أزمات، وطموحات إقليمية، ومساومات مع الإمبريالية، من وراء ظهر الشعوب

 

                                                                                    باباك كيا*

 

كانت الانتخابات الرئاسية التي تمت في يونيو/حزيران الماضي مناسبة لتوجيه إهانة للمرشد، علي خامنئي، الشخصية الأولى في جمهورية إيران الإسلامية، والانتقام من انتخابات الإعادة المزورة لأحمدي نجاد، في العام2009.

هكذا فرض حسن روحاني نفسه، وسط المفاجأة العامة، ومنذ الدورة الاولى، بمواجهة المرشحين الاصوليين، المقربين من المرشد. وروحاني، المقدم على أنه « معتدل »، كانعضواً نافذاً في مجلس الدفاع الاعلى، من العام 1982 إلى العام 1988، ثم سكرتيراً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، أحد أجهزة القمع الرئيسية للنظام. كما كان يترأس المفاوضات بخصوص الملف النووي، خلال رئاسة خاتمي، بين2003 و2005. وبوصف روحاني عضواً في مجلس الخبراء، إحدى أعلى الهيئات القيادية في البلد، يُعتبر أحد الرجالات الأساسيين في الطاقم الحاكم، الذي يكفل المؤسسات التيوقراطية والدكتاتورية للجمهورية الإسلامية.

كان مفترضاً أن تشكل تلك الانتخابات، بالنسبة للنظام، واجهةً للقبول الشعبي بالجمهورية الإسلامية. هذا وقد التقت جملة من الأسباب التي قلَّصت هامش المناورة لدى النظام، وتمثلت بما يلي: « انتصار » أحمدي نجاد في العام 2009، اكتساح الشارع من جانب حركة احتجاج شعبية واسعة سحقتها السلطة، فضلاً عن الجردة الكارثية، على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، في سنوات حكم أحمدي نجاد.

إلا أن التصويت تم، كالعادة، تحت الرقابة، وهذا الوضع السائد ملازم ، من جهة ثانية، للمنظومة المؤسسية والسياسية للجمهورية الإسلامية. ففي الواقع، قامت منظومة مؤسسية  برأسين، مع حرف آية الله الخميني للثورة، في العام 1979، وإرساء الجمهورية الإسلامية. ونحن نقول برأسين، ولكن مع هيمنة المؤسسات والوظائف الدينية. هكذا توجد، بالتوازي مع طبيعة النظام التيوقراطية، مؤسسات ذات طابع جمهوري، منبثقة من إطاحة عرش آل بهلوي، وموازين القوى التي فرضها الشعب على الخميني وجماعته. ففي إيران، لا تهدف الانتخابات( البلدية، والبرلمانية، والرئاسية بوجه أخص) إلى التمثيل، لأنها ليست ديمقراطية، بالطبع. فمعارضو الجمهورية الإسلامية ليس لهم الحق في الوجود السياسي( وحتى في الوجود بكل بساطة…)، والمرشحون إنما تختارهم سلفاً هيئةٌ عليا في النظام هي، والحالة هذه، مجلس حرّاس الدستور. بالمقابل، لهذه الانتخابات هدف آخر، أساسي أكثر بكثير: إضفاء الشرعية على سلطة تريد الظهور بمظهر شعبي، وتقدم نفسها كحاظية بدعم كثيف من جانب المواطنين. والحال أن ثمة توتراً دائماً بين سلطة إذ تنتظر ظهور المهدي من جديد(الإمام الثاني عشر، الذي اختفى في العام 874)، تحدد نفسها كمنبثقة من الله(ولاية الفقيه)، ومن المؤسسات والوظائف  » التمثيلية »(البرلمان، ورئيس الجمهورية، « المنبثقين من السيادة الشعبية »…). إن هذا التناقض، من إقالة الخميني لبني صدر، بعد عام على انتخابه، في 1981، إلى انتخاب أحمدي نجاد، المزوَّر، مروراً بالنزاع الدائم بين خاتمي وخامنئي، بين العامين 1997 و2005، هذا التناقض هو حالة مستمرة، وذلك منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

