سياسة الغلاء والصراع الطبقي بالمغرب

أجرى السيد عبد الكريم بوغطاية الطالب بالمعهد العالي للصحافة حوارا مع  عبد السلام أديب خلال تحضيره لتحقيق صحافي من خلال طرح ثلاث أسئلة حول موضوع سياسي اقتصادي، وقد تم تحديد موضوع  هذا الحوار في سياسة الغلاء المعتمدة في المغرب كواجهة من واجهات الصراع الطبقي. وقد جاء الحوار كما يلي:
عرفت سنة 2013 وبداية سنة 2014 زيادات مهمة في الاسعار بعضها ناتج عن ارتفاع اسعار المحروقات والبعض الآخر ناتج عن الزيادة في معدلات الضريبة على القيمة المضافة والبعض الآخر ناتج عن مسلسل انهاء دعم الدولة للمواد الاساسية والغاء صندوق المقاصة، بصفتك منسقا وطنيا سابقا لتنسيقيات مناهضة الغلاء، ألا تعتقد أن هذه الموجة الجديدة من الغلاء تضاهي إن لم تكن تفوق موجة غلاء سنة 2006 والتي أفرزت حركة التنسيقيات وأن من شأنها أن تفرز احتجاجات شعبية أقوى؟ ثم كيف تقارن بين الحراك الشعبي ضد الغلاء في ظل التنسيقيات والحراك الشعبي حاليا ضد الغلاء مع بروز حركة 20 فبراير؟
 
 
••  نعم يمكن اعتبار الموجة الجديدة من سياسة الغلاء التي انطلقت مع حكومتي بنكيران الاولى والثانية أقوى بكثير من موجات الغلاء التي انطلقت منذ سنة 2005 وأفرزت احتجاجات جماهيرية انطلاقا من سنة 2006 في اطار تنسيقيات مناهضة الغلاء وتدهور الخدمات العمومية.
 

 
ومن بين الأسباب التي افرزت الموجة السابقة من الغلاء تعمق الكساد الناجم عن الازمة الاقتصادية محليا وعالميا  ومحاولة الدولة والباطرونا تعويض تراجع مداخلهما من الضرائب ومن تراجع التراكم الرأسمالي من الأرباح، باللجوء الى توسيع الوعاء الضريبي ورفع المعدلات الضريبة من جهة، وعن طريق اطلاق يد الباطرونا في رفع اسعار المنتجات والخدمات الأساسية من جهة أخرى.
 
 
أما الموجة الحالية من الغلاء فقد ظهرت أكثر قوة وعمقا، تستقي أسبابها العميقة أيضا من الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي انفجرت آخر حلقاتها سنة 2008 وتفاعلها التام مع جدور الازمة الاقتصادية والسياسية المحلية المزمنة. وقد أخذت الزيادات في اسعار المنتجات والخدمات في ظل حكومتي بنكيران الأولى والثانية أبعادا هيكلية وتنبئ بانعكاسات كارثية عميقة جدا على الاقتصاد والمجتمع المغربيين.
وتختلف ردود الفعل الشعبية على الموجة الجديدة من الغلاء اليوم، عن الحراك الجماهيري القوي الذي حدث في ظل موجة الغلاء السابقة والذي انطلق سنة 2006، ويعود هذا الاختلاف الى اختلافات جوهرية في الشروط المادية المواكبة للظرفيتين.
 
 
فنشأة حركة تنسيقيات مناهضة الغلاء وتدهور الخدمات العمومية تمت بعيدا عن أي دور فاعل ومباشر للأحزاب السياسية والمركزيات النقابية، حيث تأسست في ظل تفاهمات قاعدية بين عدد من مناضلي اليسار التقدمي والراديكالي والجمعيات الحقوقية والحركات الاحتجاجية، وعلى أساس أفكار نضالية قوية رغم بساطتها حيث وفرت اطارا مثاليا للتعبير الجماهيري الحر عن المعاناة من وقع الغلاء وتفكيك الخدمات العمومية.
 
