سأموت ماركسية’ سيرة روائية ـ غيرية لامرأة غير عادية

سأموت ماركسية’ سيرة روائية ـ غيرية لامرأة غير عادية

حسن إغلان

تطل علينا الكاتبة المغربية وفاء مليح برواية جديدة ‘أن أكون’، رواية تحكي مرحلة استقطبت اهتمام الكتاب المغاربة، سواء الذين عاشوها والذين تحرقوا بعذاباتها وبنوا صرحها ولاقوا كل أنواع الترهيب والتنكيل في المخافر السرية، ككتابات عبداللطيف اللعبي، عبد القادر الشاوي، صلاح الوديع، فاطنة البيه، توفيق بلعيد وآخرين…
سيكتبون عن مرحلة أخرى، في ما يسمى بالسجون السرية كتازمامارت وغيره..إن موضوعة هذه المرحلة تشي بأكثر من سؤال سوسيولوجي حول تجربة الاعتقال السياسي، وإن كانت هناك بعض الكتابات التي كتبت عنها دون تجربة معيشة لها كرواية سيرة لخديجة المروازي ومحكيات، ‘شيء من ظلها’ ل، وهذا العمل الروائي الذي نريد قراءته.
على غلاف هذه الرواية تظهر المناضلة المغربية ‘سعيدة المنبهي’، الشيء الذي يحيل على كون الفضاء الروائي تؤثته هذه المرأة الاستثنائية. الصورة إذن دالة على هذا العمل كأنها مفتاح. هنا تتفتق أسئلة من حواشي الصورة أي في العلاقة بين الكاتبة والصورة. بمعنى إنها (الكاتبة) تريد سرد سيرة الشهيدة سعيدة المنبهي، لكن ثمة فارق بينهما. فارق الزمن التاريخي الذي عاشته هذه الأخيرة (مرحلة السبعينيات) ومرحلة الكاتبة التي لم تعش وجع المرحلة، وصراع القوى السياسية داخل الحرم الجامعي، لكن هذا الفرق لا يفيد شيئا أمام عمل أدبي مبني على التخييل والجمال، لكن هل ستكون الكاتبة أمينة في سرد حكاية هذه المرأة؟. الأمانة هنا ليست في بعدها الأخلاقي والقيمي وإنما في البعد الجمالي الذي تبنيه اللغة باستعاراتها المتعددة. فحتى لو أننا تابعنا هذه الشخصية بكاميرا يوما بيوم وساعة بعد أخرى فإن أمانة الحكي ستكون نسبية إلى حد بعيد. الكاتبة إذن تتجرأ على إزالة اللثام عن هذه المرأة التي تريد التحولات الكبرى وضعها في الأرشيف وإقبار القيم التي ناضلت من أجلها. وهي مسألة لا تفيد هذه المرأة وحدها بل تفيد تجارب إنسانية أخرى. الكاتبة تفتح لقرائها نافذة من الماضي الرهيب في المغرب. كأنها تستفز ذاكرتنا الجماعية لإيقاظ ما نريد نسيانه وتناسيه. إنها العلامة الفارقة التي جرتني لقراءتها والكتابة عنها.
