موعدنا ١٩ نوفمبر في شارع محمد محمود | تلفزيون الاشتراكي

 

 

 

في 1 سبتمبر الماضي أصدرت رئاسة الجمهورية قراراً بتشكيل لجنة الخمسين لتعديل الدستور المصري والذي من المفترض أن الموجة الجماهيرية في 30 يونيو كانت قد أسقطته مع إسقاطها لحكم محمد مرسي.

كان الهدف المعلن من لجنة الخمسين هو تعديل دستور الإخوان وليس إلغاؤه وطرح دستور جديد تلبيةً للحركة الجماهيرية والتي كان من مطالبها إلغاء الدستور. لكن من الواضح أن دستور الإخوان – وإن كان يتعارض جذرياً مع مصالح أغلبية الشعب – إلا أن مواده بها الكثير من التوافق مع مصلحة العسكر والفلول وباقي ممثلي الثورة المضادة، سواء في المحاكمات العسكرية للمدنيين والحفاظ على الميزانية السرية للؤسسة العسكرية، أو التضييق علي الحريات والقيود علي إنشاء نقابات عمالية مستقلة بدلاً من إصدار قانون للحريات النقابية يعطي استقلالية للحركة العمالية عن أجهزة الدولة.

فالقرار بالتعديل وليس الإلغاء والإسقاط جاء في جوهره لتقوية مؤسسات الثورة المضادة ضد مصالح الثورة ولعلاج التصدعات التي عصفت بدولة مبارك بعد الموجات الثورية المتتالية ضده، مثل تحصين منصب وزير الدفاع وجعله منصب فوق الدولة وفوق أي محاسبة؛ بهدف تقوية سلطة المؤسسة العسكرية وجعلها الحاكم الحقيقي حتي مع وجود رئيس. فكرة تحصين أي منصب من مناصب الدولة تعصف من الأساس بأي أوهام حول دستور يعبر عن دولة ديمقراطية والتي من أهم أسُسَها هو خضوع أي موظف في الدولة للمسائلة والمحاسبة من قبل الشعب، أما التحصين فهو أقرب للدول الفاشية والحاكمة بالحق الإلهي.

وبعد التحصين، تأتي المحاكمات العسكرية للمدنيين والاقتصاد السري للمؤسسة العسكرية والمتداخل في جميع الاستثمارات بدءاً من السلع الاستهلاكية حتى بناء الطرق بدون أي محاسبة ضريبية. ترسخ المؤسسة العسكرية بذلك استقلاليتها عن الدولة؛ لها اقتصادها الخاص وتحاكم المدنيين عسكرياً بدون قابلية للنقض على الحكم، بالإضافة إلى أن رئيس هذه المؤسسة مُحصّن دستورياً. ولمزيد من السخرية، نجد الدعاية الإعلامية الضخمة للنظام وممثلي الليبرالية يروّجون لهذا الدستور باعتباره يهدف لـ »بناء دولة ديمقراطية ».

هذا بالإضافة إلى أن تعديلات دستور العسكر جاءت أيضاً ضد الإرادة الشعبية في ضرورة تقليص صلاحيات منصب رئيس الجمهورية؛ فقد جاء الدستور بإعطاء صلاحيات لرئيس الجمهورية لحل البرلمان وذلك كضمانة لتقوية يد النظام، فإذا جاء تركيب البرلمان على غير هوى السلطة فيكون من حق رئيس الجمهورية حل البرلمان بالكامل.

أما المواد المتعلقة بالعدالة الاجتماعية أو الحريات والمرتبطة ارتباطاً مباشراً بمطالب الثورة من حرية وعدالة، فإما لا ذكر لها وما جاء لا يختلف على الإطلاق عن دستور الإخوان أو مبارك. وتأتي على هيئة شعارات عامة دائماً ما تأتي مصحوبة بهوامش للتفسير، فعلي سبيل المثال الإضراب مكفول بـ »ما ينظمه القانون »، وحق تكوين الأحزاب مكفول بـ »ما ينظمه القانون » وهكذا. لكن هذا القانون في النهاية من يفصّله هو مصالح قادة المؤسسة العسكرية وفلول مبارك الذين يسيطرون على مفاصل الدولة وكبار رجال الأعمال، وهذا القانون هو من أعطى سلطات إلهية للمؤسسة العسكرية، وتعبيراً عن هذه المصالح جاء قانون التظاهر الجديد الذي به العديد من أدق التفاصيل التي تجعل أي تظاهر جريمة في النهاية. في نفس الوقت مطلب مثل الحد الأدني للأجور لا يصدر على شكل نص دستوري بل يصدر كقرار من الممكن إلغاؤه ويُطبق بعد صدوره بأشهر وبدون أي تفاصيل لتطبيقه، وبدون وضع حد أقصى للأجور.