 
فقد كانت الجموعات العامة لتنسيقيات مناهضة الغلاء منذ انطلاقتها الأولى من مدينة الرباط، جماهيرية مفتوحة، حيث كانت تحضرها جميع الفئات المتضررة وتناقش داخلها الأوضاع والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي افرزت الأزمة وموجة الغلاء وحيث صيغت الخطوات النضالية الممكنة للرد على سياسات الغلاء كما صيغت مطالب الحركة وتم تمويل مباشر من طرف الحاضرين لتكاليف الأشكال النضالية التي يتم اقتراحها.
 
 
وعلى أساس هذا التنظيم التنسيقي المرن عرفت تنسيقيات مناهضة الغلاء شعبية واسعة وتطورا متصاعدا ملحوظا في الاشكال التعبيرية المناهضة لارتفاع الاسعار، حيث انتقلت اعداد المحتجين في كل شكل احتجاجي لكل تنسيقية من حوالي خمسمائة محتج ومحتجة الى أزيد من اثنى عشرة ألف محتج ومحتجة. كما انتقل عدد التنسيقيات من حوالي أربعة واربعين تنسيقية في أول ملتقى وطني في 29 أكتوبر 2006 الى أزيد من مائة تنسيقية في الملتقى الوطني الثالث في 3 يونيو 2007 وحيث تواجدت في أغلب القرى والمراكز والمدن على الصعيد الوطني، كما نظمت في ظل هذه التنسيقيات ثلاث مسيرات وطنية اثنان منها بمدينة الرباط وثالثة  تمت تحت الحصار القمعي الكلي بمدينة الدار البيضاء.
 
 
لكن خفوت الحركة الاحتجاجية لتنسيقيات مناهضة الغلاء سيبدأ مع محاولات بعض الأحزاب والفصائل السياسية تحويل الحركة نحو خدمة مصالحها السياسية المباشرة ومن بينها طبعا استعمالها خلال الاستحقاقات الانتخابية التشريعية ل 7 شتنبر 2007. وقد أفسدت الأفعال وردود الأفعال على هذا الاستعمال السياسوي الفج عنصر الثقة الذي تأسست على أساسه التنسيقيات، وبدأت محاولات الانزال والاغراق السياسوي للتنسيقيات عدديا للسيطرة عليها من أجل حشوها بمضمون انتهازي صرف بعيدا كل البعد عن التطلعات الجماهيرية الاحتجاجية. وقد أفرزت هذه الصيرورة انسحاب مبكر للجماهير الشعبية المحتجة من التنسيقيات حيث تركتها في أواخر سنة 2008 مجرد مكونات فارغة.
 
 
أما بالنسبة لموجة الغلاء الحالية فقد سقطت في ظل ظرفية تتسم بهجوم التحالف الطبقي المضاد على الحراك السياسي الذي دشنته حركة 20 فبراير 2011. ومعلوم أن حركة 20 فبراير التي دعا اليها عدد من شباب اليسار المغربي سنة 2011 جاءت نتيجة تأثير الحراك الجماهيري القوي الذي حدث في كل من تونس ومصر واسقطا زعيمين ديكتاتوريين هما كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك.  وقد تجاوبت الجماهير الشعبية الواسعة في المغرب مع دعوة حركة 20 فبراير الى اسقاط الفساد والاستبداد وهما الشعاران اللذان ظلت الحركة ترددهما الى غاية اليوم في جمبع محطاتها النضالية.
 
 
شعار اسقاط الفساد والاستبداد يتضمن في عمقه مطلب اقتصادي يتمثل في مواجهة النهب والاستغلال واستعمال النفوذ للاغتناء واقتصاد الريع والغلاء وتفكيك الخدمات العمومية وكل ما ينجم عن ذلك من تسريحات للعمال وبطالة وافقار واسع، كما يتضمن مطلبا سياسيا يتمثل في مواجهة الحكم المطلق للتحالف الطبقي الحاكم والاستبداد السلطوي وما ينجم عن ذلك من خنق للحريات واهدار للحقوق والاعتقالات التعسفية والتعذيب والأحكام القضائية المفبركة. قوة هذا الشعار السياسي والاقتصادي عرض حركة 20 فبراير منذ نشأتها لردود فعل قمعية قوية سقط على اثرها ضحايا وتعرض الكثيرون للاعتقال التعسفي والتعذيب وزج بالعديد من شباب الحركة وشعرائها في السجون ولفقت لهم أحكاما مفبركة.
 
