«الميدان».. لماذا بكينا؟

 

اذا اختلفنا او اتفقنا على رأينا النقدي حول فيلم الميدان فدعونا نتفق أن منع أي عمل فني، بشكل مباشر أو غير مباشر، لن نقبله نهائيا ولو كلفنا الأمر أي ثمن في الدفاع عن قضية كتلك.. منع الإبداع لا يساوي أي ثمن.

إذا منعونا اليوم من أن نبدع وننتج فناً، فسيمنعونا غداً حتى من أن نفكر في الفن أو أن نفكر أصلاً في أي شيء. وليس ببعيد أن يستحدثوا إدارة جديدة بجهاز الشرطة يسمونها مثلاً “شرطة الفكر” لضبط ومعاقبة أي مواطن يحاول أن يفكر، تماماً كما كان في رواية “1984″ للروائي جورج أورويل، تلك الرواية التي قدمها في عام 1949، والتي كان يحاول فيها أن يتنبأ بمصير العالم الذي ستحكمه قوى شمولية تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفر أحلامهم وطموحاتهم بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، وتتحول القيم البشرية إلى أمور هامشية ومن ثم سطوة السلطويين والشموليين على الشعوب ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا أحلام وليس لديهم اية طموحات.

أهم ما سيلفت نظرك في رواية أورويل هو أن صورة الأخ الأكبر الذي يحنوا على شعبه بنظراته الثاقبة تملأ كل شبر بالدولة. ولا سمح الله، لا أقصد إسقاط هذا الكلام على أحد، ولا حتى عبد الفتاح السيسي سفاح الشرق المعاصر!

عودة إلى فيلم “الميدان” ذلك العمل الفني الذي بُذل فيه جهدٌ جهيد، ولا يزال ممنوعاً من العرض من قِبل السلطة في مصر، لا في دور العرض السينمائي ولا في وسائل الإعلام الناطقة بإسم الدولة من فضائيات (حكومية، مستقلة). ولكن طالما هناك جيلٌ من المناضلين المصممين على جعل الثورة قضية هذه الحقبة التاريخية، وتحقيق أهدافها هو عنوان استقرار تلك البقعة من الأرض، وإسقاط الدولة العفنة ومحاكمة الطغاة من أصحاب البيادة ومدخني السيجار وذوي اللحى ممن أجرموا في حق الشعب، هو عنوان انتصارها، وتأسيس مجتمع جديد للعدل والحق وأصحاب المصلحة الأصليين هو مداها، فلا تقلق يا من ترى في الثورة حلمك الخاص.

اليوم انتشرت الدعوات على صفحات التواصل الاجتماعي لمشاهدة فيلم “الميدان” في المقاهي والشوارع والبيوت، هذا الفيلم الذي استطاع الشباب أن يقوموا بتنزيله من على الإنترنت قبل ساعات من حذفه، ولا تتعجب لماذا حُذف، فالدول القمعية تخاف من اثنين؛ الفن والنضالات المشتركة في مختلف المواقع، وكلاهما يلعب دور الإعداد للثورة الجذرية التي تستطيع إسقاط النظام الذي لم يتغير، ولكن هيهات أن يصمد النظام.. فالدم لعنة على من سفكه.

اسمحوا لي ألا نتطرق لنقد الفيلم نقداً فنياً أكاديمياً دقيقاً ولنرجأ ذلك لما بعد، ودعونا نتطرق لظاهرة غاية في الأهمية لاحظتها ولاحظها كثير من الأصدقاء والرفاق وهي أننا، بعد مرور الدقائق العشر الأولى من الفيلم، نجد أنفسنا نحاول حبس دموعنا.. وبعضنا ينفجر في البكاء بعد مشاهدته بالكامل. من الممكن أن يعلق بعض الأصدقاء على هذه الظاهرة بأنها تنم عن السذاجة ممن مروا بكل هذه الأحداث، وكأن الثوار أشياء جامدة بلا مشاعر!

الأهم بالنسبة لي هو سؤال آخر؛ لماذا؟ لماذا بكينا عند مشاهدتنا لفيلم يوثق للحظات يراها البعض أنها تدعو للفخر والفرح؟ هل بكينا لإحساسنا بخيبة أمل جراء ما حدث منذ تنحي المخلوع؟ أم أحسسنا بضياع الفرصة وانقضاء المحاولة؟ أم تلك هي دموع الفرح؟ أو لأن اللحظة الحلوة التي نمر بها في حياتنا ونشاهد توثيقها نرغب في تكرارها لكننا نعي جيداً أنها لن تتكرر؟ أو لأننا نشعر بأن من مات قد ضاع حقه وأصبح موته لا ثمن له؟ أم إحساساً بالفخر؟ أم بالعار والغم والانكسار؟ أم أصبحنا معقدين ونفسيتنا مركبة لأن نبكي نتيجة لكل ما سبق؟

تلك الاسئلة أظن أنه من المهم الإجابة عليها، لأنني أعتقد أن الإجابات يكمن فيها الحل والخلاص من الأزمة والطريق لمحاولات كسر حالة الجذر التي نعيشها.. فلا ثورة تنتصر إلا بعمل دقيق وصبور على فهم التعقيدات.

سأختم ما أقول بمقطع كتبه اليوم الرفيق وسيم وجدي موجهاً رسالة لجيل كامل اقتطع من حياته وقتاً وجهداً لانتصار هذه الثورة، حيث قال:
“فيه جيل كامل قعد في الشارع تلات سنين: يتظاهر، ويجري، وينظم، ويعبقر، ويحارب، ويتقتل. أعتقد دلوقتي نفس الجيل ده ح يقعد يحلل الثورة وينتهز فرصة عدم سخونة الشوارع لدراسة تاريخ الثورات، وآلياتها، والقوى المختلفة فيها، ودروس الثورات الفاشلة في التاريخ، ودروس الناجحة منها. هكذا طبيعة الثورات! لا تمنحك وقتا طويلا للتفكير والتأمل في خضمها. هذا يكون إما قبلها للتحضير، أو بعدها لاستنتاج الدروس وفهمها العميق. سيزداد التماسك السياسي لهذا الجيل في الفترة القادمة. وهكذا سيكون عمل “واجب” التحضير للمد القادم!! إلى السيسي وأعوانه: لقد بدأت تساوركم المخاوف بشأن قوتكم المطلقة عندما اكتشفتم أنكم لم تستطيعوا تحريك أحد من جيل الشباب في الاستفتاء على نظامكم. أبشركم: القادم أخطر”!

وأخيراً علينا أن نجيب على السؤال الأهم لفيلم الميدان “ليه عيطنا بعد ما شفنا الفيلم؟”.

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s