هكذا، هذه المرة أيضاً، أمكن أن يُقبل ترشيحُ من يعترفون بمؤسسات الجمهورية الإسلامية، على وجه الحصر. وبالكاد! هكذا بين الترشيحات الثمانمئة، استبقى النظام ثمانية فقط. وبين من تم رفض ترشيحاتهم رحيم مشائي(وريث أحمدي نجاد)، ورفسنجاني(إحدى الشخصيات الاساسية في الجمهورية الإسلامية، وأحد المشهورين بفسادهم).

وفي هذا السياق، صوَّت السكان للمرشح الذي بدا الأقل ارتباطاً بالأصوليين. هكذا فإن سعيد جليلي، المفاوض الإيراني الرئيسي بخصوص الملف النووي، أو علي أكبر ولايتي، المستشار الشخصي للمرشد، بخصوص السياسة الخارجية، تعرضا لهزيمة منكَرة.

إن انقسام معسكر الأصوليين(ليس أقل من ستة مرشحين)، والتحاق المرشح  » الإصلاحي »، وبصورة أكثر إجمالية دعم القادة » الإصلاحيين »، خاتمي، أوموسوي، أو حتى رفسنجاني، كل ذلك سهَّل، بالتأكيد، انتصار روحاني. مع ذلك، كان هذا الانتخاب غريباً. ففي الواقع، وبسبب ميزان القوى الذي تسبب به الشباب، والنساء، والشغيلة، وتفاقُم الشدوخ في صفوف جماعة السلطة، اضطر المرشد وحراس الثورة لترك الامور تأخذ مجراها هذا. مع ذلك، فهم ينوون الاستفادة من الوضع في الداخل، وعلى المستوى العالمي. إنهم يعتمدون على روحاني لأجل نزع فتيل التوترات العالمية بخصوص البرنامج النووي، وإبعاد شبح تدخل عسكري إسرائيلي ضد المفاعلات النووية، والحصول على تخفيفٍ، لا بل  رفعٍ للعقوبات التجارية والاقتصادية. وعلى الصعيد الداخلي، ينوي النظام استخدام انتصار روحاني كصمّام(أمان)، في حين يتمنى قسم كبير من السكان رؤية زوال الجمهورية الإسلامية. وليس من شك في أن المرشد سيحتفظ بكل صلاحياته، وسيستمر في كونه القائد الحقيقي للدولة الإيرانية، منَحِّياً الرئيس « المنتخب » الجديد إلى موقع شخصيةٍ مكَمِّلة.

ولكن  » ترك الأمور…هذا » يشير، قبل كل شيء، إلى ان ازمة النظام تفاقمت، خلال ولاية أحمدي نجاد الثانية. ففي الواقع، بعد أن همَّش المرشد المعسكر المسمّى  » إصلاحياً »، نهش المقربون منه بعضهم بعضاً. وهذه السنوات الأربع الأخيرة انطبعت بالتوترات التي لا تنقطع بين خامنئي وأحمدي نجاد.

 

                                        بين الأزمات والقمع

تخترق الأزمة في القمة جهاز الدولة، وجسم حراس الثورة، الذين عززت قيادتهم سيطرتها على الاقتصاد ، بصورة ملحوظة. ففي الواقع، إن الحرب التي تخوضها مختلف أجنحة البرجوازية، وجماعاتها، قد تفاقمت، تحت ضغط الأزمة العالمية للرأسمالية. وتتزايد التناقضات الداخلية للنظام، والتعارض بين مصالح حراس الثورة المافيوية – البيرقراطية ومصالح مختلف أجنحة السلطة الاكثر ارتباطاً بالسوق العالمية، بمقدار ما يغرق البلد أكثر في الأزمة.

