات البترولية، مما يؤدي لنهب ثروات مصر المستحقة للجيل الحالي والأجيال القادمة. 
ومقابل المعونة أقامت الولايات المتحدة علاقات تجارية مختلة مع مصر، فبلغ الفائض التجاري الأمريكي مع مصر خلال الفترة من عام 1983 حتى عام 2011، نحو 60 مليار دولار، وهو مبلغ هائل يزيد كثيرا عن قيمة المعونة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية منذ بدء تقديمها وحتى الآن.
كما أبقت الولايات المتحدة التسليح المصري أدنى من مستوى نظيره في الكيان الصهيوني، انطلاقا من الموقف الأمريكي المعلن بضمان أمنه وتفوقه على الدول العربية، وهو أمر غير مقبول لدولة قائدة في وطنها العربي وقارتها الإفريقية وعالمها، وينبغي أن تتحرر مصر من هذه المعونة الأمريكية المسمومة لتحصل على أكثر الأسلحة تقدما من أي دولة في العالم أو بالتصنيع الوطني لضمان التوازن الاستراتيجي الكامل مع الكيان الصهيوني كأساس لحماية الحدود والشعب والحقوق. 
وتتضمن الموازنة العامة للدولة للعام 2013/2014، نحو 113 مليار جنيه كدعم للطاقة والكهرباء، يذهب ربعها على أقصى تقدير للفقراء والطبقة الوسطى وهو الجزء الذي ينبغي أن يستمر، بينما يذهب أكثر من ثلاثة أرباعها إلى الأثرياء والرأسمالية الأجنبية والمحلية الكبيرة التي تبيع إنتاجها بأعلى من الأسعار العالمية، وتحصل الشركات الأمريكية والأوروبية العاملة في مصر على القسم الأكبر من هذا الدعم الذي يبلغ أكثر عدة أضعاف ما تقدمه بلدانهم من مساعدات مسمومة لمصر يحاولون من خلالها سلب الاستقلال الوطني المصري، وهو دعم فاسد يستحق الإلغاء فورا. 
إن مصر هي التي يجب أن تنهي عار المعونة الأمريكية والأوروبية المسمومة، وتعلن الاستغناء عنها مرة واحدة وللأبد، وتركز تعاونها الاقتصادي والمالي مع الدول العربية الشقيقة ومع أصدقائها الذين سبق وتعاونوا معها بدون شروط مثل روسيا والصين والهند وغيرها، فالاستقلال السياسي والاقتصادي الوطني أغلى من أي معونة، واعتمادنا على مواردنا ومنع نهبها أكرم لنا وأعلى عائدا، فمصر القائدة والتي تملك ميراثا حضاريا وتحرريا يفوق ما عداها، قادرة على تحقيق التنمية والعدالة والقوة والمنعة بالاعتماد على ذاتها ومقدراتها وشعبها العظيم.

 

 

 

Ahmed El-Naggar

source : http://www.annahjaddimocrati.org/index.php/AR/2013-09-11-14-36-43/8-arabe/2697-10-10-2016

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s