صحيح أن الجيل الجديد لا يعرف هذه المرأة، حتى وإن عرفها وتفاعل معها تضامنا وتواصلا جوانيا، فإنه لا يرقى إلى حرقة المرحلة وأسئلتها. إن سعيدة المنبهي إذن هي التي تطل علينا من غلاف الرواية وليس كاتبتها. نحن إذن بين صورتين متوازيتين ومتداخلتين إلى حدود الانشطار والتطابق، فالكاتبة شدتها هذه الشخصية العنيدة وتحدثت عنها بحرقة واحتراق، لكن في نفس الوقت تود الكاتبة الانفصال عنها حتى تكتب نصا له قيمة جمالية. إن التباعد بين الذات الكاتبة وموضوعها هو ما يثمر ويخصب النص الروائي. وقبل النظر في عيني سعيدة المنبهي وتلمس وجهها بكل تفاصيله نود من خلال ملاحظتنا السابقة حول زمن الكاتبة، تسجيل ملاحظات وجب علينا إثارتها وإن كانت تفيد عدم التدقيق في بعض التواريخ من قبيل السلسيون الذي تكلمت عنه الكاتبة بشكل برقي في بداية السبعينيات من القرن الماضي لم يكن موجودا في هذه المرحلة بل جاء فيما بعد. بالإضافة إلى زمن اعتقال ابراهام السرفاتي، وكذلك ذكر البوليس السري والأواكس. في حين أن هذا الأخير لم يظهر إلا في نهاية 1981، أضف إلى ذلك ارتباك الكاتبة في تقديم بعض المفاهيم التنظيمية في المجال السياسي وبالضبط في المؤتمر الوطني الخامس عشر لأوطم، والتي تفيد الخلط بين رئاسة المؤتمر واللجنة التنظيمية بالإضافة إلى أخرى تحيل على هذا الفارق الزمني بين زمن الكتابة وزمن الحدث. لكن هذه الملاحظات البسيطة لا تفسد معمارية الرواية والرغبة التي تؤجج حيوات شخوصها. تبتدئ رواية ‘أن أكون’ من عنوانها، كعتبة أولى وجب الوقوف عليها لا لفتح باب سردها وإنما للنظر إلى الصورة بتأمل كبير كأن العنوان سؤال أنطولوجي يعري الوجه ويفضح النظرة، ويفتح الشفاه ليقول أريد أن أكون بصيغة المؤنث. إذن فالساردة تريد أن تكون وهي مسألة في غاية الأهمية. خصوصا إذا ربطنا هذا السؤال الوجودي بسياقه التاريخي. سياق تنفتح بواباته المتعددة والمختصرة في الرغبة العنيدة في التحرر من كل شيء قائم، من الأسرة، وإلى الدولة ودواليبها، من الموروث الجمعي في السياسة وفي الثقافة وفي ما بينهما، إنها مرحلة تحيل على تصدعاتها كهزيمة 67 وثورة ماي 68 للطلبة، والثورة الثقافية الصينية، والانقلابيين العسكريين بالمغرب 71 و72 والاعتقالات السياسية التي شهدها المغرب آنذاك. كل هذه العوامل ساهمت في صنع جيل بأكمله كجيل خابت آماله في شعارات الحركة الوطنية المغربية ولم يعد له غير الاحتجاج والصراخ والتمرد ضد كل شيء قائم.
إن الكاتبة وفاء مليح حاولت الانصهار مع هذه الأحداث لتضع سيرة امرأة ماركسية واستثنائية في مغربنا المعاصر. ولأن المسألة تخص المرأة فإن أوجاعها ورغباتها وأغانيها ورموزها الجديدة هي ما يهمنا في هذه الرواية. المرأة ترغب في التحرر أكثر من الرجل في زمن محافظ، زمن ‘الحشومة’، زمن يحدد وظيفة المرأة في الزواج والإنجاب، إلا أن جيل سعيدة المنبهي إسوة برفيقاتها خلخلن هذه المواضعة وخرجن للصراخ والاحتجاج رغبة في أن يكن ‘إنسانات’ بدل حجزهن في حجاب العفة والمحرم. إنها بوصلة الجيل الجديد سيكون الصدق النضالي قنديله الرئيس واليوطوبيا شتات ضوئها، زمن سيادة القيم الإنسانية النبيلة كالصدق والحب والتضامن، زمن الكتابة والحلم…
أدخلتني هذه الرواية إلى الذكريات البعيدة سواء التي عشناها أو التي سمعنا عنها من قبيل ما عرفته المدرسة المحمدية للمهندسين المطوقة بالشعارات والإيديولوجيا، هذه المدرسة التي تذكرني بأحد أنشطتها النضالية أواخر السبعينيات من القرن الماضي، أتذكر الآن قصائد عبدالله زريقة الاحتجاجية التي لم يعد يذكرها الآن. سمعت تلك القصائد على شريط مسجل حين يصرخ الشاعر ضد الذين قتلوا سعيدة المنبهي. يقول إن لم تخني الذاكرة:
‘أحب الشعر حتى عبداللطيف /وأحب الموت حتى سعيدة’ لينفجر المدرج الجامعي بالشعار إحياء لذكرى الشهيدة..