هكذا فإن السياسة الاجتماعية – الاقتصادية التي مارستها حكومة أحمدي نجاد، وذلك مع تعاطف وغض للنظر من جانب المرشد، آية الله خامنئي، أغرقت البلد في ركود اقتصادي لا سابق له منذ نهاية الحرب بين العراق وإيران، في العام 1988. وذلك على الرغم من عائدات النفط والغاز، التي يحصل عليها البلد: أكثر من 600 مليار دولار، بين العامين2005 و2012.

فبحسب آخر تقرير للجنة التحقيق، في البرلمان الإيراني، دخل اقتصاد البلد في حالة انكماش، في 2011. وفي 2012 كانت نسبة نمو الناتج الداخلي الخام -5,2%. فضلاً عن ذلك، يعاني البلد حالة كساد تضخمي، وبالتحديد نسبة بطالة تتراوح بين15 و20%، بحسب إحصائيات شتى، ونسبة تضخم تقارب ال40%. وفي تحليل أجرته مجلة الإيكونوميستبخصوص مؤشر البؤس في 96 دولة، تحتل إيران الرتبة الثالثة، عالمياً، مع مؤشر للبؤس بلغ 40% في 2012.

ولقد خسرت العملة الإيرانية(الريال)، منذ العام 2011، 75% من قيمتها بالنسبة لليورو. وهذا فاقم التضخم وخفض القدرة الشرائية، أكثر، لدى السكان، حيث أن هذه تدنَّت بنسبة 72% بين 2005 و2012. وبحسب الاتحاد العالمي لحقوق الإنسان(FIDH)، الذي استشهدت به مجلة لاكرواLa Croix ، بتاريخ 14 يونيو/حزيران 2013، يعيش أكثر من 50% من أصل 77 مليون إيراني، تحت خط الفقر. وشغيلة المنشآت التي يعمل فيها أقل من عشرة مأجورين، لا تشملهم نصوص القانون الذي بات ساري المفعول، بدءاً من العام 1981، في ما يتعلق بحق العمل. وهذا يحرم قسماً هاماً من ذوي الأجر الإيرانيين من حماية وتغطية اجتماعيتين.

وفي هذا السياق، يساهم الطابع الطفيلي لحراس الثورة، الذين يتحكمون بقرابة40% من الاقتصاد الإيراني، وتبديد الممسكين بزمام السلطة للريع النفطي، في رفض هذا النظام، وذلك إسهاماً كبيراً. فقيادة حراس الثورة تشرف على شتى النشاطات الاقتصادية والمالية. فمن الإعمار إلى النشاطات الترفيهية، مروراً بقطاعي النفط والتسلح، لا شيء يفوتها، وميدان نشاطها لا حدود له، بما في ذلك، حتى، التهريب وتنظيم شبكات الدعارة لصالح مَلَكيات الخليج النفطية. وفي متناول الحراس المشار إليهم، عدا القدرات العسكرية قوة مالية مرموقة. وقيادة البازدران(الحرس الثوري)، بوضعها يدها على المؤسسات(البونياد)- هذه الأجهزة التي تأسست بعد ثورة 1979 لإدارة الأموال المصادرة من أعيان الحكم المَلَكي – هي أحد الفاعلين الأساسيين في الحياة الاقتصادية الوطنية، مع تشعبات كبرى في المنطقة. وفي الواقع، تشكل المؤسسات شركات هولدينغ لها نشاطات متنوعة للغاية، وهي جزء لا يتجزأ من أقوى شركات الشرق الاوسط. وهي تمثل أكثر من 40% من الناتج الداخلي الخام، إذا استثنينا المداخيل النفطية. والمؤسسات، وهي دولة حقيقية ضمن الدولة، تفلت من رقابة الإدارة، ولا تخضع للضريبة، وتشكل مواقع للفساد والزبائنية. وفقط بعض الأشخاص، ومن بينهم مرشد الثورة، يتم إبلاغهم بنشاطاتها، كما بنشاط حرس الثورة.