 
ورغم القمع والسجون حاول النظام السياسي احتواء الحركة من خلال اقتراح دستور ممنوح جديد يمنح عددا من الحقوق والحريات شكلا بينما يحافظ على استمرارية الحكم المطلق بصيغ أقوى مما كان عليه الأمر في الدساتير الممنوحة السابقة. كما تم في ظل دستور فاتح يوليوز 2011 تنظيم انتخابات تشريعية في 25 نونبر 2011، أعطيت فيها الصدارة للاسلام السياسي متمثلا في حزب العدالة والتنمية الذي شكل حكومة ائتلافية مع كل من حزب التقدم والاشتراكية وحزب الحركة الشعبية وحزب الاستقلال. ومن خلال هذه التشكيلة حاول النظام بث الاعتقاد باكتساب الشرعية الشعبية اللازمة لممارسة السلطة الواسعة في خدمة مصالح التحالف الطبقي الحاكم: لاحتواء الغضب الشعبي عن طريق قمع ومعاقبة العناصر النشيطة من شباب حركة 20 فبراير وضرب شروطها المادية المشجعة من جهة. والتراجع تدريجيا عن بعض المكتسبات التي حققها اتفاق 26 ابريل 2011 بين الحكومة والمركزيات النقابية من جهة ثانية. ثم الشروع في تنفيذ سياسات تدبير الأزمة المستقاة من السياسات التي بلورتها مجموعة العشرين منذ نونبر 2008 والتي تحرص المؤسسات المالية الدولية على تنزيلها من قبل جميع حكومات الدول التابعة ومنها الحكومة المغربية من جهة ثالثة.
 
 
إذن فموجة الغلاء المتصاعدة التي يعرفها المغرب منذ انفجار الازمة المالية والاقتصادية العالمية سنة 2008، تكرست بعمق منذ مجيء الحكومة الائتلافية التي يقودها حزب العدالة والتنمية الاسلامي بمساهمة أحزاب شبه يسارية وأخرى يمينية وأخرى امازيغية، توحي بتوفر شبه اجماع شعبي  على تخويل الحكومة سلطات مطلقة لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية للتحالف الطبقي الحاكم من جهة، ومعاقبة سياسية واقتصادية للجماهير الشعبية من جهة أخرى.
 
 
نستخلص مما سبق، أن سياسات الغلاء شكلت احدى واجهات الصراع الطبقي في بلادنا، وكانت تقف دائما وراء الانفجارات الاجتماعية القوية، انظر انتفاضات سنوات 1981 و1984 و1990. وقد أنتج هذا الصراع الطبقي خلال العشر سنوات الماضية مدا نضاليا جماهيريا قويا في اطار تنسيقيات مناهضة الغلاء وتدهور الخدمات العمومية منذ سنة 2006 ، لكن سرعان ما أفسدت الحسابات السياسوية الانتهازية الضيقة هذا المد النضالي أواخر سنة 2008، مما أضعف الحركة. لكن مع ولادة حركة 20 فبراير 2011 انطلق فصل جديد من الصدام الطبقي العنيف، ففي مواجهة المطالب الشعبية السياسية والاقتصادية التي عبر عنها شعار حركة 20 فبراير: اسقاط الفساد واسقاط الاستبداد، تم اللجوء الى تكسير حركة الجماهير الشعبية من خلال اقتراح دستور جديد ممنوح لا يتنازل عن الحكم المطلق، ومن خلال تنظيم انتخابات تشريعية وتنصيب حكومة ائتلافية شبه اسلامية ويسارية ويمينية وامازيغية تعطي لنفسها مطلق السلطات لقمع الحراك الجماهيري وتقديم خدمات أفضل للتحالف الطبقي الحاكم على حساب الجماهير الكادحة.
 