أي دستور بمواده ونصوصه في النهاية يمثل تعبيراً عن موازين القوى في المجتمع، وكان تشكيل لجنة الخمسين والظروف التي تتم فيها كتابة الدستور انعكاساً لتصاعد قوى الثورة المضادة وتراجع دور الجماهير، وهكذا جاءت لجنة الخمسين وسط مذابح العسكر وموجة هائلة من الاعتقالات وتدخل قوات الجيش لفض الإضرابات واقتحام الأمن حرم جامعة الأزهر وعودة الداخلية إلى الجامعات متمثلة في الحرس الجامعي. جاءت لجنة الخمسين محمولة على الدبابات وهي تمثل مصالح العسكر ودولة مبارك لا مصالح الثورة، فهي لجنة معينة من قبل النظام لا جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب ومعبرة عن كل طوائفه.

وبالفعل جاءت كل الأسماء أعضاء اللجنة بعيدة كل البعد عن أي تمثيل حقيقي للثورة، فمن السخرية أن يكون عمرو موسي أو سيد بدوي أو سامح عاشور يمثلون مطالب الثورة، أو أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية والمعبر عن مصالح كبار رجال الأعمال ومحتكري السلع والذي كان له موقف واضح ضد تطبيق الحد الادنى للأجور في القطاع الخاص وضد تطبيق التسعيرة الجبرية، أو منى ذو الفقار والتي تعتبر واحدة من أقوى 100 سيدات أعمال في المنطقة العربية حسب تصنيف فوربس لعام 2012 وتشغل منصب رئيس مجلس إدارة المجموعة الاقتصادية هيرميس، أو حتى ممثل العمال في لجنة الخمسين أحمد خيري المُعادي للحريات النقابية وموقفه كان واضحاً برفض تأسيس النقابات بالإخطار.

أما عن المرأة والتي كانت مشاركتها بقوة في الثورة المصرية واشتراكها في كل المعارك علامة مميزة للثورة لتكسر العديد من الأفكار الرجعية والتي كان يصدرها النظام ويرعاها، فلا تتعدى نسبة تمثيلها 10% بزيادة ضيئلة عن تمثيل المرأة في لجنة دستور الإخوان.. باختصار جاءت لجنة الخمسين لتصيغ دستور تحالف رجال الأعمال والعسكر والفلول.

ما العمل؟
بالطبع المعركة الآن ضد دستور العسكر تحمل العديد من الصعوبات، فالوضع الذي تشهده الثورة المصرية حالياً من تراجع في النضال الجماهيري ودرجة التأييد للسيسي تسمح للنظام بتمرير دستور يخدم مصالح النظام. وهذا ما يجعل المعاركة الآن ضد الدستور مختلفة بشكل كبيرعن كل معارك الدستور السابقة بداية من استفتاء 9 مارس والذي اتحدت فيه كل القوى الثورية والحركات الشبابية للحشد ضد التصويت بـ »نعم »، مروراً بالإعلان الدستوري للإخوان المسلمين والذي كان رد الفعل الشعبي ضده تحرك حشود هائلة من الجماهير المصرية لمحاصرة الاتحادية والاعتصام في ميدان التحرير ومحاصرة العديد من مقار المحافظات، انتهاءاً بالحشد الجماهيري لرفض دستور الإخوان، كبروفة لموجة 30 يونيو.

المعركة ضد الدستور الآن تخاض بمجموعات صغيرة من القوى الثورية قليلة العدد والتأثير الجماهيري مقارنة بالجهاز الإعلامي الضخم للثورة المضادة، وتشارك في هذه الحملة مع الأسف بعض الوجوه والأحزاب التي كانت محسوبة علي معسكر الثورة سابقاً، والتي كان ترددها وانتهازيتها ومصالح قياداتها سبباً للتحول والوقوف في خندق الثورة المضادة.

وهذا يعطي مهام أصعب للمجموعات الثورية في الشرح الصبور وفضح كل مواد الدستور وتركيب لجنة الخمسين للجماهير في الأحياء والمصانع والجامعات لشرح مهازل دستور العسكر، وإدارة معركة سياسية بأوسع قدر ممكن بناءاً على الموقف الثوري لرفض الدستور، ولتوسيع القاعدة الشعبية للمجموعات الثورية واستخدام كل الوسائل للدعاية المتاحة. هذا لا يعني الانتصار في معركة بمثل هذه الصعوبة في استفتاء مقبل على الدستور، لكن خوض هذه الجولة له أهمية كبرى في البناء من أجل المستقبل.

 

 

 

Vidéo | Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s