إن تبديد المداخيل النفطية، التي تمثل 85% من عائدات التصدير و75% من عائدات الموازنة، قد حال دون أي تحديث للبنى التحتية. ففي غياب القدرة على تصفية النفط الخام، تستورد إيران 40 % من استهلاكها للوقود. والاجور لم تكن يوماً مضغوطة إلى هذا الحد، وذلك على الرغم من ارتفاع سعر برميل النفط، ومداخيل البلد النفطية. فلأجل ان يحصل شغيلة القطاع العام، كما الخاص، على دفع اجورهم، يعمدون إلى مضاعفة الإضرابات. فما من أسبوع يمر من دون أن أن يُضربوا احتجاجاً على عمليات الصرف التي تطولهم، كما على تدهور شروط عملهم، وتعريض حياتهم للخطر، وضد عنف أصحاب الاعمال، وعنف جواسيس النظام الذين يستخدمون القمع الجسدي ضد الشغيلة ، المنخرطين في النضال. والسلطة تعمد ، بصورة منظمة، إلى توقيف قادة التحركات، فالجمهورية الإسلامية تدافع، منهجياً، عن رأسمالية متوحشة، في خدمة البرجوازية الإيرانية، وشبكات المافيا البيرقراطية التي تشكل عماد هذا النظام. وعلى الرغم من ذلك، يكافح  المناضلون العماليون باستشراس للحصول على حقهم في تشكيل منظمات طبقية مستقلة. وفي الواقع، كناتج للقمع الوحشي للمناضلين العماليين واليساريين، يشكل غياب منظمة مستقلة، وقيادة ثورية، عائقاً حقيقياً دون تطور النضالات العمالية. على كل حال، يتلاقى هذا المناخ الاجتماعي وهذه النضالات العمالية مع تطلعات الشبيبة، ومعركة النساء لأجل تحررهن، ولاجل المساواة.

 

 

مآزق الإمبريالية وطموحات سلطة رجال الدين الإقليمية: طرقات المساومة

 

إذا أضفنا إلى العنف الاجتماعي والسياسي، الذي أسسته الجمهورية الإسلامية، الحصار الإجرامي الذي تفرضه على إيران القوى العظمى، نلاحظ أن ذلك قد فاقم العواقب الوخيمة لسياسة النظام الاقتصادية، وجعل شروط حياة النساء والشغيلة والشبيبة تتدهور بصورة ذريعة.

وبالطبع، فالسياسات الإمبريالية لن تحل شيئاً. على العكس، فالعقوبات الاقتصادية والتجارية تضرب السكان العاديين ، قبل كل شيء، في حين يغتني أعيان النظام وحراس الثورة، عبر تنظيم السوق السوداء والتهريب. كما أن هذه العقوبات لم تُتخذ بحجة الدفاع عن المطالب الديمقراطية، وحرية التعبير، والحق في الإضراب، والتظاهر، والتنظيم، وحتى وقف التعذيب، والإعدامات، التي تضاعفت منذ انتخاب روحاني. فبذريعة التصدي لبرنامج طهران النووي، ولا سيما جانبه العسكري، ليس لهذه العقوبات من وظيفة غير الإبقاء على هيمنة إسرائيل النووية على المنطقة.