الشهيدة لم تمت، إنها في غيبوبة، هكذا تختتم الروائية وفاء مليح روايتها لتعلي بكثير من الاحتجاج والصراخ والحرقة، أن سعيدة المنبهي لازالت حية. إنها تسلم قنديلها لابنة أختها فدوى، وهي ترى مسيرة حركة 20 فبراير الاحتجاجية ضد الفساد والرشوة وكل ما ناضلت من أجله.
لنفترض أن الرواية تبتدئ من خاتمتها، الخاتمة المفتوحة على البدايات، هكذا تصر الكاتبة إعلان حياة سعيدة المنبهي وموتنا نحن شهود المرحلة، أو على الأقل موت جلاديها وكل الذين تآمروا على الحلم في زمنها. إنها تبعث الشهيدة من النسيان. وهي موضوعة مافتئت الكتابات العربية ترسخ هذا الفهم للشهادة، والاستشهاد في بعده التراجيدي. إذن تتجدد الحياة لسعيدة المنبهي في جسد آخر، جسد امرأة أخرى، هي ابنة أختها فدوى. وبالجملة فالشهيدة تحضرنا أو تحضر فينا لتستفزنا بسؤال الكينونة، سؤال البدء ‘أن أكون’. ‘نحن في 1 مارس 2011، ماذا أصابك خالتي، هل ضعفت ذاكرتك؟ أنت مناضلة قوية يضرب بها المثل منذ السبعينات ومازلت تتمتعين بروح نضالية عالية، أظن أنك تحتاجين فقط لبعض أيام من الراحة’ ..ص266
بين زمن استشهاد الشهيدة سنة 1977 وزمن حركة 20 فبراير 2011 مسافة طويلة. بين الزمنين قيلولتها أو بالأحرى غيبوبتها. كأن الزمن واحد وإن كان بينهما جراحات ودماء وتعذيب وقهر وما إلى ذلك من قمع واستبداد. إن الكاتبة الروائية وجدت فيما بين- بين الزمنين، إضاءة للكتابة. كأن الزمن السابق مندغم في هذا الزمن لتكون الحياة للشهيدة. كما لو كانت تتستر خلف غيبوبة ما. الغيبوبة إذن هي الواسطة بين الزمنين. كما لو كنا ـ جميعا- غائبين طيلة أكثر من ثلاثة عقود. وإن كان المغرب في هذه المرحلة عرف انتفاضتين شعبيتين واحدة في سنة 1981 والثانية في 1984، إلا أن هذه الغيبوبة التي تشكل جسرا لإعادة النظر والقراءة لمرحلة السبعينات والمضاعفات التي تركتها في الجسد والخيال. لكن، المثير في غيبوبة الشهيدة هو موت أبيها.. وبين الأولى والثانية مسافة تأويلية، قد نرجعها إلى التحليل النفسي، وما تمثله ‘عقدة أوديب’ من أهمية بالغة كما لو كانت الحياة تفترض موت هذا الأب بمعناه الرمزي. إن الكاتبة-في الصفحات الأخيرة من روايتها- تريد متابعة سيرة الشهيدة إلى آخرها. الزغاريد التي تحمل الشهيدة إلى متواها الأخير. لا لقبره وإنما لخلقه نموذجا في مجتمعنا الثقافي. من خلال هذه الإطلالة نستطيع أن نقسم الرواية إلى قسمين في تساو صفحاتها- قسم أول تكون فيه سعيدة في مراكش والرباط، كشابة متلهفة نحو مستقبل جميل وقسم ثان حيث اعتقالها وتبعاته إلى حدود إضرابها عن الطعام واستشهادها.