 
 جاء ضمن حديثك منذ قليل أن سياسة الغلاء تشكل احدى واجهات الصراع الطبقي في المغرب، كما ورد في كلامك وصفا للأحزاب المشكلة للحكومة بأنها « شبه » اسلامية ويسارية ويمينية. سؤالي هو أولا كيف ترى تموقع مختلف الاحزاب السياسية والمركزيات النقابية من الصراع الطبقي ومن سياسات الغلاء؟ ثم ثانيا، لماذا وصفت احزاب الائتلاف الحكومي بالشبيهة وليست بالأصيلة؟ ثم ثالثا هل الأحزاب المشكلة للمعارضة بصنفيها البرلمانية وغير البرلمانية تعتبر أحزابا أصيلة؟
 
 
 
••  أصالة الأحزاب السياسية تقوم على تعبيرها الواضح والمستقل عن مصالح الطبقات التي تمثلها، وبذلك فهي عندما تكافح للوصول الى الحكم فإنما تكافح باسم الطبقة التي تمثلها وعلى أساس تبوء مطالبها المكانة اللائقة في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأعتقد أن هذا هو ما عبرت عنه نسبيا الأحزاب السياسية تاريخيا في أوروبا فأفرزت أحزابا يمينية ويسارية ووسطية أصيلة تعبر عن مصالح الطبقات البرجوازية والبرجوازية الصغرى والعاملة.
 
 
أما في بلادنا فواضح للعيان أن الأحزاب السياسية المغربية أحزابا غير أصيلة بل مجرد شبيهة بالإسلامية وباليسارية وباليمينية وبالأمازيغية، فلا علاقة للمسلمين المغاربة المتدينين بحزب العدالة والتنمية الذي يستغل الدين الاسلامي سياسيا للدفاع عن مصالح الطبقة البرجوازية التبعية الحاكمة في المغرب، ولأن مصالح المسلمين تعتبر متنافرة ومتضاربة، فرب المعمل الاسلامي المتدين يستغل العمال الاسلاميين المتدينين لذلك فمصالحهما متضاربة ومتنافرة ويستحيل في ظل النظام الرأسمالي انتمائهما الى طبقة واحدة، لذلك فان برامج حزب العدالة والتنمية  ستدافع بالضرورة عن مصالح الأقلية البرجوازية المتدينة التي تدافع عنها على حساب مصالح أكثرية العمال المتدينين الواقعين تحت شراكه.
 
 
أما بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية فرغم تغنيه على مستوى الخطاب بالاشتراكية التي تعتبر تاريخيا مذهبا عماليا بامتياز تستهدف القضاء على الطبقات في مواجهة الرأسمالية كمذهب برجوازي يرتكز على التفاوت الطبقي لمراكمة رؤوس الأموال. فإن برامج وممارسات هذا الحزب ومناضليه لا يعبران أبدا عن الفكر الاشتراكي وعن الطبقة العاملة، وحيث ظل لصيقا بالسلطة منذ عقود يساهم في بلورة البرامج السياسية الطبقية البرجوازية والتي تنتهك الحقوق والحريات الاقتصادية والسياسية للطبقة العاملة. لذلك فان هذا الحزب الشبيه بالاشتراكي هو في الواقع حزب انتهازي يخدم مصالح البرجوازية عدوة الطبقة العاملة.
 
 
أما بالنسبة لحزب الاستقلال في حكومة بنكيران الأولى وأيضا حزب التجمع الوطني للاحرار في حكومة بنكيران الثانية فهما معا يترنحان مع في مواقفهما بين الدفاع عن مصالح الطبقة البرجوازية والملاكين العقاريين الكبار من جهة ومصالح البرجوازية الصغرى المتطلعة للتسلق الاجتماعي نحو مصاف البرجوازية العليا، لذلك تطبع برامجهما نوع من التذبذب بين الخطاب والممارسة، حيث يدعوان الشعب الى قيم المواطنة والأصالة وشعارات القومية العربية، بينما ممارسات أطرهما الثابتة تسير عكس هذا الخطاب والشعارات سواء في مجال التعليم والثقافة أو الممارسة الاقتصادية حيث يتجاوزان قيم المواطنة ويغرقان في انتهازيتهما على اساس استغلال النفوذ والاغتناء وتحويل الاموال نحو الخارج (أنضر قضية وزيرة الصحة السابقة وزوجها وتحويل الملايير واقتناء شقق في باريز، أو قضية علاوات صلاح الدين مزوار عندما كان وزيرا للمالية في حكومة عباس الفاسي).
 