من جهة أخرى، تواجه الجمهورية الإسلامية اليوم وضعاً حساساً، بسبب موجة الثورات العربية، وامتداداتها في سوريا، بوجه خاص. فسلطة الملالي، المنخرطة، مع حزب الله اللبناني، في مساندة الدكتاتورية السورية، تحاول، يائسةً، أن تنقذ حليفاً اساسياً.ففي الواقع، إن انتصار الثورة السورية وسقوط النظام القائم في دمشق، سيكون ضربة قاسية لطموحات طهران. إلا ان لموجة الصدم الخاصة بالثورة السورية تأثيرها في النظام الإيراني، وعلى غرار رفسنجاني، وقادة « إصلاحيين »، أو حتى قادة قدامى لحراس الثورة، ينتقد العديد من أعيان النظام، منذ عدة أشهر، الدعم الذي تقدمه الجمهورية الإسلامية لبشار الأسد. ومن المؤكد أن إعادة النظر في سياسة النظام الإيراني الخارجية – وهو حكرٌ على المرشد – تبقى إلى الآن من المحظورات، وتتم حين تتم بصورة صامتة. مع ذلك، فهذا الموقف الناضح بنوع من التمرد يشير، على الأقل، إلى وجود جدال داخل النظام الإيراني. وهذه التمايزات ليست بجديدة، بل تتعمق، لأن الكلفة الاقتصادية والمالية للدعم، الذي تقدمه الجمهورية الإسلامية للنظام السوري، فادحةٌ، وتزداد أعباؤها باضطراد. ومن جهة أخرى، لا يحظى هذا الدعم المقدم لدكتاتورية دموية بأي شعبية في البلد، وتلك هي الحال كذلك ما وراء الحدود الإيرانية.

ومثلها مثل تركيا، أوالعربية السعودية، أو قطر، لم تتخلَّ الجمهورية الإسلامية يوماً عن طموحاتها، كقوة إقليمية. وهي، على هذا الصعيد لا تختلف بتاتاً عن الحكم الملكي لآل بهلوي. وفي هذا السياق الإقليمي غير المستقر، إطلاقاً، يعتزم نظام طهران لعب دور أساسي، وذلك يمر بمرحلة جديدة من المفاوضات والتسويات مع الدول الكبرى الإمبريالية، بخصوص البرنامج النووي، ورفع العقوبات تدريجياً، كما بخصوص المسألة السورية. وإعلانات روحاني الأولى، ومشاركته في لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن تصريحات  مسؤولين كبار في النظام، تشير إلى ان المرشد والمقربين منه قرروا فتح فصل المفاوضات هذا مع الولايات المتحدة، بهدف الحصول من الدول الغربية النافذة على بعض المرونة حيال البرنامج النووي الإيراني، وعلى تخفيفٍ للعقوبات الاقتصادية والتجارية، فضلاً عن تسوية مقبولة بخصوص مرحلة ما بعد الأسد.

وعن المسألة السورية، يقدم المأزق الذي توجد فيه الدول الكبرى، مناسبةً للجمهورية الإسلامية كي تعود إلى مركز اللعبة الدبلوماسية. فخامنئي ليس حريصاً على الإطلاق على إنقاذ شخص الأسد، ولكنه يتمنى أن يتمكن النظام الدكتاتوري السوري من البقاء. وأكثر من أي شيء، يخشى نظام الملالي إقامة نظام موالٍ للسعودية في سوريا، وهو الأمر الذي قد يعقِّد بوجه خاص دعم طهران لحزب الله اللبناني. وكل رهان الاقتراح الذي قدمه روحاني، القاضي بتسهيل الحوار بين »المعارضة  » السورية والنظام في دمشق، إنما يكمن في واقع أن طهران تريد إشراكها في المفاوضات، وأن تحصل على ضمانات بخصوص مرحلة ما بعد الأسد. وثمة نقطة اتفاق هامة  مع الدول الكبرى( ومن ضمنها روسيا)، هي أن تغيير « الرأس » في دمشق يجب ان لا ينتُج من انتصار للشعب والثورة السوريين، بل من مساومة في القمة حول إرساء « حكومةٍ انتقالية للوحدة الوطنية ». ولأجل ذلك، يتمثل اقتراح طهران في ترك الأسد يغادر السلطة بمناسبة  » الانتخابات الرئاسية » في العام 2014 ، بحيث لا يخسر هذا الأخير ماء وجهه، ويتم الانتقال في إطار الإجراءات  » الطبيعية » للمؤسسات.

وبعيداً من أي تصورات واهمة ينقلها بين من ينقلها  » يسارٌ معسكري » ، فسلطة الملالي ليست معادية للإمبريالية، ولا مناهضة للصهيونية. ولقد أظهر كل من خامنئي والجمهورية الإسلامية، مراراً، قدرتهما على إيجاد تسويات مع الإمبريالية الأميركية.