لا نستطيع ـ في هذه القراءة إعادة الرواية ولا نسخ صورة الشهيدة وصورة كاتبتها. بقدر ما ترمينا الصورتان إلى التوقف على بعض الموضوعات الرئيسة في الرواية كموضوعة الزمن وموضوعة الآخر وموضوعة السجن وموضوعة الكتابة والمكان.
إذا انطلقنا من موضوعة th’me الزمن فإنه محدد بشكل دقيق بين 1971 و1977. لكن هذا الزمن سرعان ما ينفلت من زمانيته ليتداخل- بذكاء شديد مع راهنه المغربي. أو مع ‘الشعب يريد إسقاط الفساد’. لا يتعلق الأمر بحكاية السياسة والولوج إلى مطباتها وتصدعات مواقفها وتبدلاتها. وإنما في وضعها كمتغير من المتغيرات. ليكون التابث هو نضال امرأة مغربية استثنائية في زمن محدد بخطوطه الحمراء. فهذه المرأة لا تفكر من منطلق موقفها السياسي داخل الحرم الجامعي وخارجه، في فصيل ‘إلى الأمام’. بل في رغبتها، في جسدها، في علاقاتها بأخيها عبد العزيز وزوجها عزوز وأسرتها وصدامها مع سجانيها وجلاديها…إنها تبني نظاما رمزيا تعيشه وتتواصل به مع الآخرين. لذا تعلن بوضوح ‘سأموت ماركسية’ وهذا الإعلان بوصلة لرؤية زمن برمته. زمن الإيديولوجيا. زمن قراءة ماركس ولينين وماوتسي تونغ…زمن تحضر فيه الأغنيات الجميلة لعبدالحليم حافظ باعتباره إيقاعا للحب والأمل على طول الرواية. وأم كلثوم وفيروز وناس الغيوان يدخلون لإضافة إيقاع موسيقي آخر في الرواية. هكذا تصف لنا الرواية حدود الذوق والجمال، في المقروء والمسموع وكذلك في اللباس
(حيث دخول سعيدة المنبهي مع رفاقها إلى السينما تصف الساردة شكل اللباس الذي كان ساعتها). ثمة صورة جميلة بين سعيدة المنبهي وعزوز حين دخولهما كزوجين إلى بيتهما في حي المحيط بالرباط.
‘يضع عزوز على مائدة صغيرة قنينة نبيذ اسكتلندي معتق وكأسين وبعض الجبن والتون. يفترش الأرض. يسكب النبيذ في القدحين. نشرب معا حد الثمالة. نخب الوطن. نخب الجسد وشهوة الموت. ننتشي من ألق اللحظة المنفلتة من عقال الزمن’. ص 127.
أما موضوعة الآخر. هذا الآخر الذي يسكننا ولا نستطيع العيش خارجه هو ملح الرواية ونشيدها الداخلي. نحن إذن أمام امرأة يشكل آخرها عبد العزيز نموذجا، تتبع خطاه، تتلصص على مكتبته، تقرأ كتبه، تجلس معه في حلقات النقاش الإيديولوجي بمراكش. إنه المثال النضالي الذي علمها الثورة والاحتجاج مثلما علمها أن تستقل بذاتها، وهذا بين، حين نجاحها في الباكالوريا واستشارته حول الشعبة التي تريد دراستها، فكان رده ‘أتركك للتفكير قبل أخد أي قرار ‘.ص26. لكن سرعان ما يتحول هذا النموذج إلى منفاه ليحضر في الصور والذكريات. في الغياب والحضور. ذلك أن غيابه عنها ظل مستقرا في بلازما اللوعي..عزوز العرايشي هو الآخر القريب منها، الساكن في دواخلها بالحب والنضال. إنه الحبيب الذي تشاركه السر والسرير. إنهما يتفقان على مشروعهما المستقبلي بخروجهما من كلية الآداب والتحاقهما بالمركز التربوي الجهوي. إن علاقة العشق بتوهجها النضالي، وعمق الالتزام الذي يغلفهما ويستر جسديهما هو ما سينتهي- ضرورة بالزواج- إلا أن زواجهما بدون ذكر تفاصيله لم يستمر طويلا. بضعة أشهر كافية لتبتدئ الإيديولوجيا، و ينكشف الذكوري المتستر خلفها، هذا الآخر الذي خلخل كيانها بين الفكر والممارسة، بين الشعار الإيديولوجي والمعيش اليومي وفيما بين-بين الذي حاولت الكاتبة رسمه-بكثير من الدقة-للرجل المناضل كأنها تريد رسم الفحولة التي يتمركز عليها المجتمع المغربي رغم تبنيه لقيم التحرر وما إلى ذلك.