 
بالنسبة لحزب الحركة الشعبية الذي يدعي تمثيله للشعب الامازيغي فهو الآخر حزب غير أصيل لأنه يمثل في الواقع البرجوازية والملاكين العقاريين الكبار أمازيغ وغير ّأمازيغ، وتعبر برامجه السياسية والاقتصادية عن المصالح الطبقية لهذه الفئة على حساب الطبقة العاملة الامازيغية وغير الامازيغية.
 
 
أما بالنسبة لسؤالك عن طبيعة أحزاب المعارضة البرلمانية وغير البرلمانية بمختلف اصنافها اليمينية واليسارية والوسطية والاسلاموية فهي أيضا أحزابا شبيهة وليست أصيلة، حيث نجد برامجها كلها تبحث عن اعادة انتاج نفس انتهازية الأحزاب الحكومية، وحيث تسقط كلها في خدمة المصالح الطبقية للتحالف الطبقي الحاكم بشكل مباشر أو غير مباشر، بينما تتفاوت برامجها من حيث الدرجة في مجال النضال ضد الحكم المطلق ومن أجل الديموقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية البرجوازية.
 
 
وخلاصة لما سبق، يمكن اعتبار كافة الاحزاب السياسية التي تؤثث المشهد السياسي المغربي مساندة بشكل أو بآخر لسياسات الغلاء المتبعة، وأن خطاباتها السياسية تتغير بحسب موقعها وهل تتواجد في الأغلبية الحكومية أو ضمن ما يسمى بالمعارضة الشكلية داخل البرلمان أو خارجه. فتلك هي ألعوبة الديموقراطية البرجوازية والتي تسمح للمعارضة بالتصريحات النارية والشعارات الاستعراضية (أنظر موقف الاتحاد الاشتراكي خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين) وحيث تتحول خطابات وشعارات هذه الاحزاب عندما تنتقل الى الاغلبية الحكومية مائة وثمانين درجة (أنظر خطاب الحكومتين اللتين قادتهما كل من الاتحاد الاشتراكي (1998 – 2007) والعدالة والتنمية (2012 – 2014) فالتنكر الكامل لخطاب المعارضة أمرا مفروغ منه).
 
 
أما الطبقة العاملة المتضررة من سياسات الغلاء ومن جميع السياسات البرجوازية والمضطهدة سياسيا واقتصاديا فليست منظمة سياسيا في حزب يمثل مصالحها الطبقية، لأنها لو كانت كذلك لما استطاعت الأحزاب الشبيهة اضطهادها سياسيا واقتصاديا. الطبقة العاملة المضطهدة والمفقرة لا يدافع عنها في الظرفية الحالية سوى بعض ابنائها الجامعيين في اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعدد من التسميات القاعدية، كالقاعديين والبرنامج المرحلي والنهج الديموقراطي القاعدي. أما خارج الجامعة فهناك مجموعات صغيرة وأفراد معدودين من الماركسيين اللينينيين يقتصرون على الدعاية والتحريض ودعم النضالات الميدانية لمختلف الحركات الاحتجاجية، واللذين لا زالوا في طور البحث عن ذواتهم وتذويب نزاعاتهم الذاتية المزمنة وفي طور معالجة اشكالية الشيخ والمريد والزعيم والتابع والثوري والتحريفي.
 
 
مواجهة الطبقة العاملة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الطبقية المنتجة للغلاء يتطلب أداة سياسية ذات خط بروليتاري تتسم بالاستقرار ومداومة النضال على اسس استراتيجية لتعميق الوعي الطبقي سياسيا وتجميع كافة نضالات البروليتاريا في اتجاه وحيد ضد عدوها الطبقي، وضد الحكم المطلق ومن أجل الديموقراطية العمالية.
 