ولسنا بحاجة للرجوع إلى سنوات الحرب ضد العراق، حين تلقت الجمهورية الإسلامية ، عبر إسرائيل، اسلحة باعتها الولايات المتحدة، للتذكير بأن النظام يتعاون مع الإمبريالية الأميركية والقوى الغربية، في أفغانستان، مثلما سبق أن فعل ذلك في العراق. ففي العراق كما في أفغانستان، كانت هذه التسويات تعبر عن مصالح مشتركة. بالمقابل، أغلقت إمبريالية الولايات المتحدة معسكر مجاهدي الشعب في العراق، وتعرض هؤلاء المناضلون لهجمات عسكرية، مراراً، من جانب النظام الإيراني المتعامل.

وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، لا يختلف الامر بتاتاً. فلم تعُدْ تُعَدُّ ولا تحصى اتفاقات الشراكة(joint venture)، الموقعة مع الشركات الكبرى متعددة الجنسية. وعبر دبي، تلتف الدول الكبرى الغربية، جزئياً، على الحصار، الذي أقامته، هي بالذات، وتتاجر مع إيران. أما على الصعيد الأمني، فثمة شركات متعددة الجنسية، مثل نوكيا- سييمنس، تساعد السلطة على الحد من قدرات السكان الإيرانيين على التواصل، كما تساعدها ايضاً على مراقبة استخدام الإنترنت. وهذه الامثلة لا تشمل، بالطبع، التعاون الوثيق مع روسيا والصين. وهما دولتان عظميان ليست لهما مصالح إمبريالية تدافعان عنها أقل من تلك التي تدافع عنها البلدان الغربية، وذلك في إطار العولمة الرأسمالية.

من جهة أخرى، ليس لدولة إسرائيل ما تخشاه، هي الأخرى، من نظام طهران. على العكس، فلقد استخدم القادة الإسرائيليون، دائماً، الانفعالات التي يخلقها العداء اللفظي من جانب النظام الإيراني حيالهم، لأجل تبرير سياستهم الكولونيالية ضد الشعب الفلسطيني، ومفاقمتها. ولكن لا  ننخدعَنَّ: لا يكفي تمويل هذه أو تلك من منظمات المقاومة الفلسطينية لأجل كسب شهادات عداء للصهيونية أو للإمبريالية، علماً باننا ينبغي أن نصنف أنظمة الحكم الملكية في الخليج، وانظمة عربية فاسدة في الفئة نفسها. إن العلاقات بين دولة إسرائيل والجمهورية الإسلامية اكثر تعقيداً مما تبدو. وهاكم هذا المثَل المذهل الذي يوضح الحقيقة أعلاه: لقد انخرطت دولة إسرائيل ودولة الملالي الإيرانيين، بالتشارك مع الأردن وتركيا، في العام 2012 ، في اتفاقية تعاون » لأجل العلم والسلام،  في الشرق الأوسط »، تحت اسم Sesame.

وSesame ، المستوحى من المركز الأوروبي للبحث النووي(CERN)، الموضوع تحت رعاية الأونسكو، هو مجمَّع للبحث في فيزياء الجزيئات، مركزه عمان. وتعني أحرفه الأولى بالفرنسية »rayonnement synchrotron pour la science experimentale et ses applications au Moyen-Orient”.

و Sesame، وهو أول سنكروترون في الشرق الأوسط( ثمة 60 منه في العالم)، يجب أن يصبح شغالاً في العام 2015.

والمقصود، كما تشير إلى ذلك الأونسكو، تشجيع البحث العلمي في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته  » بناء معابر ثقافية بين البلدان المتجاورة، وتشجيع التفاهم والتسامح المتبادل، بفضل التعاون الدولي ». وبحسب موشي فيغدور، الذي يقود اللجنة لأجل التخطيط والمَيْزنة (الإدخال في الموازنة)، في المجلس الإسرائيلي للتعليم العالي، « يتخطى العلم الحدود، وإسرائيل تشارك في الكثير من المنتديات الثقافية العالمية، التي توجد فيها إيران أيضاً ».