ليس تصدع العلاقة الزوجية راجع إلى ذاك النقاش/السجال بين سعيدة وأحد رفاقها في بيت التنظيم السري وإنما هي فرصة سانحة لقول المستور الذي يخفيه الذكوري في زوجها. صدام يظهر الفارق الأخرس بين امرأة عنيدة ملتزمة بشرطها الوجودي ‘أن أكون’ وبين طلب زوجها بالتخلي عن ممارسة السياسة، وعودتها إلى الاهتمام ببيتها كأمرأة عادية.
‘- ما أعرفه أنك لم تعد الرجل الذي أحببته وعشقته.
– لا أنا هو بعينه، لكنك الآن زوجتي. الوضع تغير لذا عليك أن تتنازلي لكي يستمر زواجنا. ‘ ص.141.
واضح من هذه الفقرة حدود العلاقة والمتفجر في المسكوت عنه. كأن هذا الأخير ما يشتت ويجمع العلاقة الزوجية، مثلما يؤجج فعل الكينونة عند سعيدة المنبهي. صحيح أن هذا المسكوت عنه عرى الإيديولوجيا والخيال معا ليرتطم بالواقع المادي الذي ترغب في تغييره. إنها مفارقة تنفضح بين الجسد واللغة، ليسير كل واحد في اتجاه معاكس لآخره.
وعن موضوعة المكان، فأمكنة متعددة تؤثت عالم الساردة، مراكش، الرباط، البهو الجامعي، البيت الأسري، بيت الزوجية، القسم الدراسي، السجن، المكتبة، البيت السري للتنظيم وغيرها من الأمكنة التي تظهر وتختفي على طول وعرض الرواية. لا يهمنا من هذه الأمكنة قياس مساحتها ولا وصفها، ولا حتى ربطها بمرجعها الاجتماعي والثقافي. بقدر ما تهمنا في بنائها الرمزي، والذي يشكل في نظرنا العملة التي يتم التبادل بها بشكل ذاتي أو في علاقتها مع الآخر. إن رمزية المكان تتبدى في الثورة والتمرد عليه. فسعيدة المنبهي ستتمرد على نظامها الأسري المؤسس على مركزية الأب مثلما تحتج على زوجها في المكان الذي يجمعهما. الاحتجاج إذن هو النشيد الرئيس في أمكنة أخرى كالجامعة والسجن والتنظيم السري ومقر منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وغيرها. ماذا يعني ذلك؟.. أولا يروم الاحتجاج كمسألة وجودية ‘أن أكون..’ إلى إثبات الذات الثورية، ذات امرأة تعيش تهميشا مضاعفا وثانيها أن هذه الأمكنة يتم رؤيتها بنظارات الثورة، ثورة ضد كل شيء قائم، وثالثا إن المكان ليس معمارا إسمنتيا وفضاءا هندسيا ماديا، وإنما فيما يتم بناءه في المتخيل الجماعي لجيل من شباب المرحلة، بمعنى إذا تصفحنا الصفحات التي تسرد فيها الساردة بيتها الجديد. كبيت مرفوع بالحلم والمستقبل وبكتابات ماركس ولينين. مثلما تؤثت عزلتها داخل المخفر السري/ درب مولاي الشريف بالذكريات والاحتجاج. إنها تقدم المعتقل في أقصى درجاته بشاعة. ليس فقط في علاقتها بجسدها حين رغبتها في التبول والأكل وحاجاتها البيولوجية الأخرى، وإن كانت الروائية تقززت في ذكر الشيء القليل من التعذيب الذي لقته المرأة في هذه السجون السرية. ربما لأنها لم تجمع ما يكفي من وضعيات التعذيب، أو ربما حفاظا على قارئها حتى لا يتقزز من ما هو كائن. أو ربما أن ما يهمها هو وصف العلاقة بين السجينة ومكان سجنها، حتى في تلك العلاقة التي ربطت السجينة بسجينات الحق العام، لحكاياتهن عن الجسد والرغبة والجنس والقمع والقهر والفقر وغير ذلك من حكايات تتبدل من واحدة إلى أخرى، من فراش إلى آخر.