 
 قامت تنسيقيات مناهضة الغلاء سنة 2006 أيضا على مبدأ  مناهضة تدهور الخدمات العمومية علما ان المرفق العمومي  هي احدى مسؤوليات الدولة، فكيف تنظرون حاليا الى وضع هذه الخدمات؟ وهل حصل تحسن فيها في ظل حكومة عبد الاله بنكيران؟ ثم أي دور تقوم به الدولة حاليا في مجال ضمان التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وضمان عدم انجرارها نحو خدمة الطبقة المهيمنة فقط على حساب الطبقة العاملة؟ وهل يمكن نقل ممارسات الدولة من نطاق الحكم المطلق نحو نوع من الحكامة الديموقراطية التي تضمن التساكن بين جميع الطبقات؟
 

 
••   لم تختلف كثيرا ممارسات الحكومات المتعاقبة منذ بداية عقد الثمانينات، فكل حكومة تنهي عملها الا وتتباهى  باستكمالها لحلقة جديدة من نفس برامج التقويم الهيكلي المعتمدة خلال الفترة 1983 – 1993. فحتى المهمة الكبرى التي اضطلعت بها حكومة التناوب بقيادة الاتحاد الاشتراكي (الذي كان خلال عقد الثمانينات في المعارضة يرغي ويزبد ضد سياسات التقويم الهيكلي وضد سياسة الخوصصة) كانت هي تصفية ما تبقى من المرافق العمومية عبر بيعها للاحتكارات الدولية الكبرى على الخصوص، والتغطية على كل ذلك بمقولة التدبير النشيط للمديونية الخارجية وتحويل المديونية الى استثمارات أجنبية وحيث اعتبر وزير المالية آنذاك فتح الله ولعلو من طرف صندوق النقد الدولي كأفضل تلميذ نجيب للصندوق في بلدان العالم الثالث.
 
 
ورغم المسرحية الهزلية التي تمارسها الأحزاب السياسية أمام الشعب في الصحافة والبرلمان فإنها حالما تصل الى دفة الحكم الا وتواصل انجاز ما بدأته الاحزاب السابقة في ظل استمرارية متناغمة تطبق فيها تعاليم المؤسسات المالية الدولية المتناغمة مع مصالح الشركات الاحتكارية الدولية ومصالح البرجوازية المحلية والملاكين العقاريين الكبار. فالرهان السياسي المستهدف منذ بداية عقد الثمانينات كان هو انهاء مسؤولية الدولة عن أي تدخل من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي وذلك عن طريق خوصصة المرافق العمومية ورفع اسعار خدماتها وعن طريق الغاء كافة الاعانات الاجتماعية أو تقليصها. وقد تلخصت مهمة حكومتي عبد الاله بنكيران في هذا المجال في تصفية آخر تحملات الدولة في مجال  صندوق المقاصة والغاء ما تبقى من اشكال دعم المواد الاساسية الغذائية وغير الغذائية، بل وتصفية حتى صناديق التقاعد رغم هزالة ما توفره للمتقاعدين بعد افناء زهرة شبابهم في اغتراب العمل والاستغلال وفي تمويل هذه الصناديق من عرق جبينهم.
 
 
لقد تحولت الدولة اذن تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية والاحتكارات الامبريالية العالمية الى خادم أمين لشروط التراكم الرأسمالي المحلي والدولي، ومن هنا نفهم طبيعة الحكم المطلق السائد واستحالة تغييره السلمي. فالشركات الكبرى الامبريالية في حاجة الى جهاز دولة محلي قوي وإلى حكم مطلق قادر على تمكينها من الاستثمار والتمويل اللازم والهيمنة على مقدرات البلاد الطبيعية والانسانية وتشديد استغلال الايدي العاملة المحلية واستنزاف المواد الأولية واستغلال الموقع الجغرافي، وهذا مقابل اشراك السياسيين ورموز الحكم المطلق نسبيا في جزء من عائدات الاحتكارات الرأسمالية الكبرى حتى تتماهى سياساتهم بالضرورة مع مصالح الرأسمال المالي الدولي.
 
 
هذا التداخل بين الرأسمال المالي الدولي والمحلي بأجهزة الدولة ورموزها، يفسر سياسات التشغيل المتبعة في ظل ارتفاع مهول لمعدلات البطالة حتى في صفوف حاملي الشهادات العليا، فالهدف المتوخى هو اتاحة جيش من الايدي العاملة الرخيصة والمرنة والتي تصبح في متناول الاحتكارات الرأسمالية الكبرى يمكن استغلالها وتسريحها حسب اهوائها. واستعمالها بالتالي  من أجل الضغط على مستوى الأجور (انظر كيفية اشتغال شركة رونو الفرنسية التي استقرت مؤخرا بمدينة طنجة وحيث لا تشكل أجور العمال في المغرب سوى سدس أجر العمال في فرنسا، رغم قيامهم بنفس العمل -250 أرو مقابل 1500 أورو-) .
 