إن الواقع هو إذاً أكثر ابتذالاً، والجمهورية الإسلامية ليست بالطبع بجانب الشعوب المكافحة. ولقد أثبتت ذلك على امتداد تاريخها، ضد شعبها بالذات، وضد الاكراد وباقي الأقليات القومية. وهي تبرهن عن ذلك، اليوم،  أيضاً، في سوريا، حيث ينخرط حراس الثورة ومَحْميُّهم، حزبُ الله اللبناني،  في حرب لا هوادة فيها ضد شعب يكافح ضد الدكتاتورية. وفضلاً عن مئات المستشارين العسكريين، وحراس الثورة ، المرسلين إلى سوريا، فتحت الجمهورية الإسلامية عدة خطوط تسليف ، بمليارات الدولارات، لنظام بشار الأسد. ومن دون الدعم المالي والعسكري والمادي، من جانب طهران، ما كانت استطاعت السلطة السورية مواجهة السيرورة الثورية الجارية.

أخيراً، وبما يخص سوريا، أيضاً، إن الجمهورية الإسلامية، مثلها مثل الدول الإمبريالية، جاهزة لإيجاد ميدان للتفاهم، في ما بين هذه الاطراف جميعاً ، ولكن ذلك سيتم في إطار  » مفاوضات إجمالية » تشمل برنامج طهران النووي، والعقوبات الاقتصادية والتجارية.

إن اتساع السيرورة الثورية، التي تجتاز المغرب والشرق الاوسط ، يتجاوب مع التعبئات الشعبية للعام 2009، ومع التطلعات الاجتماعية والديمقراطية التي عبرت عنها الشبيبة، والنساء ، والشغيلة في إيران. والجَزْرُ الحالي لا يبدل في ذلك شيئاً، لأن الزلزال الذي أودى ببنعلي، ومبارك،  والحركات الشعبية التي تهز ممالك الخليج، والثورة السورية، بالتأكيد، تجعل الجمهورية الإسلامية  تخشى رداً شعبياً(إيرانياً) عنيفاً. وفي هذا السياق، ليس انتخاب روحاني رئيساً للجمهورية غير مسعىً لإخراج نظام طهران من المأزق السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، ولإرخاء ملزمة العقوبات الدولية التي تهدد بقاءه.

                                                    ***

في بلد يناهز عدد سكانه ال77 مليوناً، حيث يمثل الشبيبة 68% من السكان، يشكل غياب الآفاق الاجتماعية، وفضاءاتٍ للحريات، كوكتيلاً متفجراً بالنسبة للسلطة. إن فساد رجال الدين وحراس الثورة، والعنف السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، الذي يفرضه نظام الملالي، قد ساهما إلى حد بعيد في إفقاد الجمهورية الإسلامية شرعيتها. ودينامية السيرورة الثورية الجارية في المغرب والشرق الاوسط حاسمة بالنسبة لمستقبل النضالات في إيران. وفي الواقع، إن انتصار الحركات الشعبية  والتقدمية في المنطقة سيكون له تأثير العدوى والمشجِّع لشعوب إيران. ذلك أن تدفق الشرائح الشعبية، والشغيلة، والشبيبة، والنساء، إلى مقدمة المسرح، سيكون قادراً على إطاحة النظام الدكتاتوري، والديني، والرجعي، في طهران. إن الشعوب الإيرانية ستلتقط كل الإمكانات المتاحة لفرض المساواة، والعدالة الاجتماعية، والحرية.

 permanentrevolution-journal.org/ar/node/76

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

·       باباك كيا(اسم مستعار). وهو ماركسي ثوري، مناضل في التضامن الاشتراكي مع شغيلة إيران(ت ا ش ا)،

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s