لم يعد السجن مكانا لسلب الحريات فحسب بل أضحى مكانا للنشيد والاحتجاج والكتابة.
أما موضوعة الكتابة: فالكتاب هو معبر التحرر والإبداع. لا يتعلق بالكتاب المدرسي والجامعي في المدرج والمكتبة والبيت، بل الشراهة نحوه. هكذا يتقدم هذا الجيل بنهم الكتب السائدة آنذاك، وهي كلها ذات توجه ماركسي. ولأن الماركسية حرام في القانون المغربي، فإن الحكم على صاحبها يكون قاسيا، بناء على ارتكابه هذا المحرم. إنها مفارقة عجيبة. ذلك أن هذه الكتب موجودة في المكتبات العمومية، ومؤشر عليها، لكن قراءتها وتمثلها يشكل مشكلة قانونية. إن اعتقال سعيدة المنبهي من بيتها، هو اعتقال لمكتبتها أيضا اعتقال لأحلامها التي راكمتها من هذه الكتب. وبالمقابل ترتبط القراءة عندها بالكتابة. إنها تكتب الخواطر والشعر والرسائل، كأن هذا الفعل هو تحريرها من أسرها الظالم. تكتب بجسدها ليكون المكتوب هو فعل ‘أن أكون’..
لقد تحدثنا فيما سبق عن الكتابات السجنية في المغرب، وهي كتابات تحتفل بالرسائل كما نجد ذلك عند محمد الوديع الآسفي وابنيه صلاح وآسية، وعزيز وزوجته ثريا السقاط في تلك الرسائل المتبادلة بينهم أو في رسائل بين عبد اللطيف اللعبي وزوجته…إن تلك الرسائل تشكل وثيقة لدراسة المرحلة. ليس فقط في بعدها الخاص، وإنما في الأحلام التي تضيء المعتم فينا..
إن الكتابة عن المعتقل ليست قتل الوقت في الزنزانة، بقدر ما هي تشكيل جديد لذاك الفضاء الضيق الذي تتحرك فيه، إنها تستضيف من تحبهم وتتحدث معهم ضدا على عزلتها وخلسة من حراسها وجلاديها. إنها تكسر قيدها لتتكلم لتقول كينونتها ‘أن أكون’..
إن رواية وفاء مليح تقشر المخبوء، وتصر على إعادتنا إلى مرحلة سعيدة المنبهي. لا لضرورة رومانسية تحتفي بماضيها الجميل وبالقيم التي يرفعها الماضي، ولكن في رسم المنفلت منا، المنزلق بين أصابعنا، بين شفاهنا، للتأمل والنظر الجدي فيه. في هذه الصورة الملتهبة لسعيدة المنبهي التي تشحذ جسدها وروحها نحونا، لتقول أن الصراع لازال مستمرا وأننا مشدودون إلى جبهة الأمل نناضل من أجل القيم التي استشهدت من أجلها. إنها صرخة كل الشهداء دون حساب الإيديولوجيا. الكاتبة فتحت هذا الجرح الذي لم تستطع حروفها ضمده، أو إسكاته، إنها أعادت فتحه كي نقرأ جراحاتها فيه. أليست الكتابة هنا هي تداخل تلك الجراحات البعيدة. إنها اجترحت هذا المنفلت منا للتمتع به أحيانا والتلذذ بقراءته في أحايين كثيرة..

Cet article a été publié dans badil tawri. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s