 
لقد حدث إذن تحول كبير في دور الدولة أولا من حيث تكتيف وظائف الدولة السياسية داخليا وخارجيا لمصلحة الاحتكارات الدولية. ثم ثانيا، تراجع دور الدولة عن مزاولة كافة الانشطة الاقتصادية الواعدة لفائدة الاحتكارات الدولية. ثم ثالثا، التقليص الى أدنى الحدود لجميع الوظائف الاجتماعية التي كانت تزاولها الدولة لفائدة الجماهير المفقرة. وهكذا لم يتبق من مهام للدولة الا ما يتعلق بالمساعدة والاحسان (فحتى التعليم والصحة العموميين في طريقهما نحو التصفية) كفرقعة الراميد الفارغة وتوزيع الحريرة خلال شهر رمضان. فجميع الوظائف الاجتماعية التي كانت تلقى على عاتق الدولة وتشكل مجالا خصبا للأرباح تمت خوصصتها ورفع اسعار الاستفادة منها. وهكذا بدأت أعباء الاسر ومعاناتها تتضاعف نتيجة تفكيك المرافق العمومية وخوصصتها.
 
 
أما الدولة التي تخلصت تدريجيا من قطاعها العمومي وقلصت بشكل عميق من أعداد أطرها الادارية، فإنها أصبحت مكلفة بطبيعة الحال بوظيفة جديدة تتمثل في « اعادة توزيع » الثروات والاموال المستخلصة، من خلال ميزانيات الجماعات المحلية وميزانيات الاقاليم والعمالات وميزانيات الجهات وميزانية الدولة والدخل الوطني لتحويلها لفائدة الاحتكارات الرأسمالية الكبرى، خصوصا الاحتكارات الدولية. فمفهوم تقليص الكلفة المرتفعة للإنتاج التي طالما سمعناها على لسان وزراء الحكومات المتعاقبة تعني بالواضح تجميد إن لم يكن تقليص المرتبات والاجور ومرتبات التقاعد، وتقليص الضرائب على المقاولات وتقليص نفقات الضمان الاجتماعي وتجميد مرتبات التقاعد، وتقليص أسعار الطاقة على الانتاج، وتقليص العراقيل التي تفرضها ضرورات حماية البيئة، هذا بالإضافة الى توفير أجود الاراضي بأثمنة رمزية للمستثمرين الاجانب وتجهيز وكهربة مناطق اقامتها … الخ.
 
 
خلاصة ما سبق، أن دولة بهذه المواصفات تبقى نموذجا حيا لتعريف فردريك انجلز على أنها تعبيرا عن ارادة الطبقات المهيمنة تحسم بواسطتها تناقضاتها العميقة مع الطبقات المهيمن عليها. فهي جهاز قانوني واداري مسلح طفيلي يعمل على ارغام الطبقات المحكومة على الخضوع لإرادة وسياسات الطبقة المهيمنة. كما أن الطبقات المهيمنة المحلية، من بورجوازية وملاكين عقاريين كبار، لا تحكم بمفردها بل بدعم وتعاون وتنافس من قبل الرأسمال المالي الدولي، فان سياساتها الاقتصادية والاجتماعية تتبلور من مصالح هذا التحالف الطبقي المهيمن محليا ودوليا، والتي هي في آخر المطاف مصالح متناقضة تماما مع مصالح الطبقة العاملة وباقي الكادحين، لذلك تفرض السياسات الطبقية فرضا، دون أن تفسح المجال للطبقات المحكومة للاعتراض على هذه السياسات أو تعديلها لمصلحتها. من هنا يتسم حكم الدولة بالمطلق، ولا يمكن النضال السياسي ضد هذا الحكم المطلق الا بحدوث اصطدامات عنيفة قد تتخذ شكل انتفاضات أو ثورات عارمة قد تقوم بها الأداة السياسية المنظمة للطبقة العاملة من أجل طرح بديلها الاشتراكي والعمل على تطبيقه.
 
 
__._,_.___
Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s